|
|
نظرة إلى عالم اليوم (10)
عبدالحميد برتو
باحث
(Abdul Hamid Barto)
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 20:47
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
لماذا تعتبر روسيا قوة عظمى؟ هناك دول أخرى أقوى منها في الكثير من الجوانب ولا تُحسب؟
يُطرح كثيراً في دراسات العلاقات الدولية. سؤال مهم: لماذا تعتبر روسيا قوة عظمى ودول أخرى ربما أقوى منها في الكثير من الجوانب ولا تُحسب؟ من المهم أن نبدأ بالمقصود بـصفة أو حالة القوة العظمى أكاديمياً. لا يُقاس في العلاقات الدولية وضع القوة العظمى بمجرد القوة الاقتصادية أو التكنولوجية، بل وفق حزمة معايير مركّبة. تقوم المعايير الأكاديمية الأساسية على القدرة العسكرية الشاملة وخاصة النووية، القدرة على نقل القوة خارج الإقليم، الاستقلال الاستراتيجي بمعنى عدم الخضوع لقوة أخرى، التأثير البنيوي في النظام الدولي و الاعتراف الدولي بالدور. تُعدّ روسيا على هذه الأسس قوة عظمى، فهي قوة نووية وهذا عامل حاسم، روسيا تمتلك أكبر أو ثاني أكبر ترسانة نووية في العالم، لديها ثالوث نووي مكتمل: صواريخ بالستية برية، غواصات نووية و قاذفات استراتيجية.
تملك روسيا القدرة على التدمير الشامل، وتمتلك بطاقة عضوية دائمة في نادي القوى العظمى، هناك دول أقوى منها اقتصاديًا كألمانيا أو اليابان، لكن لا تمتلك أيًا منهما هذا النوع من الردع. ثم قادرة على إرسال أو إسقاط القوة خارج حدودها. روسيا قادرة على نشر قوات عسكرية في مناطق بعيدة في سوريا، إفريقيا و القطب الشمالي. يمكنها استخدام القوة الصلبة دون إذن دولي عند الضرورة، وتحدي تحالفات كبرى مثل الناتو. بينما دول مثل: ألمانيا، كوريا الجنوبية و كندا غير قادرة سياسيًا أو عسكريًا على ذلك بشكل مستقل.
يكمن الاستقلال الاستراتيجي الكامل لروسيا، أنها ليست ضمن تحالف يُقيد قرارها السيادي. تصنع معظم أسلحتها الاستراتيجية محلياً. تمتلك اكتفاءً نسبيًا في الطاقة والغذاء. في المقارنة المقابلة مع اليابان وألمانيا، فأنهما مقيّدتان أمنيًا بالولايات المتحدة، ونفوذهما العسكري مرهون بتحالفات لا بقرار وطني صرف. وعلى نطاق مسألة الامتداد الجغرافي والموارد، فأن روسيا أكبر دولة في العالم جغرافيًا، مواردها هائلة من الغاز، النفط والمعادن الاستراتيجية، ولديها عمق جغرافي يمنحها ميزة دفاعية كبرى. هنا تظهر أهمية عدد السكان، الجغرافيا و الموارد و القدرة على لعب دور كبير و طويل الأمد.
من ناحية التأثير البنيوي في النظام الدولي. فأن روسيا عضو دائم في مجلس الأمن ويمتلك حق الفيتو. وهي قادرة على تعطيل قرارات دولية مصيرية. وتُشكّل قطبَ تعطيلٍ للنظام الليبرالي الغربي، حتى عندما تكون اقتصاديًا في حالة أضعف. إنها تغيّر سلوك الدول الأخرى وتفرض إعادة حسابات استراتيجية.
لماذا لا تُعد دول أقوى اقتصادياً قوى عظمى؟ مثال في هذا المجال ألمانيا واليابان على الرغم من قوتهما الاقتصادية لا تمتلكان ردعاً نووياً، ولا تملكان حرية استخدام القوة العسكرية، سياساتهما الأمنية دفاعية ومقيدة دستورياً وتعتمد في حمايتهما الاستراتيجية على الولايات المتحدة.
تعتبر القوة الاقتصادية دون سيادة عسكرية قوة متوسطة عليا. مثل الاتحاد الأوروبي فهو يُعد عملاقًا اقتصادياً، لكنه لا يمتلك قرارًا عسكريًا موحدًا، لا سياسة خارجية متماسكة ولا جيشًا اتحاديًا، لذا يوصف غالباً بأنه قوة مدنية لا قوة عظمى. يمكن تلخيص الموقف الأكاديمي في معادلة القوة العظمى تساوي القدرة على فرض الإرادة أو تعطيل إرادة الآخرين عسكريًا واستراتيجيًا. إن روسيا قادرة على الفرض، قادرة على التعطيل، مستقلة القرار ومعترف بها دوليًا. لذلك تُعد قوة عظمى، حتى لو كانت أضعف اقتصاديًا من دول أخرى.
ربما هناك من يقول إن فرنسا على سبيل المثال دولة نووية، ولا تُعد ضمن القوى العظمى. تبدو الملاحظة مهمة جداً، وهي في صميم الجدل الأكاديمي حول مراتب القوى الكبرى. يأتي الجواب مختصرًا واضحًا. نعم، فرنسا دولة نووية، لكنها ليست في المرتبة نفسها عند المقارنة مع روسيا. والسبب ليس امتلاك السلاح النووي بحد ذاته، بل بطبيعة ذلك السلاح، من حيث حجمه، ووظيفته الاستراتيجية.
يُطرح سؤال في معظم الأدبيات المتخصصة: هل فرنسا تُعد قوة عظمى أكاديمياً؟ يجيب بعض الباحثين بأن فرنسا تُصنَّف قوة كبرى، وليست قوة عظمى كاملة. بعض الباحثين يستخدم مصطلح: قوة عظمى من الدرجة الثانية أو قوة عظمى لها حدود. لماذا لا يكفي السلاح النووي وحده؟ توجد عوامل تحسب في هذا المضمار، مثل: حجم ونوع الترسانة النووية. تمتلك فرنسا 290 رأساً نووياً. تعتمد على غواصات نووية و قاذفات جوية، ولكنها لا تمتلك صواريخ بالستية برية عابرة للقارات. روسيا تمتلك آلاف الرؤوس النووية، ثالوث نووي مكتمل و قدرة على ضربة ثانية وضربة أولى محتملة.
يحسب في النظرية النووية الكم، التنوع والبقاء بعد الضربة النووية الأولى. وهذه النقطة الأخيرة هي ما تصنع الردع الاستراتيجي الكامل. تحقق فرنسا ردعًا دفاعيًا وطنيًا، بينما تحقق روسيا ردعًا نظاميًا عالميًا. وظيفة السلاح النووي في العقيدة الاستراتيجية الفرنسية، هي حماية السيادة الفرنسية، منع الابتزاز النووي وغير مصممة لتغيير النظام الدولي. أما العقيدة الروسية فالسلاح النووي أداة موازنة مع الناتو، فرض خطوط حمراء جيوسياسية و ضمان مكانة روسيا كقطب عالمي.
تعتمد فرنسا فكرة الطاقة النووية الرادعة، بينما روسيا تعتمد الطاقة النووية المؤثرة في النظام الدولي و إسقاط القوة خارج الإقليم. فرنسا قادرة على تدخلات عسكرية خارجية. لكنها محدودة النطاق، غالباً ضمن مظلة الناتو أو بقبول أمريكي ضمني. روسيا قادرة على التدخل واسع النطاق، مواجهة مباشرة مع قوى كبرى وفرض وقائع جيوسياسية بالقوة. يتمثل الفرق الدقيق بين فرنسا و روسيا في مجال الاستقلال الاستراتيجي. أن فرنسا ترفع شعار الاستقلال الاستراتيجي، لكنها هي جزء من الناتو اقتصاديًا وأمنيًا ضمن الكتلة الغربية، ولا تستطيع منفردة تغيير قواعد النظام الدولي. تقع روسيا خارج التحالف الغربي، وهي قادرة على تحدي النظام نفسه و تتحمل كلفة العزلة والعقوبات دون الانهيار.
يُطرح السؤال الأكاديمي التالي حول التأثير البنيوي في النظام الدولي: هل تستطيع الدولة العظمى تعطيل النظام الدولي أو إعادة تشكيله وحدها؟ يأتي الجواب واضحًا بأن روسيا تستطيع شل قرارات دولية، فرض أزمات عالمية و تغيير حسابات القوى الكبرى. يمكن إجراء مقارنة مختصرة بين روسيا وفرنسا حول المعايير. الإثنتان تملكان سلاحًا نوويًا. أما الثالوث النووي الكامل فإن روسيا تمتلكه، ولكن فرنسا لا تمتكله. كما إن حجم الترسانة النووية الروسية ضخم بينما فرنسا محدود. إن الإستقلال الاستراتيجي الكامل في روسيا كامل وفي فرنسا جزئي، أمكانية إسقاط قوة واسع بالنسبة لفرنسا في حالة متوسطة، أما روسيا فمرتفع، وأخرًا روسيا تستطيع تغيير النظام الدولي ولكن فرنسا لا.
تفيد الحصيلة النظرية، بأن "كل قوة عظمى نووية، لكن ليس كل قوة نووية عظمى". فرنسا تمتلك ردعاً نووياً، وسيادة عسكرية معتبرة ونفوذاً دولياً مهماً. لكنها لا تمتلك الأدوات البنيوية ولا الإرادة لتكون قطباً موازناً للنظام الدولي. لذلك تُصنَّف أكاديميًا، بأنها قوة كبرى رفيعة، لا قوة عظمى مكتملة.
يُطرح سؤال، هل يمكن أن تتراجع قوة عظمى إلى حالة أقل؟ هذا السؤال يتصاعد طرحة عند ملاحظة حالة من الإضطراب أو التراجع في نفوذ دولة عظمى. هناك سؤال قديم نسبيًا، لماذا لا تعتبر الآن المملكة المتحدة قوة عظمى؟ هذا سؤالٌ في غاية الدقّة والأهمية، وهو من الأسئلة الكلاسيكية في نظرية تراجع القوى العظمى، خصوصًا في الحالة البريطانية. مع التمييز بين المكانة الاسمية و القدرة الفعلية.
هل المملكة المتحدة كانت قوة عظمى؟ نعم، وبلا خلاف أكاديمي أو تردد. حتى منتصف القرن العشرين كانت بريطانيا القوة البحرية الأولى عالميًا، صاحبة أكبر إمبراطورية في التاريخ، مركز النظام المالي العالمي و قادرة على شنّ الحروب والانتصار بشكل مستقل. لكن السؤال هو: لماذا لم تعد كذلك اليوم؟
لماذا لا تُعد المملكة المتحدة قوة عظمى الآن؟ يمكن التأكيد على أنها فقدت الاستقلال الاستراتيجي الكامل، وهو المعيار الأهم. فالردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ ترايدنت الأمريكية، الغواصات تُصمَّم وتُصان بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة ولا تستطيع بريطانيا تشغيل ردعها النووي خارج الإطار الأمريكي التقني والاستخباراتي. إن الردع المعتمد لا يمنح مكانة قوة عظمى كاملة. نرى عند المقارنة أن فرنسا لديها ردع نووي مستقل، و روسيا ردع مستقل وشامل، أما بريطانيا فردع نووي تابع تقنيًا.
تمتلك بريطانيا قوات عسكرية محترفة، لكن قدراتها باتت محدودة على إسقاط أو إستخدام القوة منفردة. وهي قوات صغيرة الحجم، محدودة الاستدامة، وتحتاج دائماً إلى شريك أكبر في العمليات الكبرى. ومن الأمثلة البارزة كانت مشاركتها في غزو العراق عام 2003، والتدخل في ليبيا عام 2011، وفي أفغانستان كانت هناك تبعية كاملة لحلف الناتو. إن القوة العظمى تكون قادرة على أن تخوض حربًا كبرى وحدها إن لزم الأمر. كان الدعم الأمريكي حاسمًا في تدخلات بريطانيا الخارجية.
تمتلك بريطانيا اقتصادًا كبيرًا، لكنه ليس كذلك في الصناعات العسكرية، بالمعنى الثقيل للكلمة. فهو أقل قدرة على تحمّل حروب طويلة، وشديد الاعتماد على الخدمات والمال. لم تعد القاعدة الإنتاجية والقدرة العسكرية طويلة الأمد متوفرة لبريطانيا. وهذا شرط أساسي للقوة العظمى. كما شهدت بريطانيا تراجعًا اقتصاديًا نسبيًا. هذا إضافة إلى فقدان العمق الجغرافي والإمبراطوري بعد تفكك الإمبراطورية. لم يَعد لبريطانيا قواعد عالمية مستقلة، موارد خام مضمونة وعمق استراتيجي بشري وجغرافي. تمتلك روسيا والصين والولايات المتحدة قوة في داخل كل منها، بينما بريطانيا تعتمد على شبكات علاقات وتحالفات.
بريطانيا اليوم تابع قيادي لا قطب من ناحية الدور الدولي. لاعب محوري في الناتو، وفي النظام المالي والاستخبارات. لكنها لا تصوغ النظام الدولي، لا تفرض قواعده وتتحرك داخل منظومة تقودها الولايات المتحدة. يوصف دورها غالباً بشريك رئيسي تحت قيادة الولايات المتحدة وليس قطباً مستقلاً. في هذه الحالة تكون المقارنة بين بريطانيا وفرنسا على النحو التالي: الإثنتان تمتلكان سلاحاً نوويًا، أما فيما يتعلق باستقلال الردع النووي ففي بريطانيا محدود وفي فرنسا متوسط، إسقاط أو استخدام القوة استقلاله لبريطانيا محدود وفرنسا متوسط، قاعدة صناعية عسكرية في بريطانيا أضعف، وفي فرنسا أقوى نسبياً، وسياسة خارجية أقل استقلالًا في بريطانيا وفي فرنسا أكثر استقلالًا. لهذا السبب فرنسا تُصنَّف غالباً بقوة كبرى مستقلة و بريطانيا قوة كبرى متحالفة.
يمكن القول إن القوة العظمى ليست ما تملكه الدولة، بل بما تستطيع أن تفعله وحدها إذا لزم الأمر. المملكة المتحدة تمتلك رموز القوة العظمى، لكنها فقدت الاستقلال الكامل، القدرة على الفعل المنفرد والقاعدة البنيوية طويلة الأمد. لذلك تُعد اليوم قوة كبرى من الدرجة الثانية وليست قوة عظمى مكتملة.
هل يكون الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم المعايير؟ إن الجواب على هذا السؤال هو محور خلاف نظري حقيقي داخل حقل العلاقات الدولية. ربما الجواب الأكاديمي الدقيق هو: نعم، الناتج المحلي الإجمالي معيار مهمّ وضروري، لكنه ليس حاسماً وحده، ولا حتى دائماً المرجّح. السوال متى يكون حاسماً ومتى لا يكون. لماذا يُعدّ الناتج المحلي الإجمالي معيارًا أساسياً؟ ترى المدرسة البنيوية ـ الاقتصادية بأن القوة العسكرية والسياسية لا يمكن فصلها عن القاعدة الاقتصادية. فالناتج المحلي يحدد القدرة على تمويل الجيوش، تطوير التكنولوجيا، تحمّل أعباء حروب طويلة و يقيّد سقف الطموح الاستراتيجي.
لهذا السبب كان صعود الولايات المتحدة و الصين صعودًا اقتصاديًا. وكان تراجع بريطانيا تراجعًا اقتصاديًا نسبيًا. إن الاستدامة للقوة العظمى ليست لحظة، بل قدرة طويلة الأمد. يعني اقتصاد ضعيف نسبيًا، إنهاك استراتيجي، عجز عن سباق التسلح وهشاشة أمام العقوبات. ومن هنا تأتي حجج تقول إن روسيا قوة عظمى عسكرياً لكنها اقتصاديًا هشة. وهذه حجة أكاديمية تؤخذ بنظر الاعتبار دون اعتماد كامل.
لماذا لا يكفي الناتج المحلي وحده؟ هنا يبرز الواقع الذي يظهر الفرق بين القوة الكامنة والقوة الفعلية. فلو نظرنا إلى البلاد العربية فهي تملك قدرات هائلة ومتنوعة، ولكن السؤال الهام ما هي القوة المُستخدمة من تلك القدرات الطبيعية منها والبشرية. كما توجد دول ذات اقتصاد ضخم، لا تحوّل ثروتها إلى نفوذ، إذ تقيد نفسها سياسيًا وأخلاقيًا أو تفرض عليها تلك القيود. من الأمثلة: ألمانيا، اليابان، الهند جزئيًا، وكذلك في حالات فقدان السيادة.
الردع النووي لا يُقاس بالناتج المحلي الأجمالي، ولا يعتمد على حجم الاقتصاد بقدر الاعتماد على الاستقلال، المصداقية و العقيدة. تُعد كوريا الشمالية مثالًا صارخًا، حيث الاقتصاد الضعيف والنفوذ الاستراتيجي غير المتناسب، لأنها تُشكل خطرًا نوويًا.
تواجه روسيا بعض الضعف الاقتصادي نسبياً، لكنها تستطيع تعطل النظام الدولي وتفرض كلفة استراتيجية عالية. متى يصبح الناتج المحلي معياراً حاسماً. ذلك يكون في حالتين، الحالة الأولى عند الصعود إلى مرتبة قوة عظمى. لا توجد قوة عظمى صاعدة دون اقتصاد كبير وقاعدة صناعية ـ تكنولوجية، لهذا الصين مرشحة، الهند محتملة وروسيا ليست صاعدة. الحالة الثانية: الحفاظ على المكانة إذا لم يدعم الاقتصاد تتحول القوة العظمى إلى قوة عسكرية متصلبة أو قوة متراجعة. وهذا هو الجدل الذي يدور حول روسيا اليوم. إن الفارق الجوهري يكمن في القدرة على التعطيل والقدرة على البناء.
يمكن اعتماد تصنيف تركيبي أكاديمي، يجري من خلاله تبسيط أمر تحديد المعايير والقياس عليها، وربما إطلاق التقديرات أيضًا. هذه هي أسس المعايير والأوزان: ـ الردع النووي والاستقلال يكون حاسمًا. ـ القدرة العسكرية التقليدية يكون حاسمًا. ـ الناتج المحلي الإجمالي ضروري. ـ القدرة على الإسقاط الخارجي يكون حاسمًا. ـ التأثير البنيوي يكون حاسمًا. ـ الناتج المحلي الاجمالي شرط لازم، لكنه ليس شرطاً كافياً.
يمكن القول لو كان الناتج المحلي وحده معياراً، لكانت ألمانيا واليابان قوى عظمى، ولو كان النووي وحده، لكانت كوريا الشمالية قوة عظمى. تكون القوة العظمى نتيجة تفاعل الاقتصاد مع السيادة العسكرية والقدرة على الفعل المستقل. ولهذا، الولايات المتحدة قوة عظمى مكتملة، الصين قوة عظمى صاعدة، روسيا قوة عظمى عسكرية تعطيلية وفرنسا وبريطانيا قوى كبرى.
ماذا نعني بالسيادة العسكرية؟ في الدراسات الاستراتيجية، لا تعني السيادة العسكرية امتلاك جيوش فقط، بل تعني اجتماع أربعة شروط: مَنْ يمتلك قرار استخدام القوة، قدرة عسكرية مستقلة، صناعة عسكرية ـ استراتيجية ذاتية وعقيدة استراتيجية موحدة. إذا غاب واحد من هذه العناصر على المستوى البنيوي، فلا توجد سيادة عسكرية كاملة.
لماذا تُوصَف أوروبا بأنها بلا سيادة عسكرية؟ ذلك بسبب غياب قرار الحرب الأوروبي الموحّد، حيث لا يملك الاتحاد الأوروبي حكومة مركزية، قيادة سياسية منتخبة ومخوّلة إعلان الحرب. إن قرارها العسكري يتم عبر الناتو، أي عمليًا عبر الولايات المتحدة. إن قضية السيادة لا تُجزَّأ، إذا لم يكن قرار استخدام القوة أوروبيًا، فلا سيادة عسكرية أوروبية.
يقوم الاعتماد البنيوي على الولايات المتحدة في معظم المجالات الحاسمة، مثل: الردع النووي أمريكي باستثناء فرنسا، والدفاع الجوي والصاروخي، الاستخبارات الاستراتيجية، النقل الاستراتيجي واللوجستيات، حتى أكبر الجيوش الأوروبية غير قادرة على خوض حرب كبرى دون الدعم الأمريكي الأمريكي.
على الرغم من وجود صناعات متقدمة، لكنها وطنية، متنافسة، غير موحّدة وتعاني ازدواجية مكلفة. لا يوجد مجمّع صناعي ـ عسكري أوروبي موحّد، ولا سلسلة توريد استراتيجية واحدة أو سياسة تسليح مشتركة. كذلك غياب العقيدة الاستراتيجية المشتركة. لا تتفق أوروبا على من هو العدو؟ أين تُستخدم القوة؟ وما حدود المخاطر المقبولة؟ على سبيل المثال: تعتبر دول شرق أوروبا روسيا تهديدًا وجوديًا. جنوب أوروبا تعتبر الهجرة وعدم الاستقرار تهديدًا وجوديًا وغرب أوروبا تعتمد مبدأ إدارة الأزمات دون تصور تهديد موحّد، لا توجد سيادة عسكرية. كذلك حالة نفوذها، فهو بلا سيادة عسكرية مكتملة. هذا لا يعني أن أوروبا ضعيفة، لا يعني أنها عاجزة عسكريًا وطنيًا ولا يعني أن دولها بلا سيادة. بل يعني تحديدًا أن أوروبا ككيان سياسي ـ اقتصادي لا تملك القدرة المستقلة على استخدام القوة العسكرية الكبرى باسمها وبشكل موحّد.
لماذا تُعد أوروبا قوة اقتصادية للتوازن فعلاً؟ لأنها أحدى أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم، قوة تنظيمية معيارية وتتحكم بسلاسل القيمة، المعايير والتجارة. لكن هذه القوة لا تتحول تلقائيًا إلى قوة صلبة. في المحصلة النهائية يمكن القول أن أوروبا تمتلك المال، التكنولوجيا والسوق. لكنها لا تمتلك: قرار الحرب، الردع الموحد، العقيدة المشتركة والاستقلال العملياتي. لذلك هي قوة اقتصادية ذات نفوذ واسع، لكنها بلا سيادة عسكرية جامعة.
هل ستفقد روسيا صفة القوة العظمى خلال عقدين؟ عمليات التنبأ المستقبلي ليست علمية تمامًا وليست حكمًا حتميًا، هي إحتمالية، لأن حركة التاريخ متعرجة، السؤال هنا منهجي ـ فلسفي بامتياز، وهو أقرب إلى نقاش في إبستمولوجيا العلاقات الدولية منه إلى الجيوسياسة اليومية. التنبؤ ليس علمًا أو حكمًا قطعيًا، هو في الوقت نفسه لا يخلو من تقديم مؤشرات قائمة على القراءة والإستنتاج يتسم بالعلمية لحد ما. لذلك فالسؤال عن مستقبل روسيا لا يقوم على تنبؤ خطّي، بل على تفكير احتمالي مُقنَّن.
ما نوع السؤال المطروح أصلاً. هل ستفقد روسيا صفتها كقوة عظمى خلال عقدين؟ ليس سؤالاً تنبؤيًا بالمعنى الفيزيائي ولا نبوءة تاريخية. بل هو من نوع تقدير احتمالي مشروط، أي إذا استمرت اتجاهات بنيوية معيّنة دون انقطاع جوهري، فما الاحتمال؟ لماذا لا يُعد هذا السؤال غير علمي؟ العلوم الاجتماعية لا تعمل بالحتمية الكاملة الأركان حتى في الاقتصاد لا أحد يتنبأ بدقة. لكننا نحدد اتجاهات، نرسم سيناريوهات و نقيس المخاطر.
العلاقات الدولية أقرب إلى علم الزلازل. نعرف الصدوع، لا نعرف لحظة الانفجار. على أي أساس بُني السؤال تحديداً في الحالة الروسية؟ بُني على أساس نظرية التآكل البنيوي، التي يقول جوهرها الفكري: إذا اختل التوازن بين الالتزامات الجيوسياسية والقاعدة الاقتصادية، يبدأ التآكل. لدى روسيا التزامات استراتيجية واسعة، قاعدة اقتصادية محدودة نسبياً وهذا شرط خطر، لا نبوءة.
توجد مؤشرات كمية قابلة للقياس. السؤال لا يُطرح من فراغ، بل من: حجم الاقتصاد النسبي، القدرة الصناعية العسكرية، العوامل الديموغرافيا، الابتكار التكنولوجي و كلفة العزلة والعقوبات. كلها متغيرات تُقاس، حتى لو لم تحسم.
بصدد المقارنة التاريخية يمكن القول أن التاريخ لا يُستخدم للتنبؤ، بل لتحديد أنماط التكرار، ننظر في أمثلة: إسبانيا في القرن السابع عشر، بريطانيا بعد 1945 والاتحاد السوفيتي بعد 1991. السؤال هنا هل روسيا تسير في مسار مشابه؟ هل ستنهار حتماً؟ لماذا عقدان تحديداً؟ ليس رقمًا اعتباطيًا. في الدراسات الاستراتيجية يزعم بأن التحولات البنيوية الكبرى تحتاج إلى ما بين 15 ـ 30 سنة، أقل من ذلك تقلب وأكثر من ذلك تغيير نظام دولي. لذا العقدان إطار تحليلي، لا موعداً.
لماذا يُطرح السؤال رغم اللايقين؟ لسببين: التخطيط الاستراتيجي عند الدول الكبرى تخطط بناءً على أسوأ السيناريوهات وليس اليقين. عدم طرح السؤال يعني فشل استراتيجي.
يبقى السؤال أو المهمة الحقيقية، تدعو إلى التمييز بين القوة التعطيلية والقوة المستدامة، وهل القوة الروسية قابلة للاستمرار بنفس الوزن؟ هذا سؤال علمي مشروع. ما الذي يجعل الإجابة عليه مفتوحة؟ هناك متغيرات قاطعة قد تعكس الاتجاه، مثل: إعادة الاندماج الاقتصادي الواسع، الاختراق التكنولوجي، التحالفات غير المتوقعة والصدمات الكبرى، الحروب والأزمات العالمية. ولهذا لا توجد نتيجة حتمية. ينبغي على المعنيين بحركة الحياة الدولية مواصلة قياس النبض والحرارة وكل المؤشرات و تدابير الضرورية الأخرى من لقاحات أو أمراض وغيرهما.
لم يجري تجاهل سؤال مطروح في المجال الدولي، ولا تجاهل الدوافع، على الرغم من كل ما تحتويه تلك الأسئلة من اغراض متضاربة. ما نراه كحصيلة للقول، هو إن التاريخ غير خطّي، والتنبؤ حتميّته صفر و اليقين وهم. لكن السؤال عن مستقبل روسيا. ليس نبوءة بل اختبار افتراضي مشروط و قائم على اتجاهات قابلة للقياس، ولهذا يُطرح علميًا، ويُترك مفتوحًا. وإن المنهجية العلمية تقرب الإحتمال من الواقع اللاحق المفترض، وتكون محقة في الجوهر.
يتبع...
#عبدالحميد_برتو (هاشتاغ)
Abdul_Hamid_Barto#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نظرة إلى عالم اليوم (9)
-
نظرة إلى عالم اليوم (8)
-
نظرة إلى عالم اليوم (7)
-
نظرة إلى عالم اليوم (6)
-
نظرة إلى عالم اليوم (5)
-
نظرة إلى عالم اليوم (4)
-
نظرة إلى عالم اليوم (3)
-
نظرة إلى عالم اليوم (2)
-
نظرة إلى عالم اليوم (1)
-
مع الشاعر سمير الصميدعي
-
البحث المتواصل طريق خيرالله سعيد
-
التاريخ حجر الزاوية
-
حين أبحر جمال العتابي
-
رواية -كدمات اليمام- (3 والأخيرة)
-
رواية -كدمات اليمام- (2)
-
رواية -كدمات اليمام- (1)
-
في عالم الذكاء الإصطناعي
-
أوامر ترامب العجولة
-
إهانة التضحية
-
يحيى علوان رحل مسالماً
المزيد.....
-
بمشاركة أمريكية.. باريس تحتضن قمة -تحالف الراغبين- غدًا لبحث
...
-
كأس الأمم الأفريقية: نيجيريا تسحق موزمبيق 4-صفر وتعلن نفسها
...
-
الجيش الإسرائيلي يشن غارات جوية على -أهداف- لحزب الله وحماس
...
-
الدفاع السورية تعلن إصابة 3 عسكريين بهجوم لـ-قسد- وتتوعد بال
...
-
العالم الذي نعرفه ينهار.. والفوضى قادمة
-
غرينلاند تحاول التواصل مع واشنطن والدانمارك تحذر من تفكك الن
...
-
مصر تتجاوز بنين وتتأهل إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا
-
تنصيب ديلسي رودريغيز رئيسة لفنزويلا.. وحملة أمنية واسعة تسته
...
-
حراك أوروبي جديد في الشرق الأوسط.. فون دير لايين تزور الأردن
...
-
لحظة تاريخية في لندن.. افتتاح سفارة دولة فلسطين بصفة دبلوماس
...
المزيد.....
-
النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط
/ محمد مراد
-
افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار
...
/ حاتم الجوهرى
-
الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن
/ مرزوق الحلالي
-
أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال
...
/ ياسر سعد السلوم
-
التّعاون وضبط النفس من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة
...
/ حامد فضل الله
-
إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية
/ حامد فضل الله
-
دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل
...
/ بشار سلوت
-
أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث
/ الاء ناصر باكير
-
اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم
/ علاء هادي الحطاب
المزيد.....
|