جابر احمد
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 23:43
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
تُعدّ العلاقة بين اللغة والهوية العربية في الأهواز من أكثر القضايا الاجتماعية والثقافية تعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديث؛ إذ لم تكن اللغة العربية مجرد وسيلة للتواصل بين أفراد المجتمع وحسب، بل تحولت عبر الزمن إلى أحد أهم رموز الانتماء الجماعي والذاكرة التاريخية. ومن خلال تتبع التطورات التي شهدها المجتمع العربي الأهوازي خلال القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، يتضح لنا أن المحافظة على اللغة العربية لم تكن عملية ثقافية عفوية فحسب، بل جاءت في سياق تفاعل مستمر بين عوامل اجتماعية وتاريخية وسياسية، دفعت المجتمع إلى التمسك بلغته بوصفها أحد أهم مقومات وجوده الثقافي.
فقبل التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال القرن العشرين، كانت العربية تمثل اللغة الطبيعية للحياة اليومية في معظم المدن والقرى العربية في الأهواز. وكانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية تجري ضمن بيئة عربية متجانسة نسبيًا، حيث انتقلت اللغة من جيل إلى آخر بصورة طبيعية داخل الأسرة والقبيلة والمجتمع المحلي. ولم تكن العربية مجرد لغة تخاطب، بل كانت لغة التراث الشعبي والأدب الشفهي والتقاليد الاجتماعية، الأمر الذي منحها مكانة راسخة في الوعي الجمعي للمواطنين.
ومع التحولات السياسية والإدارية التي رافقت بناء الدولة الحديثة وظهور الأسرة البهلوية، ومن ثم ضم وإلحاق إقليم الأهواز للدولة المركزية، بدأت تظهر سياسات تهدف إلى محو اللغة والثقافة العربية داخل المجال العام، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع اللغة العربية في الأهواز. وقد أدى تقلص حضور العربية في المؤسسات الرسمية والتعليم والإدارة إلى نشوء شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من المجتمع العربي الأهوازي بضرورة المحافظة على اللغة وعناصر هويته الثقافية الخاصة. وفي هذا السياق، لم تعد اللغة العربية مجرد أداة للتواصل، بل تحولت إلى رمز للانتماء ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية في مواجهة مخاوف التهميش الثقافي وفقدان الخصوصية التاريخية.
ومن هنا يمكن فهم السبب الذي جعل المجتمع الأهوازي يتمسك بلغته وهويته وتراثه بصورة لافتة خلال العقود الماضية؛ فكلما ازدادت الضغوط التي تحد من حضور اللغة العربية في الفضاء العام، ازداد ارتباط الناس بها داخل الفضاءات الاجتماعية غير الرسمية. وقد ظهرت هذه الحالة بوضوح داخل الأسرة والعشيرة والمجالس الدينية والمناسبات الاجتماعية، حيث استمرت العربية كلغة أساسية للتواصل ونقل القيم والتقاليد والمعارف الشعبية. وهكذا نشأت علاقة متبادلة التأثير بين اللغة والهوية؛ فالشعور بالانتماء إلى الهوية عزز التمسك باللغة، بينما أصبحت اللغة الوسيلة الأبرز للتعبير عن هذا الانتماء.
وفي هذا السياق، أدت الكتاتيب التقليدية دورًا بالغ الأهمية في حماية اللغة العربية والمحافظة عليها؛ فقد كانت هذه الكتاتيب التعليمية التقليدية تقوم بتعليم الأطفال القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم مبادئ اللغة العربية والعلوم الدينية. ومن خلالها اكتسبت أجيال متعاقبة مهارات القراءة والكتابة بالعربية في وقت كانت فيه فرص التعليم العربي محدودة. وقد ارتبطت هذه المرحلة بأسماء شخصيات مهمة تركت أثرًا بالغ الأهمية في أوساط المجتمع العربي، ولعل من بين هذه الشخصيات يمكن ذكر اسم: السيد عبد المطلب، وملا حنش، وملا بنات في حي رفيش بمدينة الأهواز، بالإضافة إلى الملاية شبلة التي أسهمت في تعليم البنات ونقل المعرفة الدينية واللغوية إليهن. وقد مثلت هذه الكتاتيب مراكز للحفاظ على اللغة بقدر ما كانت مؤسسات تعليمية، وأسهمت في نقل الهوية الثقافية من جيل إلى آخر.
وهنا لابد لي أن أشير إلى أن الشاعر الشعبي المعروف، المرحوم ملا فاضل السكراني، هو من خريجي هذه المدارس التقليدية. كما أن الكتاتيب قد انتشرت في معظم الأرياف الأهوازية أيضًا؛ فجميع مناطق الريف الأهوازي قبل تأسيس المدارس الحكومية الحديثة كان المواطنون يتعلمون فيها المبادئ الأولية للقراءة والكتابة عبر هذه الكتاتيب. وكان خريجوها من الأطفال بعد حفظ القرآن تقام لهم مراسم فرح خاصة، مرفقة بالهلاهل والضرب على الطبول وترديد هتافات ذات طابع ديني.
وبما أنني ولدت في قرية متواضعة من قرى وادي ميسان -أو ما تسميه إيران بـ "دشت ميشان"- فقد كنت في طفولتي أشارك في هذه الاحتفالات، وكان من يشرف على التدريس رجل مسن اسمه "ملا بدر"، وكان يتقاضى لقاء تعليمه لأطفال القرية مبالغ زهيدة من المال، ويقال إنه كان يُدرّس حتى أبناء الطائفة المندائية الصابئة أو "الصّبّة". ولعل ما يؤكد ذلك بيت الشعر الشعبي على وزن الميمر المنسوب للملا بدر، والذي تناقلته الأجيال جيلًا بعد جيل، حيث يقول فيه:
لأقعد على درب الولف وأتصبّه
ودموع عيني كالمطر وأتصبّه
ساده وعوام أنا اجمعت وصَبّه
بهذا الزمان أريدها بس تثمر
وعندما افتتحت المدارس الحكومية في قرى ميسان التابعة لناحية البستين، التابعة لقضاء الخفاجية، كان النظام يدرك ردة فعل المواطنين، لذلك انتهج سياسة ناعمة؛ حيث اختار معلمي مدارس هذه القرى من أبناء الوجهاء ورؤساء القبائل، ومن ثم أسس معهدًا لإعداد المعلمين في مدينة الخفاجية سُمي بالفارسية "دانشسراي عشائري" (دار المعلمين العشائرية)، لتدريب هؤلاء المعلمين على كيفية التعامل في تدريس المناهج الحكومية للأطفال، وكلها مناهج فارسية حكومية. ومع مرور الوقت، طعّم النظام هذه المدارس بمعلمين وافدين لا يجيدون العربية نهائيًا.
وإلى جانب التعليم التقليدي، لعبت البنية القبلية دورًا محوريًا في حماية الهوية اللغوية؛ فالقبيلة لم تكن مجرد إطار اجتماعي، بل كانت مؤسسة ثقافية تقليدية حافظت على منظومة القيم والعادات وأنماط التعبير الشفهي المرتبطة باللغة العربية. وذلك من خلال المجالس العشائرية، واللقاءات الاجتماعية، ومختلف المناسبات؛ وبذلك استمرت العربية لغة حية في الحياة اليومية، وهو ما ساعد على نقلها بصورة طبيعية بين الأجيال. كما ساهم التراث الشعبي، بما يضمه من حكايات وأمثال وأهازيج وأغانٍ شعبية، بدور مهم في حفظ الكثير من المفردات والمصطلحات والأساليب التعبيرية التي شكلت جزءًا من الخصوصية الثقافية للمجتمع العربي الأهوازي.
وعليه، لا يمكن دراسة الهوية العربية في الأهواز دون التوقف عند الدور الذي لعبته دول الجوار خلال الحقب الماضية؛ فقد شكلت هذه الدول، وخاصة الكويت، واحدة من أهم الوجهات التي استقبلت آلاف الأهوازيين الباحثين عن العمل على امتداد عقود طويلة لأسباب اقتصادية أو اجتماعية. ولم يقتصر تأثير هذه الهجرة على الجانب المعيشي للمواطن الأهوازي فحسب، بل امتد إلى المجال الثقافي واللغوي بصورة واضحة؛ فقد وجد الأهوازيون في الكويت بيئة عربية ساعدتهم على المحافظة على لغتهم وتعزيز ارتباطهم بالثقافة العربية المعاصرة. كما أسهمت العلاقات الأسرية والتجارية والثقافية المستمرة بين الأهواز ودول الجوار مثل العراق في نقل الكثير من الأنماط الاجتماعية والثقافية واللغوية، الأمر الذي جعلها تؤدي دورًا مهمًا في دعم استمرارية الهوية العربية الأهوازية وربطها بالمحيط العربي الأوسع. وعليه يمكن القول إن القرب الجغرافي والتاريخي لعب دورًا مهمًا في استمرار التفاعل الثقافي واللغوي، وهو ما وفر للمجتمع الأهوازي مصادر دعم ثقافي خارجية ساعدت على تعزيز حضور اللغة العربية. وقد انعكس هذا التواصل في اللهجات، والعادات الاجتماعية، والأدب والشعر الشعبي، مما أسهم في ترسيخ شعور الانتماء إلى فضاء ثقافي عربي أوسع من الحدود السياسية القائمة.
ومن الناحية اللغوية، تأثرت اللهجة العربية الأهوازية في بعض المناطق بفعل التعامل مع مجتمع الناطقين بالفارسية، نتيجة قرن كامل تقريبًا من الاحتكاك اليومي داخل المدرسة، والإدارة، والمؤسسات الرسمية، ووسائل الإعلام، والفضاء العام، مما أدى إلى دخول بعض الكلمات الفارسية في الاستعمال اليومي لبعض المتحدثين بالعربية. غير أن هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد تبادل لغوي طبيعي بين مجتمعين متجاورين فحسب، بل ينبغي فهمها أيضًا في إطار البيئة اللغوية التي وجد فيها الإنسان الأهوازي نفسه محاطًا باللغة الفارسية في معظم مجالات الحياة العامة منذ خروجه من منزله وحتى عودته إليه. ورغم ذلك، احتفظت اللهجة العربية الأهوازية ببنيتها الأساسية وخصائصها العربية، وظلت قادرة على أداء وظائفها الاجتماعية والثقافية بوصفها لغة أم لملايين المتحدثين بها.
ومع تطور وسائل الإعلام الحديثة خلال العقود الأخيرة، دخلت المنطقة مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين اللغة والهوية؛ فقد أتاحت القنوات الفضائية العربية ومنصات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فرصًا واسعة للتواصل المباشر مع العالم العربي، ومتابعة الإنتاج الثقافي والإعلامي، وخاصة المسلسلات والأفلام العربية. ووفرت هذه الوسائل فضاءات جديدة للتعبير عن الهوية ونشر الأدب والشعر والمحتوى الثقافي العربي، الأمر الذي أسهم في تعزيز الوعي اللغوي والثقافي لدى الأجيال الشابة وربطها بامتدادها الحضاري العربي.
وتكشف هذه التجربة التاريخية أن اللغة العربية في الأهواز لم تستمر فقط لأنها لغة موروثة، بل لأنها أصبحت على مدار عقود طويلة رمزًا للانتماء القومي ووسيلة للدفاع عن الخصوصية الثقافية. فكلما واجه المجتمع تحديات تتعلق بهويته، ازداد تمسكه بلغته، وكلما حافظ على لغته حافظ في الوقت نفسه على هويته وذاكرته الجماعية وتراثه التاريخي. ومن هنا تبدو العلاقة بين اللغة والهوية علاقة جدلية متكاملة، حيث تستمد كل منهما قوتها واستمرارها من الأخرى.
وفي هذا الإطار، يحتل الشعر الشعبي مكانة استثنائية في تاريخ الأهواز الثقافي؛ لأنه كان الوعاء الذي حفظ اللغة ونقل المشاعر الجماعية وسجل التحولات الاجتماعية عبر الأجيال. وقد برز في الساحة الثقافية عدد من الشعراء الذين لعبوا دورًا مهمًا في ترسيخ الحضور الثقافي للغة العربية والدفاع عن الهوية من خلال شعرهم العامي والفصيح، وفي نشر الثقافة العربية وترسيخ مكانتها لدى أبناء الشعب العربي الأهوازي، حيث بقيت قصائدهم وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية وتأكيد الانتماء الثقافي، ولتبقى اللغة العربية حاضرة في الوجدان الأهلي بوصفها عنوانًا للهوية وجسرًا يربط الماضي بالحاضر.
أبرز التصويبات التي تم إجراؤها:
تعديل الكلمات المنتهية بتنوين الفتح الزائد (مثل: أيضاً، جيلاً، نهائياً) إلى الصياغة الإملائية الصحيحة المعتمدة على الألف (مثل: أيضًا، جيلًا، نهائيًا).
تصحيح مواضع همزات القطع والوصل في بعض الكلمات لضمان الدقة اللغوية.
#جابر_احمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟