أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموتى















المزيد.....

عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموتى


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 01:55
المحور: الادب والفن
    



يُعدّ الروائي سعيد نوح واحدًا من أكثر الأصوات السردية خصوصيةً وإخلاصًا لمشروعها الأدبي في المشهد المصري المعاصر. ينتمي نوح زمنيًا وتجريبيًا إلى ما اصطلح على تسميته بـ "جيل التسعينيات"؛ ذلك الجيل الذي انصرف عن السرديات الكبرى والأيديولوجيات الصاخبة، وفضّل الانحياز إلى كتابة الذات، واليومي، والهامشي، والجسد، بوصفها مساحات كاشفة لخراب العالم لا هوامش له.
غير أن سعيد نوح لا يكتب عن الهامش من موقع المراقب، بل يكتب من داخله. من قلب التجربة لا من تخومها. يتحوّل بيت العائلة في "61 شارع زين الدين" إلى مركز رمزي للكون، وتغدو "سعاد" أيقونة للحب المستحيل في "كلما رأيت بنتا حلوة أقول يا سعاد" ، بينما يحتلّ الموتى موقع الندماء الدائمين على مائدة السارد في " دائما ما أدعو الموتى". ويتحول الشيطان إلى كائن قد يستدعي شفقتنا، لا لعنتنا في "حكايات صغيرة للشيطان"، ويصبح الحب فلسفة ورؤية للعالم في " روعة الحب"، ويحاور المهشمون والملاك الكاتب في " الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك" ويتكشف عالم الدير وما يدور فيه من صراعات إنسانية لها خصوصيتها الثقافية في " أحزان الشماس", وصبح ملاك الفرصة الأخيرة هو الملاذ الأخير للناجي في "ملاك الفرصة الأخيرة" وهكذا يتشكّل عالم روائي مسكون بالفقد، والذاكرة، والشفقة العميقة على الكائن البشري وهو يتآكل ببطء.
"كلما رأيت بنتًا حلوة أقول يا سعاد" ..الفقد بوصفه أيقونة
تُمثّل هذه الرواية – أو النوفيلا الطويلة – البيان العاطفي الأول لسعيد نوح. عنوانها ذاته عتبة شعرية لا تُحيل إلى حدث، بل إلى حالة تكرار مرضي للحنين، حيث يتحوّل الغياب إلى حضور طاغٍ.فسعاد الجميلة أخت السارد ترحل، لكنها تترك الأسئلة مشرعة على الحنين والجمال الأسطوري والوجع، تتمركز الرواية حول "سعاد"، لا بوصفها امرأة فحسب، بل كأيقونة جمالية ووجدانية، يُقاس بها العالم كله. السارد هنا ذات هشّة، تتسكع في شوارع القاهرة، تطارد طيفًا، وتعيد إنتاج الفقد في كل وجه جميل.
أسلوبيًا، يعتمد نوح لغة مكثفة، مشبعة بالشعرية، ومشغولة بعناية ليكشف عن رؤية للعالم تكشف الضعف الإنساني أمام الموت، وتتساءل ماذا لو فقدت ذاتك حين تتعرض لفقد من تحب؟ وأمام هذا التشظي الإنساني، يتشظى السرد أيضا، وتتعدد فيه الأصوات بكرنفالية مبكرة لم تكن متداولة في تلك الفترة، ومزج خطابات ما بين السيرة الذاتية والخطاب الشعري والمذكرات. يتفكك السرد الخطي لصالح مشاهد خاطفة وحالات شعورية. بهذا النص، يضع نوح حجر الأساس لمشروع يقوم على تفتيت السرد الكلاسيكي، والكتابة من داخل الوجع لا حوله.
المكان بوصفه بطلًا.."61 شارع زين الدين"
يكتب نوح ملحمة البيت والتحولات الاجتماعية في منطقة تقع على تخوم المدينة، حيث تمثّل هذه الرواية ذروة نضج مبكرة في مشروع سعيد نوح، حيث ينتقل من الذات الهائمة في الشوارع إلى الذات المحاصرة داخل المكان. العنوان – وهو عنوان سكن الكاتب الفعلي في منطقة منشية جمال عبد الناصر بحلوان – يشي منذ البداية بتداخل السيرة بالفن.
البيت هنا ليس خلفية، بل "كائن حيّ" يتنفس بانكسارات ساكنيه وأحلامهم المجهضة. يرصد نوح تحولات الطبقة الوسطى والدنيا في مصر، ويقدّم بورتريهات لشخصيات مسحوقة دهستها سياسات الانفتاح والتحولات الاقتصادية.
الرواية مشبعة بروائح الطبخ، وضجيج الجيران، واختناق الحارات، وتنجح في تحويل القبح والعشوائية إلى مادة جمالية، دون تزييف أو رومانسية زائفة.
ثلاثية الملائكة والماورائيات (ملاك الفرصة الأخيرة ـ الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك) ينتقل سعيد نوح إلى اللعب الميتافيزيقي على حافة الواقع. في هاتين الروايتين يغادر سعيد نوح تخوم الواقعية الفجّة (-dir-ty Realism) ليدخل فضاء فانتازي/ميتافيزيقي، لكنه فضاء لا ينفصل عن الواقع، بل يعيد تأويله.
"الكاتب والمهرج والملاك الذي هناك" رواية تنهض على تعدد الأصوات: الكاتب، المهرج، الملاك. إنها رواية عن فعل الكتابة نفسه. الكاتب هو الذات الواعية المتألمة، المهرج هو الوجه العبثي الساخر للعالم، والملاك هو الشاهد الصامت أو الضمير المفارق. عبر هذا التعدد، يفكك نوح علاقة المؤلف بنصه، ويعرّي أوهام السرد، وجدوى الكتابة في عالم فقد معناه.
"ملاك الفرصة الأخيرة" تستكمل الرواية اللعب الفانتازي، حيث تظهر الملائكة لا ككائنات نورانية، بل كذوات مأزومة تتورط في الوحل الإنساني، وتحاول منح البشر فرصهم الأخيرة للحب أو الخلاص. يمزج نوح هنا بين قسوة مفرطة ورقة جارحة، في كتابة عن الهشاشة القصوى للإنسان.
"دائمًا ما أدعو الموتى" الذاكرة بوصفها سينما أشباح. تُعد هذه الرواية علامة فارقة في تطور تقنيات سعيد نوح السردية. العنوان جملة تقريرية كاشفة: السارد لا يخشى الموتى، بل يستضيفهم. يعتمد النص على سرد بصري شديد القرب من تقنيات السينما، حيث يدير الراوي شريط ذكرياته كمن يعرض فيلمًا داخليًا. الموت هنا ليس نهاية، بل حضورًا موازيًا للحياة؛ فالموتى يأكلون معنا، ويتدخلون في تفاصيلنا اليومية. إنها رواية وفاء للذاكرة، ومقاومة للنسيان بوصفه موتًا آخر.
" كفر هلال..رجال أتلفها الهوى"
العودة إلى الجذور وأسئلة الهوية في *كفر هلال، يعود سعيد نوح إلى القرية، إلى المنوفية، مسقط رأسه. لكنها ليست عودة نوستالجية، ولا كتابة ريفية كلاسيكية.هنا يكتب نوح بوعي ابن المدينة الذي كان قرويًا، متأملًا تفكك القيم القديمة، وصراعها مع التفسخ الذي أصاب الريف. يمزج النص بين الحكي الشعبي، والتوثيق، والبحث عن هوية أولى قبل أن تلوّثها المدينة.
وأخيرا "الصنف..حكاية الملاك والصبية" حالة البرزخ. حيث تصبح الهلوسة فلسفة. يحضر عالم التعاطي لا انحرافا، بل يحضر كطقس إنساني يعري فيه الإنسان ذاته العميقة دون خجل، "الصنف" عند سعيد نوح هو محاولة للبقاء، حالة برزخية بين اليقظة والحلم، بين الحياة والموت. يكتب نوح الهلوسة بوعي جمالي، كاشفًا عن فلسفة المهمشين في البحث عن لحظة صفاء وسط عالم خانق.
سعيد نوح ليس مجرد حكّاء، بل مؤرخ للشعور الإنساني في لحظاته الأكثر هشاشة. ويتميّز مشروعه بـصدق جارح، يغامر بالاقتراب من الفقر، والجسد، والموت. ويكتب بلغة منحازة للهامش دون أن تفقد شعريتها. ويفيد من خطاب السينما والشعر والميتاسرد والسيرة الذاتية. إنه كاتب يهمس لنا: انظروا إلى الذين يعيشون في الظل… فهناك، في العتمة، تولد أكثر الحكايات صدقًا وقسوة.



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...
- دراسات ما بعد الاستعمار ودحض دعوات الأفروسنتريك
- رائدات بين الظل والنور: إيفا حبيب المصري.. تقاطعات نسوية في ...
- رائدات بين الظل والنور.. عميدة الصحفيات المصريات، و-ثورة في ...
- رائدات بين الظل والنور: شريفة رياض(7) مواجهة الاستعمار والمس ...
- رائدات بين الظل والنور.. إحسان القوصي(8) و- المرأة والمجتمع-
- رائدات بين الظل والنور ماري كحيل(6) رائدة العمل النسوي والحو ...
- رائدات في الظل والنور..إستر فانوس شعلة التنوير (5).
- رائدات بين الظل والنور: حواء إدريس(4)
- رائدات بين الظل والنور: لطفية النادي رائدة الطيران المصري(3)
- -رائدات في الظل والنور: سردية مصرية( 1) نبوية موسى الرائدة ا ...
- رائدات في الظل والنور ..(2) سيزا النبراوي صوت المرأة في زمن ...
- -رائدات في الظل والنور: سردية مصرية 1 (نبوية موسى)


المزيد.....




- سعيد بوخليط يوثق ذاكرة مراكش بعيداً عن السرديات الجافة
- 150 عامًا في صنع السينما في رويال فيستفال هول
- المثقف التكتيكي: تقلبات المنبر بين الحروب والتحولات
- -الخروج إلى البئر-.. حبكة سامر رضوان وبراعة الممثلين تعوضان ...
- هرمجدون.. أفلام -الخوف من الفناء- تعود للواجهة مع كل حرب
- كأس الشوكران: حياة سقراط المليئة بالأسئلة ومحاكمته المثيرة ل ...
- خيال سينمائي مع صور قصف حقيقي.. إدارة ترامب تروج لحربها ضد إ ...
- 21 رمضان.. عقيقة الحسن ورحيل مؤسس الدولة العثمانية
- في الشوارع ومراكز الإيواء.. رمضان يقاوم الحرب في السودان
- رحيل عاشق الطبيعة الموصلية الفنان الرائد بشير طه


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموتى