أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - هويدا صالح - حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي هزّت معنى العدالة















المزيد.....

حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي هزّت معنى العدالة


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 08:03
المحور: عالم الرياضة
    


حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي هزّت معنى العدالة
ليست كرة القدم مجرد لعبة تُقاس بنتيجة على لوحة إلكترونية، بل هي إحدى الصور الرمزية التي يختبر فيها الإنسان إيمانه بالعدل، والاستحقاق، وتكافؤ الفرص. ولهذا فإن المباريات الكبرى لا تُختزل في أهداف تُسجل أو كؤوس تُرفع، وإنما تصبح اختبارًا للقيم التي يدّعي العالم أنه يؤمن بها. وما شاهدته في مسيرة المنتخب المصري خلال البطولة، ثم في مباراة قبل النهائي أمام الأرجنتين، جعلني أتأمل سؤالًا فلسفيًا قديمًا: هل ينتصر الحق دائمًا؟ أم أن القوة تستطيع أحيانًا أن تفرض نفسها بوصفها الحقيقة؟
لقد تابعت جميع مباريات المنتخب المصري. أمام نيوزيلندا، ثم إيران، ثم أستراليا، بدا المنتخب وكأنه يقدم درسًا في العمل الجماعي. لم يكن الأداء قائمًا على المهارة الفردية وحدها، بل على انسجام واضح بين خطوط الدفاع والوسط والهجوم، وتوزيع متوازن للأدوار، وانضباط تكتيكي جعل كل لاعب يؤدي وظيفته بدقة. كان حارس المرمى أحد أبطال البطولة، إذ أنقذ مرماه من فرص محققة، بينما نجح الجهاز الفني في توظيف إمكانات اللاعبين بما يخدم الفريق كله، لا الأسماء الفردية. أما محمد صلاح، فقدّم نموذجًا للقائد الحقيقي؛ يصنع الفرص كما يسجل الأهداف، ويمنح زملاءه الثقة قبل أن يمنحهم التمريرات الحاسمة.
حتى الدقيقة التاسعة والسبعين من مباراة الأرجنتين، كان المنتخب المصري يقدم، في نظري، واحدة من أجمل مبارياته؛ لعب نظيف، وسيطرة، وتقدم بهدفين، مع هدف ثالث أُلغي. لكن المباراة بعد ذلك تحولت إلى مشهد أثار كثيرًا من الجدل لدى المتابعين. فقد رأى كثيرون أن هناك تفاوتًا في المعايير التحكيمية؛ احتكاكات قوية من لاعبي الأرجنتين مرت دون بطاقات، في حين عوقب لاعبو مصر بسرعة على مخالفات أقل. كما أثارت بعض القرارات، ومنها إلغاء هدف لمصر واحتساب هدف للأرجنتين في ظروف متشابهة، نقاشًا واسعًا حول اتساق تطبيق القانون..
هنا يغادر الأمر حدود الرياضة ليصبح سؤالًا فلسفيًا كان أفلاطون يرى أن العدالة هي أساس قيام الدولة الفاضلة، وأن المجتمع الذي يغيب عنه العدل يفسد مهما بدا قويًا. فالعدل عنده ليس مجرد تطبيق للقانون، بل انسجام بين الحقيقة والقرار. أما أرسطو فقد ميّز بين العدالة القانونية والعدالة الأخلاقية؛ فليس كل قرار قانوني يحقق الإنصاف إذا افتقد المساواة في تطبيق المعايير. والعدالة، في نظره، تعني أن يُعامل المتشابهون معاملة متشابهة. فإذا شعر الناس بأن معيارًا يطبق على فريق، بينما يُستثنى منه فريق آخر، فإن الثقة في العدالة تتصدع، حتى لو بقي القانون مكتوبًا كما هو.
ولعل هذا ما يجعل الرياضة أكثر من منافسة؛ إنها صورة مصغرة للعالم. فإذا اهتز الإيمان بعدالة الملعب، امتد الشك إلى ما هو أبعد من الملعب نفسه.
لقد وضع الفيلسوف الأمريكي جون رولز العدالة في قلب العقد الاجتماعي. ويطرح مبدأه الشهير: تخيل أنك لا تعرف أي موقع ستشغله في المجتمع، ثم صمّم القواعد. عندها فقط ستختار قواعد عادلة للجميع، لأنك قد تكون يومًا في موقع الطرف الأضعف. ولو طبق هذا المبدأ على أي منافسة رياضية، فإن الجميع سيطالب بتحكيم متساوٍ، لأن أحدًا لا يعرف مسبقًا إن كان سيكون الفريق المستفيد أو المتضرر.
أما إيمانويل كانط، فقد جعل الكرامة الإنسانية قيمة مطلقة، ورأى أن الإنسان يجب ألا يُعامل أبدًا وسيلة لتحقيق غاية أخرى. والرياضة، في جوهرها، لا ينبغي أن تكون وسيلة لصناعة الهيمنة أو تكريس النفوذ، بل مجالًا لإظهار الفضائل الإنسانية: النزاهة، والشجاعة، والاحترام المتبادل.
ولعل أكثر ما آلم كثيرًا من المتابعين، وآلمني أنا حتى أنني لا أتصور أني يمكن أن أتجاوز هذا الشعور قريبا، لم يكن النتيجة في ذاتها، بل المشاهد الإنسانية التي أعقبتها. فقد أبدى المدير الفني حسام حسن اعتراضه بطريقة رمزية، معبرًا عن رفضه لما رآه ظلمًا عنصرية لا تليق برياضة جماهيرية تدعو للتسامح والمؤاخاة، ثم جاءت كلمات مصطفى زيكو بعد المباراة، وهو يتحدث بحرقة عن شعوره بأن فريقه لم ينل معاملة عادلة، قبل أن تغلبه دموعه. كانت تلك الدموع، سواء اتفق الناس مع تفسيرها أم اختلفوا، تعبيرًا عن شعور إنساني مألوف: أن يبذل الإنسان أقصى ما لديه ثم يشعر بأن النتيجة لا تعكس ما قدمه.
أما الصورة التي بقيت عالقة في الذاكرة، فهي ابتسامة محمد صلاح خلال احتجاجه على إحدى اللقطات التي رأى أنها تستحق مراجعة، قبل أن يهز رأسه ويرحل. أحيانًا لا يكون الصمت استسلامًا، بل تعبيرًا عن لحظة يدرك فيها الإنسان أن كلماته لم تعد قادرة على تغيير ما يحدث أمامه.
لقد كتب نيتشه أن الإنسان لا يتألم من الحقيقة بقدر ما يتألم من الإحساس بالعجز أمامها. وربما كان هذا هو الشعور الذي انتاب كثيرين بعد تلك المباراة؛ ليس مجرد خسارة رياضية، بل الإحساس بأن الجهد والمهارة قد لا يكونان كافيين دائمًا إذا غابت الثقة في نزاهة المنافسة.
ثم جاءت بعض التصرفات العنصرية التي مارسها مشجعو الأرجنتين تجاه الجماهير المصرية لتضيف بعدًا آخر أكثر إيلامًا. فالعنصرية ليست إساءة لفريق أو شعب بعينه، بل هي إنكار للمبدأ الذي قامت عليه الرياضة الحديثة: أن البشر متساوون في الكرامة، وأن المنافسة ينبغي أن تكون بين المهارات لا بين الهويات. وقد علّمنا الفيلسوف إيمانويل ليفيناس أن أخلاق الإنسان تبدأ من الاعتراف بالآخر واحترامه، لا من إقصائه أو ازدرائه.
إن الرياضة التي تفقد بعدها الأخلاقي تتحول إلى مجرد صراع على النتيجة. أما الرياضة الحقيقية فهي التي تجعل الإنسان يخرج من الملعب أكثر احترامًا لخصمه، وأكثر إيمانًا بأن الفوز لا يكتمل إلا إذا كان نزيهًا.
قد تختلف الجماهير في تقييم القرارات التحكيمية، وقد تتباين الآراء حول تفاصيل أي مباراة، لكن يبقى أمر لا خلاف عليه: أن قيمة الرياضة لا تُقاس فقط بمن حمل الكأس، بل بمدى حفاظها على مبادئ العدالة والإنصاف والمساواة واحترام الإنسان. وإذا اهتزت هذه المبادئ في وعي الجماهير، فإن الخسارة لا تكون خسارة فريق واحد، بل خسارة للفكرة التي من أجلها أحب العالم الرياضة.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل من ينتمي إلى عالم كرة القدم، لاعبًا كان أو حكمًا أو مسؤولًا أو مشجعًا:
أي رسالة نريد أن نقدمها للعالم؟ هل نريد أن تكون الملاعب ساحات تُكرّس العدالة والاحترام والتسامح، أم أن تتحول إلى فضاءات يشعر فيها الناس بأن القوة وحدها هي التي تكتب النتيجة؟ إن مستقبل الرياضة، في النهاية، لا تحدده الكؤوس، بل تحدده القيم التي تنتصر داخل الملعب قبل أن ينتصر أي فريق على الآخر.



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مص ...
- المايكرودراما الصينية: حين أعادت الدقائق القليلة تشكيل اقتصا ...
- أسد-.. حين تتحول السينما من صناعة الوعي إلى تزوير التاريخ-
- خريطة الملذات
- مسلسل -اللون الأزرق-: بين جمالية التمثيل وارتباك المعرفة
- عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموت ...
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...
- دراسات ما بعد الاستعمار ودحض دعوات الأفروسنتريك
- رائدات بين الظل والنور: إيفا حبيب المصري.. تقاطعات نسوية في ...
- رائدات بين الظل والنور.. عميدة الصحفيات المصريات، و-ثورة في ...
- رائدات بين الظل والنور: شريفة رياض(7) مواجهة الاستعمار والمس ...
- رائدات بين الظل والنور.. إحسان القوصي(8) و- المرأة والمجتمع-
- رائدات بين الظل والنور ماري كحيل(6) رائدة العمل النسوي والحو ...


المزيد.....




- شباك إسبانيا تهتز للمرة الأولى في مونديال 2026
- هل نشاهد رونالدو في كأس العالم 2030؟.. جيسوس يعيد خلط أوراق ...
- سر المادة 27.. علامات استفهام تحيط بالعدالة التحكيمية للفيفا ...
- شاهد ردود فعل جماهير مغربية وفرنسية بعد إقصاء -أسود الأطلس- ...
- سينر يتخطى دجوكوفيتش ويضرب موعدا مع زفيريف في نهائي ويمبلدون ...
- رجل أعمال إماراتي يقدم هدايا ثمينة للاعبي منتخب مصر بعد إنجا ...
- -المتخاذل-.. حكيمي ودياز في قفص الاتهام بعد خروج المغرب من ك ...
- بعد وداع المونديال.. المغرب يبدأ مشروع الـ4 سنوات نحو -حلم 2 ...
- التشكيلة الأساسية لموقعة إسبانيا وبلجيكا
- قمة حاسمة في نيويورك لتنصيب كلوب مدربا لألمانيا بعد كارثة ال ...


المزيد.....

- مقدمة كتاب تاريخ شعبي لكرة القدم / ميكايل كوريا
- العربي بن مبارك أول من حمل لقب الجوهرة السوداء / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - عالم الرياضة - هويدا صالح - حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي هزّت معنى العدالة