أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا















المزيد.....

تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 08:07
المحور: حقوق الانسان
    


لا تُبنى الثقة بين الدولة والمجتمع بالنوايا المعلنة، بل بالنصوص القانونية التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز. وفي الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، لا تُنظم قوانين الإعلام عمل الصحافة فحسب، بل ترسم أيضاً حدود الحرية وحدود سلطة الدولة، وتحدد ما إذا كان المجال العام يتجه نحو مزيد من الانفتاح، أم نحو إعادة إنتاج القيود بصيغ قانونية جديدة.

وفي الحالة السورية، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة. فبعد عقود من الرقابة الأمنية وتقييد حرية التعبير، يصبح من الطبيعي أن يُنظر إلى أي تشريع ينظم النشر بوصفه اختباراً لمدى الالتزام ببناء دولة القانون، لا مجرد أداة لتنظيم العمل الإعلامي.

ومن هذا المنطلق، يكتسب التعميم الأخير بشأن محظورات النشر أهمية تتجاوز كونه إجراءً تنظيمياً؛ فهو يمثل اختباراً لقدرة الدولة على تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين حماية الأمن والمصلحة العامة من جهة، وصون حرية التعبير وحق المجتمع في المعرفة من جهة أخرى.

ولا خلاف على أن أي دولة حديثة تحتاج إلى إطار قانوني ينظم العمل الإعلامي ويحمي الحقوق الفردية والعامة. فحرية التعبير ليست حقاً مطلقاً في أي نظام ديمقراطي، كما أن تنظيمها لا يعني بالضرورة تقييدها. غير أن التجربة القانونية في مختلف الدول تؤكد أن نجاح أي تنظيم لا يقاس بعدد المحظورات، وإنما بوضوح النصوص، ودقة تعريفاتها، واستقلال الجهة التي تفسرها وتطبقها.

وعند قراءة التعميم، يتبين أن عدداً من محظورات النشر ينسجم، من حيث المبدأ، مع ما تأخذ به معظم التشريعات الحديثة، مثل حماية الأسرار العسكرية والأمنية، وصون الحياة الخاصة، ومنع التحريض المباشر على العنف، والتصدي للتشهير وخطاب الكراهية.

لكن في المقابل، تثير بعض العبارات تساؤلات قانونية تتعلق بطريقة الصياغة، إذ جاءت بعض المصطلحات واسعة وقابلة لأكثر من تفسير، مثل "الإضرار بالسلم الأهلي"، و"الإضرار بالاقتصاد الوطني"، و"الأخبار الكاذبة"، و"الآداب العامة". وهذه المفاهيم من أكثر المصطلحات القانونية حساسية، لأن حدودها تتوقف على كيفية تفسيرها وتطبيقها.

فعلى سبيل المثال، هل يُعد كشف قضية فساد تمس مؤسسة عامة إضراراً بسمعة الدولة أم خدمةً للمصلحة العامة؟ وهل يُعد نشر معلومات اقتصادية صحيحة لكنها مقلقة للرأي العام إضراراً بالاقتصاد الوطني أم ممارسةً للدور الرقابي للصحافة؟ وهل كل معلومة غير دقيقة تُعد خبراً كاذباً، أم أن الوصف يقتصر على التضليل المتعمد؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تستند إلى معايير قانونية واضحة، لا إلى تقديرات شخصية أو إدارية.

وتبرز أهمية هذا الوضوح بصورة أكبر عند إسقاط النصوص على الواقع العملي. فإذا بقيت هذه المفاهيم من دون تعريفات دقيقة، فقد يخشى الصحفيون والباحثون والناشطون من أن يؤدي تناول ملفات تتعلق بمزاعم الفساد، أو انتقاد شخصيات عامة، أو مناقشة أداء مسؤولين حاليين أو سابقين، أو نشر وثائق ومعلومات ذات مصلحة عامة، إلى التعرض للمساءلة القانونية، حتى عندما يستند النشر إلى وقائع أو أدلة قابلة للتحقق.

وفي المقابل، فإن أي تطبيق غير متسق للقانون قد يثير مخاوف من ملاحقة بعض أشكال النقد المشروع، بينما تُترك أشكال أخرى من الخطاب، بما في ذلك تبرير انتهاكات الماضي أو تمجيدها، خارج نطاق المساءلة. إن بناء الثقة في القانون لا يتحقق بوجود النصوص وحدها، وإنما بضمان تطبيقها على الجميع وفق معايير واحدة، بعيداً عن الانتقائية أو الازدواجية.

وتبرز هنا قضية لا تقل أهمية عن نص التعميم نفسه، وهي آلية التطبيق والجهة المخولة بتفسيره. فكل نص قانوني، مهما بلغت دقته، قد يتحول إلى أداة لتقييد الحريات إذا فُسر بصورة فضفاضة، كما قد يصبح وسيلة لحماية المجتمع إذا طُبق وفق معايير موضوعية وتحت رقابة قضائية مستقلة.

ولهذا، فإن الضمانة الحقيقية لا تكمن في صياغة المحظورات وحدها، وإنما في وجود تعريفات قانونية دقيقة، وإجراءات واضحة تكفل حق الاعتراض والطعن، ورقابة قضائية مستقلة، بما يضمن حماية الصحفي والمؤسسة الإعلامية عند ممارسة النقد المشروع أو نشر المعلومات ذات المصلحة العامة.

كما أن من الضروري التمييز بين النقد السياسي والتحريض، وبين الرأي والخبر، وبين الخطأ المهني غير المقصود والتضليل المتعمد. فالإعلام لا يؤدي وظيفته إذا أصبح يخشى مساءلة غير محددة المعايير، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن يكون بمنأى عن المسؤولية عندما ينشر معلومات كاذبة عن قصد أو يحرض على العنف أو الكراهية.

لقد نجحت الدول التي طورت بيئة إعلامية مستقرة في إسناد نصوصها القانونية إلى تعريفات دقيقة، وسوابق قضائية مستقرة، وهيئات مستقلة للفصل في النزاعات، بما يحقق التوازن بين حرية الصحافة وحماية المجتمع.

وتنسجم هذه الحاجة مع المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تشترط أن تكون القيود على حرية التعبير منصوصاً عليها في قانون واضح ودقيق، وأن تحقق هدفاً مشروعاً، وأن تكون ضرورية ومتناسبة مع الغاية التي تسعى إليها. ومن ثم، فإن إصدار لوائح تفسيرية أو أدلة تنفيذية توضح المقصود بالمصطلحات الواردة في التعميم، وتبين آلية تطبيقها والجهة المختصة بتفسيرها، من شأنه أن يعزز الثقة في التنظيم ويحد من احتمالات إساءة استخدامه.

التنظيم لا يكتمل إلا بالضمانات:

في النهاية، لا يُقاس هذا التعميم بعناوينه العامة، بل بكيفية تفسيره وتطبيقه على أرض الواقع. فإذا كان الهدف هو تنظيم المشهد الإعلامي وتعزيز المهنية وحماية الحقوق، فإن ذلك يقتضي أن تكون المحظورات محددة بدقة، وأن تُطبق وفق القانون، لا وفق الاجتهادات أو الاعتبارات السياسية.

فالإعلام المسؤول يحتاج إلى إطار قانوني واضح، كما تحتاج الدولة إلى إعلام حر وقادر على الرقابة وكشف الفساد والمساهمة في بناء الثقة العامة. ولا يتحقق هذا التوازن إلا عندما تصبح القواعد القانونية مفهومة للجميع، وتكون الجهة التي تفسرها مستقلة، ويطمئن الصحفي إلى أن مساءلته ستستند إلى القانون وحده، لا إلى تقديرات متغيرة أو تفسيرات واسعة للنصوص.

إن تنظيم الإعلام لا يتعارض مع حرية التعبير، بل إن كليهما يشكل ركناً من أركان الدولة الحديثة عندما يقومان على سيادة القانون. فكلما كانت النصوص أكثر وضوحاً، والضمانات القضائية أكثر استقلالاً، ازدادت ثقة المجتمع بالإعلام وبالدولة معاً. أما الغموض في الصياغة أو التوسع في التفسير، فلا يضر بحرية الصحافة وحدها، بل قد يضعف أيضاً الهدف الذي وُضع التعميم من أجله، وهو بناء بيئة إعلامية مهنية ومسؤولة تحمي المجتمع وتحترم الحقوق في آن واحد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عودة جهاد مقدسي: هل توازن الدولة بين استعادة الخبرات ومنطق ا ...
- لبنان له شؤونه، وأي مقاربة سورية تجاهه تبقى قابلة لسوء الفهم
- الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة
- بين النقد والتخوين: من يملك حق توزيع الوطنية؟ وأين دور النخب ...
- من سقوط السلطة إلى تفكيك البنية: ميشيل كيلو وإعادة تعريف الد ...
- تحالف دولي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان... لا تور ...
- قانون وكرامة أم تخوين ووصاية؟ مطالب مدنية… وردود رافضة
- بخيبة أملٍ من النتائج... لا ندمًا على أسباب الثورة
- موجة اعترافات تعيد فتح ملفات الدم في سوريا: محمد جعفر والحول ...
- تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي... جريمة تعود إلى الواج ...
- الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه ...
- الزيادات الحكومية في سوريا… ارتباك إداري أم رسائل سياسية؟
- عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا
- روايات متناقضة وغموض قانوني… ماذا يجري في قضية خولة برغوث؟
- بين تدوير المسؤولين وغياب المؤسسات
- رهانات فلول المليشيات والأسد سقطت: التحولات الدولية تنحاز إل ...
- خولة برغوث… احتجاز غامض وأسئلة بلا إجابات
- إلغاء مظاهرة 16 مايو في دمشق: بين حق التظاهر ومخاوف الاختراق ...
- جودة التعليم العالي: بين فجوة الاستيعاب وضغط الواقع الاقتصاد ...
- تغيير وزير الإعلام… هل تبدأ سوريا مراجعة خطابها العام؟


المزيد.....




- إيران تستهدف سفينة في مضيق هرمز.. والأمم المتحدة تعلق مهمة إ ...
- الأمم المتحدة تعلق إجلاء البحارة بعد هجوم في مضيق هرمز، وسط ...
- إغلاق -أليجيتور ألكاتراز-.. سجن المهاجرين وسط التماسيح
- اعتقال أكثر من 100 شخص في أنقرة قبيل انعقاد قمة الناتو
- المغرب ينهي العمل بالساعة الإضافية ويعود لتوقيت غرينيتش استج ...
- البيت الأبيض: الولايات المتحدة ستغلق نهائيا أبواب قبول طالبي ...
- اعتقال أكثر من 100 شخص في أنقرة قبيل انعقاد قمة الناتو
- الأمم المتحدة تعلق عملية إجلاء السفن عبر مضيق هرمز بعد هجوم ...
- تمديد أخير لمشاركة البحرية الألمانية في قوة الأمم المتحدة بل ...
- واشنطن تعزز جهود الإغاثة في فنزويلا بعد الزلزالين


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - أحمد سليمان - تنظيم الإعلام أم تقييد الحريات؟ قراءة قانونية في تعميم محظورات النشر في سوريا