أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - قِطَاف














المزيد.....

قِطَاف


عبد الله خطوري

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 19:49
المحور: الادب والفن
    


كانت هضبة إيشْ " بولرباح " (١) أمامي منتصبة في شموخ أدهم كالقدر، بأشجار بلوطها القصيرة الدكناء، بشعابها الضيقة التي ارتضَتْها مَجَازاتٍ الدوابُ وقطعان الماشية في مساراتها بين الغدو والرواح، ومع مرور الوقت، غَدَتْ مسالك لآل البلدة وسكان الجوار في تنقلاتهم اليومية الكثيرة بين فدادين الحرث والزرع والغرس والقطاف والحصاد ..في الفِجاج، في البَراري، في البطاح، فويق الصخور في الجبال، كنتُ أسْمُـو أعلُو أَصْفُـو أبسطُ سَاعديّ أمد ذراعيّ كطائِر بَهَاء في السماء يَطمئن قلبُه يزداد الخفقان إذْ يحرك جناحيه بلا قيد أو مراقبة أو عتاب .. أغمض مُقْلَتـيَّ .. أذناي تريان ما لا ترى العينان .. ألتقطُ الهَمسات آتيةً من ذُرَا الوهدات المُحاذية للقيعان .. أصيخُ السمعَ .. أتتبعُ الأثـرَ الخَفي والبَصمات في عَنان سماء ذات لآلئَ تطْفَـحُ بالممكن بالمُحال ذات شفق ذات أنوار وأطيار وأسرار .. بَدَتِ التلةُ الخضراءُ حكيمةً في صمتها وسكونها .. هي كذلك في كل الأوقات، لكنها في لحظة بعد زوال نهار صيفي قائظ، تظهر وكتل السراب المترقرقة تكلل ذُراها ومنعرجاتها، غارقةً في هالة متلئلئة من أمواه ساطعة كأطياف أشباح ظلت معارج ليلها فهي تسرح على مد البصر غير عابئة بالأُتُون المتقاطر من الأجواء .. جعلتُ أخبها خطوات في المضايق في ثنايا المنعرجات حتى أرهقني الإعياء، فجلستُ القرفصاء على أرضية جدباء إلا من كتل نبات دوم تطوقها حصوات ( تافْزا ) رمادية دقيقة .. أفتحُ محجريَّ على اتساعهما .. أغلق العينين، أرى ألوان الكستناء والحميم والجحيم في البقاع كلها .. أتيه أتلاشى أضوع أنتشر أذوب كما الصهارةُ الحمراء الثقيلة التالفة في اللامكان .. أتخشبُ في موقعي تلتقط مسامعي أصوات رعاة في الفلوات تسحق المدى بنبرات تمتد تتردد تتشظى في بحات مازيغية وراينية ( ٢ ) تصدح بها حناجر حُداة تحاكي جراح جبال شاهقات يعلوها نغمٌ ذو شجى ورنين مبحوح وأنين كلواعج الحنين، مرفقة بجوقة عارمة لا تنقطع لصرير جَدَاجِدَ ( وَرْجيجْ ) و زيزان زائغة .. ززززز .. ززز .. ززز .. ززز ... وجنادب معلقة مصائرها بتجاعيد أشجار زيتون بري ( آزمور ) وديسَ ( آدْلَسْ ) وأفنان بلوط ( آدَرْنْ ) وسنديان ... لما تأكدتُ بأني لستُ وحيدا في هذه البسيطة المعقدة يشعر ويحس أو يعاني ألمَ فواجع شواظ حريق تموز آب ( ٣ ) عندما يضطرم لظاه في الأحشاء المدفونة يتقد في الحنايا المغيَّبَة، تحامَلْتُ على نفسي ثابرتُ صبرتُ ما أسعفتني به قواي ورجعتُ، نعم قفلْتْ راجعا رغم كل شيء، الى الدار ( غَرْ وَخّامْ ) .. لكني غيرتُ وجهتي عند وصولي قاع المنحدر رانيا الى المقابر القابعة في سكينة لا تبرح المكان .. هكذا وجدتُني أخطـو خطواتي المتئدة المتعبة معرجا جهة اليسار قاطعا الغدير القادم من أعلا البلدة، في انحدار وصعود، يتصبب العرق من جبيني المعقود .. أشهق أزفر أقف لحظات في قعر الوادي الرَّيَّانِ أتملى وريقات الدفلى تكللها زهيرات وردية يانعة تتخللها أشواك مسننة مُتَوَّجَة بثمار تابغا توت البر ( تاگزلت ) أحمر قان وعنب الذئاب أسود فاحم ( أطيلْ نوشن )؛ وطفقتُ أقطفُ، في أخريات ضحى موسم حصاد الأعالي، ما تمكنَتْ منه يداي صابرا لوخزات حادة تصيب زنديَّ العاريين، حَذِرا أنْ لا أقعَ في أحد الجُرُف المنتشرة في كل مكان، أجمعُ بحرصٍ حثيثٍ قطافي المنثور على الأرض .. أقصدُ إحدى البرك المائية الصغيرة الضحلة المليئة بالطحالب والأعشاب المتشابكة .. أنتقي منها ما كان صافيا قليل التلوث خاليا من خليط الحصى والأتربة والأوراق الميتة المتساقطة المبتلة .. أغسل حُبَيْبَاتِي الندية من شوائبها وما علق بها من عُلِّيْق وطفيليات وغبار وأشواك وبقايا أنسجة العناكب، ثم بإصرار أكملُ طريقي الى أفياء هنااااك في مضاجع الأموات مراقد ايمطلان ( ٤ ) حيث الآفاق رحيبة حليمة، وفي حنايَايَ أفكار صامتة وخواطرُ لا تنتظر أحدا لا ترتقب حسا ولا حركة، لا لجبَ في أمْنياتها لا لغبَ تتمرر ترانيمها الساجية في دواخلي بعفوية حرة ترقص رقصتها الأثيرة نديّة تطفح بالممكن وبالمحال ...

☆ ترجمات وإشارات :
١ _ إيشْ : جبل
_ بولرباح : كناية عن غلاله المثمرة ومحصول حصاده الجيد
٢ _ وراينية : نسبة الى قبيلة آيت وراين الأمازيغية بجبال الاطلس المتوسط المغربية
٣ _ تموز عشتار : ثنائي أسطوري من ديانة بلاد الرافدين القديمة، حكايتهم أساس فكرة الموت والبعث في الشرق القديم.
٤ _ ايمطلان : المقابر

_ خَطُوري عبدالله



#عبد_الله_خطوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قَرْعُ الْمَمْسُوح ( مجرد خرافة )
- اُنْظُرْ حَوَالَيْكَ .. مَا أَبْهَاكَ .. مَا أَقْرَفَنِي ..
- مَقْهَى النَّهْضَة ( قصة )
- بِحَدَبٍ مَدَّ يُمْنَاهُ يَمْليخَا
- صَنْدَلُ مِيكَا أَزْرَقُ يَنْزَلِقُ مِنَ الْقَدَمَيْنِ ( مجر ...
- لَا شَيْءَ لَدَيَّ إِلَّا كَرَامَتِي ( نص سردي )
- لَقَدْ أَوْدَعَتْهُ حِضْنَهَا ( نص سردي )
- تَبًّا لَكَ هِيجُو جَانْ جَاهْ جُوعْ لَمْ يَكُنْ أُكْذُوبَة
- كَدِيدَانٍ خَدِرَةٍ تَتَمَلْمَلُ بِلَا مَعْنَى ( نص سردي )
- يَدَاانِ .. بَلْ يَدٌ وَاحِدَةٌ تُعَانِقُ الضِّيَاء
- اَلْعِيدُ وَالنَّاسُ .. تِلْكَ الْحِكَايَةُ الَّتِي لَا تُرِ ...
- عَجَبٌ قَادِمٌ مِنَ السَّمَاءِ
- آلَلَّا سِيدْنَا جَبْرَايَلْ ( نص سردي )
- اَلْجَنَازَة( نص سردي )
- نُفَاثَاتُ فَاء مِيم
- صَمْتُ الْحِمْلَانِ
- اَلطَّلْقَةُ آلْأَخِيرَة ... (قصة)
- سَمَاوَاتّ عَجْفَاء يَعُجُّ في أكْبادِها الخَواءُ
- فَمٌ شَاغرٌ مَفْتُوحٌ وَ ثَلَاثُ عُيُونٍ مُوَارِبَة
- وَرَفَعَ السَّيْفَ عَالِيًا وَأهْوَى بِهِ عَلَى الرَّقَبَة


المزيد.....




- مدارس الباليه الكلاسيكي الأمريكي الكبرى.. صروح فنية شُيدت بأ ...
- -سلمى-.. مسرحية كردية تتناول قضايا إنسانية الإبادة والهجرة
- معرض -إبداعات سومرية- يستعيد حضور الفنانات بين مدارس متنوعة ...
- من كواليس التصوير إلى غرفة الإنعاش.. تفاصيل الرحلة الأخيرة ل ...
- من المدرجات إلى إنستغرام.. كيف عاش الفنانون العرب أجواء المو ...
- أيقونة -بيكسار- تعود للشاشات.. نظرة على تاريخ فيلم -توي ستور ...
- خطفت الأنظار.. قطة تضحك الجمهور خلال عرض مسرحية -روميو وجولي ...
- كيف أصبحت -بينك- أشهر مخرجة فيديوهات موسيقية في أفريقيا؟
- مونديال 2026: فرنسا -السنغال/ بالغناء والرقص جماهير المستدي ...
- الحكومة تمضي قدمًا في مقترح إلزامية روضة اللغة


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله خطوري - قِطَاف