أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى عالم اليوم (17)















المزيد.....


نظرة إلى عالم اليوم (17)


عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto)


الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 16:51
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


أنظمة بحاجة إلى توصيف أكثر دقة
عند الغاء الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، تفكّك إلى 15 دولة مستقلة، وهي: روسيا، أوكرانيا، بيلاروسيا (روسيا البيضاء)، مولدوفا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا، جورجيا، أرمينيا، أذربيجان، كازاخستان، أوزبكستان، تركمانستان، قرغيزستان وطاجيكستان. تخلّت معظم هذه الدول عن الصيغة الاشتراكية المتعارف عليها في العهد السوفيتي.

وعلى النطاق العالمي، حافظت دول خمس خارج المنظومة الاشتراكية في شرق أوروبا، على طابع أنظمتها التي تُصف بالاشتراكية، وهي: جمهورية الصين الشعبية، كوبا، لاوس، فيتنام وكوريا الشمالية. يقول بعض الباحثين إن هذه الدول على الرغم من تسميتها اشتراكية رسميًا، اعتمدت إجراءات اقتصادية كبيرة و واسعة سمحت لعدد من المحللين والباحثين بوصف أنظمتها، بأنها أقرب إلى ما يعرف برأسمالية الدولة أكثر من وصفها بالاشتراكية الكلاسيكية.

هناك جدل كبير بين الباحثين خارج إطار الأحزاب الشيوعية، العمالية واليسارية عامة وفي داخلها أيضًا. يدور حول السؤال الآتي: هل الاشتراكية التي تُمارَس اليوم في الدول الخمس تشبه الاشتراكية التي رسمتها النظرية حول: الملكية العامة الكاملة لوسائل الإنتاج، المساواة العامة، القيادة البروليتارية والخدمات الاجتماعية وغيرها الكثير. البعض يقول ليس تمامًا.

توجد دول غير الدول الخمس ليست اشتراكية بالكامل. تقودها أحزاب تطلق على نفسها وصف اشتراكية و يسارية. وأخرى تُدار من قِبل أحزاب ذات وصف اشتراكي ـ ديمقراطي. لم تكن تلك الأحزاب في الغالب محط قبول من الأحزاب الشيوعية المعترف بها في الفترة السوفيتية. وهي حالات قابلة لمختلف التحولات وبكل الاتجاهات.

يُلاحظ بين المهتمين والدارسين أن هناك مَنْ يوسع القائمة لتضم نحو 20 ـ 30 دولة. تملك بعض الخصائص التي تسمح بوصفها أنظمة ذات حساسية اجتماعية. بعض منها تُدار من قبل أحزاب يسارية تقليدية، وأخرى تُدار من أحزاب تُعرّف نفسها باشتراكية ـ يسارية وديمقراطية اجتماعية. كما توجد دول ذات نظام تعددي. لنستعرض أبرز تلك الحالات، مع الأخذ بنظر الاعتبار طبعًا، أن حال العالم والدول والقوى الاجتماعية ليس في حالة سكون. وما يلي يمكن اعتباره مجرد مؤشر متغير، لكنه يساعد في قراءة ما يجري حولنا وما يقال بصددة من أطراف مختلفة:

ـ النرويج: يحكمها حزب العمل، وهو حزب عمالي ـ اشتراكي ديمقراطي. كان له دور كبير
في الحياة السياسية والإجتماعية، و في كثير من الأحيان تحكم النرويج أحزابٌ يسارية.
ـ السويد: يوجد حزب اليسار وهو حزب يساري اشتراكي.
ـ البرتغال: يحتل الحزب الاشتراكي موقعًا مهمًا في الحياة السياسية. كما أُشير إلى أن له دور اشتراكي ـ ديمقراطي.
ـ إسبانيا: على الرغم من التغيرات، هناك تاريخ لحُكم يساري ـ اشتراكي في البلاد ضمن أنظمة متعددة الأحزاب.
ـ بلجيكا: تُصنّف ضمن الدول التي اعتمدت سياسات ديمقراطية ـ اشتراكية.
ـ ألمانيا: بحسب بعض التصنيفات تُضم ضمن الدول التي اعتمدت سياسات اجتماعية - يسارية.
ـ كندا: ذُكرت ضمن الدول التي مارست سياسات اجتماعية. تعتمد الرفاه والضمانات الاجتماعية.
ـ نيوزيلندا: تعتمد التقاليد الديمقراطية الموظّفة لخدمة الرفاه الاجتماعي.
ـ هولندا: مارست في بعض الفترات سياسات قريبة من الاشتراكية الديمقراطية.
ـ فرنسا: كذلك ضمن دول غربية دخلت في تجارب حكومية يسارية أو سياسات الرفاهيّة الواسعة.
ـ جنوب أفريقيا: ذُكرت عام 2025 في قائمة دول تُدار من قبل أحزاب تُعرّف نفسها بالاشتراكية. هذه الدول ليست اشتراكية بمعنى اقتصاد مملوك اجتماعيًا وتديره بالضرورة الدولة بالكامل. بل غالبًا اشتراكية ديمقراطية أو حكومات يسارية ضمن نظام تعددي أو ائتلافي. التصنيف يعتمد على إن الأحزاب الحاكمة التي تصف نفسها باشتراكية ـ يسارية أو تمارس سياسات الرفاهية، إعادة توزيع عادلة والحماية الاجتماعية... الخ.
ـ موزمبيق: تُدار من قِبل جبهة تحرير موزمبيق، التي قادت حركة التحرر الوطني من الاستعمار البرتغالي. قادت الجبهة البناء نحو الاشتراكية منذ عشرين عامًا، وفي الانتخابات الأخيرة 2025 تجدد الرئاسة.
ـ بوليفيا: تُدار من قبل حزب الحركة من أجل الاشتراكية، الذي يَصف نفسه بالاشتراكي الديمقراطي ـ اليساري، لكنه خسر في انتخابات 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.
ـ فنزويلا: تولى هوغو شافيز الرئاسة منذ عام 1999 بعد انتخابات ديمقراطية. أطلق ثورته البوليفارية للإصلاح السياسي والإجتماعي. واصل خلفه الرئيس نيكولاس مادورو نهج شافيز بعد وفاته عام 2013. تبني مادورو ذات المواقف الثورية أيضًا. تَوّج الرئيس الأمريكي ترامب موقفه العدواني السافر إتجاه فنزويلا، باختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو فجر يوم 3 كانون الثاني/ يناير 2026 من العاصمة كراكاس. هَزَّ هذا الحدث الخطير أركان العلاقات الدولية، وفتح الأبواب أمام مخاطر جديدة وجدية على الإستقرار الدولي.

مسعى للانفراد بقيادة العالم
انفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم، بعد إنهيار منظومة الدول الاشتراكية في شرق أوروبا وأوراسيا عام 1991. كان ذلك الإنفراد مغطى بوصف الهيمنة الغربية، أي انفراد غربي، ليشمل دول ضفتي الأطلسي رمزيًا. لكن خلال ذلك وبعده تَملّكت واشنطن نزوة الانفراد بالعالم، دون منافس وحتى دون شريك، على غرار الإمبراطورية الرومانية. استمرت حالة الإنفراد الأمريكي لبضع سنوات فقط، لتظهر الحالة الدولية عارية وغير مستقرة. وتتكشف يوم بعد آخر بوضوح أدق استحالة الاحادية القطبية، قبل أن تتراجع حالة الإتجاه غربًا بصفة عامة، لتظهر قوى صاعدة تنافس الهيمنة الأمريكية.

ربما من أبرز مساهمات ونشاطات الإنفراد القطبي، كانت مشاركة قوات دولية لايقاف الحرب في منطقة البلقان. لكن الحرب استمرت لبضع سنوات بين عامي 1992 و1996. ارتُكبت خلالها أبشع المجازر، خاصة في البوسنة والهرسك، أمام أنظار القوات الدولية تحت قيادة القطب الأوحد، لم تقم تلك القوات بالدور الموكل إليها، لوقف الحرب وحماية المدنيين العزل في البوسنة والهرسك. ارتُكبت أبشع المجازر كمًا وكيفًا. والقوات الدولية تراقب قنص الصرب للمدنيين البوسنيين من الجبال المحيطة بمدينة سراييفو. ذُهِلَّ الراي العام العالمي من تلك المجازر.

أودت الحرب التي أعقبت تفكك يوغوسلافيا السابقة بحياة أكثر من 100,000 شخص في البوسنة والهرسك. شردت الحرب أكثر من مليوني شخص آخرين. كانت مجزرة سربرنيتسا أحد أحلك وأقسى فصول تلك الحرب. اجتاح جيش صرب البوسنة في تموز/ يوليو 1995 مدينة سريبرينيتسا، التي أُعلنت سابقاً منطقة آمنة بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 819. لِيَرتكب أبشع مجزرة إبادة جماعية فيها. قتل خلال تلك المجزرة اكثر من ثمانية آلاف مدني أعزل. وتم نقل ما تبقى من السكان البوسنيين الموجودين في سريبرينيتسا، حوالي 25.000 امرأة وطفل ومسن قسراً إلى خارج المدينة. اعترفت محكمة العدل الدولية (ICJ) والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة (ICTY) بالمجزرة ضد البوسنيين في سربرنيتسا كعمل من أعمال الإبادة الجماعية. جرت تلك المجزرة تحت أنظار القوات الدولية في مرحلة القطبية الأحادية التي لم تحرك ساكنًا.

وماذا عن القنص ضد المدنيين في سراييفو خلال الحرب البوسنية 1992 ـ 1996؟ هو حقيقة تاريخية مؤكدة. كان جزءًا من استراتيجية الحرب الرامية إلى إرهاب السكان المدنيين وجعل الحياة هناك غير محتملة. لكن موضوع سياحة القناصة مازال مجال تحقيقات حديثة، لكنه غير مثبت رسميًا ضمن السجل التاريخي المقبول حتى الآن. ظهرت معلومات جديدة حول ممارسة سياحة قنص البشر. هزت تلك المعطيات الجديدة المجتمع الدولي.

يقول الصحفي والكاتب الاستقصائي الإيطالي إيزيو غافازيني: "يأتون من كل الدول الغربية ويدفعون مبالغ كبيرة ليُطلقوا النار على المدنيين. لم يكن هناك دوافع سياسية أو دينية، بل أشخاص أثرياء يذهبون من أجل متعة قتل البشر فقط. ويضيف: المؤسف أني وجدت أسماء لأثرياء من بلدي إيطاليا ذهبوا وشاركوا في سياحة القنص أيضاً، يأخذهم ضباط إلى التلال المرتفعة حول سراييفو ويقدمون لهم البندقية ثم يبدأون بقنص المدنيين والنساء والأطفال وكبار السن".

يؤكد الاستقصائي الإيطالي بأن سياحة القناصة خلال حصار سراييفو هو حدث موثَّق تاريخيًا. فتحت النيابة العامة في ميلانو عام 2025 تحقيقًا جنائيًا حول هذه المزاعم بناءً على شكاوى ومواد بحثية، وذلك للنظر في احتمال تورّط مواطنين أوروبيين في تلك الأعمال، لكن حتى الآن لم يصدر حكم قضائي نهائي.

يدفع أثرياء أطلق عليهم لقب "السياح القناصة". يدفعون أكثر من 90 ألف دولار لإطلاق النار على الناس عشوائياً أثناء رحلات "سفاري بشري" إلى سراييفو خلال حروب البلقان. بدأ محامون في إيطاليا ومدعون عامّون في روما يؤكدوا صحة هذه الأخبار. تفيد بأن هواة الأسلحة الأثرياء من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ودول غربية أخرى، كانوا يدفعون لقوات صرب البوسنة مقابل فرصة إطلاق النار على السكان أثناء حصار المدينة الذي دام أربع سنوات.

يؤكد الفيلم الوثائقيSarajevo Safari (2022) إخراج Miran Zupanič وجود ما يُسمّى سياحة القناصة. إعاد هذا الفيلم النشر في هذا الخصوص وفتح تحقيقات قانونية وتحقيقات قضائية حديثة. خلُصت التحقيقات الدولية والمحاكمات في محكمة لاهاي لجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة (ICTY) إلى أن القناصة كانوا يستهدفون المدنيين بشكل متعمّد كجزء من استراتيجية الرعب، لجعل الحياة في المدينة مستحيلة ودفع السكان إلى الاستسلام أو الفرار. يوضح تقرير من مصادر بوسنية وحقوقية أن وحدات ساكنة على التلال المحيطة بالمدينة أطلقت النار يوميًا على المدنيين بينما كانوا يذهبون لجلب الماء، التنقل في المدينة، أو حتى أبسط الأنشطة اليومية. ما هو مثبت علميًا وقانونيًا: القنَّاصون استهدفوا المدنيين بشكل مباشر كجزء من حملة إرهابية ممنهجة ضد السكان. إن سياسة الاجرام ضد الشعوب واحدة وإن اختلفت عناصرها وأوقاتها، يكفي لتجسد سلوك تلك الجرائم البشعة، الوقوف لحظة تأمل فيما يجري للشعب الفلسطيني اليوم في غزة.

عالم اليوم مضطرب
يرسم عالمنا اليوم لوحة غير متماسكة، بل فسيفساء متكسّرة. يحقق تقدّمًا مذهلًا إلى جانب هشاشة غير مسبوقة. تملك الفوضى صوتًا مرتفًا يخفي تحته محاولات صامتة للترميم. نعيش مرحلة انتقال تاريخي لا تقل حدّة عن لحظات عرفها القرن العشرون، حيث تراجعت يقينيات كبرى، في ميدان ما قيل عن نظام دولي، قيم مشتركة وأحلام كبرى.

تزايد الخوف والانغلاق كردّ فعل على الهيمنة والصراعات. ليست الصورة الحقيقية سوداء بالكامل. ربما ذلك علامة مخاض لا مجرد انهيار. ففي قلب الفوضى يولد وعي أكبر بالظلم،
أسئلة أعمق عن العدالة والأجيال الجديدة لا تقبل بسهولة بما قُدِّم لها كأمر واقع. يشبه العالم اليوم إنسانًا يراجع نفسه بعنف. قد يخطئ، قد يتألم، لكنه لم يفقد القدرة على التغيير. لم يُكتب التاريخ يومًا في لحظات الاستقرار، بل في مثل هذه اللحظات تمامًا.

يفعل قانون وحدة الأضداد فعله دائمًا. تقابل التقدّم المذهل هشاشة عميقة. تحلق التكنولوجيًا عاليًا، الذكاء الاصطناعي، الاتصال اللحظي والقدرة الهائلة على المعرفة. يقف على الضد إنسانيًا شعور متزايد بالوحدة، قلق جماعي وهشاشة نفسية غير مسبوقة. الفرد، الشعوب، الدول والحكومات أقرب من بعضها تقنيًا، وأبعد وجوديًا. تملك الدول جيوشًا وأسلحة وأسواقًا ضخمة. لكن داخلها استقطاب حاد، فقدان ثقة بالمؤسسات و شك في الديمقراطية وغيرها.

تُرفع حقوق الإنسان شعارًا عالميًا. لكنها تُطبّق انتقائيًا حسب المصلحة. هذا التناقض لا يمرّ بلا ثمن. يولّد سخرية مبررة، غضبًا عنيفًا وفقدانًا للإيمان بالخطاب الأخلاقي كله. يُقرأ الحدث الواحد كـتحرير في مكان، واحتلال في آخر. لا يُستعاد الماضي للفهم أو كمرآة أو تجربة، بل للسلاح السياسي وخندقًا جديدًا. يوجد وعي عالمي بالمشكلات وعجز عن الحل. غير مجهولة مخاطر التغير المناخي، الحروب والفقر. لكن الإرادة الجماعية أضعف من المعرفة. هذا يولّد شعورًا خطيرًا بالأطلاع والعجز عن العمل. بات العالم أقرب إلى وضع أوروبا ما بين الحربين، طبعًا ليس في التفاصيل، بل في الإحساس.

تبدو هذه الفترة وكأنها تحمل خصائص انتقال تاريخي. لكن مرحلة الانتقال التاريخي ليست مجرد كثرة أحداث، بل لها سمات متكررة كلما تغيّر شكل العالم. انهيار الإطار القديم قبل تبلور الجديد. القواعد البديلة لم تنضج بعد. هذه هي أخطر لحظة حيث فراغ المعنى والسلطة. يضخّم القلق والبحث عن يقين. لا تطلب الناس حلولًا معقّدة، بل إجابات بسيطة. هنا تزدهر الشعبوية، الأيديولوجيات الحادّة والخطاب العاطفي.

تتسارع خطى الزمن التاريخي. ما كان يستغرق عقودًا يحدث في سنوات. يُضغط الزمن بفعل التكنولوجيا، الإعلام والاقتصاد. الإنسان البيولوجي ثابت والعالم يركض. أصبحت الهوية ساحة صراع، تقلّ مساحة التسويات فيه. أصابت الهشاشةُ السلامَ حيث لا حرب شاملة، ولكن لا سلم حقيقي: صراعات بالوكالة، حروب رمادية و توتر دائم. أي سلام مُعلّق، لا مستقر ولا منهار. لم يُملأ الفراغ بإصلاح عميق، بل براديكالية قادت إلى الكارثة.

تحاول الدول الكبرى استعادة دور الضابط والشرطي معًا. لكن من يعتقد أن الفراغ سيُملأ تلقائيًا يخسر. ومن يظن أنه يستطيع ملأه بالقوة وحدها يفشل. ومن يقدّم معنى دون أدوات يُهمَّش. لا توجد حاليًا فكرة كبرى جامعة ذات جاذبية أخلاقية عالمية. فقدت الليبرالية يقينها الأخلاقي. القومية تعود فكرة دفاع لا مشروع حضاري. أما الاشتراكية فقد فقدت الكثير مما حققته بعد تفكك المنظومة التي شادتها في شرق أوروبا. ولا يبدو دور الصين واضحًا. يقول ممثلوها، إنها تدرس قواها وتجاربها والحالة الراهنة. وعلى إطار العالم يقول التاريخ شيئًا قاسيًا: إذا سبقت الفوضى الأفكار يولد نظام عنيف. وإذا سبقت القوة بلا فكرة يكون الاستقرار مؤقتًا ثم يليه الانفجار. أما إذا تقدّمت فكرة مقنعة تُعاد صياغة القوة داخلها.

حرب باردة في ميدان الذكاء الاصطناعي
إذا كانت هناك أمكانية لتجريد علم في ذاته من الأيديولوجيا لحد ما، فمن المحال ذلك في التطبيق والحصيلة الناتجة عنه والمتوخاة منه. لا يقدم الذكاء الاصطناعي معطيات محايدة، بل هي مصمصمة بإنحياز دقيق وناعم. تعددت برمجيات الذكاء الاصطناعي في العالم. لكنها لم تفقد إنحيازها لرؤية مَنْ يقف خلفها. ليس من الصعب إكتشاف ذلك الإنحياز، خاصة في القضايا الجادة التي تتعلق بمصالح الأطراف الموجهة والتي بنت قاعدته المادية.

تحولت البيانات والخوارزميات والحركة المعرفية ككل إلى عناصر إنتاج أساسية. ليس مستغربًا بل من الضروري، أن تعيد اليسارية الرقمية صياغة أدواتها لفهم البنية الاقتصادية والانتباه إلى مصادر القيمة. يلاحظ في اقتصاد المنصات ما يشير إلى أن الشركات لا تملك المنتج بالمعنى التقليدي، بل تملك البنية التحتية، التي يتم من خلالها تنظيم العلاقات بين المنتج والمستهلك.

تكشف اليسارية الرقمية أن الاستغلال لم يعد محصورًا في العمل داخل المصنع، بل انتقل إلى العقل والانتباه والزمن المعرفي للإنسان. بل يتجاوز مسألة تسويق المنتجات، إلى حيث العمل على إعادة تشكيل الرغبات نفسها. يجعل الذات الإنسانية موضوعًا للبرمجة والمراقبة والتوجيه. أن التقنية ليست حالة محايدة، بل هي ساحة للصراع. تسعى اليسارية الرقمية إلى إعادة بناء العلاقة مع البيانات، إلى تحويلها من أدوات استغلال إلى موارد مشتركة وتأثير جماعي واعٍ، ثم إلى هدف إنساني للحرية والعدالة والتحرر الاجتماعي.

على الرغم من أن منطقتنا تعاني، ليس من نقص التعليم والخدمات الاجتماعية العامة الضرورية الأخرى فقط، بل نشهد تراجعًا عن المستويات التي تحققت في عقود سابقة. مثلًا العراق الذي حقق نجاحًا كبيرًا في تلك الميادين، تراجع إلى مستوى مريع، ففي مجال التعليم بلغ عدد الأميين فيه نحو ثلث المجتمع. كما يوجد اليوم نحو ثلاثة ملايين طفل في سن التعليم تسربوا منه، ولم يستوعب النظام التعليمي كل مَنْ هم في سن التعليم. وعليه قد يبدو الحديث عن ضرورة إدخال التعليم الرقمي إلى المدارس نوعًا من البطر، في ظل التراجع الذي نشهده حاليًا. إن ما يبدو بطرًا هو ضرورة حياتية جادة لا غنى عنها، وهي حاجة أساسية لا غنى عنها، وسوف تفرض نفسها عاجلَا أو آجلًا.

ما يبعث على الارتياح، أن عددًا غير قليل من المختصصين والكتاب بدؤوا يتناول هذا الأمر بكل جدية و وعي وإنتباه وبحس وطني وإنساني. ومن بين الذين كان لهم دور مميز في هذا المضمار الكاتب والباحث رزكار عقراوي، خاصة ما قدمه في كتابه الموسوم بـ"الذكاء الاصطناعي الرأسمالي: تحديات اليسار والبدائل الممكنة ـ التكنولوجيا في خدمة رأس المال أم أداة للتحرر؟" هذا فضلًا عن عدد من المقالات والمناقشات والردود والتعليقات خلال المناظرات مع رفاقه، وهنا لا ينبغي تجاهل جهده العملي في موقع "الحوار المتمدن"، الذي لعب دورًا ثقافيًا وتعبويًا هامًا، كمنصة يسارية جادة ومن خلال جهود كتابها.

يذكر عقراوي: "تختصر التكنولوجيا الرقمية الوقت أمام أي باحث في جانب المعطيات مع إفتراض التعامل بيقظة كاملة... إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي نفسه، لكن بوسائل أكثر علمية وتطورًا وتعقيدًا وخفاءً. لم يعد هذا الاستغلال محصورا في جدران المصانع حيث يعمل العمال على خطوط الإنتاج، أو في المزارع حيث يكدح الفلاحون تحت أشعة الشمس، لقد امتد هذا الاستغلال ليشمل الفضاء الرقمي ذاته الذي يتخيله الكثيرون فضاءً حرًا ومفتوحًا. ونرى اليوم كيف تستخدم خوارزميات في الشركات الرقمية لاستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر دقة وقسوة من أي مدير-ة بشريين في التاريخ...".

يذكر الكاتب بصدد الحاجة لبدائل تقدمية: "تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات في المجالات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى لبناء إعلامها المستقل، وكما تطور فكرها وسياستها وأدواتها التنظيمية بشكل مستقل بعيدا عن قوالب الهيمنة الرأسمالية، يجب عليها أيضا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، سواء كان في شبكات التواصل أو الذكاء الاصطناعي وغيرها، لخدمة مشروعها التحرري الشامل".

عقبت على أحدى مساهمات الكاتب بالقول: "المهم في هذه المرحلة الخطيرة من تطورات الوضع الدولي والصراع الاجتماعي إدراك طبيعة المرحلة التي نمر بها، واستيعاب المعطيات العلمية والرقمية والمشاركة في الانماء بما هو ممكن، تكمن اللحظة الحاسمة الآن في قدرة قوى التغّير على تبادل المعطيات بروحية التفهم للآخر وعلى طريق إنماء المعرفي الذي هو يلعب دور أداة وضع البرامج السليمة. دامت جهودك عزيزي رزكار وكل الحريصين على خلق عالم أفضل".

ومن المساهمات الأخرى لعقراوي: "يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة، وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب كطليعة لهذا التحول؛ فهم الأقدر على تطويع هذه الأدوات وقيادة الابتكار الرقمي داخل الحركات التقدمية"... "وأصبحت الفضاءات الرقمية ساحات أساسية للفعل السياسي، خصوصًا للشباب. لذلك نحتاج إلى يسار يمتلك أدوات تحليل علمية حديثة ويتطور باستمرار، وخطابًا بسيطًا ومباشرًا... هذا النقاش الجماعي خطوة مهمة في مسار إعادة بناء اليسار العراقي وتعزيز تأثيره، ومحاولة جادة لاستعادة دوره في الدفاع عن شغيلات وشغيلة اليد والفكر".

وأخيرًا، هذه هي اللوحة الواضحة لعالم اليوم، بكل ما لها وما عليها. بات التفكير حتى على مستوى الأفراد ضرورة جادة من أجل عالم آمن ومستقر وعادل.

أنتهى.



#عبدالحميد_برتو (هاشتاغ)       Abdul_Hamid_Barto#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرة إلى عالم اليوم (16)
- نظرة إلى عالم اليوم (15)
- نظرة إلى عالم اليوم (14)
- نظرة إلى عالم اليوم (13)
- نظرة إلى عالم اليوم (12)
- نظرة إلى عالم اليوم (11)
- نظرة إلى عالم اليوم (10)
- نظرة إلى عالم اليوم (9)
- نظرة إلى عالم اليوم (8)
- نظرة إلى عالم اليوم (7)
- نظرة إلى عالم اليوم (6)
- نظرة إلى عالم اليوم (5)
- نظرة إلى عالم اليوم (4)
- نظرة إلى عالم اليوم (3)
- نظرة إلى عالم اليوم (2)
- نظرة إلى عالم اليوم (1)
- مع الشاعر سمير الصميدعي
- البحث المتواصل طريق خيرالله سعيد
- التاريخ حجر الزاوية
- حين أبحر جمال العتابي


المزيد.....




- حصريا لـCNN.. ما دور الـCIA في خطط أمريكا لإدارة فنزويلا ما ...
- من هو نوري المالكي الذي يتداول اسمه لتولي رئاسة الحكومة العر ...
- من الزبلاين إلى اكتشاف الكهوف: رياضات استثنائية تحبس الأنفاس ...
- آلاف اليابانيين يودعون توأم الباندا العائد نحو الصين
- -ينبوت-.. تجربة محلية تعكس صعود المنتجات العضوية في الأردن
- من ملف الجثة لنزع السلاح.. منظومة ذرائع إسرائيلية جديدة في غ ...
- صحف عالمية: وصول الحاملة الأمريكية -لينكولن- يتيح ضرب إيران ...
- إثيوبيا تعلن احتواء فيروس ماربورغ
- جيش جنوب السودان يطالب المدنيين والمنظمات الدولية بمغادرة من ...
- من الرعب إلى الفانتازيا.. أبرز 5 مسلسلات كورية تفرض حضورها ف ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - عبدالحميد برتو - نظرة إلى عالم اليوم (17)