|
|
اَلْكَرَّابْ ( مجرد قصة )
عبد الله خطوري
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 19:41
المحور:
الادب والفن
هو يوم من أيام الله في خريف حينا الصغير .. أَسْتَيْقِظُ في الصباح الباكرِ والليْلُ يَحْتَظِرُ احْتِضارَه البَطِيئَ .. كانَتْ بعضُ الأعْمَال تنتظرني .. إنِّي أَكْرَهُ الأعمالَ، خاصة في الصباح .. كان عَلَيَّ أَنْ أطُوفَ بقرَابي المائية حول البيوتِ لِأَجنِيَ بَعْضَ الدراهمِ تُخَوِّلُ لي شِراء حاجَتي من السجائِرِ وَتغطية بعْض مصاريفِ البيْتِ .. أنا تلْمِيذ مُعَطلٌ طُرِِدْتُ مِنَ المَدرسة لِأنِّي شَغَلْتُ مَقْعَدا في القسمِ لمُدة رَأَوْهَا طَوِيلَة وَكان عَلَيَّ أن أخْلِي المكَانَ لغيري .. هكذا قالوا .. وأَسْتَغِلَّ وَقْتِي جَيِّدا كَيْ لا يَذْهَب مَعَ الرِّيحِ كَمَا ذهبت سنون دراستي .. أَسْكُنُ في أحدِ البيوتِ القَميةِ المبنِيةِ مِنْ فظلات الحيوانات والقش والتبن والكثير من الكد والمهانة والاحتقارِ .. أعيش مع أمي واخوتي الأربعة .. كلهُم صغارٌ لا يقدرون على العمَل .. اِثنان منهُم طرِدُوا من قسْم ( الشهادة ) فَوَجَدُوا في الزَّنْقَةِ مَلاذا ومَرْتَعا للعِبِ وقَتْلِ الوقْتِ .. أبي ابْتَلَعَتْهُ فرنسا .. غَادَرَنَا مُذْ كُنَّا صغارا لا يتذكرنا إلا في رأس كل سنة أو فْشي عيد من الأعياد بحوالَةٍ فقيرة يذهَبُ نصفُها في اليوم الأول لاستخراجها والنصف الثاني نُغَطِّي به دُيُونَ البقَّال وبائع الخُبْز وتاجر الخضر المُتَنقِّل .. أمي تسخط عَلَى أبي وحوالتِه العجفاء .. تقول إنه يَرْتَعُ الآنَ مع بَنَاتِ مارْسييْ الروميات بينما نُكَابد نحنُ المشَاقَ والعوز والآفةَ .. لطالمَا سمعتُها تلعنه في صَلَوَاتِها الكثيرة .. ورغم ذلك فقَلْبُ أُمنا طيِّبٌ، إذ لا تلبَثُ أنْ تتغاضى عنْ كلِّ شيء وتطفقُ تُوصينا بوالدِنَا وغُرْبَتِهِ في الخَارج والمصائب والهجْرة التي يكابِدها في سَبِيلِنَا .. نوصيك آفاطْمَا على الدراري .. كان يقول دائما في رسائله القليلة .. تمر كل هذه التفاصيل في رأسي، فأجدني متصدعا مشلول الحركَةِ والتفكيرِ أَمَامَ المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقي .. كنْتُ أُحِسني سريعا، وأن عَلَى كاهِلي الأعجف مَهاما كثيرة لا أقدرُ على استيعابِها جميعا .. والذي كان يحز في نفسي كثيرا أنْ أَرَى أُمِّي تشتغل صبَّانة عند الآخرين، ولطالما رَجَوتُهَا أن تتخلَّى عن ذلك، لكنها كانتْ تَأَبَى دائما، فالزمَن صعب يتطلب العمل، كيفما كان هذا العمل، ويد واحدة لا تصفق .. تقول أمي .. ورغم كل هذا، كُنْتُ راضيا مقْتنِعا وأَنَا أَرَى ابتسامتَها وهدوءَ أعصابِها، والأمل يشعُّ مِنْ عينيْها، أنَّ حالة مثل حالتنَا لَن تستمرَّ أبدا على ما هي عليه.. فأنَا أعرفُ أنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا نَعِيشُ الفاقَة َوالفَقْر .. فَحَيُّنا كُلُّه يتخبط في هذه الآفةِ، ولاشك أنَّ هناك أحياء أخرى تعيشُ مثل حينا في المدينةِ الكبيرة ... كان الهدوء يَرينُ على البيت .. سكونٌ صامتٌ .. أَجُوسُ أرضَ البَرَّاكةِ في غدوة ورواح .. يداي وراء ظهري أُفكرُ في معضلتنا الكبرى .. العائلة النائمة في وضع متداخل كأسماك المصبرات .. أفْواهٌ فاغرة يَدْخُلُهَا الهوامُ والذبابُ وكثير من العذابِ .. سراويل مخرومةٌ .. أخِي الأصْغَرُ يَحُكُّ عَوْرَتَهُ التي أكَلَها البَقُ .. أُخْتِي تَرفس أختَها فَترُدُّ هذه برفسةٍ أخْرَى أقْذَعَ في صِراعٍ أزلي على المجَالات الفسيحَة التي أُتِيحَتْ لنا في قَصْرِنَا الكَبيرِ .. عَضَضْتُ عَلَى شفتي بامتعاض حَانقٍ .. نَهَضْتُ نِصْفَ نُهُوض ثُمَّ عَاودتُ الجلوسَ متأَفِّفا ضَجرا لا ألْوي على شيء .. أَصيخُ لأصوات داخلية تجهزُ عَلَيَّ .. الهمُوم العَريضَةُ الطويلة أطول من لَيْلِ خَريفِ حينا الصَّغيرِ .. طفولتنا الضائعة التي نسج العناكب أسلاكهم عليها .. كنا نقرأ " التلاوة " في تلك الدُّورِ الخَربَةِ حذاءَ مَطَارِحِ النفايات .. نَرى الخُبْز الأسود اليابس القاسح ومخلفات الآخرين وأمواه الحار مُبَرْقََعا بيْنَ السُّطُورِِ مسلطا على العيون. لا نَفْقَهُ للمعلمين قَوْلا.. كانوا في وادٍ كُنَا فِي وادٍ .. عندما نَلِجُ سَمَّ المَدارسِ، كُنَّا نُفَكِّرُ للتو في الخروج والطيران بعيدا في المساحات مع عصافير الدور وشحارير الغاب الخضراء والحساسين الحِسَان .. كنا لا نطيقُ الجُدرانَ ومصاحبةَ الجرذان .. كانت هُمومنا كالفَقْصَة كالأعشاب الطفيلية تكبر مَعَنَا بالرغم منا، ولا زال الواحد منا يَكْبُرُ تَكْبُرُ وإياه ضغائنُه تَزْدَادُ تفاقُما من يوم لآخر.. في أحايينَ كثيرة، يطبقُ عَلَي سؤال : أنحن صغارٌ حقا أم فقط الآخرون الذين يعاملوننا كذلك ..؟؟.. كانت عَيْنَايَ تتفحصَان بفُتورٍ السقفَ الحادر تَلْعَبُ فيه الثُلَمُ والثُّقُوب وَالفَجَوَاتُ الجُمْباز دون حسيبٍ أو رَقِيبٍ، وَكانَتْ الأمطارُ في ليالي الشتاءِ البارِدَةِ تُعَانِقُ رقابَنا ونحن نقرأ في تلاوتـنا المفسرة :
سَقْـفُ بيتي حَـديـد رُكْــنُ بيتي حَجَـر ...
تفْتحُ أمي بَابَ الصباح عَلَى سعتِه تناديني لتناولِ الفطورِ .. لَقَدْ أَعَدَّتْ كُلَّ تفاصيل الاستيقاظ وصَلَّتِ الفجْرَ وتلت أدعيتها عسى .. إنَّها آخِرُ منْ يَنامُ وأَوَّلُ مَنْ يستيقِظ دائما .. قَبَّلْتُ يَدَهَا اليُمنَى وأنا أتَنَاولُ حَبَّةً من حُبَيْبَات الزيتُون الأسْوَدِ مُسْتَعْجِلا الذهَاب .. رَجلْتُ شَعْري المُغْدَوْدَن كَيْفَما اتفَقَ .. وضعْتُ قربَةَ الماء على ظهري وغادرتُ البيتَ مقطبا مزمجرا ألعَنُ الصُّبْحَ والمسَاء وكُلَّ الأزمان وحرمانَ النوم المفروض علينا كضريبة التي نعيشُها ...
_احْضي راسك آوليدي من أولاد الحرام ...
كان صوت أمي يَرِنُّ في أذنيَّ .. إنها دائبة الحرص على أَنْ أَكُونَ في البيت في الوقت المناسِب، فهِي تخْشَى أنْ أدخُلَ فِي نِزاعاتٍ مع مَنْ أَتَعاملُ معهُم.. تربت علَى كَتِفِي بهُدوء ودَعَةٍ عندمَا أُعَاوِدُ لَثْمَ يَدِهَا ..
_سيرْ آوليدي الله يرضي عليك ..
تهمس بسكينة أُمٍ متوجسة، وأنصرفُ بسرعة مارقة لأدعها تكمل بحميمية طقوس هواجسها وتوجساتها وأشغال البيت التي لا تنقضي ... أَخْتَرِقُ الحَيَّ النعسان .. مساكن غبش قصدير تَصْدأُ كل حِين، تبعَثُ في النفس الكآبَة والاشمئْزاز .. أَتَّجهُ للسَّقَّايَةِ الخاوية من السُّعاة والسقاة وعابري آلسبيل .. في الأفق بعضُ الخفافيشِ فَاجَأَهَا صبَاح جديد تائهِة تبحث عن مآآآوٍ وما تسد به الرمق كَخذاريفَ ضاع دورانها التالف ... مستعجلا أمْلأُ قرابِي أبدأ دورتي العادية في الأزقة والحواري حول الدكاكين والأبواب الموصدة والمواربة .. قربتِي فوق ظهْري على كتفي ..
_" .. اَلْـمَـا .. اَلْمَا .. آلْــمَا الصَّـافِـي .. "
في منتصف النهار ألجأُ الى الشيخ عبدالقادر الحَمَّاس بائع الوجبات الجاهزة .. أتناول غذائي عنده بثمن مناسب .. كنتُ أتعامل معه كثيرا .. أجيئ له بالماء ويناولني أرْغِفَة بالمَجان .. كان يأمر الزبائِنَ بالتزام الهُدوء واضِعا سبابتَه على شَفَتَيْهِ وهُوَ يُحَرك مُحركَ المذياعِ باحثا عن أخبار جديدة ...
_" .. الساعة الواحدة بعد الزوال .. مَرْحَـبا بِكُمْ جميعا ... "
حَشْرَجَ الجِهَازُ ثُم استَـرسلَ يُثَرْثِرُ :
_" .. بعد أغنية " الدنيا بخير " نقَدِّمُ لكم الآن " حبيبي في القمَر " أغنية نهديها لعشاق الحب والجمال الحياة والشمس والسهر والحياة السعيدة دامت لكم الأمنيات .. "
_تبـا لكم ولأخباركُـــم يــا ...
أغلق الحَمَّاسُ الجِهَازَ بِثَوْرَةٍ عارِمة تَزَعْزَعَ المِذْيَاع لها وسقط، ليبدأ ذاك الجو الاعتيادي من الفكاهة والضحك بين الحاضرين منخرطين في تعليقات صاخبة ...
_لا تأْبَهْ لَهُ آبَّا عَبْقَادَر .. انه غِيرْ قَصْدِيرَة
_أشْحالْ تبيع لي الرَّادْيُو يا الْمْعَلَّم ؟؟
_ادفع ما عليكَ أولا ثُـم ...
_افتح المذياع وابحث لنا عن محطة "الشيخات " الله يخليك ...
قال آخر ..
كانوا يصخبُون يضحكُون و" المعلم " يلعن راديوهات العالَمِ كلهاوَ وَ .. هَكَذا دائما .. قربتِي فوق ظهْري .. " اَلْمَا .. اَلْمَاا الصَّافِي !! ".. تجارَتِي الصغيرة تلقى رَواجا لابأس به نظرا لأزمة المياه في الأحياء .. وكانت الحنفيةُ مسرحا لخصومات ونزاعات متعددة بين روادها الكثيرين، خصوصا النساء اللائي كنَّ يرسلْن سهامَهُنَّ الى عيني بجسارة أنحسرُ على إثرها متقهقَرا الى عوالمي الداخلية أحلمُ بأفيَاءِ الكَرَزِ في حدائق بعيدة عن الرقباء .. كنتُ أحتالُ كثيرا كَيْ أملأ قرابي .. أَحْمرُّّ يَقْفِزُ قلبِي بين أضلعي عندما تتلمس إحداهن حوائجي .. كنت لا أنتظر دوري إذْ يخولْن لي السبق دائما يتصارعن على ملء الجرابات الجلدية الحائرة في يدي، لكنَّ الكَرَزَ .. آآه .. ذاك الكامِن في الحدائِق البعيدة عَن أعيُن الرقباء ظَلَّ حُلْما صامتا لَمْ يستطِعْ في يَوْم الخُروجَ الى الساحات الرَّحِيبَةِ جائِرا .. " ها أنذا .. " لينتكِسَ حَالِي تَتْرَى خيباتِي وأغْرَقُ في فواجِع العَادات البَاردة التي لا تُجْدي ولا تنفع ... تَتَصرَّمُ اللَّحَظَاتُ .. أَجُوبُ الأزقَّةَ والدُّروبَ الضيقَةَ .. جُمُوعٌ أطفَال يَتَأَبَّطونَ مَحَافِظَ أثْقَل من وزنهِم يتجهون بآمتعاض الى مَدارس لا ترْغَبُ بهم .. آخَرُونَ هُنَاكَ يَبِيعُون أشياء رخيصَة وهُمْ يمارسُون عَاداتٍ فشي شْكَلْ قبيحَة .. مَهْزَلَةٌ كُبْرى يعِيشُها حينا الصغير .. كَثُرَتْ وُجُوهُ الخَيْبَةِ والتَّشَردِ والعَطالَةِ .. إضَاعَةُ الوقْت في المقاهِي والأزقةِ وَالْفَراغِ هي مَشْروعنا اليومي .. أنْظُرُ الى السماء .. فضاء من عراء .. بعض الطيور تزقو .. الشمس تأفلُ نحو الغروب الآن .. كلاب تتنازع حول جثةِ حِمارٍ متعفنة .. أحدُهَا كان يعْدُو بعيدا عن القطيع وقد أفْزَعَهُ صَوتُ صفيحَةٍ عُلِقَتْ بذيلِه .. كان ينبحُ يعدو والصفيحَةُ وراءه لا تبرحه .. وكانوا يضحكون .. بعض الأطفال منشغلين كانوا في حديث ذو شجون ...
قال الأول :
_ بنت المعلمة زوينة .. لكن أنا عندي جلابة قديمة ..
قال الثاني :
_ اقلبهــا تصبحُ جديــدة ...
أعقب الثالث :
_ كلنا نحتاج للقلب كي نغسل أحشاءنا البائرة
وضحك الرابِـعُ ساخرا ...
... جن الليل وعَــمَّ الظَّـــلَام ... لليل وحشة ورهبة في حينا الصغير. الأزقة الضيقة المترعة بالأوساخِ والأزبال تغري المدمنين من السكارى والحشاشين بآرتيادها.عندما تغرب الشمس تنقطعُ الاتصالات بين الناس ويبدأ جو آخر في التنفس والانتعاش .. جَوُ مَنْ لا يليق لهم إلا الظلام لانتشال حرياتهم وإعطاء مساحة أكثر رحابة وآتساعا لنزواتهم وخيالاتهم الجامحة .. ورغْم ما كانت تبديه والدتي من تأنيب وتحذيرٍ صارمَيْن فإني كنتُ لا أتوانى على الطواف بقربتي مستغلا فراغ " السَّقَّايَة " لملء ما يكفي من المياه والاحتفاظ بها كي أتولى بيعها في النهار .. وقد يحصل أَنْ أنسى مهمتي وأنْخَرِطُ في حلقة من حلقات المقامرين الصغار .. فقد كانت الأَوْكَارُ وبعض الأقبية مَلاذا لكثير منَ المراهقين منْ أبناء الليل تلفظهم أقبيتهم التي لم تعد قادرة على استيعابهم مجتمعين، فيتكورون على بعضهم يتشممون ما يتشممون من المعاجين ومساحيق صيانة الحديد غير آبهين بصحة أو نفس أو هم يحزنون .. كانوا يثرثرون بين الجدران المتصدعة والمساكن المهدَّمَةِ .. في جماعات أو أفراد ينكبون على التعريض ببعضهم البعض أو يتخاصمون متبادلين السباب واللعنات والكلمات العارية الصاخبة وكانوا أكثر ما يتنازعون حول الغنائم التي يَظْفَرُونَ بها من بقايا عقائب السجائر وسوائل الكحول التي يخلفها وراءهم الغارقون في اللفافات المحشوة والقارورات ذوات الرائحة السمجة حين تداهمهم شرطة دوريات الليل ... في تلك الليلَةِ، تأخرتُ في العودة الى المنزل .. القربة في يدي، كنت قد أتممتُ مهمتي .. رأيت حلقة منهمكة في لَفِّ لفافات " جوانات " بين أصابعهم الداكنة .. آخرون كانوا يغنون .. أجَلْتُ نظري فيهم .. شعور شعثاء متهدلة على وجوه صفراء غبراء شاحبة .. ملابس ممزقة .. صدور عارية .. جباه متغضنة .. في عيونهم خوف .. تعبير آدمي قلق .. في أعماق الليل كانت تتصاعد في صمت نداءات هؤلاء الأطفال الأشقياء الذين يُقْذَفُونَ في بالوعات سِيخَ بهم تحت الأرضين كجردان ميتة .. تَصَورتُهم يبكون داخل دار خراب في مكان موحش والضفادع تنق حولهم .. كانت الأصوَاتُ الصَّغِيرةُ تَهْتِفُ تَسْتَغيثُ .. لا مُجِيبَ .. لا ندري أية ريح حملت إلينا هذا السخط .. قَرَّحَ المَشْيُ أقدامَهُم .. وقفوا يستريحُون تحت ظل شجَرة كبيرة يتملون من حُسْنِ جَمَالِ المكان .. لم يعبؤوا بما هم فيه إلا ويَدٌ خفية تطوقهم من وراء بكل فجاجة وصوت أجش يصرخ ..
_ " شَبَّارتْكُم يا أولاد الحرام " ..
تَحَفَّزُوا لِلْفِرَار، لكنَّ السَّمْطَةَ و البْرُوتْكَال الجلدي لم يترك لهم مجالا لذلك ...
_لا شيء البتة على ما يرام
_كل شيء فينا قميئ
_ حتى أمام الأشجار لا تجد الا الحجارة تُـكَوِّر الحجارةَ والخنافيس تلعب ببعر بني آدم ...
... كانوا يتهامسـون ...
الذبابُ يَضِجُّ في الافُقِ .. طيُورُ الليل تفقَأُ العُيُونَ .. مُطَوَّقين كانوا .. ينهشون النفايات من مزابل المترفينَ الذَّفِرَةِ التي يرْتَعُ صنَانها في مُقَلِهِم الحسيرةِ مخلِّفا أدْرانا يقتاتونها مع خبزِهم اليومي اليابس ... ضحك أحدهم ثم صرخ بكل قواه صادحا ..
_ أَعامَكْ أَعَـامْ الجوع آعَـامَكْ آمَريكــانْ هذا خبزك وَلَّــى قطرانْ ...
مجموع صرخات فقدتْ صَدَاها في عالم أصم لا يسمع إلا لرنين الدراهم تظهر صَلَفَها القطرانِي القَذِعَ .. كل شيء يذهب إلى هناك .. عندهم .. لبنات وأبناء آوى الراقدات والراقدين في رحاب رغد النعيم ... كانت أصواتهم المتشنِّجَةُ تستفزني .. صرختُ مُسْـتَـفْسِرا ...
_ ماذا تريدون مني ؟
_ اضربْ رأسَــك مْعَ الْحِـيـط ..
_ أنــا عْيِِييِيييييتْ
_ بالزَّعْـــطْ
.. يُوقِدُونَ نارا في كَومةٍ حطب ويضحكونَ ..
صرخـــتُ :
_ تبا لكم ..!!..
انْتَابَتْنِي غشاوة .. أَفَقْتُ على أعين اشْـرأَبَّتْ بفضُولٍ متهيِّب .. الحلقة مجتمعَة دائِما .. خَاطَبَنِي أحَدُهُم :
_ وَاشْ مْعَــانَـا كَـتَهْـدَرْ آلخَاوَااا ؟؟
_ لا .. لا لستُ أقصدكم .. معذرة .. كنتُ أحلُمُ ..
_ تفضل معنا واحلم معنا بخاطرك .. ألا يمكنك الجلوس ؟؟
نهضُوا جميعا مُرَحِّبِينَ بِي يصخبُون يَجأَرون ثم شرعنا نُدَخِّنُ أعقاب السجائِر المحشوة بمجاهيل النفايات الملفوفة بعناية كُبْرى .. رميتُ قربتي جانبا وجلست القرفصاء أفعل ما يفعلون .. كانوا يتفحصوننِي .. قال أحدهم يغالب دوخته برائحةِ الصِّيلِصْـيُونْ النفاذة ...
_ أنتَ .. أعرفكَ معرفتي لما في جيبي
أجابه آخر :
_ وما في جيبكَ ؟؟
_ لا شـــــيء ...
_ إذن أنت ما كَتَعْرَفْ حتى زفتة فكيف تَدَّعِي أنك تعرفه ؟؟
... وقهقهُـوا جميعا في صخب ....
خَاطَبنِي طفل صغير ذو وجنتين مجوفتين ..
_ ما اسمكَ أيها الكتكوت ؟؟
_ اسمي كتكوت ما دُمْتَ ناديتني بذلكَ..
.. و ضحكْـنـا جميعـا مرة أخرى وأخرى ..
كان جوا مفعما بالغثيان والحلم والهَدَرِ وخيالات الأوهام .. ذو الوجنتين المجوفتين أَسْنَدَ رأسَه الى حافة صخرة. ينظر الى أصابعه .. يرضع إبهامَه بنهم وانتشاء طفوليَيْنِ غَرِيبَيْن يبكِي .. آخر يقلب قربتي المائية يشم رائحة الدباغ المختلطة بالقطران .. نَزَعَ كبيرُهم "شَاشِيَتَهُ " الصوفية .. مسح العرقَ عن جبينه المجدور فرك عينيه .. ناول عقب سجارة مضغوط الى رفيق بجانبه ثم قال ..
_ أُحِسُّ أني أركب العالم كما لوكان حمارا صغيرا ...
_ لكن الحمير تَـحْـرُنُ يا أخي واني أخاف ركوبها ...
_ لا حُرُونَ لا هم يحزنون .. أنتَ فقط تخاف من خيالك ..
ويكثر الهدر .. تَتَداعَى الخَوَاطِرُ .. كُنَّا نحلمُ بحَي غير حَيِّنا .. بماء زلال غير ما تَحْمِلُه قِرَبي المَجْدُومَة برائحَة الدباغ المعفون .. بليل آخر غير ليل الهروب من المنازل واللجوء الى الدور الخالية الخربة حيث الحشيش والنزوات الشاذة .. كُنَا نحلُمُ بوجُوه نضِرة سعيدة غير وجوهنا المُجَوَّفَةِ المَعْقُوفَة .. كُنَّا نرسُمُ المَوائِدَ الفاخِرَةَ .. نَتَخَيلُ الدَّسَمَ والدهن و " لِيدَام " مرق اللحم الطري يطرد عَنّا رائحة الخبز البائت والشاي الحار الْمَسُّوس .. دخنتُ لفافَة .. أغْلقْتُ عَيْنَيَّ .. فرجت ما بين مصراعَيْ نافِذة عن زقاق مليئ بالأطفَال .. كنتُ أسمَعهم يثرثِرون ...
قال أخي الأصغرُ :
_ أنا لا أحِبُّ القراءةَ.طردوني قالوا رأسُكَ فُقَاعة .. أكره " التلاوة " ما فيها غير الحفاظة لا أفهم شيئا منها ليس فيها ما يشبهني ..
قال الكبير :
_ كَـيْفَهْـمُوا علينا .. المعلم يربينا .. المديرة تربينا .. العساس يربينا .. لا أريد تربية مصنوعة من زفت ...
سَأَلَـتْ أخْــتِـي الصغيــرةُ :
_ والنشيـد !!؟؟
_ حتى النشيد أكرهه ..
_ أنا أُحِبُّ " مُوحَنْدْ أُو لْــيَـــزِيـــدْ " ..
تابع الأصغـــــر .. فاستفسرت الصغيرة :
_ شكون موحند اوليزيد ...
_ سَارَحْ كان يغني في الجبال
قال الرابعُ راثِيــا :
_ أخونا الأكْبَرُ ملَّ الجَرْيَ وراء العمَلِ وفِي صلواتِـه راح يدعُو الله أن يصبح كرابا في جهنم ..
َرددوا جميعـا ..
وَعْـــلاشْ لا ...
كانت الصُّورُ تتابع في خَدَرٍ قشيبٍ .. يكثر التدخين .. يكثر الدخانُ .. رأيتُ نفسي وسط سرداب ضيق لا نُورَ فيه لا رواء .. القربة فوق ظهري .. الناقوسُ في يدي .." گرَّابٌ فِي جَهَنَّمَ " .. أطفال داخل دار خراب في مكان موحش .. النيران من حولهم تطوقهم .. أَدَارُوا المقبضَ .. حاولوا فتح الباب دون جدوى .. تراجع كل واحد منهم الى الوراء .. استجمعوا قواهم .. أخذوا نفَسا عميقا كَمَنْ يريدُ الغَوْصَ في مياه لا قرارَ لها .. ثم .. واحد .. زُوجْ .. ثلاثة .. كان البابُ يُفْتَحُ بقدرة قادرٍ يهوي الأطفال بعضهم فوق بعض فاقدين توازنهم ليجِدوا أنفسهم داخل سِجْنٍ آخر أكْبَر والنيران تشتعلُ دائِما .. أقفِزُ أنَا كبالُون هَواء منتفِخ أَنْطَاد أطِيرُ نحو الحنفية .. أملأُ قربتِي .. أُشَمِّرُ أطْراف ثيابِي .. العَرَقُ الباردُ خَضَّبَنِي .. أناس كثيرون تجمَّعوا حول الدار .. يرمون الأخشاب المهترئة والفحْمَ وزيتَ الْكَزْوَال وكثيرا مما يشتعل سريعا .. كانوا يضحكون يرقصون .. أصُبُّ الماء على النيران والرؤوس .. القربَةُ في يدي لا ينبض ماؤها .. يتفرَّسُون في بنظَرات من لا يقر ما أفعل .. يضربون كفَّا بكف حائرين من أمرهِم .. يظهر رِجَالٌ بلباس كاكِيٍّ وأحذية بروتكال .. حَدَّجَنِي قائدُهم ذو كرش منتفخة بعينين حمراويْن ولحية كثة .. لاك َفي فمه كلاما لم أفهم معناه فَجَفَّتْ للتو قربتي واندلعَتْ النيران من جديد .. تأففتُ .. سخطتُ .. شتمتُ ذا اللحية الذي انطلق يضحك ساخرا .. جمدتُ في مكاني كالمُسَمَّرِ .. أزحْتُ وُرِيْقَاتِ التُّوتِ مِنْ بَدنِي .. شهرْتُ مَا تبَقَّى لِي من ضَغِينَةٍ فِي وُجوههِم وَطفقْتُ أُوَزِّعُ عليهِم بسخَاء كلَّ ما لديَّ من كَرَزٍٍ مُلَوَّثٍ بمخلفات الدباغ والقطران جائرا بأعلَى نشيد :
_ ... هااااا أنـَـذااااا ...
_ للكلاب نباح... للحمير نهيق... للإنسان الزفت...
ردَّدَ الأطفــالُ :
_ للإنسان الزفت...
أعْقَبَ آخــر مُستغربا :
_ آوْ ..؟!.. واشْ ضربكم حمار الليل ؟؟مالكم ؟؟
ردد الهواء رجع صدى آذان الفجر .. في تلك الأثناء، كانت مجموعة من السكارى تذرع الأزقة مترنحة متمايلة .. أخذَتْ نظراتُهم تحط علينا في تحفظ وريبة .. منتوفون كأنهم كانوا في معركة .. يرتدون أقمصة خفيفة وأقماط ممزقة وبنطالونات أَحَالَ البلى لَوْنَها مرقعة عند المؤخرة والركبتين .. كانوا يصخبون يهوهون يشتمون الزمن والعباد .. سمعْنا كَرْكَبة وقرقعَة وهديرَ سيارة .. وَقَفْنَا جميعا .. استدرنَا لنَرى ما وراءنَا .. مَخَطَ أحدهُم من أنفه بشكل فَظٍّ مُثير وأخذ يتقيََّأ ويَسُبُّ رفاقَه .. من بعيد ظهرت إحدى دوريات الليل .. هربنا جميعا .. تركْنا كلَّ شيْء وراءنا للصدف .. أصوات التبكيت والتقريع والتعنيف تُطاردنا يبلغ صداها آذانَنا فنبالغ في العدو والهروب.. دخلتُ البيت من فجوة في الحائط الخلفي وآستسلمت فورا للنوم ...
في الصباح .. فَاجَأَنَا طرْقٌ عنيفٌ .. كانُوا رجَال الشرطة الذين عثَروا على قربتِي المائية ليلة البارحة فاستدلُّوا بها علَيَّ. أخذونِي معهم بتهمة التسكع الليلي وتعاطي المخدرات والكحول وإقلاق راحة الناس .. عَرفْتُ بعد ذلك أَنِّي لَمْ أَكُنْ سوى كَرَّابا فاشلا في جحيم يقسو لا يرحم أبدا ...
_ تمت ... وجدة الأحد 08 نونبر 1987 م
☆ إشارات : _الْݣَرابْ : الگاف تنطق g باللسان الدارج المغربي تعني السقاء الذي يسقي الماء للناس، تلك عادة انقرضت الآن كانت منتشرة زمن لم تكن المنازل مزودة بمياه الشرب _الشهادة : اسم كان يطلق على القسم الخامس ابتدائي _ البرَّاكة : بيت من أحياء الصفيح بحيطان من طوب أو ما شابه وبسقف من قصدير _ التلاوة : كتاب مدرسي للمستوى الابتدائي _ احْضي راسك : انتبه لنفسك كن حريصا أن لا يمسك الآخرون بسوء _ زمن الأحداث سبعينيات القرن الماضي _ السَّقَّايَة : حنفية عامة يتزود منها سكان الحي ما يستهلكونه من أمواه _ جوانات : سجائر رخيصة مبرومة محشوة برذيء الحشيش _ شَبَّارتْكُم يا أولاد الحرام : أمسكتُ بكم يا أبناء الحرام _ البروتكال : حذاء جلدي سميك عسكري _ السمطا : الحزام الجلدي _ السارح : الراعي _ موحند اوليزيد : مغني أمازيغي من الأطلس المتوسط
#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تِينْمَلْ نَتْمُورْتْ
-
قِطَاف
-
قَرْعُ الْمَمْسُوح ( مجرد خرافة )
-
اُنْظُرْ حَوَالَيْكَ .. مَا أَبْهَاكَ .. مَا أَقْرَفَنِي ..
-
مَقْهَى النَّهْضَة ( قصة )
-
بِحَدَبٍ مَدَّ يُمْنَاهُ يَمْليخَا
-
صَنْدَلُ مِيكَا أَزْرَقُ يَنْزَلِقُ مِنَ الْقَدَمَيْنِ ( مجر
...
-
لَا شَيْءَ لَدَيَّ إِلَّا كَرَامَتِي ( نص سردي )
-
لَقَدْ أَوْدَعَتْهُ حِضْنَهَا ( نص سردي )
-
تَبًّا لَكَ هِيجُو جَانْ جَاهْ جُوعْ لَمْ يَكُنْ أُكْذُوبَة
-
كَدِيدَانٍ خَدِرَةٍ تَتَمَلْمَلُ بِلَا مَعْنَى ( نص سردي )
-
يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء
-
اَلْعِيدُ وَالنَّاسُ .. تِلْكَ الْحِكَايَةُ الَّتِي لَا تُرِ
...
-
عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ
-
آلَلَّا سِيدْنَا جَبْرَايَلْ ( نص سردي )
-
اَلْجَنَازَة( نص سردي )
-
نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
-
صَمْتُ الْحِمْلَانِ
-
اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
-
سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
المزيد.....
-
العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة
-
الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الرابع.. -معارك سرية-
-
معركة الأبيض وصراع الروايات في السودان
-
بدراجة هوائية.. شاب سوري يقطع 5 آلاف كيلومتر لإنقاذ تعليم مل
...
-
في 25 يوما فقط.. -7DOGS- يحقق رقما غير مسبوق في السينما العر
...
-
نجل الفنان فضل شاكر يطالب بالإفراج عن والده بعد تدهور حالته
...
-
سوريا.. الإفراج عن الناشط والمخرج حسان العقاد بعد إسقاط الإع
...
-
تفاعل واسع مع تغريدة تركي آل الشيخ حول إسلام الممثل الأمريكي
...
-
الحرب الباردة المجهولة.. الفيلم الثالث.. -اختطاف أوروبا.. وا
...
-
نجم مسلسل -بريكينغ باد- الأمريكي يشهر إسلامه في السعودية
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|