أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - امتثال أم انتماء؟














المزيد.....

امتثال أم انتماء؟


أكرم شلغين

الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 23:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس من الصعب على أي سلطة أن تجعل الناس يطيعونها؛ فالتاريخ مليء بأنظمة نجحت في فرض الطاعة بالخوف أو بالقوة أو بسلطة القانون. لكن الاختبار الحقيقي لأي دولة لا يبدأ من قدرتها على إصدار الأوامر، بل من قدرتها على بناء الثقة. فالطاعة قد تُنتزع، أما الانتماء فلا يُفرض. وبين الامتثال والانتماء مسافة تحدد طبيعة الدولة نفسها؛ فالامتثال يعني أن يفعل الإنسان ما يُطلب منه خشية العواقب، أما الانتماء فيعني أن يشعر بأن الدولة تمثله وتحمي حقه في أن يكون نفسه ضمن إطار القانون.
لقد ارتبط مفهوم السلطة عبر قرون طويلة بفكرة الحفاظ على النظام، وكان يُنظر إلى الطاعة بوصفها أساس الاستقرار. لم يكن يهم كثيرا ما يختبئ في ضمائر الناس ما دامت علامات الولاء ظاهرة في المجال العام. أما الدولة الحديثة فقد قامت على تصور مختلف؛ فهي لا تُفهم باعتبارها امتدادا لشخص الحاكم، بل باعتبارها مؤسسة تنشأ من علاقة متبادلة بين السلطة والمجتمع، يكون فيها المواطن شريكا لا مجرد موضوع للقرار السياسي. ومن هنا لم يعد السؤال: كيف نجعل الناس يطيعون؟ بل: كيف نبني ثقتهم بالدولة؟
وهذا السؤال يزداد أهمية عندما تمتد يد السلطة إلى المساحات الشخصية من حياة الأفراد، كالمظهر أو اللباس أو أسلوب العيش. من الطبيعي أن تضع الدولة قواعد تنظم المجال العام وتحمي المصلحة المشتركة، لكن الأمر يختلف عندما تتحول هذه القواعد إلى محاولة لفرض تصور واحد للفضيلة أو للسلوك المقبول. فهناك فرق بين تنظيم المجال العام وحماية حقوق الجميع، وبين تحويل الدولة إلى وصي على ضمائر الناس وخياراتهم الشخصية.
القضية هنا ليست قطعة لباس بعينها، ولا موقفا من التدين أو من أنماط الحياة المختلفة. فلكل إنسان الحق في أن يعيش وفق قناعاته الدينية أو الثقافية ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين. لكن السؤال يبدأ عندما يتحول هذا الاختيار الحر إلى معيار رسمي تقاس به أخلاق المواطنين أو درجة انتمائهم، أو عندما يصبح الاختلاف في المظهر أو السلوك سببا للريبة أو للإقصاء. عندئذ لا يعود الأمر متعلقا باللباس، بل بطبيعة العلاقة بين الدولة والإنسان.
وتكتسب هذه الأسئلة حساسية خاصة في سوريا، بعد عقود طويلة من الحكم السلطوي وما تبعها من سنوات الحرب والانقسام. فقد خرج السوريون وهم يتطلعون إلى دولة يشعر فيها الجميع بالأمان، لا إلى دولة تستبدل شكلا من أشكال الوصاية بشكل آخر. فالتغيير الحقيقي لا يتحقق بمجرد تبدل الحكام أو المؤسسات، بل بإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة على أساس الحقوق والثقة، لا على أساس الخوف والامتثال.
المجتمع السوري، بتعدده الديني والثقافي والاجتماعي، لا يحتاج إلى مشروع يجعل الجميع متشابهين، بل إلى دولة تستطيع إدارة هذا التنوع وتحويله إلى مصدر قوة. فالمجتمع المستقر ليس هو الذي يختفي فيه الاختلاف، بل الذي يجد فيه المختلفون مكانا مشتركا يجمعهم تحت مظلة القانون. أما محاولة إنتاج نموذج واحد للمواطن الصالح، فإنها قد تحقق انسجاما ظاهريا، لكنها تزرع في العمق شعورا بالاستبعاد لدى كل من لا ينسجم مع هذا النموذج.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين حرية الإيمان ووصاية السلطة. فالدين بالنسبة إلى ملايين البشر مصدر للهوية والمعنى والقيم، واحترامه جزء من احترام الإنسان نفسه. غير أن الإيمان يفقد معناه عندما يتحول من خيار شخصي إلى معيار تفرضه السلطة على الجميع. فالدولة ليست مسؤولة عن تشكيل الضمائر، بل عن حماية حق كل مواطن في أن يختار موقعه من الدين والثقافة بحرية، ما دام يحترم القانون وحقوق الآخرين. فالإيمان الذي يقوم على الاقتناع يختلف جوهريا عن السلوك الذي ينتجه الإكراه، والأخلاق التي تنبع من الداخل أرسخ من تلك التي تُفرض بالمراقبة والعقوبة.
لقد أثبتت التجارب أن الاستقرار الذي يقوم على الخوف يبقى هشا، لأنه يحتاج دائما إلى أدوات جديدة للضبط والرقابة. أما الاستقرار القائم على الثقة فينشأ عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، لا أنه يراقبه، وأن الدولة موجودة لخدمته لا لإعادة تشكيل حياته الخاصة. فالدولة القوية ليست تلك التي تتدخل في كل تفصيل من حياة الإنسان، بل التي تعرف أين يجب أن تتوقف، وتحترم الحدود الفاصلة بين المجال العام الذي تنظمه، والمجال الخاص الذي يبقى ملكا للفرد وضميره.
ولعل أخطر ما قد تواجهه المجتمعات الخارجة من الصراعات هو الخلط بين بناء الدولة وإعادة تشكيل المجتمع. فالمراحل الانتقالية تدفع أحيانا بعض السلطات إلى الاعتقاد بأن فرض الانسجام الثقافي أو الأخلاقي طريق سريع إلى الاستقرار، بينما تؤكد الخبرة الإنسانية أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على التشابه القسري، بل على شعور المواطنين بأن اختلافهم لا ينتقص من مواطنتهم ولا يحرمهم من مكانهم في وطنهم.
سوريا اليوم لا تحتاج إلى دولة تطلب من مواطنيها أن يثبتوا انتماءهم من خلال التشابه في المظهر أو السلوك، بل إلى دولة تجعل احترام القانون المدني القائم على المواطنة والحقوق والحريات وحده معيار العلاقة بين المواطن والسلطة. فالولاء العميق لا يولد من الخوف، بل من الشعور بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الدولة تقف على المسافة نفسها من جميع مواطنيها، مهما اختلفت معتقداتهم أو أنماط حياتهم.
أخيرا، لا تُقاس قوة الدولة بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بقدرتها على مراقبة تفاصيل حياة الناس من لباسهم إلى طعامهم وشرابهم، بل بقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن كرامته مصانة، وصوته مسموع، واختلافه لا يحوله إلى غريب في وطنه. فقد تستطيع السلطة أن تصنع الامتثال، لكنها لا تستطيع أن تصنع الانتماء بالأوامر. فالانتماء يولد من الثقة، والثقة تولد من الحرية والعدالة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه أي مشروع لبناء الدولة ليس: كيف نجعل الناس يطيعون؟ بل: كيف نبني دولة يشعر المواطن فيها بأنه لا يحتاج إلى إثبات ولائه كل يوم، لأنها منحته منذ البداية ما هو أثمن من الطاعة... منحته الطمأنينة، وجعلته يشعر بأنه لا يريد الرحيل.



#أكرم_شلغين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الخاسر الوحيد ليس من فقد السلطة... بل من فقد الأمان
- هل يمكن أن يكون الإنسان موضوعياً؟
- الموسيقى التي تُمنَع… والتي نسمعها في داخلنا
- ثقافة التحريم ... وثقافة الحياة
- عقدة النقص على عرش السلطة: حين يصبح الحكم مرآة للخواء
- غاتسبي يحمل الدكتوراه*
- نظرية المؤامرة والتسلق إلى القمة: الواقع التاريخي والخوف الن ...
- أبعد من الشرق والغرب
- حين تصبح الوشاية فضيلة زائفة
- بين الثابت والمتغير: لماذا نحتاج إلى إصلاح ديني؟
- من نحن قبل الطوائف؟
- الأمل الذي يرحل قبل أصحاب الحقائب
- حفار القبور لا يخطئ الموعد
- الإفلاس يختبر الأخلاق
- ما تمنحه المدن العابرة
- مخطوطة الرغبة التي لا تكفّ عن إعادة كتابة نفسها
- سجون بلا جدران
- حين كان الحلم أكبر من العالم
- بين الخبز والحرية
- بين التوقيع واللاجدوى


المزيد.....




- الجيش الأمريكي يعلن شنَّ موجةٍ ثانيةٍ من الضربات على إيران خ ...
- ترامب: الإيرانيون سيهزمون قريبا جدا (فيديو)
- ترامب يقول إن -إيران ستُهزَم قريباً-، وواشنطن توسّع ضرباتها ...
- ترامب يصدم نتنياهو.. انسحاب إسرائيل من لبنان وسوريا
- القيادة المركزية الأمريكية تشن موجة جديدة من الضربات على إير ...
- -ميليتاري ووتش- تتحدث عن مفاجآت تنتظر مقاتلات Rafale الفرنسي ...
- بعد 252 مليون سنة من الغموض.. حل لغز الانقراض الأعظم في تاري ...
- ملوث خفي لا تراه العين يقتل مليوني إنسان حول العالم سنويا
- سلوتسكي: الاتحاد الأوروبي يشعل حربا عالمية ثالثة من خلال تزو ...
- فانس: إبستين كان على صلة بعناصر من الدولة العميقة الإسرائيلي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أكرم شلغين - امتثال أم انتماء؟