أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جابر احمد - نقد لموقف د. عبد الكريم سروش حول اللغة والثقافة العربية















المزيد.....

نقد لموقف د. عبد الكريم سروش حول اللغة والثقافة العربية


جابر احمد

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:02
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


بقلم المفكر الأهوازي د. كمال سلمان العنزي
الأهوازي

ترجمة: جابر أحمد

طُرِح مؤخراً رأي لعبد الكريم سروش حول اللغتين والثقافتين العربية والفارسية، متمحوراً حول الشعر القديم والحديث (الشعر الحر / قصيدة النثر)، وهو رأي لا يمكن المرور عليه دون مراجعة ونقد. ونظراً لأن سروش فارسي اللقاء والأصل، فمن الطبيعي أن يمتلك القدرة على البيان والخطابة في لغته الأم؛ وإن كان مجرد كونها اللغة الأم ليس كافياً بذاته، فلو حُرِم المرء من الفضل العلمي، والقدرة المعرفية، والثقافية، واللغوية، لكان كلامه بلا قيمة ومهملاً، وهو ما يُستثنى منه سروش بطبيعة الحال.

ولكن المسألة التي لا شك فيها هي أن إبداء الرأي في لغة وثقافة غير أم، يستلزم إحاطة كاملة أو وجود مؤلفات مكتوبة ومنطوقة من قِبل المتحدث. ولما كان الدكتور سروش لا يملك مصنفاً باللغة العربية، فقد كان هذا مسوغاً لتشريح كلامه؛ لا سيما وأنه وجه نقداً لاذعاً وشديد اللهجة للغة العربية وثقافتها. ومن منطلقي الأكاديمي في اللسانيات (Linguistics) أرى من الجدير نقل المناقشة إلى الموضوع المثير للجدل الذي طرحه سروش في مجال اللغة والثقافة العربية، لأبين بعض مغالطاته وإشكالاته؛ وهي إشكالات ناتجة عن كون العربية ليست لغته الأم، ولا يملك سابقة تدريس أو تحدث أو كتابة بها.

لقد انتقد سروش في محاضرته عند حديثه عن اللغة العربية بعض الألفاظ زاعماً أن هذه الكلمات هي من غرائب وهياكل العربية الحديثة الهجينة وواقعها البنيوي المعاصر، بل ذهب إلى حد اعتبار مفردة “تَمَفْصُل” (بمعنى التمفصل أو الهيكلة/Articulation) غير متجانسة مع البنية العضوية للغة ولا تتوافق مع الصياغة اللغوية العربية، ووصفها بتعبير عامي بأنها “عسيرة الفهم” أو أنها من قبيل ما “لا يستسيغه العقل”. وعموماً فإن معظم الإشكالات التي أثيرت في هذه المحاضرة حول اللغة والثقافة العربية غير صحيحة. إن مشكلات اللغتين العربية والفارسية في توليد المصطلحات والمكافئة اللفظية ليست متطابقة، وسأفرد نقاشاً مستقبلياً لتحديد أيهما أضعف لغوياً في هذا المجال، متوسعاً في شرح أنواع التحديات التي تواجهها كلا اللغتين في التعامل مع المصطلحات والمفاهيم الحديثة، مع العلم أن العربية لا تواجه صعوبة في البديل بقدر ما تواجهه الفارسية، إذ تلجأ إلى العربية في ذلك في كثير من الأحيان، وفي العقد الأخير اتجه المجمع العلمي الفارسي إلى اشتقاقات من الفارسية ذاتها.

وفي العودة إلى النقد على الإشكاليات التي أثارها سروش يمكن الإشارة إليها حسب الآتي:

ألف) من الواضح أن معرفة سروش باللغة العربية غير واسعة (والتي تقتصر على قراءة النصوص)، وعدم تمكنه من الإنتاج الشفهي والكتابي، وفقدان الذائقة الثقافية للغة العربية، فإن انتقاده لمفردة “تَمَفْصُل” (Articulation) ليس في محله، كون أن مفردة “تمفصل” متجانسة تماماً مع الوعي والبنية للغة العربية وثقافتها، وتنتمي إلى الاستخدام اللغوي الحديث. وهي أرجح من كلمة “تدوين” التي اقترحها سروش بنفسه، كما أن استخدامها في النصوص الأكاديمية في الدول العربية شائع ومستقر تماماً. وكل من لديه دراية باللغة العربية يعرف يقيناً الفرق بين الفعلين “دَوَّنَ” و”فَصَلَ” (بمصادرها: فصلاً، وفصولاً، وفِصالاً)؛ فهما من مقولة الكلمات المتباينة؛ إذ تعني “دَوَّنَ” سجل وكتب، بينما تعني “فَصَلَ” عزل وجزأ وجعل الشيء مفاصل. فهل مفهوم Articulation هو ذاته “التدوين”؟ وهل مقترحه باستبدال “التدوين” بـ”التمفصل” صحيح وفي محله؟ إننا في مفهوم “التمفصل” من الناحية المعرفية، وبناءً على الدال المركزي (Central Signifier)، نبحث عن مركز محور الخطاب (Discourse)، وهو بحث يقع في إطار المعرفة البشرية الحديثة؛ في حين أن “التدوين” غير وافية لهذا المعنى، ولا تعكس المعنى الحديث لـ Articulation. هذا هو الإشكال الأول في حديث سروش، حيث لجأ إلى “قياس مع الفارق” (مقارنة أمرين لا رابط بينهما). أليس “التمفصل” في العربية و”مفصل‌بندي” في الفارسية على معنى واحد من حيث اللفظ والمعنى؟ وفي الواقع، بصفتي أكاديمياً في اللسانيات، لا أرى أي اختلاف دلالي بينهما.

باء) ينقل سروش في موضع آخر عن سيدة مصرية في ألمانيا ادعاءها بأنها لا تفهم النصوص العربية القديمة! وهذا ادعاء غريب للغاية، حيث إن أساتذة اللغة العربية يحيطون بلغتهم وآدابهم وثقافتهم اللغوية إحاطة كاملة، تماماً كما يحيط سروش بالنصوص الفارسية القديمة ويفهمها، ويبدو أن ثمة مبالغة واضحة في هذا الكلام. ومن جهة أخرى، لا شك أن النصوص الفارسية القديمة ليست سهلة الفهم والاستيعاب على أي متحدث بالفارسية، وهذه القاعدة تنطبق بالتساوي على معظم لغات العالم، ولا علاقة لها بضعف اللغة الفارسية أو العربية.

جيم) لقد أشاد سروش بقواعد “السوابق واللواحق” (Prefix & Suffix) في اللغة الفارسية، واعتبر أن هذه القواعد غير موجودة في العربية، وتعد مصدراً لتفوق الفارسية، فيبدو أنه لم ينتبه إلى أن العربية “لغة تصريفية” (اشتقاقية)، بينما الفارسية “لغة تركيبية” (إلصاقية). فبناءً على أي معيار لسانياتي يمكن تفضيل الخاصية التركيبية على التصريفية وجعلها مصدراً للأفضلية؟ كذلك يبدو أن إشكال سروش على أبواب التصريف في اللغة العربية (الصيغ الصرفية)، والتي حدد عددها بـ12 أو 13 باباً، ليس دقيقاً، وقد نسي أن الصيغ والبنى القياسية للكلمات في العربية هي 14 صيغة من منظور مورفولوجي؛ بمعنى أن اللغة العربية تستخدم هذا النظام المعياري القياسي في جانب صرف الكلمات. وعموماً، فإن كل لغة تستمر في الحياة بناءً على قاعدة القياس والسماع والرواية والمصادر الشاذة والنادرة، وهي تحديداً المساحة التي يمكن للعالم اللغوي المتمكن من خلالها أن يتجاوز البنى المشهورة والمألوفة للغة، ليقوم بصياغة الكلمات وهيكلتها.

هاء) يقول سروش: “اللغة العربية الحديثة غريبة وغير مألوفة…”؛ وهذا كلام من الأساس مغالطة صريحة، فنبرة الكلام توحي وكأن سروش عربي الأصل وملم بمبادئ وقواعد اللغة العربية القديمة والحديثة، أو أنه عالم لغوي ومدرس للأدب العربي! في حين أن خطأه الفادح يكمن في إسقاط معايير وألفة اللغة والثقافة الفارسية وجعلها مقياساً لمدى الألفة مع اللغة العربية. ويبدو أنه نسي تماماً مسألة “اللغة الثقافية” (Cultural Language)؛ فالثقافة واللغة هنا لا تمتلكان حدوداً متطابقة، ولا يمكن باستخدام معايير لغة ثقافية معينة وصف لغة أخرى بأنها غير مألوفة [1].

واو) أشار سروش إلى أن “… اللغة العربية القديمة لا علاقة لها بالمفاهيم المعاصرة…”؛ وهذا الادعاء ليس سوى مغالطة أخرى، والسؤال هنا: هل كانت المفاهيم الحديثة للمعرفة الإنسانية (Humanities) موجودة مسبقاً في اللغة الفارسية القديمة؟ أليست المفاهيم الحديثة قد وُضِعت بعد عصر القرون الوسطى؟ فإذا كان هذا النقص والإشكال يعيب اللغة والثقافة العربية، ألا ينطبق الأمر ذاته وبالقدر نفسه على اللغة الفارسية واللغات الأخرى؟

زاء) يشير سروش أن باحثاً في جامعة جورج تاون (Georgetown University) أعطاه كتاباً لتقييم ترجمته العربية. ولكن، ألم يكن لدى هذا الباحث أي تواصل مع مترجمين من العرب؟ أو لم يكلف نفسه عناء الوصول إلى مترجم عربي مقتدر لمقابلة نص الترجمة وتدقيقه بالكامل؟ يبدو أن استشارة مثقف لا يملك نصاً واحداً باللغة العربية (سواء كان ترجمة أو تأليفاً) لم تكن استشارة صائبة وتفتقر إلى القيمة الأكاديمية.

المحصلة

بناءً على الإشكاليات التي تمت مناقشتها بالإجمال، يبدو أن الحديث عن محاسن وعيوب لغة غير الأم، حتى وإن كان من موقع فكري وثقافي، دون معايير أكاديمية وتمرس بمبادئ وقواعد تلك اللغة، أي العربية، يعد نوعاً من الانفصال عن الحالة التنويرية والفكرية التي يعيشها سروش نفسه، وكان حرياً بهذا المفكر الإيراني، في ظل غياب المعايير المذكورة، أن ينأى بنفسه عن وجهات نظره والآراء العميقة في اللغة والثقافة العربية.

الهوامش والمصادر:

رابط المحاضرة: https://m.youtube.com/watch?v=FrXbsuvbtAg (من الدقيقة 9 فصاعداً)

[1] في ذات المحاضرة، وحين يتعلق الأمر بعدم الإحاطة بدقائق اللغة الأم حتى في اللغة الفارسية، امتنع الدكتور سروش عن إبداء رأيه رداً على سؤال، ودعا السائل إلى استشارة الأستاذ داريوش آشوري.



#جابر_احمد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كتاب -قرنان من الصمت-؛ كتاب تاريخ أم كتاب شتائم؟
- محافظ الأهواز الجديد وفشله في حل المشاكل
- تقرير حقوقي يكشف معاناة الكاتب والناشط الاهوازي مصطفى جمال و ...
- إعدام شاب عربي في سجن سبيدار بمدينة الأهواز
- الناشطة الإيرانية سبيده قليان تفضح أساليب التعذيب الممنهج لل ...
- مؤتمر في الجمعية الوطنية الفرنسية دفاعا عن حقوق الانسان
- منظمة حقوق الإنسان الأهوازية تدين محاكمة أربعة معتقلين عرب أ ...
- اعتقال الناشط الأهوازي المدني مجاهد سواري
- الدكتور كريم عبديان: الفيدرالية حل واقعي لمستقبل إيران وتعدد ...
- اعتقالات ليلية تطال مواطنين عرب في حي كوت عبد الله بالأهواز ...
- “صرخة العطش” بيان صادر عن مجموعة نشطاء البيئة العرب في إقليم ...
- إعدام مواطن أهوازي
- ملامح من الإبداع الثقافي في أعمال الأديب الاهوازي توفيق النص ...
- المحكمة العليا للثورة الإسلامية تصادق على أحكام الإعدام الصا ...
- نقد الروايات المتعلقة بعلاقة لغات الأخمينيين والساسانيين وال ...
- ​حديث حول الفيدرالية في إيران
- تأييد حكم الإعدام الصادر بحق الناشط الثقافي الأهوازي -حسن مص ...
- الشعب العربي الأهوازي والأساليب التي اتبعها للحفاظ على لغته ...
- رحيل شخصية اهوازية مرموقة ساهمت في النضال الوطني الأهوازي
- رثاء رفيق الدرب المناضل رحيم جاردي -أبو فادي-


المزيد.....




- قط رئيس وزراء بلجيكا يدخل على خط أزمة -البطاقة الحمراء لبالو ...
- الكنيست الإسرائيلي يوافق بالقراءة الأولى على مشروع تشكيل لجن ...
- استقالة لجنة الطوارئ الحكومية في غزة تمهيدا لنقل إدارة القطا ...
- لافروف يصل إلى أديس أبابا في مستهل جولة إفريقية
- سيناتور روسي ينتقد تصريحات الرئيس الفنلندي حول ضربات كييف عل ...
- -بلومبرغ-: مؤسس منتدى دافوس يتوجه إلى الشرطة بعد اكتشاف التن ...
- مندوب أمريكي: نريد من الحلفاء أن يشتروا أسلحتنا
- القضاء المغربي يحكم بالسجن والغرامة على يوتيوبر شهير بعد فيد ...
- البحر الأحمر على صفيح ساخن.. تقرير فرنسي يكشف ما يحدث في -أر ...
- ستوب: قادة الناتو يؤيدون ضربات أوكرانيا في العمق الروسي


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - جابر احمد - نقد لموقف د. عبد الكريم سروش حول اللغة والثقافة العربية