أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هويدا صالح - ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضية إبستين؟














المزيد.....

ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضية إبستين؟


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 09:01
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن الزجّ باسم الفيزيائي ستيفن هوكينغ في سياق قضية جيفري إبستين حدثًا بريئًا في الفضاء العربي، بل كشف عن بنية خطابية أعمق لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تسعى إلى تثبيت سلطة أخلاقية مأزومة.
فهوكينغ لم يُستدعَ بوصفه فردًا له وقائع قابلة للتحقق، بل بوصفه رمزًا مكثفًا للعقل العلمي الحديث، والإنسان الذي تجرأ على مساءلة فكرة الإله، والنجاح المعرفي خارج المرجعيات الدينية. ومن هنا بدأت المحاكمة.
الخطاب الديني الذي استثمر قصة إبستين لم يتعامل معها بوصفها ملفًا قانونيًا يتطلب دليلًا وتحقيقًا، بل بوصفها مادة وعظية جاهزة. تحولت الواقعة إلى "عِبرة" قبل أن تكون "حقيقة"، وإلى مثال أخلاقي مسبق الصياغة قبل أن تُفحص شروطه.
في هذا المنطق، لا تُطرح الأسئلة الأساسية: هل ثبت الفعل؟ هل وُجّه الاتهام؟ هل صدر حكم قضائي؟ بل يُستبدل ذلك بسردية أخلاقية مغلقة تقول ضمنيًا: هذا مصير من أعرض عن الإيمان مهما بلغ من علم. وهكذا تُختصر الأخلاق في وظيفة عقابية لا في مبدأ إنساني قائم على البرهان.
الخلط بين الموقف الفكري والانحراف الأخلاقي
الإدانة هنا لم تكن لفعل مثبت، بل قصاصًا فكريًا بأثر رجعي. هوكينغ لم يُحاكم لأنه ارتكب جريمة موثقة، بل لأنه عبّر عن موقف وجودي وفلسفي صادم للخطاب الديني التقليدي.
جرى الخلط المتعمّد بين الاختلاف الفكري والانحراف الأخلاقي، وكأن الخروج عن منظومة الاعتقاد يستلزم بالضرورة السقوط الأخلاقي. وهو خلط خطير لأنه يحوّل الأخلاق من منظومة قيم إنسانية إلى أداة تصفية أيديولوجية.
ثنائية الطهارة والنجاسة
يعيد هذا الخطاب إنتاج ثنائية قديمة: نحن ممثلو الطهارة، وهم ممثلو الفساد. وجود هوكينغ في هذه الثنائية ضروري لا لكشف الحقيقة، بل لتأكيد التفوق الأخلاقي للجماعة. ولهذا لا يشكّل ضعف الأدلة مشكلة حقيقية، لأن الوظيفة الرمزية للإدانة أهم من صحتها. المفارقة أن هذا الخطاب ذاته غالبًا ما يتسامح أو يصمت أو يبرّر انتهاكات أخلاقية قريبة منه ثقافيًا، لكنه يتشدد حين يكون المتهم غربيًا، ميتًا، ومختلفًا فكريًا. إدانة بلا كلفة.
وفق ميشيل فوكو، لا تُنتج الحقيقة خارج الخطاب بل داخله عبر علاقات القوة والسلطة. وفي حالة هوكينغ، لم يكن السؤال: ماذا حدث؟ بل: أي خطاب سيملك حق تعريف ما حدث؟
الخطاب الديني لم ينتظر نتائج تحقيق، بل أعاد ترتيب الوقائع لتخدم بنيته المسبقة، فصار الاشتباه حقيقة، والاقتران دليلًا، والذكر في وثيقة إدانة أخلاقية.
الجسد المختلف كموضوع للعقاب الرمزي
يرى فوكو أن السلطة الحديثة لا تعذب الجسد مباشرة بل تؤوّله وتحمّله المعنى. جسد هوكينغ العاجز، المختلف، الخارج عن الصورة النمطية للرجولة، تحوّل إلى موقع للإدانة الرمزية.
التقاء الإعاقة الجسدية مع الاختلاف الفكري سهّل عملية الوصم: عقل متعالٍ، جسد ضعيف، لا بد أن يكون فاسدًا. هكذا يُعاد إنتاج الضبط الأخلاقي عبر الجسد لا عبر الفعل.
الإدانة بدلًا من النقاش
الأخطر أن هذه الإدانة جاءت بديلًا عن المواجهة الفكرية. فبدل مناقشة أفكار هوكينغ عن حدود العلم، عن الكون، عن علاقة المعرفة بالميتافيزيقا، جرى تحويل الخلاف إلى محاكمة أخلاقية. وعند فوكو، هذه علامة خطاب عاجز عن إنتاج معرفة مضادة، فيلجأ إلى التشهير بوصفه أقصر الطرق لإسكات الخصم.
ما جرى مع ستيفن هوكينغ في الخطاب العربي، وخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن سعيًا إلى العدالة، بقدر ما كان محاولة لإعادة إنتاج السلطة الرمزية وتوزيعها من جديد. لم يُستدعَ الرجل إلى محكمة الأخلاق لأنه أذنب بقدر ما أُدين لأنه جسّد ما يُقلق هذا الخطاب ويهدده: عقلًا حرًّا، منفلتًا من الأسوار، عصيًّا على التدجين الوعظي والانضباط الإيديولوجي. ولسنا هنا بصدد تبرئة هوكينغ أخلاقيًا، ولا ادّعاء نقائه أو نفي احتمالات تورطه الإنساني، بل إن مقصدنا أعمق من ذلك: تفكيك أزمة الخطاب الديني المعاصر، ولا سيما في فضاء السوشيال ميديا، حيث انحدر هذا الخطاب إلى شعبوية فجة، تنافس البلوجرز في صناعة التأثير، وتستعين بلجان إلكترونية تمارس التشهير والإقصاء والتنكيل بكل صوت مغاير. إن مأزق هذا الخطاب أنه لا يحتمل حضور الرموز العلمية والفكرية، فيسعى إلى إسقاطها أخلاقيًا، لا لأنه يملك أدوات مساءلتها معرفيًا، بل لأنه يعجز عن مواجهة أسئلتها التي تفضح هشاشته البنيوية وتعرّي ادعاءاته باليقين والوصاية.



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...
- دراسات ما بعد الاستعمار ودحض دعوات الأفروسنتريك
- رائدات بين الظل والنور: إيفا حبيب المصري.. تقاطعات نسوية في ...
- رائدات بين الظل والنور.. عميدة الصحفيات المصريات، و-ثورة في ...
- رائدات بين الظل والنور: شريفة رياض(7) مواجهة الاستعمار والمس ...
- رائدات بين الظل والنور.. إحسان القوصي(8) و- المرأة والمجتمع-
- رائدات بين الظل والنور ماري كحيل(6) رائدة العمل النسوي والحو ...
- رائدات في الظل والنور..إستر فانوس شعلة التنوير (5).
- رائدات بين الظل والنور: حواء إدريس(4)
- رائدات بين الظل والنور: لطفية النادي رائدة الطيران المصري(3)
- -رائدات في الظل والنور: سردية مصرية( 1) نبوية موسى الرائدة ا ...
- رائدات في الظل والنور ..(2) سيزا النبراوي صوت المرأة في زمن ...
- -رائدات في الظل والنور: سردية مصرية 1 (نبوية موسى)
- ملامح قصيدة ما بعد الحداثة في ديوان- كل هذا الدفء في عيني مر ...
- الذكاء الاصطناعي والحالة الإنسانية


المزيد.....




- شاهد صدمة أم حين سمعت صوت ابنها بعد 3 سنوات من إعلان موته
- العراق.. السفارة الأمريكية تبلغ عن وقوع -تفجير مسيطر عليه- ب ...
- النرويج تتهم روسيا والصين بالسعي لتعزيز السيطرة على بعض أراض ...
- منتدى الجزيرة بلؤلؤة قطر.. -دافوس الشرق- بين هدوء الضفاف وسخ ...
- محادثات -الفجوة العميقة-.. كشفت حجم الخلاف بين إيران وأميركا ...
- واشنطن تتحرك لعقد أول اجتماع لـ-مجلس السلام-.. بهذا الموعد
- ستارلينك تتحول إلى سلاح ضد روسيا في ساحة المعركة.. شاهد كيف ...
- -سخاء وإسناد- السعودية بأول تعليق لرئيس الحكومة اليمنية الجد ...
- بالأسماء.. وزراء الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة الزنداني
- -معنا أو ضدنا-: ماذا تفعل وسائل التواصل بطريقة تفكيرنا؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هويدا صالح - ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضية إبستين؟