|
|
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 18:02
المحور:
الادب والفن
تجلس محاطة بعدد من النسوة مختلفات الأعمار في شكل دائري ، تحت شجرة التين الوارفة الظلال المخضرة على طول السنة ، رائحة شجرة التين قوية ، الأرض الرطبة مفروشة بحصير الدوم وفوقه زرابي أمازيغية ووسادات تمت حياكتها ونسجها بوسائل تقليدية، بعد عملية غزل الصوف وتمشيطه وتحويله إلى خيوط رقيقة وتجمع في بكرات ، يتم تركيب قضيبين في الأرض تحدد فيه طول الزربية ويتم حمل الخيوط وتثبيتها على قطعتي خشب متينة بها مجموعة من الثقوب متساوية المسافة، وترفع على عارضتين بعلو محدد، ، استوت الحاجة خدجو في جلستها كما العادة مكحلة معطرة مرتدية قفطانا ابيضا مرقطا بالأسود وحزاما حريريا مذهبا ، ملفوفة الرأس في غطاء اصفر تتدلى منه أهداب ، خصلات الشعر الأشيب تتمرد من تحت الغطاء عند النواصي ، يقال كان لها شعر كثيف اسود فاحم طويل يصل إلى الركب ، لم تكن تحتاج إلى أدوات الغسيل الصناعية، غرامات من الحناء و حفنة ورد جافة وأعواد القرنفل ، يطحن بالمهراس ، يغربل بقطعة قماش رقيقة ، يخلط بالماء ويعجن ، محلول يطلى به الشعر لساعات، رائحة زكية تجثم فوق العنق، تشع نقاوة ومظهر أنيق ، ينسدل الكرم على كتف الفرح المضمخ بالضحكات وقفاشات تنثر الضحكات والقهقهات ، رفعت براد الشاي إلى الأعلى وملات أكوابا مزخرفة، الواحد تلو الآخر ، الرغوة البيضاء تاج يرصع المشروب البني ، بدون رغوة وفقاقيع لا قيمة للمشروب الوطني الحاضر في جميع المناسبات ، تقدمت شابة في مقتبل العمر حملت الصينية وطافت على المدعوات ، أطباق من ارغفه ( الملوي) خبز محلي غير مخمر، يعجن في القصع ويوضع في المقلاة مبللا بشيء من الزيت والزبدة، صحون الزبدة والعسل تتلألأ، ثمة نحلات يحلقن في الهواء يرسلن الطنين ،موكب النحل يتوافد، يرتشف من الكؤوس ، الأكل المجاني يفجر انهرا دافئة من المجاملات ، يبدد العبوس المتراكم في المخيلات ، الحاجة خدجو ( خديجة) شيخة متقاعدة ، تقترب من العقد السابع ، جمعت ثروة مهمة من الرقص في الحفلات والأعراس ، سافرت إلى بلاد الحرية عشرات المرات تتكلم اللغة الفرنسية بطلاقة ، لم تدخل مدرسة لكن ماري علمتها كل شيئ ، علمتها الرقص والغناء والقراءة ، أحبت ركوب الخيل وسياقة السيارات ،في ربيعها الخامس عشر لم تعد الطفلة القروية المتسخة ، أصبحت فتاتا متحضرة تأكل بالشوكة والسكين ، تتعطر باستمرار وتلبس افخر الملابس، أصبحت تزور والديها بدون رقابة ولا حراسة ، أول امرأة أمازيغية في المنطقة والدواوير المجاورة تزور ارض مهبط الوحي و خاتم الأنبياء ، لأنها تحتاج إلى محرم ، وخوفا من إجهاض أمنية العمر في ساحة مكتظة بالفتاوى، اشترت تذكرتي سفر للأراضي المقدسة للأخت وزوجها ، الأيدي و الذقن والأرجل خضبتهم الاوشام، الاوشام زينة الحياة الدنيا، ثمة أغاني أمازيغية يتغنين بالاوشام، عندما تتحرك ترن الأساور والسلاسل الذهبية ، اشترت أراضي فلاحية وبساتين ، أدخلت الجرار إلى القرية ، وشجعت النساء على تربية الدجاج وغرس أشجار الفواكه ، وتجارة الزرابي وحياكتها ، ساهمت في بناء عشرات الآبار لسقي البساتين ، لا تكف عن تفتيت شهقات الخيبات بين النسوة ، من كلامها تفوح رائحة البنفسج والجود والكرم ، تنساب سلسة بين أنامل الوقت ، سحبت الغرابيل وأكياس القمح ، رحى من الحجر توضع وسط طبق من الدوم المجفف ، الرحى عبارة عن حجرين متساويين منفصلين ، يوضع الواحد فوق الآخر ، الحجر الفوقي فيه ثقبين واحد في الوسط والآخر في الجانب محشو بعصا غليظة، يسكب القمح من الفتحة الفوقية ، وبحركات لولبية متناغمة يتم سحق الحبوب ، تدور الرحى بإيقاع بطيء وتخرج من الأفواه مواويل أمازيغية تنثر شظايا الأحلام ، تجوب في وداعة حقول المعنى ، مسنة تهش دجاجات تحاول التقاط الحبوب من الطبق ، أطفال صغار يركضون بغير اتجاه ، يتصايحون ويطوفون حول أكوام التبن العالية ، المواويل تغرق الحاجة في وجع الحنين ، صوت الكمان والدف والخلاخل تسافر في الدم ، أغنية قديمة تتدفق في الشرايين كحبات الزمرد ، الصوت ملائكي وحزين ، لم تكن تفهم الكلمات لكن ثمة نسيم طافح بالفرح يتلوى في الأشلاء ، ظلت ساهمة واقفة تراقب الأسطوانة السوداء تنفث الموسيقى والغناء ، ضحكت مدام ماري وشرحت لها بالإشارات وبأمازيغية ركيكة أن المغنية تسمى اديت بياف ، شاهدت خدجو النصرانية ترقص على إيقاعات غريبة ، حركات رشيقة باليدين والرجلين ، جسدها مطاطي أشبه بالعجين ، الزوج المسيو برنار يدخن بشراهة الغليون ملتصق بالفم ، ينفث الدخان من منخريه ، يصرخ بدون سبب على الخدم وعمال الضيعة المترامية الأطراف ، أشجار فواكه من كل نوع في البساتين ، أبقار وخيول وأغنام في حظائر مرتبة ترتيبا دقيقا ، جرارات وسيارات سوداء ، مروحيات تعانق السماء ترفع الماء من الآبار العميقة ، تدور في اتجاهات الريح وتفرج عن طقطقات ، تذكرت حين أخذها أبوها بغير رضاها وقدمها قربانا للنصراني ، ظلت تبكي ، تصرخ، تتمرغ في التراب مثل دجاجة ، تبولت من الخوف ، حين داههما العياء نامت ، كان الزوجين سعيدين بالطفلة التي لم تتجاوز ربيعها السادس ، أخذتها الخادمة الأمازيغية من يدها المرتعشة ، خلعت عنها الملابس الوسخة والمرقعة ، قاومت العري لكنها استسلمت ، قصت شعرها المليء بالقمل وبيوضه، فركت جسدها الصغير بالماء والصابون ، جففتها وألبستها قميصا وسروالا واسعا وغطت الشعر بمنديل ابيض ، أمرتها بالكف عن البكاء والصراخ خوفا من رميها في الحظيرة مع الكلاب والقطط ، وضعت أمامها صحن مرق وقطعة خبز وتفاحة كبيرة وخاطبتها بالامازيغية.
- كلي يجب أن تشبعي…. السيدة ستعلمك القراءة والكتابة - اريد ان اعود لامي - ستزورك امك مرة كل شهر ...عليك أن تكوني لطيفة
الذاكرة تختزن آلاف الصور القديمة، حروف بدون قيمة أمام النخاس،ترمى بقوة من الأهل إلى هضاب الريح، لاشيء يسافر معها سوى سحنات الإخوة والأخوات، في العيون كلمات متورمة من قسوة الانتظار المهيض والمر ، ولدت بهوية صداة الأوصاف، كل شهر يزور الأبوين الضيعة ، يجلسان مع الابنة ويوصيانها بإطاعة النصرانية ، تذرف الدموع وفي الفؤاد حنين لطيور البراري ، ترجتهما أن يعيداها إلى المنزل ، ينفجر في الحوباء قرف أخر ، ورنين الصد يكبر في تلابيب الاستعطاف ، شموعها الستة تضمن الخبز في زمن القحط ، الأب مسافر في رحاب الطمع وثابت في جوهر اللامبالاة ،والآه تعوم في الصدر مغمسة بأحلام الثراء ، الطريق إلى النعيم يمر عبر النخاس ، اشترى قطيعا من الغنم وبضعة بقرات ، استبدل الحمار بالبغل، وطفل القرية خاصم المدرسة والحقيبة المدرسية ، لا وقت لتضييع الوقت في التعلم فالمراعي والحقول أفيد ، دفع آخر الأبناء إلى الحقول ، يتسلق بهدوء مغارة الثراء، استبدل الجلباب الصوفي والسراويل الواسعة بالبدلات الناعمة ، مسيو برنار سخي معه إلى حد الجنون، مزهو يقف وسط البستان المسور بشجرات الصبار ، يتطلع على أطلال لحظات شقية وصعبة، الأيام كلمات حالمة ،قهقه على دكة الأمس الحزين ،ضرب الرفش في الأرض الندية ، تطلع حبات البطاطس الطازجة، يمتلأ الصندوق الخشبي طماطم وفلفل وبطاطس، قطف رزمات من البقدونس والنعناع والكرفس.
- الأرض إذا اهتممت بها تعطيك رزقا وفيرا - فعلا … الأرض هي اصل الخيرات
مدام ماري تبحث عن شيئ يشغل وقتها وتفكيرها،نهر الأمومة ينبض في الحوباء ، تشعر بالوحدة والتيه لم ترزق بأولاد، تحتاج إلى مؤنس ووقت طويل لتدريب الهواء على القراءة والكتابة ، تريد للوحدة القاسية انكماشا وانسحابا يضفي على الوجوم وجها ناعما بشوشا ، تشعل الوحي في الليل تنثر الأنوار ، وعصا موسى تشق البحر ليمر التعيس إلى الضفة الأخرى ، قمر يطل على الطريق الوعرة ، تعلمت أولى الحروف بالعربية والفرنسية ، لا تزال اليد لم تطاوعها لكنها تحاول ، مدام ماري اكثر سرورا وبهجة ، ينسحب الوجه المتجهم الساخر والحانق على ظله ، تصفق بكلتا اليدين، برافو ، برافو ، تضمها تقبلها ، تحس بالنشوة والانتصار ، صياد عجوز يرتق شباكه العتيقة، وعصفور صغير يصطاد بمنقار الخوف بضعة أحلام مقصوصة ، وقطيع الخدم والحشم يهشون حفنة الهتافات ، ترسم الطفلة ألامها وتلتمس بركاته ، ليعيدها على جناح السلامة إلى الأهل، رعبا وحنقا تخبو الأمنية ، تخبو رغبات العودة ، وكلما حاولت أن تتهجى ألمها ، كانت أغاني الأم وحكاياتها تقضم الوحدة ، أخواتها الكبيرات غادرن بدورهن مكرهات ومند سنوات إلى ضيعات أخري ، لم ينعمن بالطفولة ولدن ليخدمن في البيوت لإعالة الأسرة والزواج وولادة دزينة أولاد، فالأولاد نعمة من الله ، وكل وليد يفرد الله له رزقا في الحياة، يستمر مسلسل السخرة أبا عن جد ، الجفاف والقحط والجوع يزحف على القرية الصغيرة ، وحدهم النصارى يعيشون في النعيم ، رائحة الحرب تملا السماء ، برنار يستقبل كل أسبوع القياد والشيوخ ، يجلسون تحت شجرة كليبتوس يزدردون الحلوى وبراريد الشاي ، رائحة تبغ مسيو برنار تلاحقهم ، يثرثرون عن الحرب التي وضعت أوزارها ، انهزم هتلر لكنه ترك الدمار والخراب ، فرنسا تحصي القتلى والجرحى والمعطوبين ، الوطن يشهد مند الظهير البربري انتفاضات هنا وهناك ضد المستعمر ، نداءات الاستقلال والحرية تعم المدن والقرى ، الشعور الوطني يتقوى ، الخونة مهددون في حياتهم ،أحرقت فدادين القمح والكروم، خربت مزارع و أكوام التبن ، اعتقل العشرات من الوطنيين الأحرار، اعدم المئات رميا بالرصاص في واضحة النهار، مطاردات في الغابات والوديان. لقب ( اغواوغن) يطفو على السطح في القبائل والدواوير والضعيات الفلاحية المترامية الأرداف، اللقب يربك المستعمر والخونة على حد سواء، الأسلحة البيضاء في مقابل الرصاص الحي، الثورة تعوي في السماء، تنثر رذاذها على قارعة المدن والأرياف ، تغسل الوجوه من الاستسلام والخضوع، كل من هرب إلى الجبال ونادى بقتال المستعمر يعتبر ( اغواغ)، للكلمة مفعول سحري خاص، تربك الحسابات تنشر الرعب في القلوب ، كل شخص يركب صهوة الجموح، كل أمازيغي حر ينتظر اللحظة المناسبة للقصاص ، الأيام حبلى بالتحديات الكبار والطريق طويل وشاق، لا وقت للبكاء على الذين رحلوا بدون كفن ولا عزاء ولا قبور، تناهي في الظلام صوت الثائرين ، أشعلت النيران في مركز امني، هربت شاحنات محملة بالأسلحة والمؤونة في جنح الظلام، التنظيم السري في القرية يجدب الحالمين بالحرية. صادر المستعمر الممتلكات وطارد الابرياء ، يبني سقيفات من الأشواك في الخلاء، يحتجز المشتبه فيهم ، يتركون مقيدين تحت الشمس الحارقة ليموتوا بالتقسيط جوعا وعطشا ،وسيلة للتعذيب لنشر الخوف والرعب، الوطنيون يزرعون في المخيلات حب الوطن والخونة يرسمون هالات الوجع والترهيب، القياد والشيوخ اكثر فتكا ببني جلدتهم، المستعمر يستعمل الخونة ليجلد أهل الدار، في مقابل التبعية يستفيدون من العقارات والممتلكات المصادرة، العملاء يتربصون في الأسواق بالرؤوس الدافئة بحب الوطن،يستنشقون نباح الكلاب في الظلام ،نفي الملك محمد الخامس إلى جزيرتي كورسيكا ثم مدغشقر، أدى إلى إشغال شرارة الانتفاضة وتصاعد المقاومة المسلحة وظهور الخلايا الفدائية في اكثر من مدينة مغربية، وفشل مخطط الاستعمار في تنصيب سلطان موال. استحضرت خدجو أسماء الفدائيين والعائلات التي صودرت أملاكها ،أسماء الجواسيس والخونة، أسماء الذين نفذ فيهم حكم الإعدام، تذكرت الأب والأم اللذين توفيا مند زمن بعيد، تزور قبريهما كل مرة، الأب بقسماته الحادة، يداه المشققة من كثرة العمل في الحقول، تستحضر صورة الأم يزة المغلوبة على أمرها مثل جميع النساء في الأرياف، اندفعت في الدماغ صور للإخوة والأخوات كانها ركام الأحجار، أحست بغصة في الحلق، مريم الكبيرة، ليلى، كلثوم ، حادة جميعهن زوجن في سن مبكرة قبل أن يتكور الزمن على صدورهن، خديجة الصغيرة بيعت إلى عائلة النصراني أما الإخوة حمادي، باعزة ، علال ، نوح اكبر منها بعامين ، دفعوا إلى العمل الشاق في القرى المجاورة في ضيعات المعمرين،رحلوا مند سنوات لم يبق سوى علال ونوح تزورهما باستمرار ، حين تتلاقى العيون وتستعيد الزمن الغابر تسمع قيثارة الحنين في الحناجر، تأوهت وملات الصدر بالهواء النقي، خلعت عن الصوت وخز الندبات، غرست بضعة شجرات بجوار القبرين ونقشت على شاهدين اسميهما، بنت سور ليقي المقبرة من الحيوانات والأزبال. خدجو ذاكرة متنقلة، قيثارة معلقة في الهواء، الصوت الأمازيغي الشجي يصدح بالنصر للأحرار ،تسافر بالجماجم إلى نسمات الصباح ،تنثر قصاصات من سفر الحرية، كؤوس الشاي والخبز المغمس بالزبدة والعسل تطير، تعشق الفن الامازيغي حد الثمالة، أسست فرقة فلكورية بعد الاستقلال، سافرت إلى دول عديدة عربية وأجنبية، علمت عشرات الفتيات الرقص الغربي، دربت فتيات على الموروث الثقافي الامازيغي، التراث الامازيغي يجب إن يستمر ،رمز الهوية والحضارة والتاريخ، الثرثرة لا تنتهي، حكايات الزمن الغابر حاضرة ، حادة تلقي على المسامع مقاطع لاغاني العشق والغرام، الصوت السجي يسافر بالجماجم إلى الخيالات البعيدة، التلوين الصوتي يأسر القلوب، يخيم صوت رهيب على الجلسة، لا تسمع سوى طنين النحلات تحوم حول إبريق الشاي المنعنع، ( تماوايت) الغناء الفردي اكثر انتشارا في مناطق الأطلس المتوسط، ما يميزه النبرات الحزينة وسرد دقيق للواقع المعاش والتجارب الإنسانية ومشاعر الفرح والترح و التعبير أيضا عن صرخة ومعاناة العشاق، تماوايت أسلوب غنائي يتوارث جيل بعد جيل وقد اعتبره البعض وسيلة لنقل الرسائل المشفرة والملغزة بين العشاق.
حادة امتهنت الرقص في الحفلات والأعراس، صوتها قوي وشجي، تردد الأغاني بنبرة جميلة ،ساحرة ،أخاذة، هربت من الدار حين منعت من الغناء، الغناء عند الأمازيغ عيب وشتيمة، اكل الحلزون حرام، بيع الحليب وبيع الفواكه في البساتين ممنوع ، الغرباء حين يتوافدون على القرية يجمعون الحليب والفواكه ويقومون ببيعها في الأسواق، حين فطنت العائلات لتصرفاتهم النزقة منعوا عنهم الجني الجائر ، كل ما شئت واترك لغيرك .
- ممنوع الجني الجائر - كل حتى الشبع واترك لغيرك
صاح شاب في مقتبل العمر في وجه احد الغرباء الذي تسلل إلى البستان وراح يملا كيسا بالتين الشوكي ،يقرأ في العيون الجاحظة تهديدا حقيقيا،ظل صامتا باحثا عن مفردات لمواجهة الموقف، قبض على جمر الكلمات وانسحب يجر دابة، الرفض ينتشر بسرعة في جميع القرى المجاورة، ضحكت خدجو وهي تستعيد عشرات المواقف المشابهة، سنوات الجفاف تم القضاء على بساتين وغابات، الهجرات الجماعية نحو المدينة نشطت، الأرض جدباء قاحلة تمطر الأوبئة على كراسي الانتماء ،حفاة نصف عراة يمشي الأطفال يداعبون السراب،مترنحين من شدة الجوع، لا احد يرسم للغد الجميل خريطة، يسامر عصافير الدوري بأغنيات الحب والفرح، الكأس ما تزال تفيض بدموع الحنين تعزف على أوتار الأمس والمستقبل حلما بحجم السماء ، اختفت حادة لسنوات وتحولت إلى صوت غنائي يطرب السامعين عبر الأثير، الراديو هذا الصندوق السحري العجيب والغريب دخل إلى البيوت واصبح عنوانا على الترف، اختفى محرك الأسطوانات السوداء، تحولت في بضعة سنين إلى صوت مسموع ، مطلوب في النوادي الليلة والأعراس والحفلات ،سافرت إلى دول عربية وأوربية، رقصة أحيدوس ترسم الفرح ،تنبث أزهار الابتسامات والرضا على الشفاه، الحركات وضربات الدفوف تنساب في الهواء، هسهسة القطع الحديدية في الأحزمة تنشر موسيقى خفيفة، الاوشام تظهر في الأيدي ،فراشات نشيطة تعانق شقائق النعمان، العيون ترتشف الفرحة من الأهازيج وأصوات الحناجر التي تسافر بالجماجم إلى السماء البعيدة تلقي في النفوس نسمات الارتياح، وحده الدف والكمان يصنعان الفرحة .
- الزمن لم يعد زمننا - فعلا - لم يعد الغناء رسالة للحفاظ على الموروث الثقافي اصبح تجارة مربحة
عشرات المغنيين الذين صدحت حناجرهم بأغاني الحب والزمن العجيف ، دخلوا جميع البيوت من خلال الراديو يعيشون الفقر والحاجة، الجميع تنكر لهم، تركوهم يموتون بالتقسيط، يفردون اوجاعهم على حائط المبكى،الشيخوخة تزف قطاف النهاية، يمطر سقف السماء كلمات الاسى والاسف ليحلق فوق ضفاف النسيان. الشعوب العربية مدمنة على التنكر للرجالات الذين قدموا خدمات للوطن.
خدجو أسست في بعض المناطق الأمازيغية فرق لفن أحيدوس، الحفاظ على الهوية الثقافية المحرك الأساسي، شجعت الفتيات والفتيان على دخول التجربة، تسمع صوتا مميزا مثيرا في قرية ما تسرع إلى احتضانه، تعلمه أصول الفن الملتزم والهادف، اغلب الشباب متميزون في اللعب بالدف والكمان، آلات في متناول هواة الرقص، الدف صناعة محلية سهلة، يكفي إحضار جلد الماعز من السوق الأسبوعي، وضعه تحت حجر ثقيل بضعة أيام ليتحلل ، حين يفرز رائحة مغثية، يتم تقشيره ، نزع الشعر عن الجلد، يتم تليينه بإزالة الشحوم الملتصقة بواسطه السكين، البحث عن قطعة خشبية رقيقة سهلة التطويع، غربال متقادم، تلفيف جلد الماعز وشده بالخيوط من الجوانب بعد وضع حبال رقيقة وسط الدف، التسخين بالنار ليشتد الجلد، إحداث ثقب ليستقر فيه الإبهام ويسهل التحكم ،صناعة الكمان أسهل أيضا، إحضار صفيحة حديدية مستطيلة تخص زيوت المحركات، شقها من الفوق والوسط، إدخال قطعة خشبية تمتد من عنق الأوتاد إلى مؤخرة الصفيحة بها مفاتيح لضبط حدة الصوت، نتف كمية شعر من ذيل الحصان، كابل معدني لفرامل الدراجات العادية، سحب بضعة أسلاك رقيقة تتحول إلى أوتار. اغلب العازفين على الكمان والدف لم يدرسوا في معاهد ولا مدارس للفن والرقص، الموهبة هبة من الله. جلسة الشاي المنعنع تغربل الماضي والحاضر، تطلق زفرات الحنين على الذين رحلوا بدون وداع، كل الذين التهمهم حب الوطن حاضرون في سجلات الحرية، حكايات تتمتم من الصمت إلى الصمت،تكتب في المخيلات قصائد الحب والحرب ،خدجو تسافر في الهزيع الأخير من أنفاس العمر المتبقي، تنثر على قارعة الوديان والبساتين بذور الهوى، تفتش في الغدو والرواح عن قواميس لزرع الفن الامازيغي في الأدمغة، تخاف من الاغتراب وهزات النزوح ،اللغة الأمازيغية مضطهدة مشدودة بقوة إلى المقصلات، لا شيئ يربط الإنسان بالأرض سوى الهوية ،لا صوت يعيد المغترب إلى جذوره سوى الفن العميق حين يقرع أجراس الحنين. سمعت في دوار قريب عن مجموعة غنائية شبابية، أربعة أخوة يعيدون أحياء الأغاني القديمة بإيقاعات حديثة، يحيون حفلات الزواج والختان، ينشطون في المواسم بحثا عن الرزق الحلال.اشتهرت الفرقة بالمنطقة ليس بسبب الأداء المتميز ولا الأصوات الشجية والأداء ، احد عناصر الفرقة يؤدي رقصات أنثوية أثناء العزف، يغطي الرأس بشعر مستعار طويل ،يلبس ملابس نسائية، يتمنطق بحزام غليظ، فشلوا في إقناع فتاة بالرقص، اختفى اسم فرقة الهرناطي لفن احيدوس ، في ظرف وجيز التصق بالفرقة لقب اكثر إثارة وسخرية ورسوخا في الأذهان، فرقة راقص الأعراس.
- علينا البحث عن مصدر آخر للعيش - لماذا...؟ - لا أريد أن ارقص رقصا نسائيا ابحثوا عن فتاة - نعمل على ذلك
يهب الليل بقشعريرة جمهور أصابته حمى القهقهات، يسيل لعاب السكاري ، الكل يتأبط شفاه حبيبة قابعة في المخيلة، في جعبة الحالمين جيوب ممزقة، من فوق المنصة تصدح الأغنية الشعبية تمزق السكون، ثمة شباب يمررون كؤوس الخمر الرخيص من نوع ( رمال)، آخر يشرب أقداحا من التواءات الزمن العاهر، لعل الفرح يسري في الشرايين وتنزاح الغمة، الجماهير تتمايل لتشرب أنخاب الهوى من على حافة الانتشاء، الفرقة الغنائية تداعب السراب ومن الخوف مترنحة، تراقب الضجيج من فوق المنصة، الراقص يلوي مؤخرته بحركات أنثوية دقيقة، حزام غليظ مزين بقط حديدية ( موزون) تحدث هسهسات تنساب مع الموسيقى، حزام في سمكه أشبه بإطار مطاطي يعصر العجيزة، رغم الطول الفارع يدور دورات خفيفة، يلعب بالبطن والأيدي والصدر، يدور فوق المنصة فاردا الأيدي ، الكمان تمزق السكون، ترتفع دقات الدف ، الشتائم تنهال بقوة على المجموعة، الشتائم اشد فتكا من الغبار المتطاير في السماء، تاهت أبجديات الأغنية في متاهات الاستبخاس، فئران الخوف من الرشق بالحجارة تجوب الشرايين ، حين نزلوا من على المنصة تنفسوا الصعداء، راقص الفرقة يتصبب عرقا، يسحب منديلا من الجيب، يجفف حبات العرق، الأخ الكبير يشعل سيجارة، ينفخ الدخان في الهواء، الثاني يكرع كؤوس الخمر الرديء، الثالث يدفع في الفم قضمات من رغيف محشو بلحم مشوي، يشعر بالإرهاق والتعب، لكنه يقاوم لكي لا يضيع الأجر، امتدت اليد المرتجفة إلى زجاجة ماء معدني افرغ النصف في الجوف، ارتمى بقية أعضاء الفرقة فوق التبن ، مرت آلات الحصاد مند أسبوع وتركت الحقول عارية، في الصباح قام العمال برش محرك التبوريدة بالماء لتثبيت الغبار، ملعب كبير يتسع لمئات الفرسان، نزعت الحشائش وأحرقت ، في الساعة الواحدة ظهرا بدأت تتوافد فرق الفرسان، شباب في مقتبل العمر يرثون تقاليد ضاربة في القدم، الاعتناء بالحصان مكلف لكنه زينة الحياة وتفاخر بين القبائل ، رائحة البارود تقبض على المكان، وراء كل سربة خيالية سربة أخرى، فرسان بملابس تقليدية موحدة، جلباب ابيض ونعل اصفر ومنديل يغطي الرأس، أحصنة بسروج جلدية وبنادق مزخرفة، أجود المتبارين من تتساوى لديهم الطلقات، الطلقة الموحدة تنال التصفيقات القوية. الحديث عن مجموعة غنائية أحدثت ضجيجا ولغوا في المنطقة تغري بالزيارة، استقلت السيارة في الصباح الباكر، السائق أتى مند أسبوع بمعلومات دقيقة عن الفرقة الشعبية، اليوم ستقدم عرضا في موسم للتبوريدة ، مرت السيارة بالقرب من منزل ميسو برنار والسيدة ماري أبواها بالتبني، تذكرت كيف كانا يناديانها ( اجو )،لم يبق من البساتين المترامية الأرداف سوى الأراضي القاحلة، الإسطبلات والمنزل الكبير مجرد أطلال، المروحة الكبيرة المعلقة في الهواء صامت الحركة، النصارى يعرفون قيمة الأرض ، اندفعت رياح الأمس دفعة واحدة في المخيلة، دونت في الشرايين اهتزازات الطريق المتربة ، خمنت لو بقيت في المنزل لتزوجت وعاشت الفقر والحرمان.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
-
الافعى ذات السبعة رؤوس
-
ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
-
البداية : ظهور السيدة قطام
-
احاور جنازتي من فوق المحمل
-
محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
-
خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
-
خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
-
خوكم بوحمارة
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
-
زقوم كرة القدم الحلقة (9)
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 8)
-
زقوم كرة القدم الحلقة (7)
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 6)
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 5)
المزيد.....
-
كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف
...
-
العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا
...
-
مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة
...
-
الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام
...
-
فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و
...
-
سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا
...
-
في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
-
ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل
...
-
فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع
...
-
-عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه
...
المزيد.....
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
المزيد.....
|