|
|
مدى دستورية مقترحات حرمان القضاة والحقوقيين المتقاعدين من الانتماء لنقابة المحاميين وممارسة مهنة المحاماة
سعد محمد مهدي غلام
الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 00:16
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
ملخص عام نبحث هنا في مدى دستورية وقانونية المقترحات الرامية إلى تعديل قانون المحاماة العراقي بما يؤدي إلى حرمان القضاة المتقاعدين والحقوقيين الذين انتهت خدمتهم الوظيفية من الانتماء إلى نقابة المحامين وممارسة مهنة المحاماة.
وننطلق من أن تنظيم مهنة المحاماة يدخل، من حيث الأصل، في نطاق السلطة التقديرية للمشرّع، وأن للمشرّع أن يضع شروطًا تتعلق بالكفاءة والنزاهة والاستقلال ومنع تعارض المصالح وحماية الثقة بالقضاء. غير أن سلطة التنظيم لا تمتد إلى فرض حظر دائم وشامل على فئات من المواطنين لمجرد سبق عملهم في القضاء أو الوظيفة القانونية، ما لم يستند ذلك الحظر إلى ضرورة حقيقية وسبب موضوعي، ودون أن يكون متناسبًا مع الغرض المراد تحقيقه.
وتكشف المقارنة التشريعية أن الاتجاه السائد لا يقوم على حرمان القاضي أو الحقوقي المتقاعد من المحاماة مطلقًا، وإنما يقوم على حلول بديلة: كاحتساب مدة الخدمة القانونية ضمن الخبرة المهنية، أو إعفاء أصحاب الخبرة القضائية من التدريب، أو منع القاضي السابق من الترافع في القضايا التي سبق أن نظرها أو شارك فيها، وفي بعض الأحيان فرض فترة انتظار محدودة.
وخلصنا في البحث إلى أن الحظر المطلق والدائم يثير شبهة جدية بمخالفته مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والحق في العمل وعدم جواز المساس بجوهر الحقوق والحريات، وأن معالجة المخاوف المهنية والاقتصادية والأخلاقية يمكن أن تتحقق بوسائل أقل تقييدًا وأكثر عدالة، مثل قواعد تعارض المصالح، وفترة المنع المؤقت، وحظر استثمار الصفة القضائية السابقة في التأثير على المحاكم... إلخ.
مقدمة المحاماة هي الركن الأساسي من أركان منظومة العدالة، فهي ليست نشاطًا تجاريًا، كما أنها ليست وظيفة عامة. المحاماة هي مهنة قانونية حرة ومستقلة (قضاء واقف) تشارك القضاء في حماية الحقوق وضمان حق الدفاع وسيادة القانون. ولهذا تملك الدولة والنقابة المهنية صلاحية تنظيم شروط ممارستها، بما يكفل كفاءة المحامين ونزاهتهم واستقلالهم.
غير أن تنظيم المهنة يختلف عن إغلاقها في وجه فئات معينة من المواطنين. فالتنظيم يضع شروطًا مرتبطة بطبيعة المهنة، أما المنع المطلق فيسلب الحق في دخولها حتى ممن تتوافر فيهم المؤهلات والخبرة والاستقامة.
بحث هذه المسألة كان في ضوء مقترحات منسوبة إلى نقابة المحامين العراقية تتجه إلى تعديل قانون المحاماة بما يمنع القضاة المتقاعدين وبعض الحقوقيين المتقاعدين من الانتماء إلى النقابة وممارسة المحاماة. ولما لم يتوافر، عند إعداد هذه الدراسة، نص رسمي كامل ونهائي منشور للمقترح بجميع مواده وأسبابه الموجبة، فإن الدراسة تتناول المبدأ القانوني العام المتمثل في الحرمان الدائم أو المطلق بسبب الصفة الوظيفية السابقة. أما التقييم التفصيلي لكل مادة مقترحة فيقتضي مقابلة هذه الدراسة بالنص الرسمي للمشروع عند نشره.
مشكلة البحث تتمثل مشكلة البحث في السؤال الآتي:
هل يجوز للمشرّع العراقي، من الناحية الدستورية وفي ضوء القوانين المقارنة والمعايير الدولية، حرمان القضاة والحقوقيين المتقاعدين بصورة دائمة من الانتماء إلى نقابة المحامين وممارسة المحاماة لمجرد سبق عملهم في القضاء أو الوظيفة القانونية؟
ويتفرع عن ذلك عدد من التساؤلات:
1.هل يعد اختلاف الوظيفة السابقة سببًا موضوعيًا للتمييز في الحق في ممارسة المحاماة؟
2.هل يتحقق منع تعارض المصالح بحظر دائم، أم يمكن تحقيقه بقيود أقل مساسًا بالحق؟
3. ما موقف قانون المحاماة العراقي النافذ من الخبرة القضائية والقانونية؟
4. كيف عالجت التشريعات المقارنة انتقال القضاة والحقوقيين إلى المحاماة؟
5. ما حدود سلطة نقابة المحامين في اقتراح شروط الانتماء إلى المهنة؟
منهج البحث
سنعتمد المنهج التحليلي في تفسير النصوص الدستورية والقانونية، والمنهج المقارن في عرض نماذج من العراق ومصر والأردن والمغرب والولايات المتحدة، مع الاستعانة بالمعايير الدولية المتعلقة بالحق في العمل واستقلال المحاماة.
المركز الدستوري للحق في ممارسة العمل والمهنة
أولًا/ مبدأ المساواة أمام القانون
نصت المادة 14 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 على أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.
ولا يعني ذلك أن كل تمييز تشريعي ممنوع، إذ يجوز للمشرّع أن يضع أحكامًا مختلفة لمراكز قانونية مختلفة، بشرط أن يستند الاختلاف إلى سبب موضوعي معقول، وأن تكون له علاقة مباشرة بالغرض من التشريع.
وبناءً على ذلك، فإن التمييز بين خريجي القانون بالاستناد إلى طبيعة عملهم السابق لا يكون دستوريًا لمجرد وروده في قانون، بل يجب إثبات أن القضاة والحقوقيين المتقاعدين يشكلون، بصفتهم فئة كاملة، خطرًا لا يمكن معالجته إلا بمنعهم مطلقًا من المهنة.
إن وجود حالات محتملة من استثمار العلاقات السابقة أو تعارض المصالح لا يكفي لتجريد الفئة كلها من الحق. فالقاعدة الدستورية تقتضي معالجة الفعل الضار نفسه، لا افتراض عدم النزاهة في كل من سبق له العمل في القضاء أو مؤسسات الدولة.
ثانيًا/ تكافؤ الفرص
أكدت المادة 16 من الدستور أن تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وأن الدولة تكفل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيقه. ويقصد بتكافؤ الفرص إتاحة الوصول إلى الوظائف والمهن والمراكز القانونية وفق معايير موضوعية تتصل بالمؤهل والكفاءة والسلوك، لا وفق صفات لا تبرر الحرمان.
ومن ثم فإن استبعاد القضاة والحقوقيين المتقاعدين من المنافسة المهنية لا يكون مشروعًا إذا كان الغرض الفعلي منه تقليل عدد الممارسين أو حماية المصالح الاقتصادية لفئة موجودة داخل النقابة.
فحماية المحامين من المنافسة لا تشكل بذاتها مانعًا دستوريًا لسلب الآخرين حقهم في العمل. ويجب التمييز بين حماية المهنة من الدخلاء وغير المؤهلين وبين حماية أعضاء المهنة من منافسة أشخاص قد يكونون أكثر خبرة وتأهيلًا.
ثالثًا/ الحق في العمل واختيار المهنة
تنص المادة 22 من الدستور العراقي على أن العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة، وعلى أن القانون ينظم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية.
ويدخل في مفهوم الحق في العمل، بمعناه الدستوري الواسع، حق الشخص المؤهل في السعي إلى ممارسة مهنة مشروعة، مع خضوعه للشروط الموضوعية التي يحددها القانون.
ولا يعني الحق في العمل وجود حق مطلق في ممارسة أية مهنة بلا تنظيم؛ إذ يجوز اشتراط الشهادة والاختبار والتدريب وحسن السيرة وعدم صدور أحكام مخلة بالشرف. غير أن التنظيم يجب ألا يتحول إلى إلغاء للحق بالنسبة إلى فئة كاملة.
رابعًا/ عدم جواز المساس بجوهر الحق
تقضي المادة 46 من الدستور بأنه لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة فيه أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، على ألا يمس ذلك التحديد أو التقييد جوهر الحق أو الحرية.
وتكتسب هذه المادة أهمية مباشرة؛ لأن الحرمان الدائم من ممارسة المحاماة لا ينظم كيفية استعمال الحق، وإنما قد يؤدي إلى إسقاطه كليًا عن المخاطبين به.
وهنا يظهر الفرق بين منع القاضي المتقاعد من الترافع لمدة محددة أمام المحكمة التي كان يعمل فيها، ومنعه من قبول قضية سبق أن نظرها، وإلزامه بالإفصاح عن صفته السابقة وعن حالات التعارض، وبين منعه مدى الحياة من عضوية النقابة وممارسة المهنة.
ما أشير إليه أعلاه هي قيود تنظيمية محددة، أما الأخير فهو أقرب إلى مصادرة جوهر الحق.
موقف قانون المحاماة العراقي النافذ
صدر قانون المحاماة العراقي رقم 173 لسنة 1965 ونشر في الوقائع العراقية، وتعرض لسلسلة من التعديلات. ويظهر من نصوصه النافذة أن المشرّع العراقي لم ينظر إلى الخبرة القضائية أو القانونية السابقة باعتبارها مانعًا من المحاماة، وإنما اعتبرها خبرة مهنية ذات قيمة.
أولًا/ الوظيفة العامة مانع مؤقت لا دائم
تنص المادة 4 من قانون المحاماة على عدم جواز الجمع بين المحاماة وبين عدد من المناصب والوظائف العامة والاستخدام في الدوائر الرسمية وشبه الرسمية.
وهذا المنع مرتبط بقيام رابطة الوظيفة، وليس بالعمل السابق فيها. فالسبب هو ضمان استقلال المحامي ومنع تعارض واجبات الوظيفة العامة مع واجبات المحاماة. وبزوال الوظيفة يزول، من حيث الأصل، سبب عدم الجمع.
ويؤكد ذلك أن المادة 14 تستبعد اسم المحامي من الجدول عند تعيينه في المناصب أو الوظائف التي لا يجوز الجمع بينها وبين المحاماة، بينما تقضي المادة 15 بإعادة تسجيله عند زوال سبب الاستبعاد.
يكشف هذا البناء التشريعي عن قاعدة واضحة: عدم الجمع مرتبط بالحالة الوظيفية القائمة، وليس عقوبة دائمة تلاحق الشخص بعد انتهاء خدمته.
ثانيًا/ اعتراف القانون بخبرة القضاة وأعضاء الادعاء العام
تضمنت المادة 9 من قانون المحاماة معاملة خاصة في رسم التسجيل لمن سبق أن مارس القضاء أو شغل وظيفة رئيس الادعاء العام أو المدعي العام أو نائب المدعي العام، وكذلك بعض وظائف مجلس شورى الدولة والتدريس في كلية القانون.
والأهم من ذلك أن المادة 18 استثنت من شروط التدريب المعتادة من مارس مدة معينة في القضاء أو الادعاء العام أو المحاماة أو مديرية الحقوق في إحدى دوائر الدولة أو التدريس في كلية القانون، متى كان حاملًا شهادة في القانون. وهذا النص لم يكن مجرد تفصيل مالي أو إداري، لأنه كان يعكس الاختيار التشريعي الصريح الذي يعتبر الخبرة القضائية والقانونية السابقة بديلًا عن جزء من التدريب المهني. ومن ثم فإن الانتقال من هذا الاتجاه إلى الحرمان الكامل يمثل نكوصًا في فلسفة القانون، ويقتضي دواعٍ موجبة استثنائية، ودراسة أثر تشريعي، وبيانًا جليًا لسبب عدم كفاية قواعد تعارض المصالح والتأديب.
ثالثًا/ وسائل القانون النافذ في حماية أخلاق المهنة
ألزم القانون المحامي بالتقيد بالشرف والاستقامة والنزاهة وبتقاليد المحاماة وآدابها، كما أخضعه للمساءلة التأديبية، وجعل بعض القرارات قابلة للطعن أمام محكمة التمييز.
وعليه، فالقانون يمتلك بالفعل أدوات للتعامل مع إساءة استعمال الصفة السابقة، ومنها:
1. المساءلة التأديبية؛
2. المنع المؤقت من الممارسة؛
3. رفع الاسم من الجدول عند فقدان شروط المهنة؛
4. العقوبات الجزائية إذا انطوى السلوك على جريمة؛
5. رد القاضي أو تنحيته عند وجود علاقة أو تأثير غير مشروع وفق القوانين الإجرائية.
فإذا كانت هناك فجوات في هذه الأدوات، فإن العلاج المنطقي هو تطويرها، لا إقصاء فئة كاملة.
الفرق بين حالة الموظف وحالة المتقاعد
من المقبول قانونًا منع القاضي أو الموظف الحقوقي من ممارسة المحاماة أثناء بقائه في الوظيفة، لأن الجمع بين الوظيفة العامة والمحاماة قد يمس الحياد والاستقلال ويخلق تعارضًا مباشرًا بين الواجبات الوظيفية والمصالح الخاصة.
غير أن الإحالة إلى التقاعد تنهي الرابطة الوظيفية الأصلية. وبانتهاء تلك الرابطة تزول، من حيث المبدأ، علة منع الجمع بين الوظيفة والمحاماة. ولا يبقى بعد ذلك إلا ما يتصل بحماية الأسرار الوظيفية، وتجنب تعارض المصالح، ومنع استغلال المعلومات أو العلاقات المكتسبة من الوظيفة السابقة.
وهذه المصالح يمكن حمايتها من خلال قيود محددة من حيث الموضوع والمدة والجهة، ولا تستلزم بالضرورة إغلاق باب المحاماة نهائيًا أمام المتقاعد.
فالتقاعد ليس عقوبة، ولا يجوز تحويله إلى سبب قانوني لإسقاط الأهلية المهنية. كما أن تقاضي راتب تقاعدي لا يعني استمرار المتقاعد في إشغال الوظيفة العامة، بل يمثل حقًا ماليًا ناشئًا عن خدمة سابقة واستقطاعات أو التزامات قانونية مترتبة عليها.
الإطار القانوني لممارسة المحاماة في العراق
نصّ قانون المحاماة العراقي رقم 173 لسنة 1965 المعدل على أن ممارسة المحاماة ترتبط بالتسجيل في جدول المحامين واستيفاء الشروط التي حددها القانون. وقد استقر القضاء العراقي على أن شروط التسجيل واردة في القانون على سبيل ملزم، وأن نقابة المحامين، سواء من خلال هيئتها العامة أم مجلسها، لا تملك إضافة شروط جديدة للانتماء بقرار إداري أو تنظيمي.
فقد قررت محكمة التمييز الاتحادية، في القرار رقم 54/هيئة شؤون المحامين/2019، أن المادة الثانية من قانون المحاماة حددت شروط التسجيل في جدول المحامين، وأنه لا يجوز للنقابة إضافة شرط امتحان أو تحديد سن معينة ما دام القانون لم يتضمن ذلك. وأكد القرار أن تعديل شروط الانتماء لا يكون إلا بتشريع صادر عن السلطة المختصة ووفق الآلية الدستورية.
وتنبع أهمية هذا القرار من أنه يقرر مبدأين: الأول أن حق التسجيل لا يجوز تقييده بقرار نقابي يخالف القانون، والثاني أن سلطة المشرّع في تعديل شروط التسجيل، وإن كانت قائمة، هي غير مطلقة، لأنها تبقى خاضعة لأحكام الدستور وللحقوق والحريات التي كفلها.
كما أن التاريخ المهني لنقابة المحامين العراقية يشهد بانتقال قضاة سابقين إلى ممارسة المحاماة بعد انتهاء خدمتهم، ولم يُعامل الانتقال بين القضاء والمحاماة في ذاته باعتباره فعلًا مضرًا بالمهنة. وتشير مادة تاريخية منشورة من نقابة المحامين إلى حالات لقضاة أعيد انتماؤهم إلى النقابة بعد خدمتهم القضائية ومارسوا المحاماة لاحقًا.
المعايير الدولية
لا يوجد نظام عالمي موحد لتنظيم انتقال القضاة والموظفين السابقين إلى المحاماة. وتتفاوت الحلول بين الدول بحسب بنيتها القضائية والمهنية. ومع ذلك، تكشف النماذج المقارنة الموثقة عن اتجاه واضح نحو معالجة الخطر المحدد بقيود محددة، بدلًا من إقصاء الشخص نهائيًا من المهنة.
أولًا/ الحق في العمل
يقرر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 23 حق كل شخص في العمل وفي حرية اختيار عمله وفي شروط عمل عادلة. كما تقرر المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق كل شخص في أن تتاح له إمكانية كسب رزقه بعمل يختاره أو يقبله بحرية. ولا تمنع هذه النصوص الدول من تنظيم المهن القانونية، لكنها تفرض أن تكون القيود قانونية وموضوعية وغير تعسفية، وألا تؤدي إلى تمييز لا يستند إلى مقتضيات حقيقية للمهنة.
ثانيًا/ مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين
اعتمد مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين، المنعقد في هافانا سنة 1990، المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين. وقد نشرت مفوضية الأمم المتحدة ترجمة عربية رسمية لهذه المبادئ.
وتؤكد المبادئ أهمية تمكين المحامين من أداء وظائفهم المهنية باستقلال، ووجوب أن تستند متطلبات الدخول إلى المهنة إلى التعليم والتدريب والكفاءة، دون تمييز غير مشروع. كما تؤكد المبادئ أن للمحامين الحق في تكوين جمعيات مهنية مستقلة، وأن لهذه الجمعيات دورًا في المحافظة على المعايير والأخلاق المهنية، وحماية أعضائها، والتعاون مع الحكومات في تحقيق العدالة.
ولا تمنح هذه المبادئ النقابات صلاحية وضع أي قيد تشاء؛ إذ يجب أن يتفق التنظيم النقابي مع حقوق الإنسان والقانون الوطني والمعايير المهنية المعترف بها.
ولا تنص المبادئ على وجوب فتح المحاماة دون شروط، لكنها تجعل الكفاءة والتدريب والنزاهة والاستقلال أساس التنظيم. ولا يظهر فيها أساس لحرمان القضاة أو الموظفين القانونيين السابقين من المهنة مدى الحياة. بل إن الاستفادة من الخبرة القضائية والقانونية السابقة قد تعزز نوعية الخدمات القانونية، شريطة ضبط حالات التعارض واستعمال المعلومات السرية.
ثالثًا/ استقلال النقابة لا يعني احتكار تقرير الحقوق
استقلال نقابة المحامين ضروري لحماية المحامين من تدخل السلطة التنفيذية، ولكنه لا يضع النقابة فوق الدستور، ولا يجعل مصالح أعضائها الاقتصادية المعيار الوحيد في التشريع. فالنقابة هيئة مهنية ذات وظيفة عامة، وعليها أن توازن بين:
1. حماية استقلال المهنة؛
2. المحافظة على كفاءة المحامين؛
3. ضمان حق المواطنين في اختيار محاميهم؛
4. احترام المساواة والحق في العمل؛
5. حماية العدالة من تعارض المصالح والنفوذ غير المشروع.
من ثم فإن اقتراح النقابة لا يكتسب الدستورية لمجرد صدوره عنها، وإنما سيخضع لرقابة السلطة التشريعية والمحكمة الاتحادية العليا، وما نراه ونعتقده سيرد منهما.
مقارنة
أولًا/ التشريع المصري
يعرف قانون المحاماة المصري رقم 17 لسنة 1983 المحاماة بأنها مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وتأكيد سيادة القانون وكفالة حق الدفاع. ولا يتجه القانون المصري إلى حرمان القضاة السابقين من المحاماة، وإنما يعترف بخبرتهم، ومن أبرز مظاهر ذلك إدراج القضاة السابقين بالمحاكم وما يعادلها من وظائف الهيئات القضائية ضمن الفئات التي يجوز قبولها أمام محكمة النقض، وفق الشروط القانونية.
يكشف النموذج المصري عن أن العلاقة بين القضاء والمحاماة لم تعالج بالمنع الدائم، بل بالاعتراف بأن العمل القضائي السابق يمثل خبرة قانونية تؤهل صاحبها لمستويات متقدمة من الممارسة.
ولا يعني ذلك أن القاضي السابق يملك استثمار صفته أو قبول القضايا التي سبق له الفصل فيها، فهذه المسائل تعالج بقواعد التنحي وتعارض المصالح والسلوك المهني.
ثانيًا/ التشريع الأردني
يقدم قانون نقابة المحامين النظاميين الأردنيين أنموذجًا واضحًا في التفريق بين الحق في ممارسة المحاماة وبين تعارض المصالح الناتج من العمل القضائي السابق. فالقانون لم يحظر على من سبق أن شغل منصب القضاء ممارسة المحاماة من حيث الأصل، وإنما يمنعه من قبول الوكالة، بنفسه أو بواسطة محامٍ آخر، في دعوى كانت معروضة عليه أو في قضية متفرعة عنها أو مرتبطة بها.
وهذا هو التنظيم الأكثر اتصالًا بالمصلحة المراد حمايتها؛ لأنه يمنع استغلال المعلومات أو الموقف القضائي السابق في القضية ذاتها، من دون أن يحرم الشخص من العمل في آلاف القضايا الأخرى التي لا صلة له بها.
كما أن القرارات المتعلقة بالتسجيل والتدريب في النظام الأردني تخضع للرقابة القضائية الإدارية، وهو ما يعزز ضمان عدم التعسف في رفض طلبات التسجيل. ويظهر نظام معهد تدريب المحامين الأردني لسنة 2024 قابلية قرار الرفض للطعن أمام المحكمة الإدارية.
ثالثًا/ التشريع المغربي
يقرر القانون المغربي المنظم لمهنة المحاماة أن المحاماة مهنة حرة مستقلة تساعد القضاء وتسهم في تحقيق العدالة، وأن المحامين جزء من أسرة القضاء.
ويعفي القانون المغربي بعض قدماء القضاة الذين قضوا مدة قانونية في ممارسة القضاء من شهادة الأهلية ومن فترة التدريب، وهو ما يعني الاعتراف المباشر بالقيمة المهنية للخبرة القضائية.
وفي الوقت عينه عرف التنظيم المغربي اتجاهًا إلى فرض فترة انتظار على القضاة السابقين قبل التسجيل، لا إلى منعهم مدى الحياة. وقد ورد في المادة 23 من القانون المنظم للمهنة منع قبول القضاة السابقين في التدريب أو التسجيل خلال ثلاث سنوات من تاريخ توقفهم عن مهامهم.
يحقق هذا النموذج قدرًا من التوازن، لأنه يعترف بإمكان ممارسة المهنة بعد انتهاء فترة محددة، ويعالج مظنة بقاء العلاقات الوظيفية الحديثة من دون إهدار الحق نهائيًا.
رابعًا/ دولة الإمارات العربية المتحدة
ينص المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2022 بشأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية على أن المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك في تحقيق رسالة العدالة وتأكيد سيادة القانون وكفالة حقوق الدفاع.
ويركز التشريع الإماراتي على شروط القيد والترخيص والكفاءة والسلوك وحالات عدم الجمع، ولا يقدم نموذجًا للحرمان الدائم لمجرد أن طالب القيد كان موظفًا قانونيًا أو قضائيًا في السابق.
القيمة المستفادة من هذا التشريع هي أن حماية المهنة تتحقق من خلال نظام الترخيص والجداول والرقابة والتأديب، وليس بالضرورة من خلال إغلاق المهنة أمام أصحاب الخبرة القانونية السابقة.
خامسًا/ الولايات المتحدة الأمريكية
عالجت القاعدة 1.12 من القواعد النموذجية للسلوك المهني الصادرة عن رابطة المحامين الأمريكية وضع القاضي السابق أو المحكم أو الوسيط، وتنص القاعدة على عدم جواز تمثيل المحامي لأي شخص في مسألة شارك فيها المحامي شخصيًا وبصورة جوهرية عندما كان قاضيًا أو موظفًا قضائيًا، إلا بموافقة جميع أطراف الدعوى موافقة واعية ومثبتة كتابة. كما تمنع القاعدة القاضي من التفاوض بشأن العمل مع شخص يكون طرفًا أو محاميًا في قضية يشارك القاضي في نظرها بصورة شخصية وجوهرية.
يبرهن هذا النموذج على أن النظام القانوني يستطيع حماية حياد القضاء ومنع الاتجار بالمعلومات والعلاقات السابقة من خلال حظر مرتبط بالقضية نفسها، بدلًا من حرمان القاضي السابق من ممارسة المحاماة كلها.
وتقرر القاعدة 3.10 من النموذج الأمريكي لقواعد السلوك القضائي منع القاضي من ممارسة المحاماة أثناء توليه المنصب القضائي، وهذا المنع مفهوم بسبب التعارض المباشر بين القضاء والتمثيل القانوني الخاص. أما بعد انتهاء الخدمة القضائية، فلا تقرر القواعد النموذجية حرمان القاضي السابق من ممارسة المحاماة، وإنما تعالج الأمر وفق القاعدة 1.12 السالفة الذكر. وتسمح القاعدة، في ظروف محددة، باستمرار مكتب المحاماة في القضية إذا عُزل القاضي السابق عن المشاركة فيها وعن الأتعاب المتعلقة بها، مع توجيه إشعار كتابي إلى الأطراف والمحكمة.
وهذا النموذج لا يفترض فساد القاضي السابق أو تأثيره الدائم، بل يحدد الخطر في القضية التي سبق له أن شارك فيها، ثم يفرض الحظر أو العزل المهني في نطاقها.
سادسًا/ التشريع الفرنسي
يعترف التنظيم الفرنسي بإمكان انتقال بعض القضاة وأعضاء الهيئات القضائية السابقين إلى مهنة المحاماة، بل كان المرسوم الفرنسي رقم 91-1197 المنظم لمهنة المحاماة يعفي أعضاء مجلس الدولة وبعض القضاة الإداريين السابقين من بعض متطلبات التأهيل والتدريب المهني عند الدخول إلى المحاماة.
كما كان التنظيم الفرنسي يفرض على الموظف العام السابق الذي يصبح محاميًا حظرًا مؤقتًا لمدة خمس سنوات يمنعه من المرافعة أو تقديم المذكرات ضد الإدارة التابعة للوزارة التي كان يعمل فيها. وكان الحظر موجهًا إلى جهة محددة ولمدة محددة، لا إلى ممارسة المحاماة كلها.
ويكشف هذا الحل عن ثلاث سمات: عدم اعتبار الخدمة العامة السابقة مانعًا من المحاماة؛ والاعتراف بقيمة الخبرة القانونية أو القضائية المكتسبة؛ وحماية النزاهة من خلال حظر مؤقت ومحدد النطاق.
ورغم أن بعض أحكام المرسوم أعيد تنظيمها في تشريعات أحدث، تبقى دلالته المقارنة مهمة: مواجهة تعارض المصالح لا تستوجب الحرمان الأبدي من المهنة.
الحجج المؤيدة للمنع ومناقشتها
الحجة الأولى: منع استثمار العلاقات السابقة
قد يقال إن القاضي المتقاعد يمتلك علاقات مع القضاة والموظفين، وقد يستثمرها في التأثير على الدعاوى. وهذه المخاوف لا نقول إنها وهمية بالضرورة، ولكنها لا تبرر افتراض فساد جميع القضاة المتقاعدين. كما أن المحامي الذي سبق أن كان موظفًا أو عضوًا في جهة سياسية أو إدارية قد يمتلك علاقات مماثلة، ولم يؤخذ بذلك أساسًا لمنعه من المحاماة مدى الحياة.
الحل، كما نعتقد، هو تجريم الوساطة والتدخل غير المشروع، وتشديد قواعد السلوك، ومنع استخدام الألقاب القضائية السابقة في الدعاية المهنية، ووضع آليات للشكاوى والتحقيق.
الحجة الثانية: حماية فرص المحامين الشباب
قد يبرر المقترح بالرغبة في الحد من البطالة بين المحامين الشباب، لأن القضاة والحقوقيين المتقاعدين يحصلون على رواتب تقاعدية وينافسون المحامين الذين لا يملكون موردًا آخر.
إن هذه الحجة ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية لا تكفي دستوريًا لتبرير الحرمان. فوجود راتب تقاعدي لا يسقط أهلية الشخص للعمل، ما لم ينص قانون التقاعد على عدم جواز الجمع في حالة محددة، أو يتعلق الأمر بوظيفة عامة جديدة.
كما أن تحسين أوضاع المحامين الشباب يجب أن يتحقق بإصلاح سوق الخدمات القانونية، وتنظيم القبول في كليات القانون، وتوسيع مجالات العمل القانوني، وتفعيل المساعدة القضائية، وضمان توزيع عادل للانتدابات، لا بحرمان متقاعدين من حقهم.
الحجة الثالثة: اختلاف طبيعة القضاء عن المحاماة
صحيح أن وظيفة القاضي تختلف عن وظيفة المحامي، فالقاضي محايد، والمحامي يدافع عن مصالح موكله ضمن القانون. لكن الاختلاف الوظيفي لا يعني عدم صلاحية القاضي السابق للمحاماة، بل إن خبرته في الإثبات والإجراءات والتفسير القانوني قد تجعله مؤهلًا مهنيًا لها. ويمكن إخضاعه لدورة في أخلاقيات المحاماة وإدارة مكتب المحامي والعلاقة مع الموكل إذا رأى المشرّع ضرورة لذلك، بدلًا من إقصائه.
الحجة الرابعة: حماية هيبة القضاء
هيبة القضاء قيمة دستورية، غير أن انتقال القاضي بعد تقاعده إلى المحاماة لا يهدر هذه الهيبة بذاته. الذي يمس الهيبة هو استغلال اللقب أو التدخل لدى الزملاء السابقين أو إفشاء أسرار المداولة أو تمثيل الخصوم في قضية سبق للقاضي نظرها. ومن ثم يجب حظر هذه الأفعال تحديدًا ومعاقبتها، لا حظر المهنة كلها.
دستورية المنع المقترح
1. مشروعية الغاية
حماية نزاهة القضاء ومنع تعارض المصالح وحماية المحامين الشباب غايات يمكن للمشرّع مناقشتها. لكن حماية فئة مهنية من المنافسة المجردة لا تعد غاية كافية إذا انفصلت عن المصلحة العامة.
2. ملاءمة الوسيلة
قد يقلل المنع الكامل بعض صور تعارض المصالح، لكنه يمنع كذلك آلاف الحالات التي لا يوجد فيها أي تعارض. ولذلك فهو وسيلة أوسع من اللازم.
3. ضرورة الوسيلة
لا يكون المنع متوجبًا إذا أمكن تحقيق الغرض بوسائل أقل تقييدًا، ومنها:
أ- فترة انتظار محددة؛
ب- حظر الترافع أمام المحكمة السابقة مدة معينة؛
ج- حظر قبول القضايا التي سبق للقاضي أو الموظف المشاركة فيها؛
د- حظر استخدام المعلومات غير المتاحة للجمهور؛
ه- قواعد الإفصاح عن تعارض المصالح؛
و-جزاءات تأديبية وجزائية صارمة.
4. التناسب بالمعنى الضيق
يجب الموازنة بين المنفعة المتوقعة من الحظر والضرر الواقع على الأفراد والمجتمع، فالمنع الدائم يحرم الدولة والمواطنين من خبرات قضائية وقانونية متراكمة، ويقيد اختيار المتقاضين لمحاميهم، ويصادر مصدر عمل مشروعًا، وقد يؤدي إلى آثار اجتماعية واقتصادية غير متناسبة مع حالات المخالفة التي يراد منعها. وبذلك يكون الحظر المطلق عرضة للحكم بعدم الدستورية لعدم تناسبه ولمساسه بجوهر الحق في العمل والمساواة.
النتائج
نخلص من بحثنا إلى النتائج الآتية:
1.إن تنظيم شروط ممارسة المحاماة من اختصاص المشرّع، مع دور أساسي لنقابة المحامين في اقتراح القواعد المهنية، إلا أن هذه السلطة مقيدة بالدستور.
2. إن قانون المحاماة العراقي النافذ لا يعامل الخدمة القضائية والقانونية السابقة كسبب للحرمان، وإنما يعترف بها خبرة مؤهلة، ويعفي أصحابها في بعض الحالات من التدريب المعتاد.
3. إن عدم جواز الجمع بين الوظيفة العامة والمحاماة في القانون العراقي هو منع مؤقت ينتهي بزوال الوظيفة، وليس مانعًا قائمًا على التاريخ الوظيفي.
4. إن التشريعات المقارنة التي أمكن توثيقها لا تتبنى، في النماذج محل الدراسة، الحرمان الدائم العام للقضاة السابقين والحقوقيين المتقاعدين من المحاماة.
5. إن حماية المحامين الشباب من المنافسة لا تمثل، بمفردها، مبررًا دستوريًا كافيًا لسلب فئة أخرى حقها في ممارسة مهنة مشروعة.
6. إن الحظر الدائم قد يخالف المواد 14 و16 و22 و46 من الدستور العراقي، لكونه يثير تمييزًا غير متناسب، ويخل بتكافؤ الفرص، ويمس جوهر الحق في العمل.
7. لا تعني هذه النتيجة إطلاق حرية القضاة والحقوقيين المتقاعدين من كل قيد، بل تؤيد إخضاعهم لقواعد دقيقة وصارمة تمنع التعارض واستغلال النفوذ.
توصيات
أولًا/ نوصي بعدم تشريع أي نص يمنع القضاة أو أعضاء الادعاء العام أو المستشارين أو الحقوقيين المتقاعدين بصورة نهائية من الانتماء إلى نقابة المحامين لمجرد وظيفتهم السابقة.
ثانيًا/ يجوز للمشرّع، إذا ثبتت الحاجة، تقرير فترة انتظار لا تتجاوز سنتين أو ثلاث سنوات لبعض المناصب القضائية العليا، على أن تستند إلى دراسة موضوعية، وألا تسري بأثر رجعي على الحقوق المكتسبة.
ثالثًا/ نقترح النص الآتي: لا يجوز للمحامي الذي سبق له العمل قاضيًا أو عضوًا في الادعاء العام أو محققًا أو مستشارًا قانونيًا أن يقبل الوكالة أو يقدم المشورة، بنفسه أو بواسطة غيره، في أية دعوى أو معاملة سبق أن شارك فيها مشاركة شخصية وجوهرية أثناء خدمته، أو اطلع بسبب وظيفته على معلومات سرية مؤثرة فيها.
رابعًا/ يمكن منع القاضي المتقاعد من الترافع أمام المحكمة التي كان يعمل فيها مدة سنة أو سنتين، مع جواز ممارسته المحاماة أمام المحاكم الأخرى والأعمال الاستشارية.
خامسًا/ كما نوصي بحظر استخدام عبارة "القاضي السابق" أو "رئيس المحكمة السابق" أو ما يماثلهما في الإعلانات المهنية أو المراسلات المعدة لجذب الموكلين، مع جواز ذكر الخبرة السابقة في السيرة المهنية بطريقة غير دعائية.
سادسًا/ يلزم المحامي بالإفصاح للنقابة والمحكمة والموكل عن أية صلة سابقة جوهرية بالقضية أو أطرافها، مع ترتيب البطلان أو العقوبة التأديبية عند إخفاء التعارض عمدًا.
سابعًا/ يجوز إخضاع القاضي أو الحقوقي المتقاعد لدورة قصيرة في:
1. أخلاقيات المحاماة؛
2.واجبات المحامي تجاه الموكل؛
3. إدارة أموال الموكلين؛
4. الإعلان المهني؛
5. تعارض المصالح؛
6. نظام النقابة والتأديب.
كما نقترح ألا تكون الدورة بقصد التشكيك في الكفاءة القانونية، وإنما للتعريف بالاختلاف بين الدور القضائي ودور المحامي.
ثامنًا/ يجب أن يكون قرار رفض الانتماء أو التسجيل معللًا، وقابلًا للطعن أمام جهة قضائية مستقلة خلال مدة محددة، منعًا لتحول سلطة النقابة إلى سلطة تقديرية مطلقة.
تاسعًا/ ينبغي احترام المراكز القانونية المكتسبة للمحامين المسجلين من القضاة والحقوقيين المتقاعدين، وعدم رفع أسمائهم أو تعطيل ممارستهم بالاستناد إلى قانون لاحق، إلا عند ارتكاب مخالفة فردية ثابتة وبقرار قابل للطعن.
صياغة تشريعية مقترحة
بدلًا من نص الحرمان المطلق، نقترح اعتماد النص الآتي:
المادة الأولى: لا يجوز لمن انتهت خدمته في القضاء أو الادعاء العام أن يقبل الوكالة، بنفسه أو بواسطة محامٍ آخر، في دعوى أو تحقيق أو معاملة سبق أن نظرها أو شارك فيها أو أبدى رأيًا بشأنها بحكم وظيفته، أو اطلع فيها على معلومات غير متاحة للجمهور.
المادة الثانية: لا يجوز للقاضي المتقاعد، خلال السنتين التاليتين لانتهاء خدمته، الترافع أمام المحكمة التي كان يعمل فيها خلال السنة الأخيرة من خدمته، ويجوز له خلال هذه المدة ممارسة الأعمال الاستشارية والترافع أمام المحاكم الأخرى.
المادة الثالثة: يحظر على المحامي استغلال صفته أو لقبه الوظيفي السابق للتأثير في القضاء أو الموظفين أو لجذب الموكلين، ويعد ذلك إخلالًا جسيمًا بآداب المهنة يستوجب التنبيه في المرة الأولى، ثم تعليق العضوية لأجل معلوم، ثم الشطب من جدول النقابة.
المادة الرابعة: لا يجوز رفض طلب الانتماء بسبب العمل السابق في القضاء أو الادعاء العام أو الدوائر القانونية متى توافرت شروط القيد، ويكون قرار الرفض معللًا وقابلًا للطعن أمام المحكمة المختصة.
الخاتمة
إن قوة مهنة المحاماة لا تتحقق بإغلاق أبوابها أمام أصحاب الخبرة، وإنما بإقامة معايير مهنية عادلة تنطبق على الجميع. كما أن حماية المحامي الشاب لا تكون بحرمان المتقاعد من العمل، وواجب النقابة القيام بإصلاح البيئة التشريعية والاقتصادية للمهنة وتوسيع فرص الخدمات القانونية وضمان عدالة توزيع الانتدابات. ولا يوجد تعارض حتمي بين كون الشخص قاضيًا سابقًا وكونه محاميًا لاحقًا، كما في جميع دول العالم. فالتعارض ينشأ عندما يتولى القضية التي سبق أن فصل فيها، أو يستعمل معلومات سرية، أو يستثمر علاقاته وصفته السابقة للتأثير في العدالة. وهذه أفعال محددة يمكن حظرها ومعاقبتها.
أما الحرمان الدائم لمجرد الانتماء السابق إلى القضاء أو الوظيفة القانونية، فإنه يستبدل المسؤولية الفردية بالاشتباه الجماعي، ويعاقب الشخص على خبرته عوضًا عن الاستفادة منها، ويقيم تمييزًا يصعب الدفاع عن ضرورته وتناسبه أمام القضاء الدستوري.
وعليه، فإن الخيار الأكثر اتساقًا مع الدستور العراقي والتشريعات المقارنة والمعايير الدولية، كما نرى، هو الإبقاء على حق القضاة والحقوقيين المتقاعدين في الانتماء إلى نقابة المحامين، مع تشديد قواعد تعارض المصالح وفرض قيود زمنية وموضوعية محددة عند الضرورة، ورفض أي منع عام أو دائم.
المصادر والمراجع
أولًا: الدستور والتشريعات العراقية
1- جمهورية العراق، دستور جمهورية العراق لسنة 2005، ولا سيما المواد 14 و16 و22 و46، النص المنشور في الموقع الرسمي لمجلس النواب العراقي.
2-جمهورية العراق، قانون المحاماة رقم 173 لسنة 1965 المعدل، الوقائع العراقية، العدد 1213، 22 كانون الأول 1965، وتعديلاته؛ متوفر أيضًا لدى دائرة الوقائع العراقية بوزارة العدل.
3- جعفر، صباح صادق (إعداد)، قانون المحاماة رقم 173 لسنة 1965 وتعديلاته، ط5 المصححة، بغداد، 2007.
4- مجلس القضاء الأعلى العراقي، مشروع قانون تعديل قانون المحاماة رقم 173 لسنة 1965، ملاحظات منشورة بتاريخ 30 آب 2021.
5- نقابة المحامين العراقيين، المواد والإعلانات المنشورة بشأن تعديل قانون المحاماة.
6- نقابة المحامين العراقيين، تاريخ المحاماة ونقابة المحامين في العراق، إصدارات النقابة التاريخية.
ثانيًا: التشريعات العربية المقارنة
7-جمهورية مصر العربية، قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 وتعديلاته، النص المحدث لدى نقابة المحامين المصرية.
8- المملكة الأردنية الهاشمية، قانون نقابة المحامين النظاميين رقم 11 لسنة 1972 وتعديلاته.
9 -المملكة الأردنية الهاشمية، نظام معهد تدريب المحامين رقم 85 لسنة 2024، الجريدة الرسمية الأردنية.
10- المملكة المغربية، القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة.
11- دولة الإمارات العربية المتحدة، المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2022 بشأن تنظيم مهنتي المحاماة والاستشارات القانونية، بوابة التشريعات الاتحادية.
ثالثًا: المواثيق والمعايير الدولية
12- الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، 1948.
13- الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قرار الجمعية العامة 2200 ألف (د-21)، 16 كانون الأول 1966، ولا سيما المادة 6.
14- الأمم المتحدة، المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، مؤتمر الأمم المتحدة الثامن، هافانا، 27 آب - 7 أيلول 1990، النص العربي الرسمي لدى مفوضية حقوق الإنسان.
15- الأمم المتحدة، المبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، 1985، النص العربي الرسمي.
16- الأمم المتحدة، المبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة، هافانا، 1990.
17-مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، المعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاة والمحامين وأعضاء النيابة العامة، البوابة العربية الرسمية.
18- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، صفحة المقرر الخاص المعني باستقلال القضاة والمحامين.
رابعًا: تشريعات وقواعد أجنبية مقارنة
19- France, Décret n° 91-1197 du 27 novembre 1991 organisant la profession d avocat, Légifrance.
20- United Kingdom, Solicitors Act 1974.
21- American Bar Association, Model Rules of Professional Conduct, Rule 1.12: Former Judge, Arbitrator, Mediator´-or-Other Third-Party Neutral (مع التعليق الرسمي Comment)، وترجمتها التقريبية:"لا يجوز للمحامي تمثيل شخص في مسألة شارك فيها شخصيًا وبصورة جوهرية بصفته قاضيًا أو موظفًا قضائيًا، إلا بموافقة تحريرية من جميع أطراف الإجراء"
22- American Bar Association, Model Code of Judicial Conduct, Rule 3.10: Practice of Law.
خامسًا: مراجع مساعدة
23- American Bar Association, "Ethics for Former Judges," Judges Journal, 2020.
#سعد_محمد_مهدي_غلام (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النَّهرُالعتيقُ
-
(هُيامًا بالنَّهرِ العتيقِ)
-
(تثاؤبُ بغدادَ)
-
قراءة نقدية كونية إنسانية للأديب الجزائري -إبراهيم عثمان - ل
...
-
(عَبَقاتُ الرَّمادِ عِندَ عَتباتِ النَّهْر)
-
سيميولوجيا الغياب والحنين في نص -لمّا رحلتُ- للشاعرة د. سجال
...
-
( قمرٌ يَفيضُ على المنارْ)
-
(صلاةُ الضوءِ على رُخامِ الغياب)
-
(في المَنفى)
-
( نبوءةُ بَصّارةٍ )
-
(أَشْهَدُ أني قَدْ بلَّغتُ)
-
(مَسافاتُ النُّورِ في العبورِ الخَفيِّ إلى المجهول )
-
[7](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[6](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[5](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
الجزء الأخير مع الخاتمة للقراءة المعمّقة لنص: -حداثة الماء-
...
-
[14] قراءة معمّقة مع الخاتمة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى
...
-
[4](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
-
[13 ]قراءة معمّقة لنص: -حداثة الماء- للشاعرة بشرى البستاني
-
[3](مَقاماتٌ بين الظِّلِّ والضَّوءِ)
المزيد.....
-
ملايين المكفوفين في إندونيسيا يواجهون صعوبات في الحصول على ا
...
-
رئيس بلدية نيويورك يبحث قانونية اعتقال نتنياهو خلال زيارته ل
...
-
زهران ممداني -يدرس- اعتقال نتنياهو إذا ما زار رئيس الوزراء
...
-
مجلس التعاون: هجمات إيران جرائم حرب تستوجب المساءلة الدولية
...
-
مجلس التعاون الخليجي: اعتداءات إيران على دول المنطقة جرائم ح
...
-
هل تراجع عمدة نيويورك عن تعهده الانتخابي باعتقال نتنياهو؟
-
صرخ: -لا أعلم ما يفعلون-.. شاهد لحظات مربكة لمحاولة اعتقال ر
...
-
لجنة الأمم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني ومنظمة التعاون الإس
...
-
السعودية.. وزارة الداخلية تعلن إعدام مصري وتكشف عن اسمه وما
...
-
إدانات خليجية واسعة للهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين وا
...
المزيد.....
-
الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق
/ رابطة المرأة العراقية
-
التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من
...
/ هيثم الفقى
-
محاضرات في الترجمة القانونية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة
...
/ سعيد زيوش
-
قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية
...
/ محمد أوبالاك
-
الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات
...
/ محمد أوبالاك
-
أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف
...
/ نجم الدين فارس
-
قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه
/ القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
-
المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي
/ اكرم زاده الكوردي
-
المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي
/ أكرم زاده الكوردي
المزيد.....
|