أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى حال الإضرابات (3)















المزيد.....

نظرة إلى حال الإضرابات (3)


عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 03:01
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


مقارنة بين وضعين:
نُحاول هنا تَلمس ردٍ على أحد الأسئلة المهمة، وهو:
ما هي الفوارق الجوهرية في مجال طبيعة الإضرابات و الظروف المحيطة بها بين الدول المتقدمة والنامية؟
توجد فوارق جوهرية واضحة ومؤثرة بصدد طبيعة الإضرابات و الظروف المحيطة بها بين الدول المتقدمة والدول النامية، نتوقف هنا عند أبرزها. ولكن من البداية نقول: ينبغي في الوقت نفسه الحذر من التعميم في هذا الميدان، لأن الأوضاع تختلف من بلد إلى آخر، سواء كان ذلك بين الدول المتقدمة نفسها أو النامية. ومع ذلك هذا الحال أو الواقع لا يُلْغِي إمكانية ملاحظة بعض المظاهر والاتجاهات والمؤشرات العامة المشتركة عند الجميع أيضًا:

ـ قوة النقابات واستقلاليتها:
توجد في الدول المتقدمة عادة نقابات ذات خبرة تنظيمية وموارد مالية وقانونية، تمكنها من إدارة إضرابات لفترات طويلة و للتفاوض مع أرباب العمل. أما في الدول النامية ففي الغالب تعاني النقابات من ضعف الموارد أو الانقسام الداخلي أو محدودية الاستقلالية. هذه العوامل سواءً كانت منفردة أو مجتمعة تؤدي إلى إضعاف قدرة النقابات على التعبئة.

ـ أهداف الإضرابات:
تتركز المطالب في الدول المتقدمة غالباً حول: الأجور، ساعات العمل، التقاعد، التأمين الصحي، ظروف العمل وحماية الوظائف. أما في الدول النامية فقد تمتد المطالب إلى قضايا أكثر أساسية مثل: دفع الرواتب المتأخرة، رفع الحد الأدنى للأجور، الأمن الوظيفي، مكافحة الفساد الإداري، وفي كثير من الأحيان تتضمن مطالب وقضايا سياسية عامة تتجاوز مكان العمل نفسه.

ـ قدرة العمال على تحمل تبعات الإضراب:
هذه نقطة مهمة جدًا لأنها تتعلق بوجود قدرات مالية و قدرة على الإدخار أو عدمه. في الدول المتقدمة قد يمتلك العامل مدخرات أو يستفيد من صناديق دعم نقابية، تساعده على تحمل توقف الدخل لفترة معينة. أما في الدول النامية فإن نسبة كبيرة من العمال تعتمد على الدخل اليومي أو الشهري المباشر، لسد الاحتياجات المباشرة يومًا بيوم أو شهرًا بشهر. مما يجعل الاستمرار في الإضراب لفترات طويلة أكثر صعوبة وخارج قدرات المضربين على المواجهة لفترة طويلة.

ـ الإطار القانوني:
يُعترف بالإضراب في كثير من الدول المتقدمة كحق قانوني للعاملين بمختلف الحقول الانتاجية وفي المؤسسات الأخرى، حيث توجد إجراءات واضحة لتنظيمه، مثل: التصويت النقابي والإشعار المسبق والتفاوض الإلزامي بين طرفي المعادلة من مالكين وعمال. أما في الدول النامية، يكون الحق بالإضراب مقيدًا بقوانين أكثر صرامة، أو قد تواجه النقابات تدخلاً حكوميًا أكبر من ذلك، أو في أحسن الأحوال تكون آليات حماية المضربين ضعيفة.

ـ العلاقة مع السياسة:
في الدول المتقدمة غالبًا ما تبقى الإضرابات ـ وإن لم يكن ذلك دائمًا ـ مرتبطة بقضايا العمل المباشرة. أما في عدد من الدول النامية فتتشابك المطالب الاجتماعية والاقتصادية مع المطالب السياسية بدرجة أكبر، بحيث يصعب أحيانًا الفصل بين الإضراب المهني والاحتجاج السياسي. تدفع الحكومات والشركات بإتجاه تجريد الفعل الإحتجاج المطلبي من طابعه الحقوقي، والعمل على تنسيبه إلى فعل سياسي مجرد لتبرير القسوة في مواجهته.

ـ التغطية الإعلامية والرأي العام:
تحظى الإضرابات الكبرى في الدول المتقدمة عادة بتغطية واسعة. ويجري نقاش علني حول مطالب العمال وتأثير الإضراب على المجتمع. لكن في الدول النامية تغيب مثل هذه الحالات، حيث تكون التغطية الإعلامية محدودة أو منحازة أو خاضعة لاعتبارات سياسية واقتصادية مختلفة.

ـ مفارقة مهمة:
على الرغم من أن الدول المتقدمة تتمتع عادة بحقوق نقابية أقوى، لكن عدد أيام الإضراب في بعض الفترات، قد يكون أقَلَّ مما هو عليه الحال في بعض الدول النامية. يعود السبب الأساسي إلى وجود مؤسسات وآليات تفاوض فعالة وأساليب مرنة لتسوية النزاعات. تسمح تلك الأسباب بحل كثير من الخلافات قبل الوصول إلى الإضراب. بعبارة أخرى، إن قلّة الإضرابات لا تعني دائمًا ضعف العمال، كما أن كثرتها لا تعني دائمًا قوة الحركة العمالية. ففي بعض الأحيان تكون قلّة الإضرابات دليلاً على نجاح التفاوض، وفي أحيان أخرى تُشير إلى ضعف قدرة العمال على الاحتجاج. هذه مسألة تستحق المزيد من الملاحظة والتدقيق واستكشاف أعماقها، ومعرفة خفاياه، وفهم حقيقتها.

ـ العمل على طريق الحد من الهيمنة الرقمية: تحتاج الفترة الراهنة إلى جهود كبيرة من جانب القوى الداعية إلى العدالة الاجتماعية، من أجل خلق حالة للتحرر من تلك الهيمنة، التي منحت قوى النفوذ السياسي والاقتصادي طاقات جديدة، لإضعاف الطاقات الإحتجاجية لشغيلة اليد والفكر بكل أنواعها و بمختلف درجاتها. تُبذل جهودٌ من جانب قوى النفوذ لترسيخ أشكال جديدة و متعاظمة، من: الاستعمار الرقمي، المراقبة الخوارزمية، الحوكمة الرقمية وتزايد نفوذ الشركات. صحيح أن المعركة غير متكافئة الآن بين الطرفين، ولكن توجد مساحة في مجال طاقات الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية، يمكن استثمارها وتطويرها في مجالات العمل الإنساني والنضالي، من قبل القوى الوطنية المؤمنة بالعدالة الاجتماعية. وكما نسعى إلى العدالة الإجتماعية ينبغي أن نسعى إلى فرض العدالة الرقمية.

وردت إشارات ومؤشرات سابقة، تفيد بأن النشاطات الاضرابية قد تضاءلت عالميًا. هذه قراءة في الواقع لظواهر وحالات، مازالت تستحق المزيد من الدراسات الاجتماعية والإحصائية عنها و حولها قبل إطلاق الأحكام النهائية. يتطلب الواقع الفعلي بالمقابل من الزاوية الأخرى ملاحظة الصورة كاملة، وكذلك سير الوقائع والأحداث. ربما الأقرب إلى الواقع القول: أن السنوات الأخيرة شهدت أيضًا عودة نسبية للنشاطات العمالي في عدد من الدول، تحركت خصوصًا بسبب التضخم وارتفاع أسعار السكن والطاقة والرعاية الصحية. وقد برزت إضرابات في قطاعات التعليم، الرعاية الصحية، النقل، الموانئ وشركات التكنولوجيا والخدمات. بديهي أن مثل هذه الخلاصات تختلف كثيرًا حسب طبيعة النظام السياسي والنقابي في كل البلد. كما تختلف طبيعة الحكومات في التعامل مع المضربين، وتختلف نوعية تناول الإضرابات في وسائل الإعلام وتأثيراتها على مستوى الوعي الإجتماعي.

تقع مسؤوليات كبيرة على القوى الوطنية واليسارية عامة، بصدد تطوير نشاطاتها الاعلامية لدعم النضالات العمالية، لاسيما تلك التي تصل إلى مستوى الإضراب، والسعي لإيصال نبض الإحتجاجات إلى أوسع نطاق اجتماعي. هذا النشاط لا يقف عند حدود إيصال أخبار تلك الفعالية، التي تسعى قوى الهيمنة للحد من تأثيرها. بل ينبغي على القوى اليسارية العمل على شد أزر العمال والشغيلة، بما يُعيد ثقة الشغيلة بأنفسهم. وأن تُؤَكِد لقوى العمل، بأنهم هم وثمار عملهم، هو مصدر قوة مُضطَهديهم. إن قوى الاستغلال قد تنامت من خلال سلب حقوقهم الانتاجية.

تشير الكثير من الدراسات إلى وجود حالة إنطفاء نسبي في مجالات النضال المطلبي. وترى أن ذلك يَكمن فيما أصاب اليسار من حالات ارتخاء في المواجهات على طريق النضال من أجل العدالة الإجتماعية. إن معظم التجارب التاريخية الظافرة، قد جاءت بفعل إدراك قوى التغيير لطبيعة الواقع القائم حولهم وفي داخل صفوفهم، ومن الإعتراف بكل نقاط الخلل والضعف والانحسار الداخلي والتصدي لتلك المظاهر بحزم و واقعية، والاحتكام إلى رأي الأغلبية المعنية بالإصلاح، والعمل على تطوير أساليب العمل المشترك.

كل أساليب النضال المجربة ينبغي أن تحظى بالإحترام المناسب. وإن ضرورات كل مرحلة هي التي تقرر الأسلوب النضالي الرئيس، هذا دون تجاهل الأساليب الأخرى والمكملة، والعمل على تحقيق أفضل حالات التضافر بين جميع الوسائل النضالية المتوفرة فعلًا. ومن الضروري استخلاص العبر من كل التجارب السابقة أيضًا. والتوقف النقدي التحليلي عند الأساليب الفاشلة والمُكلفة منها. لا تختلف الجرأة النقدية للذات من حيث الأهمية، عن الجرأة في ممارسة الكفاح اليومي المباشر ضد كل أنواع القهر والاستغلال.

كما ينبغي ألّا تبخس أو يستخف بخبرات القوى الإمبريالية والرجعية المحلية في محاربة قوى العدل الاجتماعي وأنصار حقوق الشعوب والكادحين. هم لديهم مصادر قوة كبيرة: أموال، سلاح، خبراء متخصصين، شبكات رصد، متابعة وقوانين طوارئ وغير ذلك الكثير. لكن ينبغي أن يُعرف في الوقت نفسه، بأنهم ليسوا كلي القدرة، ولديهم ثغراتِهم الخاصة التي ينبغي أن تستثمر. وأن يُنظر إلى تجارب هزائمهم بجدية وبكل عناية، وأن تُستخلص منها العبر.

ـ انتهى



#عبدالحميد_برتو (هاشتاغ)       Abdul_Hamid_Barto#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرة إلى حال الإضرابات (2)
- نظرة إلى حال الاضرابات (1)
- نظرة إلى عالم اليوم (17)
- نظرة إلى عالم اليوم (16)
- نظرة إلى عالم اليوم (15)
- نظرة إلى عالم اليوم (14)
- نظرة إلى عالم اليوم (13)
- نظرة إلى عالم اليوم (12)
- نظرة إلى عالم اليوم (11)
- نظرة إلى عالم اليوم (10)
- نظرة إلى عالم اليوم (9)
- نظرة إلى عالم اليوم (8)
- نظرة إلى عالم اليوم (7)
- نظرة إلى عالم اليوم (6)
- نظرة إلى عالم اليوم (5)
- نظرة إلى عالم اليوم (4)
- نظرة إلى عالم اليوم (3)
- نظرة إلى عالم اليوم (2)
- نظرة إلى عالم اليوم (1)
- مع الشاعر سمير الصميدعي


المزيد.....




- النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026
- -الغاز- الذي خنقته حرب إيران.. كيف طال موائد الفقراء حول الع ...
- Why American Farmers are Paying for Foreign Policy
- Why Do Societies Normalize Harm to Children in War, Poverty, ...
- Echoes From Gaza: How the Dehumanization of Muslims Leads to ...
- From Independence to Interdependence
- How to Sell a Genocide: the Media’s Complicity in the Destru ...
- The Public Isn’t Budging on Ice’s Immigrant Detention Polici ...
- Monsters Playing Victims: Danny Danon’s Twisted War on the T ...
- The Military-Entertainment Complex, Exposed


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى حال الإضرابات (3)