هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية
(Howaida Saleh)
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 23:01
المحور:
الادب والفن
حين يقترب صناع السينما من حقبة تاريخية، أو يستلهمون التاريخ لبناء عالم متخيَّل، فإنهم لا يقدمون مجرد مادة للترفيه، بل يشاركون في تشكيل الطريقة التي يرى بها الجمهور الماضي ويفهمه. فالسينما قادرة على بناء وعي جديد، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى وعي زائف، خاصة عندما تُستخدم البنية التاريخية كغطاء لصياغة أحداث متخيلة تُقدَّم للمشاهد بوصفها حقائق أو وقائع قابلة للتصديق. وهنا تقع الدراما، بقصد أو من دونه، في فخ الأيديولوجيا الموجَّهة؛ إذ تصبح الحكاية الفنية وسيلة لإعادة تشكيل التاريخ وفق تصورات معاصرة، لا وفق حقائقه الفعلية.
السينما اليوم لم تعد مجرد صورة ممتعة أو حكاية عابرة، بل أصبحت واحدة من أقوى الأدوات القادرة على صناعة الوعي، وأحيانًا على إعادة كتابة التاريخ نفسه. ومن هنا أُثير جدل كبير حول فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان وإخراج محمد دياب؛ إذ تجاوز النقاش حدود التقييم الفني المعتاد، ليمتد إلى الأسئلة المرتبطة بالتاريخ والهوية والصورة التي يرسخها العمل في ذهن المشاهد.
الإشكالية الأساسية في الفيلم لا تتعلق بضعف التنفيذ، بل تكاد تكون على النقيض تمامًا. فالعمل يبدو واضحًا أنه أُنتج بميزانية ضخمة، وجرى تنفيذه بعناية كبيرة على مستوى الصورة والديكور وتصميم المعارك، إلى جانب موسيقى تصويرية لافتة وضعها هشام نزيه. غير أن السؤال الأهم يبقى: ما السردية التي وُظِّف كل هذا الإبهار لخدمتها؟ وهل نحن أمام معالجة تاريخية حقيقية، أم أمام قالب هوليوودي أُعيد تغليفه بديكور مصري؟
منذ المشاهد الأولى يحاول الفيلم إقناع المتلقي بأنه يغوص في عمق المجتمع المصري وتاريخه، لكنه في المقابل يقدم صورة تبدو بعيدة عن السياق المصري، سواء من حيث البنية الاجتماعية أو طبيعة العلاقة التاريخية بين المصريين وشعوب أفريقيا. ويبدو أن صناع العمل وقعوا في فخ استنساخ النموذج الأمريكي الخاص بتاريخ العبودية، ثم إسقاطه بصورة مباشرة على الواقع المصري دون مراعاة الفوارق التاريخية والثقافية.
فالمشاهد التي تتضمن الأقفاص الحديدية، وإطعام البشر كما لو كانوا حيوانات، وصور الإذلال الجماعي المنهجي، تستحضر بصورة مباشرة الإرث البصري المرتبط بتاريخ العبودية في الغرب الحديث، خاصة تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي ومزارع القطن الأمريكية التي قامت على تحويل الإنسان الأسود إلى "سلعة" اقتصادية خالصة تُباع وتُشترى وتُستهلك في إطار منظومة رأسمالية وعنصرية متكاملة. لقد كان الرقيق في التجربة الغربية الحديثة جزءًا من مشروع استعماري ضخم بُني على الاختطاف الجماعي، والنقل القسري في السفن، والعمل حتى الموت، مع ترسيخ تصنيفات عرقية تعتبر أصحاب البشرة السوداء أدنى مرتبة إنسانية بطبيعتهم.
أما في التاريخ الإسلامي، ورغم أن مؤسسة الرق نفسها تبقى جزءًا من تاريخ إنساني قاسٍ لا يمكن تبريره بمعايير العصر الحديث، فإن صورتها التاريخية اختلفت من حيث البنية القانونية والاجتماعية. فالرق لم يقم على أساس عرقي خالص، ولم يكن اللون معيارًا ثابتًا للعبودية أو الدونية الاجتماعية، كما حدث في الغرب الحديث. كما أن الرقيق في المجتمعات الإسلامية امتلكوا – بدرجات متفاوتة – حقوقًا قانونية وإنسانية معروفة في الفقه والعرف، ووجدت مسارات متعددة للتحرر والاندماج الاجتماعي، بل والوصول أحيانًا إلى مواقع النفوذ والسلطة. ويكفي أن دولة بأكملها كدولة المماليك قامت على طبقة من المماليك الذين تحولوا من عبيد إلى حكام وقادة عسكريين، كما صعدت شخصيات مثل كافور الإخشيدي إلى سدة الحكم دون أن يتحول لون البشرة إلى حاجز اجتماعي مطلق كما في التجربة الغربية العنصرية.
لهذا يبدو استنساخ الصورة الأمريكية الحديثة للعبودية، بكل رموزها البصرية والنفسية، وإسقاطها حرفيًا على السياق المصري أو الإسلامي، نوعًا من الخلط التاريخي الذي يتجاهل الفوارق العميقة بين نظامين مختلفين في النشأة والبنية والسياق الحضاري، حتى وإن اشتركا في القسوة الإنسانية الأساسية الكامنة في فكرة استعباد الإنسان للإنسان.
ويشير التاريخ إلى أن مصر عرفت شخصيات ذات أصول أفريقية وصلت إلى أعلى مراتب السلطة، مثل كافور الإخشيدي، كما قامت دولة المماليك لقرون على طبقة جاءت في الأصل عبر نظام الرق العسكري ثم تحولت إلى نخبة حاكمة. وفي العصر الحديث لم يكن اللون أو الأصل العرقي حاجزًا أمام القبول الشعبي لشخصيات سياسية بارزة مثل الرئيس الراحل أنور السادات. لذلك يرى كثيرون أن نقل النموذج الأمريكي بكل تعقيداته العنصرية إلى التاريخ المصري يبدو تبسيطًا مخلًا، بل وإعادة تركيب لوقائع لا تنتمي إلى السياق نفسه.
المخرج حاول الدفاع عن العمل باعتباره “خيالًا سينمائيًا”، لكن هذا التبرير لا يرفع عنه مسؤولية التعامل مع التاريخ بحذر، خاصة عندما يُقدَّم الفيلم في إطار يوحي بالاستناد إلى وقائع واقعية. وكان يمكن – دراميًا وتاريخيًا – نقل الأحداث إلى سياقات أكثر قربًا من الفكرة المطروحة، مثل ثورة الزنج في العراق خلال القرن التاسع الميلادي، بدلًا من إقحامها داخل التاريخ المصري بصورة مرتبكة.
هذا الارتباك يظهر كذلك في الخلط الزمني الواضح داخل الفيلم. فبينما توحي بعض الحوارات بأن الأحداث تدور في زمن قريب من إلغاء تجارة الرقيق خلال عصر الخديوي إسماعيل، تأتي الملابس والأسلحة وبعض المظاهر البصرية أقرب إلى عصور العباسيين والخيال الشعبي المرتبط بها. وهو ما يخلق حالة من التشوش التاريخي يصعب تجاهلها، خصوصًا في عمل يراهن على الإقناع البصري والدقة الإنتاجية.
وحتى إذا افترضنا حسن النية، وأن الفيلم يسعى إلى تقديم رسالة إنسانية ضد القهر والعبودية، فإن السؤال يظل قائمًا: لماذا تُمرَّر هذه الرسالة عبر بناء تاريخي مرتبك ومشوَّه؟ فالقضايا الإنسانية الكبرى لا تحتاج إلى تزييف الوقائع أو إعادة تركيب التاريخ بصورة تخدم سرديات معاصرة على حساب الحقيقة. وكان بإمكان صناع العمل الوصول إلى الفكرة نفسها دون الاصطدام بالتاريخ المصري أو تشويه صورته، فقط لو التزموا بالسياق الحقيقي للأحداث واستلهموا واقعة موثقة ومعروفة مثل ثورة الزنج في العراق خلال القرن التاسع الميلادي، وهي واحدة من أكبر الثورات المرتبطة بالعبودية في التاريخ الإسلامي، وتحمل من الدلالات الإنسانية والسياسية ما يكفي لبناء عمل درامي ضخم ومؤثر دون الحاجة إلى افتعال سياقات مصرية غير دقيقة.
لكن خطورة الفيلم لا تتوقف عند حدود الخلط التاريخي، بل تتضاعف لأنه يأتي في توقيت شديد الحساسية، تتصاعد فيه سرديات أيديولوجية تحاول إعادة تفسير التاريخ المصري وفق تصورات مؤامراتية، وفي مقدمة ذلك خطاب جماعات "الأفروسنتريك" التي تروّج لفكرة أن أصحاب البشرة السوداء هم "الصناع الحقيقيون" للحضارة المصرية القديمة، وأن المصريين المعاصرين استولوا على هذا التاريخ أو شوّهوا هويته. وهي سردية تفتقر إلى الدقة التاريخية، وتتجاهل حقيقة أن الحضارة المصرية نشأت وتطورت عبر آلاف السنين داخل سياق حضاري مصري متصل، سبق فترات الحكم الكوشي بقرون طويلة.
لا يمكن إنكار وصول حكام كوشيين إلى السلطة خلال مرحلة من مراحل الضعف السياسي في مصر القديمة، لكن تحويل هذا التداخل التاريخي إلى ادعاء بأن الحضارة المصرية كلها "صناعة أفريقية سوداء" بالمعنى الأيديولوجي المعاصر، هو تبسيط دعائي يتجاهل الكم الهائل من البرديات والنقوش والآثار التي توثق تطور الدولة المصرية وحضارتها عبر عصور متعاقبة سبقت ذلك بكثير. ومن ثم يجب أن يطرح سؤال: لماذا لم يترك حكام إفريقية"السوداء" أي آثار حضارية تكشف أنهم صنعوا حضارة يوما؟!.
ومن هنا تصبح الأعمال الفنية التي تقدم صورة مشوشة أو مضللة عن التاريخ المصري مادة جاهزة للتوظيف داخل هذه السرديات، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا من صناعها. فبدل أن يفتح الفن بابًا لفهم أكثر تعقيدًا وعمقًا للتاريخ، يتحول – أحيانًا – إلى أداة تمنح الخطابات الشعبوية والمزيفة غطاءً بصريًا وعاطفيًا يساعدها على الانتشار، خصوصًا لدى جمهور لا يملك خلفية تاريخية كافية للتمييز بين الدراما والوقائع الموثقة.ومن هنا تصبح أي معالجة مشوهة للتاريخ المصري، حتى لو جاءت تحت لافتة الفن، مادة قابلة للتوظيف داخل هذه الخطابات التي تعتمد أصلًا على الانتقاء والتزييف وإعادة تركيب الوقائع لخدمة ادعاءات سياسية وهوياتية معاصرة.
لذلك لم يكن الأمر بحاجة إلى اختلاق صورة لمصر بوصفها بيئة قائمة على الاستعباد العنصري وفق النموذج الأمريكي الحديث، بينما توجد وقائع تاريخية حقيقية وموثقة أكثر ثراءً وتعقيدًا كان يمكن تناولها بصدق ودقة. فالفن حين يستند إلى التاريخ لا يُطلب منه أن يتحول إلى درس أكاديمي جامد، لكنه في المقابل لا يملك الحق في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية على نحو يطمس الفروق بين الحقيقة والاختلاق، أو يمنح الخطابات الزائفة مادة جديدة للترويج والتشويه.
وتزداد حساسية الأمر في ظل التوقيت الذي عُرض فيه الفيلم، في وقت تتصاعد فيه نقاشات مرتبطة بالهوية والتاريخ المصري داخل بعض التيارات الأفروسنتريّة، وما يصاحبها أحيانًا من قراءات متطرفة أو صدامية. لذلك يخشى البعض أن يساهم الفيلم – بقصد أو دون قصد – في تكريس صورة نمطية عن المصريين باعتبارهم مجتمعًا “استعباديًا” بطبيعته، وهي صورة لا تعكس التعقيد الحقيقي للتاريخ المصري ولا علاقته التاريخية بالقارة الأفريقية.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بكيفية توظيف الإمكانات الإنتاجية والفنية الضخمة في السينما المصرية المعاصرة. فبدلًا من تقديم أعمال تتعامل مع التاريخ بحساسية ودقة، يبدو أن بعض المشاريع تنجرف نحو إعادة إنتاج قوالب عالمية جاهزة، ولو على حساب الخصوصية التاريخية والثقافية.
لذا يمكن النظر إلى "أسد" باعتباره عملًا من أعمال الفانتازيا السياسية أو الخيال السينمائي، وهذا حق مشروع لصنّاعه. لكن الإشكال يبدأ عندما يُقدَّم بوصفه انعكاسًا لتاريخ مصر أو تعبيرًا دقيقًا عنه. فالفارق كبير بين توظيف التاريخ كخلفية درامية، وبين إعادة تشكيله بصورة قد تُنتج وعيًا زائفًا لدى الجمهور.
في النهاية، تظل السينما واحدة من أقوى أدوات تشكيل الوعي، ولهذا فإن الخط الفاصل بين الإبداع الفني والتلاعب بالتاريخ يظل بالغ الحساسية. وما يثيره فيلم "أسد" من نقاشات ربما يكون أهم من الفيلم نفسه، لأنه يعيد طرح سؤال قديم ومتجدد: إلى أي مدى يحق للفن أن يعيد كتابة التاريخ؟
#هويدا_صالح (هاشتاغ)
Howaida_Saleh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟