|
|
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 19:41
المحور:
الادب والفن
تتوالى أصوات الصراخ في ردهات المصحة، أصوات تختلط فيها لوعة الفقد برغبة جامحة في الانتقام. يجلس في السيارة مرتبكا، مشدوها، تطور الاحداث وتسارعها شل التفكير ، يراقب من خلال الشاشة و عبر اتصالات متقطعة ما يحدث في المكان الذي ظن أنه ملاذه المهني. لم يكن الأمر مجرد خطأ طبي في نظر العائلة، القصة بالنسبة لهم تبدأ من الاستهتار. لم يتم إجراء فحوصات دقيقة قبل العملية، تجاهل تماما التاريخ المرضي للمريض الذي يعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، الاهمال أدى إلى حدوث نزيف داخلي حاد، لم يتمكن من السيطرة عليه أثناء العملية. تجمهر العشرات من أقارب القتيل حول أبواب المصحة، حاملين في عيونهم نظرات الغضب. الصراخ ليس مجرد عويل، تهديد حقيقي وصريح بحرق المبنى إذا لم يسلم القاتل الدكتور عادل معطوب . حاول مدير المصحة بشتى الطرق تهدئة النفوس، موضحا أن الإجراءات القانونية ستأخذ مجراها، صدى كلماته تتلاشى أمام إصرار العائلة على العدالة الفورية. تدخلت قوات الأمن، واجهوا جدارا من الرفض. أحد ضباط الأمن بخبرته في فض النزاعات، حاول الاقتراب من كبير العائلة، محاولا انتزاع وعد بالهدوء، لكن الرد قاطعا.
- لا حوار مع من استرخص حياة ابني.. إما الطبيب أو نحرق كل شيء.
ترتجف يد الطبيب على المقود. الهروب خطأ فادح، فسر الناس الهروب دليل على الشعور بالذنب والاعتراف بالتقصير. وجد نفسه محاصرا ليس فقط وسط القطعة الحديدية، انما بين الضمير والقانون. أدرك أن صمته واختباءه لن يحل المشكلة، سيزيد من وتيرة الغضب التي قد تؤدي إلى كارثة بحق الطاقم الطبي والمعدات. عليه أن يتخذ قرارا مصيريا، يسلم نفسه للعدالة طوعا، فضل ان يراقب انهيار حياته المهنية والشخصية من خلف نافذة السيارة. المصحة بؤرة لغضب شعبي عارم، انتقل الحدث من خطأ طبي إلى قضية رأي عام ، اشتعلت شوارع المدينة التي تعيش التهميش والاقصاء، الانتفاضات الشعبية تشتعل كل مرة، الوقفات الاحتجاجية امام المؤسسات صارت حدثا يوميا، الحوارت المغشوشة والاعتقالات العشوائية تزيد الوقود اشتعالا، كل دقيقة تمر تزيد من تعقيد الموقف، تغذي خيال الجماهير المحتشدة. الغضب الصادق للعائلة محرك لاحتجاج أوسع، الشائعات تنتشر كالنار في الهشيم ، أقاويل تفيد بسرقة الاعضاء، اخبار حولت حزن العائلة إلى غضب مجتمعي ضد المصحة. ترددت ادعاءات بأن المريض لم يكن سوى فأر تجارب لمتدربين لا يملكون الكفاءة، ثرثرات تصعد من شعور الناس بعدم الأمان داخل المؤسسات الصحية. سيارات الشرطة والقوات المساعدة أغلقت كل المنافذ، لمنع وقوع صدام دموي بين الغوغاء والطاقم الطبي. المسؤولون الأمنيون يحاولون الحفاظ عليه في عزلته الضيقة، داخل سيارته السوداء التي بدت له كنعش متحرك، استحال جسده شللا ينهش الروح. من خلال المرايا، لم يكن يرى وجوها انما مرايا عاكسة للجحيم، وجوها شوهها الاحتقان، وعيونا تقتات على نهمه للعدالة. وعبر أثير الراديو وفي صمت هاتفه المذعور، يتابع ارتقاء اسمه في غفلة من الزمن من إنسان بملامح واضحة إلى سفاح تلوكه الألسنة وتتخذه المدينة قديسا للشر. حاصرته الخيارات كذئاب جائعة، ففكرة تسليم نفسه للشرطة لم تكن طوق نجاة بقدر ما نذر قربان يقدم على مذبح الغضب، ظنا ان القبضة الأمنية لن تحميه من سياط التأديب الشعبي التي تسبق حكم القضاء. أدرك حينها بمرارة من تجرع كأسه الأخيرة، أن هروبه الخيط الأخير الذي مزق رداء الثقة المتهالك. قفزته اليائسة من النافذة رفرفة اخيرة لروح تطلب النجاة إلى صك إدانة أبدي، ورأوها بصلف لا يرحم اعترافا يغني عن كل بينة، متجاهلين أن الصدمة أحيانا ترسم مساراتها بمداد من رعب، لا بمداد من إثم. تلاطم أصوات الحشود في الخارج كأمواج عاتية تنهش أسوار الأمن، تقترب نذر العاصفة من خطوط الشرطة الواهية، يقف مدير المصحة داخل جدرانه، محاصرا في شرنقة من التوجس، يواجه ضغطا أمنيا يطالبه برأس الطبيب ليكون أضحية تطفئ غضب الغوغاء، فالجماهير التي نذرت نفسها للغضب لم تعد تعنيها التبريرات، ظمأى لدم يروي غليل تساؤلاتها. موثقا بقيود العجز، يتأمل هيبته التي تتساقط أوراقها في مهب الريح، فكر في أن يخرج إليهم، أن يعبر جسر الخوف بخطوات واهنة تحميها أذرع الشرطة، لعله يطفئ بكلماته نار الفتنة المستعرة، أم تراه يسكب الزيت على لهيبها فيحيل المدينة إلى رماد. غادر المتهم في جوف سيارة الشرطة، جنين ينتزع من رحم الحقيقة إلى غياهب المخفر، اندلعت خراطيم المياه من شاحنات الإطفاء كأفاع مائية عملاقة للجم جموح الجموع، اندفعت هراوات الشرطة تشق صفوف الحشد كأنها مبضع جراح لا يعرف الرفق. تدافع محموم وركض في الساحات، تداخلت أنفاس الهاربين بصدى الصراخ، انقشع غبار الفوضى، فخيم على الشارع سكون ثقيل كأنه أنفاس الموت العالقة في حنجرة الليل. لم يقطع الهدوء إلا حشرجة إطارات سيارات الشرطة ،تنزلق فوق حجارة الرصيف المبتلة، تعزف لحنا جنائزيا فوق الاسفلت، وتلتها شاحنة الوقاية المدنية الضخمة، عملاق أسطوري ينتفض من سبات أبدي، يزحف ببطء مهيب في شوارع المدينة التي أصبحت خلية نحل مكلومة، تعج بحركة مدروسة، تضج بصمت يحمل في طياته ألف حكاية لم ترو بعد. هبطوا من مركباتهم كأنهم نذر شؤم تقتحم سكون الأرض، بخطوات تزن حدة الصمت قبل الكلام. تحت القبعات الصارمة، عيونهم تنبش في الوجوه، لا لتراقب وتقرأ تضاريس القهر المرسومة على جباه المحتجين. طوقوا المكان و نسجوا حول العائلة المكلومة سياجا من صمت معدني، تسلل أفراد آخرون نحو بوابات المصحة، يمشون فوق حافة الحذر ،يمشون فوق جمر حارق. انبثقت فرق الوقاية المدنية كجسد واحد يستحضر أشباح الحرب، زيهم الثقيل درع يعزل إنسانيتهم، خراطيم المياه في أيديهم أفاع خرساء، تنتظر إشارة لتنفث صقيع القمع في أجساد أضناها الهجير والانتظار. تداخلت زقزقة اللاسلكي المعدنية مع صرخات الساكنة المبحوحة، شرطي يركل طفل يرفع علم البلاد في الهواء، انفتقت حنجرة الغضب، انفجرت صرخات الناس كبراكين حبست دهرا في صدور ينهشها الأسى، رد القانون جاء كصاعقة باردة تجمد في العروقِ وهج المطالبة بالحق. انشقت صفوف الشرطة عن جدار بشري متراص، بدلاتهم القاتمة ليل بهيم يزحف ليخنق نهارا مضطربا، الاحذية الثقيلة تدق على أديم الأرض لحنا جنائزيا ينذر بمجيء العاصفة. الساحة مسرح لتراجيديا عبثية، اختلط صرير الحديد بآهات العدالة المستباحة، وقع الهراوات في الهواء صواعق تهوى على رؤوس لا تطلب سوى الإنصاف. اندلعت خراطيم المياه لتفرق الجموع، واندفعت الهراوات تشق صفوف المحتجين. ساد هرج ومرج واختلط الصراخ بأنين الهاربين. انقشع غبار الفوضى ليخيم على الشارع سكون ثقيل، صمت يشي بأن الموت قد مر مسرعا ، رسمت في هواء المكان أقواس قزح باهتة، مكسورة الجناح من رذاذ يحمل طعم الملوحة والخذلان. تراجع الحشد تحت ضغط المدافع المائية، أمواج عاتية تكسرت عظامها على صخور القسوة الصماء، تناثرت الحجارة في الأفق كنجوم هوت من سماء الغضب، ترتطم بالواقياتِ المعدنية فتحدث رنينا معدنيا،صرخة الرفض الأخيرة قبل أن يبتلعها الصدى. تكسرت أمواج الصراخ على صخرة الهدوء والتباث، الشيخ محمد أمزيل في قلب الساحة كتلة من وقار أزلي، لا يحرقه لظى الهتافات ولا يبلله رذاذ خراطيم المياه. جلس على الأسفلت وكأن الأرض امتداد لكيانه، مستندا إلى طمأنينة من فقد كل شيء، لم يعد يخشى شيئا. عيناه الغائرتان في لجج حزن أبدي،تنبشان في أغوار الوجود، كأنما تستنطقان العدم. اقترب الضابط، مسح عرقا باردا عن جبينه، ووضع يده على كتف الشيخ في حركة مترددة.
- يا حاج، الطبيب في المخفر، الوضع تحت السيطرة. عد إلى بيتك، القضاء سيفعل واجبه. رفع الشيخ رأسه، لم يرمش له جفن، نظراته ثقيلة ومباشرة.وسأل بصوت متهدج.
-القضاء...؟-القانون الذي ترك نافذة المصحة مفتوحة ليركض منها القاتل ويترك ابني ميتا على الطاولة...؟
-يا حاج، لقد خالف القانون وسيحاسب. لا تعذب نفسك.
-أنا لا أعذب نفسي، يا بني. أنا فقط أنتظر جوابا واحدا، هل سيعقاب فعلا ،أم أنني أنتظر عدالة ستبقى حبيسة الأدراج بينما ابني تحت التراب...؟
أشاح الضابط بنظره نحو الأرض، عاجزا عن الرد ولا فهم ما يجول في راس الشيخ الطاعن في الرزانة. لم تكن هناك خطب رنانة، هناك فقط أب يطالب بـحقيقة لا يغلفها صمت المؤسسات. تجمد الهواء بينهما، صمت ثقيل كأنه أنفاس الموت العالقة في حنجرة الليل. لم يعد للضابط لسان،يواجه جبالا من الصبر الممزوج بالمرارة، جبالا لا تقتلعها الهراوات، ولا تذيبها خراطيم المياه. لم يفهم ان الشيخ أيقونة للحق المجرد. جسد لا يملك إلا الحقيقة، حقيقة جعلت الساحة تضج بصمت أبلغ من كل خطب الثائرين، وجعلت المؤسسة تبدو في عينيه كبيت من ورق، آيل للسقوط أمام صمود أب يرفض أن يدفن كرامة ابنه في مقابر التواطؤ. وسط غبار الفتنة واصوات الاحتجاج، أطل ممثل النيابة العامة،وشاحه الملون رقعة ضوء وسط دجى الاحتقان، جلس بجوار كبير العائلة، لا كمسؤول يتلو بيانا، انما يسكب الماء على جمر القلوب. لم تكن وعوده مجرد حبر على ورق، كلمات معتقة بوقار القانون، استلت فتيل الغضب من صدور على وشك الانفجار. ساد صمت مهيب، صمت ثقيل كأن الزمن توقف ليلتقط أنفاسه، بعد أن أنهكته رقصة الكر والفر العبثية ، وضع يدا حانية على نبض الشارع المحموم، مانعا الهاوية من أن تبتلع الجميع. نبرته شقت جدار الصدمة الذي شيدته العائلة حول أرواحها، أومأ كبيرهم برأسه، واضعا يده على صدره في إيماءة تشبه نذر الصمت، حدثت المعجزة، نهض الجمع ببطء مهيب، كأنهم يطوون سجادة من وجع عتيق، تركوا أرض الساحة شاهدة على ثورتهم التي تحولت من صراخ في العراء إلى نداء في ردهات القضاء. تلاشى زخم الحدث كمد تراجع عن شواطئه، انتقل الملف من أيدي الغاضبين إلى موازينِ العدالة الصامتة. أدرك الجميع أن صخب الشارع فسح المجال لمحراب القانون. تنفس المدير الصعداء حين سمع أنين الاعتصامِ يتلاشى، لكنه يعلم في قرارة نفسه أن الخروج من أبواب المصحة لا يعني الخروج من متاهة القضية التي بدأت لتوها تدشن فصولها في دهاليز التحقيق. فتحت الأبواب بحذر، وكأنها تفتح جروحا لم تندمل، مشهد الاعتصام درس مر كتب بدم الألم على جدران المؤسسات، درسا في أن شفرة التواصلِ والصدق الجسر الوحيد الذي يقي من انهيار الثقة. غادر ممثل النيابة تحت مظلة من الحراسة، بقي أفراد العائلة للحظات أخيرة، يرمقون رجال الأمن بنظرات غارقة في الريبة، نظرات لا تودع المكان، انما تحمل في حدقاتها سؤالا وحيدا، يكاد يمزق الصمت.
- أهي محراب عدالة سنشهد فيه بزوغ الحق، أم أنها مجرد مسرحية أخيرة، ستسدل فيها الستائر على أوجاعنا قبل أن تبدأ...؟
انطفأت جمرة الاعتصام عند بوابة المصحة، لكن نيران الحقيقة بدأت لتوها تأكل رداء الزيف. لم يعد الأمر صراعا على رصيف، انها معركة وجودية تخاض في أروقة المحاكم، لا صدى للصرخات والشعارات، صدى للحقائق الموثقة بالورقِ الذي لا يرحم. حيث تترنح الموازين، كشفت الأوراق عن عورات إدارية تتوارى خلف بريق المهن النبيلة، ما يظن خطأ طبيا عابرا في غرفة عمليات باردة، أضحى صدعا زلزاليا يضرب في عمق النظام الصحي، ليكشف عن تآكل أخلاقي نخر عظام المؤسسة.
استحالت غرفة التحقيق في عيني المتهم محقنة من الزمن المتجمد، لا يقاس الوقت بدقات الساعات، انما بقطرات العرق التي تنحت أخاديد الندم على جبينه. لم تكن الجدران مجرد طوب وإسمنت، انها مرآة صدئة تعكس خرائط خيبته، وتضاريس روح تمزقت بين مشرط ظنه صولجان نفوذ، وبين واقع ألقى به في الصمت الموحش. تسلل الضوء من النافذة يسقط على يديه اللتين كانتا يوما تنبضان بقدسية الشفاء، لا تملكان إلا ارتجافة مقامر خسر رهان الوجود. وفي هدوء المخفر المطبق، تاتي طقطقة لوحة مفاتيح كوقع مسامير تدق في نعش أسطورته المهنية، كل ضربة على الحروف تقتلع جزءا من كبريائه، وتكشف عورة الزيف التي تغلف بها طويلا.
لم يجد في المكان متسعا للهرب، أدرك بمرارة تلسع الحلق، أن الزنزانة ليست الجدران الأربعة، انما الحقيقة العارية التي تخلع عن النفس أثواب الغرور، فالمكان لا يضيق بضخامة الجدران، وانما يضيق حين لا يجد الإنسان في داخله متسعا للمواجهة. التفكير العميق ليس غيابا للكلام، انما ثقل أصوات الضحايا العالقة في مسام الغبار. أغمض عينيه، فصار المخفر يتوسع في داخله، لا ليعطيه فسحة، انما ليغرقه في بحر من التساؤلاتِ التي لا شاطئ لها ، حياته كلها مجرد رداء ورقي، تمزق عند أول اختبار حقيقي أمام سياطِ الواقع. الجدران محكمة من الضربات القاسية، لا تنطق فيها الأحكام بالألسنة، انما تحفر بالندم على تضاريس الروح التي تسكن عراء الحقيقة، بعد أن غادرتها دفء المآزر البيضاء، ولم يبق سوى شحوب الوجوه، وصرير الحديد الموصد، ونور الحقيقة حتما سينهض من تحت الأنقاض . الجدران الاربعة تعكس تضاريس خيبته. استحال الهواء في الغرفة خيطا مشدودا على عنقه، يضيق كلما تنفس ذكرى مشرطه التي تلطخت بالاستهتار. العيون الشزراء أوعية دموية تنبض برطوبة الأوراق القديمة، برائحة الندم العتيق، وبأنفاس الموقوفين الذين مروا من المخفر، تاركين خلفهم ذرات من انكساراتهم معلقة في الغبار. يرى في تشققات الجدار خرائط لأرواح أهدرت في المصحة. كل صدع في الإسمنت شبه الندوب التي خلفها قراره الفاشل، القفز اليائس من النافذة، هروب إلى النجاة وقفزة في المجهول، في هاوية لا قاع لها. الضوء الذي يتسلل من النافذة شق في جفن النهار، يسقط على يديه، فيراها ليست يد طبيب وهبته المعرفة سلطة الشفاء، يد مقامر خسر رهان الروح مقابل حفنة من العدم. المخفر يغرق في صخب مقدس . أغمض عينيه الزنزانة تتوسع في داخله لتصير كونا من الخطيئة الموثقة. لم يعد الطبيب بشرا، غدا جزءا من أثاث منسي، قطعة مهملة من ألم مهيض ومر ، ادرك بمرارة تقطر كسم عذب أن الجدران قيد ذاتي صنعه بيديه حين استبدل قدسية النبض ببريق النقد، وحين باع رداء النقاء ليلبس كفن التواطؤ. الزنزانة ليست حجرا، إنها مرآة الحقيقة العارية، فلا مهرب من انعكاس الروح حين تخلع عنها أثواب الزيف، وتواجه دماء الضحية في مرآة سكون لا يرحم. الطبيب الذي ارتدى بالأمس رداء سلطة المعرفة المقدسة، يجلس كطائر مكسور الأجنحة، يراقب المحقق ينبش في صفحات حياته المهنية كما ينبش حفار القبور في رفات قديمة. وفي الخارج الحشد طوفانا بشريا يملأ عروق الشوارع بمرارة الفقد، كبير العائلة يفترش الأسفلتَ البارد، ليس كمن ينتظر حلا انما من يحمل بؤسا لا يطيقه حجر. كل صرخة مزقت الغشاء الرقيق الذي فصل دهرا بين قدسية المؤسسة وأنين المحرومين. سقطت هيبة المآزر البيضاء، انكشفت كأغطية رثة لضمائر تعفنت في أقبية الطمع، تهاوى العرش الورقي للمدير، صار الصمت في أروقة المصحة شهادة إدانة لا ترد، انقشع الضباب عن مشهد تراجيدي بائس، وعزفت سيمفونية الجشع على أوتار ألم المقهورين. أدرك الدكتور عادل معطوب أن هروبه عبر النافذة لم يكن طوق نجاة، انما قفزة في جحيم المجهول. سقط القناع، انهارت أسطورة المكان الذي ظن أصحابه أنه محصن ضد المحاسبة. في الغرف الموصدة التي تعبق بالرعب، كتبت الأقدار في محاضر الشرطة كأحكام مبرمة، كل تقرير طبي لم يكن إلا مسمارا في نعش الأوهام. المشهد خريف مبكر، تتساقط فيه أوراق الفساد الصفراء واحدة تلو الأخرى، في ربيع لم يكتمل، ولم يتبق سوى وجه الحقيقة الذي لا يحيد عن بوصلة العدل. في ذروة الانكشاف، تجمعت خيوط الفضيحة، فالطبيب المتهم لم يكن سوى ظل هارب من ثكنات المستشفى العمومي، يقتات على غفلة الإدارة وتواطئها، باحثا عن دراهم ملطخة بدم المهنة. وضعَ نفسه في فكي كماشة القانون، قانون الوظيفة الذي لن يرحم خيانته للأمانة، وقانون الطب الذي سيجرده من مشرطه إلى الأبد، ليجد نفسه في نهاية الرحلة مطرودا من جنة الوظيفة، وموصوما بعار الممارسة المحرمة، تاركا خلفه حطام مؤسسة ستظل درسا قاسيا عن دماء أهدرت في بازار الربح. على مقربة من مأتم الشارع الصاخب، يتربع المخفر كجزيرة معزولة في عالم مواز، الوقت لا يقاس بدقات الساعات، انما بقطراتِ العرق التي تحفر أخاديد الخوفِ على جباه الموقوفين، وبصوت العقارب التي تبدو كأنها تطرق مسامير في نعش مصائرهم المحتومة، يمتزج نفس التبغ الرخيص برائحة الورق العتيق ورطوبة الهواء، كأنها أفعى تلتف حول أعناق الحقيقة. تقف الوزرة البيضاء رمز النقاء ملطخة بوشاح الغبار والارتباك. الممرضة، على كرسيها الخشبي الصموت، تذرف دموعا تحرق مآقيها، تراقب المحقق يقلب أوراق الملف ببرود جلاد يقرأ كتاب الموتى، خذلها جسدها، فاستسلمت لإغماءة مفاجئة، سقطت إثرها كطير أصيب في ذروة تحليقه، لتنتهي هيبتها على أرضية باردة لا تأبه للوجع. حفيف الأوراق يعلو كحفيف أرواح راحلة، والاقوال تحول نبض الإنسان إلى بنود قانونية جافة، تبتلع سنوات الخبرة ومواثيق الطب في سؤال مسموم وجواب منكسر. في الخارج العالم يغلي، حشود بشرية تحاصر البوابة الحديدية كطوفان مزمجر، والتوتر الكهربائي يملأ الفضاء، نذيرا بعاصفة لا تبقي ولا تذر، والهمهمات تغلف المكان بضباب جنائزي يلف الأنفاس. خلف الباب الحديدي السميك، تصاغ العدالة في محاضر، وأمامه القدر يصنع في صرخات المقهورين. وفي التناقض الصارخ، الحقيقة تضيع كقطرة زيت في بحر من الغضب. صاحب المصحة وجد نفسه فجأة في عين الإعصار. لم تعد تهمته إهمالا طبيا، صارت خيانة للأمانة وتواطؤا في اغتيال الضمير. والطبيب صار طريدة في قفص الاتهام، محاصرا بملفين يلتهمان بقايا مستقبله، ملف نزيف الضحية الذي لم يندمل، وملف نزيف الأمانة الذي تسبب فيه تغيبه عن المرفق العمومي بحثا عن فتات الربح.
تلاشى الغطاء الذي يواريه، وانكشف وجه الحقيقة حين رفع المحقق رأسه، عيناه تبرقان بوهج الاستقصاء، وفتح ملفا ضخما، لم يقرأ فيه أرقاما، انما قرأ فيه نكبات...؟
-ثلاثة عشر عملية في يوم واحد يا دكتور؟ هذا ليس طبا، انه مسلخ بشري، وهذه المصحة ليست إلا خطوط إنتاج تحول الألم إلى نقد...؟
رمى المحقق أوراق الحضور بحدة، تناثرت في الفضاء كأنها أوراق خريف سقطت من شجرة الفساد، لتكشف أن ما حدثَ للضحية لم يكن الا الشق الأول في جبل الجليد. انقشع الضباب، وبان ان المصحة ليست سوى مختبر للفسادِ الإداري، صار القتلة يرتدون مآزر النبلاء، وأصبحتْ صروح العلاج سراديب للمتاجرة بأرواح العباد.
-المدير يغض الطرف عن مؤهلاتكم، مقابل نسبة من الجراح المنهك، بينما يجبر ممرض التخدير على توقيع سجلات لم يراقب فيها نبضا واحدا. قال المحقق بصوت جاف، ثم أضاف مراقبا ارتعاشة يدي الطبيب
- حتى الدواء يا دكتور...وجدنا صيدلية المصحة تبيع مكملات منتهية الصلاحية بأسعار أدوية نادرة. هذه ليست مستشفى، هذه منظومة تقتات على خوف الفقراء.
تحولت المصحة إلى هيكل ميت، يلفه صمت الإغلاق التحفظي كفن يغطي عورات خيبات لا تحصى. حضور لجان التفتيش الوزارية مجرد إجراء روتيني، انه اجتياح لسراديب مظلمة، راحت الأقلام تجرد ملفات المرضى من أوراقها، لتنبثق من بين السطور فضائح متورمة، جذبت في طريقها رؤوسا تظن أنها فوق هاماتِ الريح. بلغت أصداء الزلزال مسامع كبير العائلة، الشيخ محمد أمزيل، انكسر في صوته وهج الانتقام البدائي، ليحل محله هدير عدالة تطهيرية. أدركت العائلة أنها لا تحمل في جعبتها مجرد دمعة ثأر، تملك خناجر قانونية تضع الرقاب تحت المقصلة، القاتل لم يغتل حياة ابنهم فحسب، انما استباح مال الأمة، وتاجر بأرواح العباد في سوق النخاسة الطبية. المشهد أكبر من مجرد مستشفى، صراع الملاحم بين سرطان الفساد الذي ينخر عظام المؤسسات، وبين كرامة مواطن ينهض من تحت الأنقاض، ممتطيا صهوة القضاء الصارم. اعتقال صاحب المصحة بتهمة المشاركة في القتل الخطأ إثر الإهمال، أشبه بسيف مسلط ارتجف له جدار القطاع الصحي الخاص في المدينة. تحول الرأسمالي الذي ظن أن المال يحميه، رمي كرة النار الملتهبة والحارقة في ملعب الطبيب، وجد الاثنان نفسيهما في قفص واحد، كلاهما شريكان في الجرم، يتقاسمان مرارة السقوط.
كشفت التحقيقات عن خيوط شبكة عنكبوتية من الإهمال،غض صاحب المصحة الطرف عن كل تدخل إنساني، مطاردا أشباح الربح السريع، متجاهلا أبسط شروط السلامة .طوقته خيوط النيابة العامة، وخشية أن تتبخر ثروته في مهب المحاكم، انهار كبناء آيل للسقوط، سرد اعترافات عن التسهيلاتِ المشبوهة للأطباء، فاتحا أبواب الجحيم على مسؤولين آخرين. انتصار العائلة صار رمزا لصحوة الضمير الجماعي، كلمات الشيخ أمزيل في المحضر الرسمي زيتا سكب على نار الغضب الشعبي، استشعر الناس أن موازين القوى اختلت، القانون لم يعد ألعوبة في يد الأقوياء. داخل أروقة التحقيق، يقف الطبيب أمام صاحب المصحة في مواجهة كاشفة، الأول يتباكى على ضغوط العمل الموحشة، والثاني يتذرع بجهل الطبيب الذي ادعى المهارة لكنه اظهر عجزا. يتبادلان طعنات الخذلان تحت سقف واحد. ولى زمن الهروب من نوافذ الغدر، سقطت أقنعة التستر، وتحولت فوضى المصحة إلى قاعات موصدة تغوص في ظلال الغموض. لم تعد إجراءات النيابة مجرد روتين قانوني، أضحت مشرطا جراحيا حادا، يهدف إلى استئصال أورام الفساد الخبيثة التي تغلغلت في جسد الصحة، لتعيد الاعتبار لنبض الحياة الذي كاد أن يغتاله الجشع. يضيق الهواء حتى ليغدو خيطا من جمر، لا يتردد في الأرجاء سوى إيقاع القلق المكتوم، طقطقات لوحات المفاتيح تبدو كأنها معول ينقب في رمال الزيف. لم يعد الأمر مجرد خطأ طبي عابر يمحوه اعتذار بارد، فقد انشق غلاف الخوف عن مفرمة بشرية، وعن تعاملات تجارية منظمة اتخذت من المآزر البيضاء سترا لقلوب تحجرت، وتلوثت بدنس الطمع وبريق المال الملطخ بالدم. تساقطت الأقنعة كأوراق خريف مسمومة، الطبيب المعطوب أول القرابين، والمدير وجد نفسه مساقا إلى زنزانة الحقيقة العارية. تلاشت أوهام النفوذ، وتكشفت صفقات حيكت في الظلام، تلاعبت بسجلات الحياة والموت، المدير شاهدا وشهيدا على انهيار إمبراطورية من ورق. القيود التي طوقت المعاصم حديد بارد وصرخة كونية، وصدى آلاف التنهيدات التي حبسها الضحايا في صدورهم لسنوات. امتد منجل العدالة ببطء مهيب، يحصد الزيف، تناثر الممرضون الذين باعوا أرواحهم بحفنة دراهم، والإداريون الذين نسجوا خيوط فواتير الوهم، وصولا إلى حراس الاهانة الذين استبدلوا درع الحماية بسياط الترهيب. الملف انعرج من قضية جنائية إلى زلزال وطني زعزع أركان المدينة، اسقط هيبة القلاع التي تعد ملاذا للمترفين، مسالخ لتبييض الفساد والمتاجرة بآلام البشر. في قاعات هدوء المحكمة أبلغ من صراخ المحامين، بينما بقيت خيوط العدالة ثابتة، تمسك بمصير المتورطين رغم محاولات الأيدي الخفية عرقلة القطاف الجنائي، الذي اقتص للحياة من الذين استرخصوا قدسيتها. الصندوق الأسود للمصحة اماط اللثام عن قاع سحيق، غض الطرف عقيدة سائدة. سقطة الدكتور عادل شق اتسع ليري جرفا من التواطؤ المؤسساتي في المرفق العمومي، الأطباء أجساد بلا أرواح، طيوف غائبة، عقولهم تحلق في مدارات أرباح المصحات الخاصة. المريض رقم في معادلة الربح البشعة، يستنزف حتى آخر رمق، وتخترع له علل وهمية ليظل سجينا في قفص الاستشفاء. الوزارة تحت وطأة ضغط لا يرحم، النيابة العامة لم تعد تلاحق أفرادا، تقتفي أثر الوباء في سجلات الحضور. لم يعد المدير والطبيب وحدهما في قفص الاتهام، خيوط التستر تمتد لتطال مسؤولين إداريين اقتاتوا على عمولات الغدر. المصحة لم تكن مكانا للعلاج، انما مختبر للجريمة الإدارية، ومنصة لتبييض التغيب المهني. ومع كل الأوجاع لم تكن عائلة الضحية تطالب بالعدالة لموت ابنهم فحسب، انها لسان حال آلاف المكتوين بنار الغياب. أدرك الجميع أنهم أمام أخطبوط لا يرحم ، ممرضو التخدير يوقعون على سجلات لم يراقبوا فيها نبضا، مقابل علاوات من سحت. الإداريون يديرون المواعيد كمنسقي مسرحية عبثية، وحراس الأمن يطردون كل من تجرأ على الهمس بالحقيقة. في غرفة العناية الموت يحوم بجناحين من شحوب، وقف الممرض رزوق فوق رأس المريضة مريم تلفظ أنفاسها كعصفور جريح. يده لم تكن تستشعر دقات القلب، تضبط إيقاع الوقت، فكل دقيقة تمر نقد إضافي في جيوب القتلة. انحنى رزوق، وعيناه تلمعان ببريق ميت، ليهمس لزميلته.
-الساعة تمضي، والعداد لا يتوقف.. استعدي للفاتورة القادمة ،لا تسرعي في نزع جهاز التنفس، المدير يريد أن تبقى الغرفة محجوزة لليلة أخرى.. الرصيد لم يكتمل بعد
رمقتها الممرضة بنظرة صقيعية، جمدت في عينيها كل معاني الرحمة، لم تكن أذناها تصغيان لتراتيل الألم المكتوم الصادر من غرف المرضى، ترهف السمع لصليل العملات تتسرب إلى الجيوب تحت غطاء علاوات السهر. في ظلال الغرف القلم يرتجف يزور أرقام الحياة، يخط على صفحات السجلات أرقاما وهمية للضغط والحرارة، يكتب في دفتر جنازة لا تنتهي، ليبقي أهل المريض في غياهب الوهم، يبيعون أثاث ذكرياتهم وستر بيوتهم ثمنا لأمل زائف لا وجود له إلا في دفاتر الحسابات. في ركن قصي خلف نافذة الصيدلية التي تكفنها العتمة، شحطوط يمارس طقوسه في امتصاص الحياة. دخلت عليه عجوز، تجر خيبات الدهر على كتفيها، ترتجف بين أصابعها المنهكة صرة فيها ما تيسر من دراهم، تبحث عن طوق نجاة لابنتها. استقبلها بضيق يضيق بالأنفاس، استل من رف منسي في زوايا الظلام علبة لا تحمل إلا سرابا، دواء تآكل عمره أو مكملا لا يغني ولا يسمن، ليبيعه لها بثمى اغلى كأنه إكسير نادر. قال بصوت رخيم يقطر كذبا لزجا.
-هذا سر المعجزة.. ثمنه باهظ، لكنه وحده من سيعيد إليها الحياة.
فشلت في تكسير حدة السعر بتوسلات تذيب الصخر، التفت إليها بنظرة استعلاء، أوصد نافذته في وجهها، اغلق باب الرحمة في وجه ملهوف، في ميزانه مجرد بضاعة استهلكت من وقته ما لا يستحق. لم يكونوا يقتلون الناس بضربة سيف خاطفة، يغتالونهم بجرعات يومية من الطمع، يقطرونها في عروقهم ببطء، يتلذذون برؤيتهم معلقين بين مخالب الموت وخيوط الحياة، ليخضعوهم لشرائع المصحة الجائرة. الاعتراض يفتح أبواب الجحيم بوجوه الحراس العابسة، يلوحون بسياط النفوذ والتهديد، لتغدو المصحة قلعة مسورة بالخوف، لا يجرؤ فيها الحق على الكلام. فالفساد فيها خيوط عنكبوت متشابكة، كل ممرض يحمي الصيدلاني، وكل صيدلاني يستر عورة تزوير الطبيب، ليشكلوا جميعا حلقة من حديد، تطوق المريض فلا تتركه إلا وقد جرد من آخر فلس في جيبه، ومن رداء كرامته الآدمي. أعلنت النيابة العامة حالة الاستنفار القصوى، انفجرت الفضيحة الكبرى لتغسل غبار الأيام. أغلق مسرح الجريمة بالشمع الأحمر، ختم على جرح غائر في جسد المدينة. الشارع لليوم الرابع يغلي ببراكين الغضب، لا يطلب فقط سجن الجلادين، يطالب باقتلاع جذورهم ومصادرة أملاكهم ردا للحقوق. في الطابق الرابع من الوزارة، الزمن يتجمد في قوالب الرخام، والستائر الثقيلة تبتلع أنفاس الحقيقة، المعطي الرماد يقف أمام النافذة ككاهن في معبد وثني، يراقب المدينة تنزف غضبا في الساحات. لم يكن يرى بشرا، انما يرى أرقاما في معادلة بقاء، يراقب المدينة تتقلب في حمى الاحتجاج، ويستلذ برؤية الغضب يتصاعد كبخور أسود يغلف أعمدة الفساد القديمة.
في مكتبه الموصد، جلس الكاتب العام، متماهيا مع برودة الجدران الصماء، كأنه جزء من أثاث عتيق نحت من انكسارات العباد. الشاشات أمامه لا تبث صورا، انما تبث نذر انهيار وشيك ، يقرأ في اهتزاز أجساد المحتجين خريطة جغرافية للخراب، وببرود الجلاد الذي لا يرتجف له جفن، يرى في قنص الأبرياء وقودا لاستمرار ديمومة الطغيان.
حين رن الهاتف، لم يكن صوتا، انما نبضا سريا يربط عنكبوتين في قلب شبكة لا ترحم. جاء صوت المعطي كزفير جحيم مكتوم. -سيدي.. العاصفة لا تكتفي بقرع الأبواب، إنها تنهش عظام السقف. الشارع فقد صوابه، ولا يدرك أن ميزان الحق ليس سوى أرجوحةٍ نتحكم نحن في وتيرة اهتزازها. تنهد الكاتب العام، وزفر زفرة ككفن يغطي أرواحا طالما باعتها الأقلام، وأجاب بصوت يشبه حفيف أوراق ميتة في خريف أبدي.
-النيابة العامة مشرط يغوص في العمق، يا معطي، والشارع حين يغلي، يحرق كل شيء.. حتى الأقنعة.
ضحك النقابي، ضحكة كانت أشبه بصرير أبواب مقبرة لا تفتح، وقال بلسان يقطر دهاء وسما.
-الشارع عاصفة تهز الغصن فتسقط الأوراق الصفراء، ونحن من نحمل المنجل. سنقدم الطبيب والمدير قربانين على مائدة الرأي العام،
بلمسة إصبع باردة على زر الهاتف، انغلق ستار المسرح الأخير. لم تكن مجرد مكالمة، انما طقسا شيطانيا لدفن العدالة في مقبرة البيروقراطية. في ذلك المكتب، مات الضمير بوقار، وتلاشت صرخة المدينة في الفراغ، بينما استمر الظلام ينسج خيوطه، ويحكم إغلاق القلاع العازلة، حيث لا يسمع أحد ضجيج القلوب التي انكسرت، ولا يرى أحد كيف تذبح الحقيقة بابتسامة باردة، وسط بريق الرخام ودفء المكاتب التي لا تعرف معنى للألم. في الخارج العاصفة تخبو، وفي الداخل ضبط ساعة الهدوء. سكتت الهواتف في المكاتب الفارهة، وتوقفت أقلام المحققين عن حفر أخاديدها في الورق، اليد الخفية أسدلت ستائر الليل على مسرح العبث. لم تكن المدينة قد نامت انما تتنفس وجعا، كجرح لا يندمل. الحكم الذي صدر في غرف القضاء سوى صدى باهت لصرخة أم فقدت ضياء عينيها، وخلف الستائر ميزان آخر، لا يزن بالحق، انما بالصمت العاجز و المرير. تساقطت أوراق الفساد كخريف مبكر، لكن الجذور ظلت ضاربة في عمق الأرض، تسقيها مصالح الكبار التي لا تموت. لم تغلق القضية في دهاليز المحاكم، تلاشت في الأفق كصدى ناقوس ضل طريقه. خرجت العائلة من بوابة المحكمة، لا حاملة نصرا مؤزرا، ولا عودة باليقين، حملت صمتا أثقل من الجبال. في تلك الليلة لم تكن النجوم في سماء المدينة إلا عيونا مسهدة، تراقب وجعا لا ينمحي بختم أحمر، ولا يبرأ بتوقيعٍ بارد. في غرف التحقيق، طويت الأوراق، الحقيقة لم تكن ورقة تحفظ في ملف، إنها نبض مدفون تحت الإسمنت، سيبقى يقرع جدران الضمائرهم ليلا ونهارا. غاب الدكتور في طواحين العقاب، اغقلت المصحة وحبس المدير خلف القضبان، توارت الوزارة خلف الارقام الصماء، لكن دمعة الأب الشيخ أمزيل، ظلت معلقة في هواء المدينة كغيمة لا تمطر، ولا ترحل. استيقظت المدينة على صمت يشبه الخوف يشي بأن الجرح وإن توقف نزيفه الظاهري، تحول إلى ندبة في ذاكرة الأرواح. لا شيء يغسل عار الخديعة، فالعدالة التي تكتب بمداد الخوف ليست عدالة، انما استراحة محارب قبل معركة وجودية أخرى.
انتهت بتاريخ 6-7-2001
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
-
الافعى ذات السبعة رؤوس
-
ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
-
البداية : ظهور السيدة قطام
-
احاور جنازتي من فوق المحمل
-
محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
-
خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
المزيد.....
-
روسيا تعتمد برنامجا لتدريس اللغة العربية في المدارس اعتبارا
...
-
سوريا.. الفنان نوار بلبل يقود حراكا شعبيا بمنطقة الصالحية دع
...
-
اكتشاف مخطوطات موسيقية جديدة لموزارت في المكتبة الوطنية ببار
...
-
الشيخ نعيم قاسم: نواجه كل أنواع التبعية السياسية والثقافية
...
-
تعاون روسي صيني لإنتاج فيلم -الحلفاء-
-
أصل اللغة الإنسانية: هل هي هبة إلهية أم اختراع بشري؟
-
افتتاح معرض -إفريقيا المتلاشية- للمصور والطيار الروسي كازيمي
...
-
محاكمة عاجلة لسائق متهم بقتل فنان مصري شهير
-
افتتاح معرض -الذاكرة والشجاعة- في أثينا
-
شفيدكوي: الثقافة الركيزة الأساسية لحفظ الهوية الوطنية وسيادة
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|