أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مصر المتخيَّلة؟














المزيد.....

من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مصر المتخيَّلة؟


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 09:21
المحور: الادب والفن
    


منذ بدايات السينما العالمية احتلت مصر القديمة مكانة استثنائية في المخيلة الغربية. فالأهرامات، والمعابد، والمومياوات، والكتابة الهيروغليفية، كلها عناصر تمتلك قدرة هائلة على إثارة الدهشة البصرية. غير أن هذه الدهشة لم تُترجم دائماً إلى معرفة حقيقية بالحضارة المصرية، بل كثيراً ما تحولت إلى مادة لإنتاج صورة متخيلة عن مصر، صورة تتجاوز التاريخ لتدخل عالم الأسطورة والخرافة والغموض. ولعل سلسلة أفلام "المومياء" تمثل النموذج الأشهر لهذه الظاهرة السينمائية التي لا يمكن فهمها اليوم إلا من خلال مقاربات ما بعد الاستشراق.
في مرحلة سابقة كان النقد الثقافي، منذ كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق"، يركز على الكيفية التي صوّر بها الغرب الشرق باعتباره فضاءً للغرابة والسحر والاختلاف. لكن مقاربات ما بعد الاستشراق ذهبت أبعد من ذلك، فلم تعد تكتفي بتحليل صورة الشرق في الخطاب الغربي، بل راحت تدرس الآليات البصرية والثقافية التي تجعل هذه الصورة تبدو طبيعية ومقنعة للجمهور العالمي. وهنا تكمن أهمية النظر إلى أفلام المومياء وغيرها من الأفلام التي تتخذ من الحضارة المصرية القديمة خلفية لأحداثها.
ظاهرياً تبدو هذه الأفلام احتفاءً بالحضارة المصرية. فهي تقدم المعابد الشاهقة والتماثيل الضخمة والكنوز المدفونة والمدن القديمة في صور مبهرة. لكنها، على مستوى أعمق، تعيد إنتاج صورة نمطية تجعل مصر القديمة مرادفاً للسحر واللعنات والموتى العائدين من قبورهم. فالمشاهد لا يخرج من الفيلم متذكراً إنجازات المصريين في الهندسة أو الطب أو الفلك أو الإدارة، بل يتذكر اللعنة، والكتاب السحري، والكاهن الشرير، والمومياء المنتقمة.
هذه النقلة من الحضارة إلى الأسطورة ليست بريئة من الناحية الثقافية. فحين تُختزل حضارة استمرت آلاف السنين في مجموعة من الطقوس الغامضة، يصبح التاريخ نفسه مادة للفرجة لا موضوعاً للمعرفة. وتتحول مصر من مركز لإنتاج إحدى أقدم الحضارات الإنسانية إلى مسرح للمغامرات الخارقة.
من منظور ما بعد الاستشراق، لا تكمن المشكلة في الأخطاء التاريخية وحدها، بل في بنية السرد نفسها. ففي معظم هذه الأفلام نجد أن المعرفة الحقيقية لا يمتلكها أبناء الحضارة، بل يمتلكها المغامر أو الباحث الغربي. أما المصريون المعاصرون فيظهرون عادة في أدوار هامشية: حراس، أدلاء، لصوص آثار، أو شخصيات ثانوية تساعد البطل الأجنبي على اكتشاف أسرار الماضي. وهكذا تُفصل مصر القديمة عن المصريين أنفسهم، ويُقدَّم التراث المصري وكأنه ملكية ثقافية مفتوحة للخيال الغربي.
الأخطر من ذلك أن هذه الأفلام تعيد إنتاج علاقة استعمارية قديمة في ثوب جديد. فكما كان المستكشف الأوروبي في القرن التاسع عشر يدخل المقابر والمعابد بوصفه مكتشفاً ومفسراً ومؤولاً للتاريخ، يظهر البطل السينمائي الحديث بوصفه الشخص القادر وحده على فك الشفرات وفهم الأسرار وإنقاذ العالم من الأخطار القادمة من الشرق القديم. هنا لا يعود الشرق موضوعاً للمعرفة فقط، بل يصبح أيضاً مصدراً للتهديد الذي يتطلب تدخلاً غربياً لاحتوائه.
وتزداد خطورة هذه الصورة حين ندرك أن السينما أصبحت لدى ملايين المشاهدين مصدراً أساسياً للمعرفة التاريخية. فالكثير من الجمهور العالمي لم يقرأ عن مصر القديمة في الكتب الأكاديمية، بل تعرف إليها عبر الشاشة. وحين تتكرر صورة المومياء الشريرة واللعنة القاتلة والكتاب المحرم عبر عشرات الأفلام والألعاب الإلكترونية والروايات المصورة، فإنها تتحول تدريجياً إلى جزء من الوعي الجمعي العالمي.
لا يعني ذلك إنكار الأثر الإيجابي الذي حققته هذه الأعمال. فمن الإنصاف الاعتراف بأن أفلام المومياء وغيرها ساهمت في لفت انتباه أجيال كاملة إلى الحضارة المصرية. وقد دفعت كثيرين إلى زيارة المتاحف، وقراءة الكتب التاريخية، والاهتمام بعلم المصريات. كما أن نجاحها التجاري أكد أن الحضارة المصرية لا تزال تمتلك قوة رمزية هائلة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة السينمائية بديلاً عن الحقيقة التاريخية. فالإعجاب بالحضارة شيء، واختزالها في مجموعة من الخرافات شيء آخر. وقد نجحت هوليوود، بدرجات متفاوتة، في الجمع بين الأمرين: تمجيد عظمة مصر من جهة، وتجريدها من واقعها التاريخي والإنساني من جهة أخرى.
لهذا فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في مهاجمة هذه الأفلام أو الدعوة إلى منعها، بل في إنتاج سرديات بديلة قادرة على استعادة الحضارة المصرية من قبضة الخيال الاستشراقي. فالمطلوب ليس أفلاماً دعائية تمجد الماضي، بل أعمالاً فنية تقدم المصري القديم باعتباره إنساناً حقيقياً عاش وصنع وفكر وابتكر، لا مجرد كاهن غامض يحرس لعنة أبدية داخل مقبرة مهجورة.
لقد آن الأوان للانتقال من صورة "المومياء" إلى صورة "الإنسان". فالحضارة المصرية لم تبنها اللعنات، بل بناها البشر. ولم تصنع مجدها الأساطير وحدها، بل صنعته المعرفة والعمل والخيال الإنساني. وما لم تستطع السينما العالمية إدراك هذه الحقيقة، ستظل مصر القديمة حاضرة على الشاشة بوصفها أسطورة جميلة، وغائبة بوصفها واحدة من أعظم التجارب الحضارية في تاريخ الإنسانية.



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المايكرودراما الصينية: حين أعادت الدقائق القليلة تشكيل اقتصا ...
- أسد-.. حين تتحول السينما من صناعة الوعي إلى تزوير التاريخ-
- خريطة الملذات
- مسلسل -اللون الأزرق-: بين جمالية التمثيل وارتباك المعرفة
- عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموت ...
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...
- دراسات ما بعد الاستعمار ودحض دعوات الأفروسنتريك
- رائدات بين الظل والنور: إيفا حبيب المصري.. تقاطعات نسوية في ...
- رائدات بين الظل والنور.. عميدة الصحفيات المصريات، و-ثورة في ...
- رائدات بين الظل والنور: شريفة رياض(7) مواجهة الاستعمار والمس ...
- رائدات بين الظل والنور.. إحسان القوصي(8) و- المرأة والمجتمع-
- رائدات بين الظل والنور ماري كحيل(6) رائدة العمل النسوي والحو ...
- رائدات في الظل والنور..إستر فانوس شعلة التنوير (5).


المزيد.....




- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...
- اعتقال كوميدي تركي بتهمة إهانة الإسلام وأردوغان
- وشم باللغة الروسية.. مشجعة مكسيكية تخطف الأنظار في كأس العال ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مصر المتخيَّلة؟