أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة














المزيد.....

الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة


أحمد سليمان
شاعر وباحث في قضايا الديمقراطية

(Ahmad Sleiman:poet And Writer On Democratic Issues)


الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 22:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس كل ما يبدو “استقراراً” في الدول الخارجة من الحرب هو استقرار فعلي. أحياناً يكون ما يظهر على السطح مجرد توقفٍ مؤقتٍ للعنف داخل بنية سياسية لم تُحسم بعد: دولة تتشكل، أو سلطة تتصلّب، أو كليهما في مسار واحد يفتقر إلى تعريف نهائي واضح.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال التقليدي كافياً: من يحكم؟ بل يتحول إلى مستوى أعمق وأكثر إرباكاً: ما الذي تبقّى من “الدولة” كي يُحكم أصلاً؟ وعند هذه النقطة تبدأ الإشكالية السورية في الظهور بوصفها حالة لا تُقاس بسهولة على نماذج ما بعد الصراع المعروفة، لأنها لا تختبر فقط انتقال السلطة، بل اختبار معنى الدولة نفسه.

في التجارب الانتقالية الكلاسيكية، تُفترض الدولة كإطار قائم يحتاج إلى إعادة تفعيل أو إصلاح مؤسسي. أما في الحالة السورية، فالمسألة تتجاوز ضعف المؤسسات أو تآكلها إلى اهتزاز الفكرة المؤسسة للدولة بوصفها معنى مشتركاً للسلطة والقانون والشرعية. وعندما يتشظى هذا المعنى، يصبح الحديث عن “إعادة البناء” أكثر تعقيداً من كونه مشروعاً تقنياً، لأنه يمس تعريف المجال السياسي نفسه.
في هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية من مجرد جدل الكفاءة أو الولاء، وهو طبيعة العلاقة بين خطاب “بناء المؤسسات الحديثة” وآليات إنتاج النخب التي تتولى إدارة هذه المؤسسات. فحين يُعلن مشروع دولة حديثة، يُفترض أن يترافق ذلك مع إعادة هيكلة معيار التعيين داخل الجهاز العام على أساس الكفاءة والخبرة وقابلية التراكم المؤسسي. غير أن ما تكشفه بعض أنماط التشكيل الإداري في المراحل الانتقالية هو انزياح تدريجي نحو تغليب معايير الولاء والاصطفاف السياسي أو الأمني، على حساب المعايير المهنية التقليدية، بما في ذلك المؤهلات والخبرة الإدارية. هذا الانزياح لا يبقى محصوراً في مستوى الأفراد، بل ينعكس مباشرة على بنية المؤسسة نفسها، حيث تفقد القدرة على إنتاج ذاكرة إدارية مستقرة، وتتراجع معايير المساءلة لصالح شبكات غير رسمية تتداخل فيها السلطة بالثقة الشخصية. ومع تراكم هذا النمط في المواقع الحساسة للدولة، من الإدارة المحلية إلى الأجهزة السيادية، يظهر سريعاً ما يشبه “الفراغ المؤسسي المقنّع”، حيث تستمر الهياكل في العمل شكلياً، بينما تتآكل قواعدها الداخلية تدريجياً، بما يفتح المجال أمام مظاهر اختلال وظيفي مبكر، من بينها اتساع هامش الفساد الإداري وضعف الرقابة الفعلية، حتى في فترات زمنية قصيرة نسبياً.

هنا لا يعود منطق السلطة محصوراً في سؤال احتكار القرار داخل مؤسسات قائمة، بل يتسع إلى سؤال أكثر تعقيداً: كيف يُمنع تحول الفراغ المؤسسي نفسه إلى آلية دائمة لإعادة إنتاج السلطة خارج أي إطار قانوني مستقر. فالاحتكار في السياقات الانتقالية لا يظهر دائماً عبر شكل سلطوي صلب، بل قد يتجلى عبر بنية غير مرئية من القواعد والعلاقات التي تعيد توزيع النفوذ خارج النصوص الرسمية، وتحوّل المؤسسة إلى واجهة أكثر من كونها جهازاً وظيفياً.
هذا التحول يغيّر طبيعة النقاش حول الاستقرار. فليس كل استقرار نتيجة بناء مؤسسي، بل قد يكون في بعض الحالات تعبيراً عن توازن هش بين مراكز قوة متجاورة، لكل منها منطقه الخاص في إدارة المجال العام. وعندها لا يعود الاستقرار خطوة نحو الدولة، بل شكلاً من تعليقها المؤقت.
في المقابل، لا تختزل الحالة السورية في نموذج واحد أو مسار خطي. لكنها تكثّف داخلها مجموعة من الإشكالات التي تظهر في تجارب أخرى بشكل متفرق: تداخل مستويات السلطة، تعدد مصادر القرار، وتآكل الحدود بين المؤسسي وغير المؤسسي. غير أن خصوصيتها تكمن في أن هذه العناصر لا تقع على هامش الدولة، بل في قلب تعريفها.
الأخطر في مثل هذا السياق أن “الاستقرار” قد يتحول إلى معيار مستقل عن طبيعة الدولة نفسها. فعندما يصبح الاستقرار هدفاً بحد ذاته، يمكن أن يُستخدم لتبرير تقليص المجال العام أو إعادة تشكيل المؤسسات بما يخدم منطق البقاء السياسي، بدل منطق بناء الدولة. وهنا يحدث الانزلاق من الدولة كإطار جامع إلى الدولة كوظيفة إدارة.

النتيجة لا تظهر على شكل انهيار فوري، بل في شكل تآكل بطيء في الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فالدولة التي تُدار بمنطق غير مؤسسي قد تبدو مستقرة أمنياً، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج شرعية مستدامة، لأن الشرعية لا تُبنى على السيطرة، بل على قابلية النظام للمساءلة والتوازن.
الاستنتاج الذي تفرضه هذه القراءة ليس حكم قيمة بقدر ما هو توصيف بنيوي: الدولة في لحظات ما بعد الانهيار لا تُهدد فقط بضعفها، بل بإمكانية أن تتحول إلى مفهوم مفتوح لإعادة التعريف المستمر من قبل مراكز القوة. وكلما اتسع هذا المجال غير المنضبط، أصبح الانتقال إلى دولة مستقرة أقل ارتباطاً بالزمن، وأكثر ارتباطاً بقدرة المجتمع على إعادة إنتاج فكرة مشتركة عن معنى السلطة وحدودها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين النقد والتخوين: من يملك حق توزيع الوطنية؟ وأين دور النخب ...
- من سقوط السلطة إلى تفكيك البنية: ميشيل كيلو وإعادة تعريف الد ...
- تحالف دولي لإنهاء النفوذ العسكري الإيراني في لبنان... لا تور ...
- قانون وكرامة أم تخوين ووصاية؟ مطالب مدنية… وردود رافضة
- بخيبة أملٍ من النتائج... لا ندمًا على أسباب الثورة
- موجة اعترافات تعيد فتح ملفات الدم في سوريا: محمد جعفر والحول ...
- تم الكشف عن مصير أطفال رانيا العباسي... جريمة تعود إلى الواج ...
- الفيضانات الغامضة: هل تحولت السدود إلى خطر؟ أسئلة محرجة بوجه ...
- الزيادات الحكومية في سوريا… ارتباك إداري أم رسائل سياسية؟
- عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا
- روايات متناقضة وغموض قانوني… ماذا يجري في قضية خولة برغوث؟
- بين تدوير المسؤولين وغياب المؤسسات
- رهانات فلول المليشيات والأسد سقطت: التحولات الدولية تنحاز إل ...
- خولة برغوث… احتجاز غامض وأسئلة بلا إجابات
- إلغاء مظاهرة 16 مايو في دمشق: بين حق التظاهر ومخاوف الاختراق ...
- جودة التعليم العالي: بين فجوة الاستيعاب وضغط الواقع الاقتصاد ...
- تغيير وزير الإعلام… هل تبدأ سوريا مراجعة خطابها العام؟
- هل يجب إخضاع المعتدين على قصر العدل لاختبار الجنسية؟
- الاعتداء على القصر العدلي في الحسكة: جريمة واستهتار بالقانون ...
- من مجزرة التضامن إلى سؤال العدالة: هل نبحث عن الأدلة أم عن ا ...


المزيد.....




- دعمه ترامب.. من هو أبيلاردو دي لا إسبريلا الفائز برئاسة كولو ...
- جوزاف عون: -لن نقبل إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي عن جنوب لب ...
- خطة أممية لإجلاء 11 ألف بحار تقطعت بهم السبل بمضيق هرمز
- القارة العجوز تحترق.. موجة حر تاريخية تضرب أوروبا وتتسب في و ...
- ضغوط من داخل الليكود ومخاوف من فقدان السلطة.. هل دخل نتنياهو ...
- قرار من المحكمة العليا الأمريكية بعد قطع ضفائر سجين يعتنق دي ...
- شويغو: العمل جار لتحسين التصدي لهجمات الطائرات المسيرة
- غزة.. دعوات لإلزام إسرائيل بوقف النار
- العراق يخسر أمام فرنسا بثلاثية نظيفة
- الجزائر تفوز على الأردن بهدفين لهدف


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد سليمان - الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة