أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الفقيه والطاهية والجارة















المزيد.....


الفقيه والطاهية والجارة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 20:10
المحور: الادب والفن
    


تمشي بخطو وئيد، تقيس المسافة بين الأرض والسماء، المدينة حبلى بندوب الحرمان، كل يوم تبتلع الطرقات، تقبس نبض الشارع الطويل، الكل يقيس خطواتها تحت مبضع الجراحين، إشارات المرور معطلة، الشمس تنسحب بهدوء إلى المخدع، سفر يومي إلى الجهة الأخرى مند الأزل، لتدفئ المناطق الباردة وتضيء الأماكن المعتمة من الكون ، عظمة الخالق في كل شيئ، الطريق إلى الله مفخخة بالاختبارات القوية ، الموانع كثيفة في اعين البشر، الملائكة يرفعون بريد السيئات والحسنات إلى السماء، الزمن ملطخ مند الأزل بالخطايا، تحمل قلقها الرابض في الجمجمة ، تقاتل الشك لمعانقة اليقين النابت في الضلوع، تحبو بحذر فوق أرخبيل الأمنيات، لا زغاريد تسحب أقحوانة من تحت الأحذية، لا عبارات دافئة قبل إسدال الليل سدوله، شيخ يدخن بشراهة يغزل شاربيه بزهو شديد، ضربات الطبل والمزمار تجدب حشدا بشريا، رجل في عقده السابع يطلق القفاشات والنكت، ينتشر الضحك والتصفيقات، يحكي عن قصة رجل دخل حماما شعبيا في حالة سكر طافح ،يتمايل، يترنح، ينقل الخطوات في الفراغ، ينزلق، كاد يسقط ، ألقى بقطع الملابس فوق الكرسي الخشبي الطويل،الحجرات فارغة من الزبناء ، الحجرة الثالثة بها حركة خفيفة متقطعة، هسهسة الماء ، تنفس عميق أشبه بالصفير، وسط البخار المتصاعد، رمق عيونا حمراء جاحظة، ارتعدت منه الفرائص وارتفعت دقات القلب، خيل إليه انه أمام عفريت حقيقي، رمى بالدلاء وأدوات الاستحمام ، اطلق ساقيه للريح، حاول صاحب الحمام معرفة جلية الأمر ، الزبون دفع الباب وعانق الفضاء الواسع عاريا، الموقف المفاجئ اربكه، استشعر الخطر واندفع بدوره إلى الخارج، تنفس الصعداء متكورا فوق كومة نبضات، ضحك العجوز صاحب الحمام ،تذكر فجأة الزبون ذو البشرة السوداء، ظل السكير يردد بصوت متقطع، الكلمات هربت منه، الحلق ناشف.

- عفريت ...عفريت في الغرفة الثالثة
-ها ها هاها,,,,

تعالت الضحكات والتصفيقات الحارة ، العملات النقدية تتقاطر على الشيخ ينحني بصعوبة لجمع الدراهم ،الكلمات المستفزة الخادشة للحياء تذيب في الرؤوس المشرئبة الغضب وضغوط الحياة ، مواضيع الجنس والخيانات الزوجية تثير زوابع الضحك وعلامات الاستفهام ،الحلقة تكبر وتكبر، (الحلايقي) اكثر انشراحا، المستملحات والنكت تنشر القهقهات في الفضاء الواسع، أصعب شيئ في حرفة الحلاقية إضحاك الناس ، الحلايقي المحترف والمتمكن يخلق الفرجة ويولد الأفكار والمعاني والمواضيع الساخرة التي تشد الانتباه وتدفع إلى نفح الدراهم ، الحلايقي وجه معروف في المدينة .
النساء اكثر عددا من الرجال في الساحة الكبيرة، نمل بشري يتدفق طلوعا وهبوطا، عربات تعرض المكسرات والحلوى، دخان يتصاعد في السماء، وجبات النقانق والبطاطس تجذب الجياع، أكواب عصير قصب السكر تطير ، ألعاب تغري الأطفال الصغار، أضواء الشارع تقيئ ضوئا خافتا ، تمشي في الشارع مشية مختالة ، تنورة سوداء وقميص ابيض ناصع ذي فتحة على الحمامات، الحقيبة الحمراء ترتاح قوق الكتف ، الشعر المنسدل يتأرجح يمينا وشمالا، الكعب العالي يترك طقطقات على الرصيف، أجساد شبه عارية توقظ الأحاسيس من غفلتها ، الرغبات المكبوتة تتدفق من النظرات، لم تعد تحس بالحرج والقلق كما في السابق، السهام لم تعد تتهشم في الفؤاد ،النساء المتبرجات متآمرات مع الشيطان، هكذا قال لها الإمام وفقيه مسجد الحي يوما ، حدجته لهنيهات وانصرفت لحالها، رأته مرة يحدج باشتهاء إلى مؤخرات النساء في الزقاق، يتحلب فمه ويمسح بكفه اللحية البيضاء الشبيهة بندف الثلج، اللعين مدجج بالرغبات المكبوتة، الكلمات الجارحة واللعنات تعوي في المخيلة، يصلي بالناس متلحف بجلباب الكذب، إسكافي الحي يعرفه اشد المعرفة ،جلست تصلح أحذية الأخوات الصغيرات، انخرطا في حوار طويل مليء بالبوح والأسرار ، اخبرها بلغة الواثق والعارف أن الفقيه زير نساء ، تحرش بالزوجة الفلانية وأقام علاقات محرمة مع زوجات عدة..لائحة الضحايا تطول، يتحدث ويدفع الغراء في فتحات الأحذية الممزقة، يدفع في الفم حفنة من المسامير الصغيرة، يحمل المطرقة ويغرس المسامير في الأحذية المثبتة في السندان، طق، طق، طق ، يرفع المقص الكبير ذو العيون الواسعة، يقص قطعة جلد سوداء من حذاء مهترئ، يقيس القطعة، يحمل الإبرة ويخيط القطعة على الفردة، رفع راسه بتثاقل ظاهر، ابتسم، وغمز بإحدى عينيه واردف مازحا، لم يسلم من شباكه سوى العجائز، ضحكت شيماء في دواخلها، فرك الرأس بأظافر متسخة مفتشا عن باقي الضحايا، خمنت انه ربما يبحث عن اسمها.

- ما يغرك المسبحة والجلباب الابيض
- كنسمع على المغامرات تاعو كثير
- بلا ما يدوخك بكلمات الله والأخرة والعذاب...حضي منو
-ها ها

شيماء مسؤولة عن اربع أخوات لا زلن صغيرات، مات والداها وتركا لها حملا ثقيلا، لم تجد أمامها من وسيلة لتلبية طلبات الصغيرات سوى العمل الشاق في الدكان والحفلات، لا وسيلة للفكاك من أنياب الفقر والصقيع وزوابع من الغبار، الطرقات تملا الأحلام بالصخب والجنون، في العيون تلمع الرغبات و الشهوات، صديقات وجارات سقطن في المحظور، استجبن لنداء الجسد وفرطن في العرض والشرف، المدينة تحولت إلى وكر للدعارة ، عروض كثيرة وطلبات اقل، السلع الجديدة تطرد السلع الرخصية، حين تسقط الفتاة في براثين التجارة في الأحواض الرب يطردها من الشرفة ، يسحب روحها من بين الأخيار، الفقيرات منذورات للسقوط في بئر الرذيلة إلا ما رحم ربك، لاشيء يذيب القلق المتوحش الذي يسكن الضلوع سوى الانحراف، يقاومن كثيرا و يستسلمن، سميرة الجارة المتزوجة استفردت بها يوما وقدمت لها عرضا، ثمة زبون من دولة خليجية يحتاج إلى فتاة عذراء، العذراوات سعرهن مرتفع ، أوقدت نار الطمع في المخيلة، لم ترفض الفكرة لكنها طلبت مهلة للتفكير، العرض ترك كثبانا من الحرائق والخوف، الكلمات تشدخ الدماغ تعوي في الشرايين، لم تنم في تلك الليلة، ظلت تتقلب في الفراش، الأخوات نائمات تسمع تنفسهن المتقطع، تفر الأفكار المضطربة والعابسة من جلدها، ليست الأولى ولا الأخيرة التي سقطت في المصيدة، لا فتاة ستنجو من المذبحة، الكلمات الثاقبة تسمع الآذان ترنيمة موسيقية جذابة، اندفعت في المخيلة صورة سميرة جارة السوء بجسمها النحيف، شفتاها اكثر حمرة، صوتها أشبه بهمسات، عاشت لسنوات في دولة عربية، سيدة وفرت لها عقد عمل في صالون للحلاقة والتجميل، جمعت ثروة مهمة، حين عادت إلى الوطن افتتحت مخبزا عصريا ومقهى يشغل عشرات العمال الحرفيين، تزوجت رجل تعليم، الرجل أغرته الأملاك والسيارات الفارهة وظهر بمظهر الإنسان المثالي المتسامح مع زلات الآخرين لكنه في العمق منكسر ونادم، القناعة كنز لا يفنى،
الصراع الداخلي يتصاعد، يترآى السقوط على أوتار الكبرياء، كتبت قصيدة في جنح الظلام عن ضياع الأجساد البريئة، تطاردها ذئاب الشهوات كل ليلة ، الرغبة تعوي في النبض مند زمان، فارس الأحلام تاه عن الطريق ، السماء مزكومة بجرثومة المكر والخداع، غازلت في صمت المستقبل الملغز والثراء الممكن، الجارة وعدتها بمبلغ كبير سيغير حياتها، امتدحت جمالها وجسدها الرشيق ،تحدثت عن مغامراتها في الدول العربية ، عن الثروة والزواج والعيش المستقر ،كلام يفتح النار في خلايا التردد ،تتدحرج العيون على الأجساد الأربعة المطالب تكبر، اكبر الأخوات في ربيعها الخامس عشر والأصغر في ربيعها السابع، العمل طاهية في الحفلات والأعراس متقطع ، الدكان يحتاج إلى إصلاحات ورأسمال ، نسيم القهر يهب من جميع الجهات، تغلق أبواب وتفتح أخرى بإذن من الله، الخالق على كل شيئ قدير ، من النافذة تراقب ازدحام الشارع، صوت الباعة يرتفع ،أعدت الفطور للأخوات وودعتهن أمام الباب بقبلات على الخدود، راقبتهن يختفين في الزحمة محملات بالحقائب المدرسية الثقيلة، تسربت من الدراسة حين برعم الصدر لان الدراسة لم تكن تستهويها، تحلم بمغادرة الوطن إلى دولة أوربية، سمعت عن فرص العمل الكثيرة في الفنادق والبساتين، يرتفع صوت الباعة بين الفينة والأخرى، نساء مقوسات على صناديق الخضر ، ثمة رجال يراقبون حركة الشارع، العيون تمسح المؤخرات، تدقق في سحنات العابرين، المرارة تعوي في الأنفاس، الخوف اللعين من الغد ينتصب في الجمجمة، ينغرس القلب في ضوضاء قلة الحيلة، باعت الأفرشة والأواني والخضر والفواكه لكي تظل واقفة، المال الحلال صعب لكنه يحمي الشرف حتى لا يسقط من شجرة الميلاد والزحف نحو السراب ،لا تريد أن تخذل الأخوات المتمدرسات، تريدهن متعلمات موظفات، إذا سقطت سقطن تباعا، كلما اشتد الفقر تعمل في البيوت ،لا اسم لها في مرثيات الحب ولم تشرب أبدا نخب العشق العذري ،لم تشعر بالغصة مع خفقان الفؤاد ،لا عنوان في تضاريس المدينة العاهرة، ولا بطاقة بريدية في المقتنيات القديمة، فتاة تحلم كثيرا بالفرح والاطمئنان، فقاعة وسط الزحمة.

- شيخ عربي عزيز عليه الفتيات العذراء
- غادي يتزوجني ولا ..
- طبعا
-...

امطر السرير وابلا من الطلقات على ربوة التذمر والأسف، تهرب بالنظرات المتسائلة إلى صورة الأبوين المعلقة على الحائط عند مدخل المنزل، خيل إليها أن الصورة تعبس، صوت الأب يحذر بحبال مقطوعة، يطلق صفارة الإنذار وينتهي في مصب السكون ، الأصوات تكبر في الباحة الكبيرة، زغاريد وضربات على الطبول، مكبرات الصوت تقيئ كلمات أغنيات تافهة، قوافل الخوف تحركت في الدماء، الحشرجات تسافر مع الألم ،زمن ثقيل فوقها، الأنفاس القوية تلفح الوجه الطفولي، الشيخ يعرق وينشف، التجاعيد تنضب عرقا، تنفخ في عقارب الساعة، رعشة قوية تسري في الأشلاء، انتابتها موجة بكاء، دموع دافئة تسيل على الوجنات، خفقان شديد في القلب، الهواء المتدفق من النافذة يمشط الحنجرة ، تمشي في الخيال مترنحة إلى أرصفة الخلاص، في الطريق إلى مقصلة الفجيعة، اندفعت في الدماغ صورة العشيق ابن الجيران ، يرقصان معا على أوتار الغد رقصة الانتصار، راسمة للغد خريطة مطرزة بالهدوء والسكينة ،الكأس أبدا لن تفيض بدموع النسيان، بطلة الفيلم خضعت مكرهة لضغوط الأب، صفقة مربحة قايض ثمنها أرضا ومبالغ مالية، الثري العجوز طلق جميع النساء لإرضاء الكاعب الجديدة، العاشق لم يترنح في اللحظات الأخيرة من ارتفاع الزغاريد، حمل تابوت عبارات الهيام وفرك عينيه، بكى بحرقة على وقع أنغام الضجيج المتطاير ،كتب وصيته وتمدد على قارعة الألم، تنهدت تنهدة عميقة أغلفت التلفاز وغابت عن العالم المحسوس .
استفاق الزقاق على صرخات أيقظت الصباح من الهدوء المتقطع، أطلت من النافذة، فتاة تتنفس تعابير اللطم وترفع آذان البكاء، جارات يتلهين على ضفاف القشعريرات، جماهير غفيرة تتقاطر على المكان المزدحم، كرنفال حقيقي، الفرجة المجانية تجلب المتفرجين ،سيارة شرطة رابضة أمام باب خشبي بني، تعرف القاطنين، رجل يخوض معركة في الهواء ، أيادي حديدية سحبتا الفقيه وامرأة في كامل عريهما، الزوج يسب ويلعن، حاول تسديد صفعة للزوجة وفشل، بصق عليهما، تعالت الصحيات والكلمات الجارحة، سميرة الجارة تتابع فصول الحدث باستغراب، سقف الخيال يمطر بكلمات ملغزة، تلاقت عيناهما لبرهة، الزوج ظل يثرثر ويحكي تفاصيل الخيانة ،يرتق الطعنة بالسباب والشتائم والنصائح البخسة، يحلق فوق روابي الحرائق، يتنفس الصعداء ويلقي في الجموع آخر نصيحة، النساء عاهرات لا تأخذكم بهن رحمة ولا شفقة، تفرقت الجموع وعاد الهدوء إلى الزقاق، الفضيحة تكبر بسرعة ستتناثر شظاياها إلى الأزقة والأحياء المجاورة ، ستكثر التحاليل والتعاليق والأحكام الجاهزة، ستولد روايات عن غزوات الإمام الفقيه والزوجة الزانية، سميرة الجارة بقيت مشدوهة تتأمل المشهد، تنثر رسائل مبهمة الاتجاهات، ترسل ابتسامة عبر النافذة، لم ترد عليها بأحسن منها، راسمة ملامح وجه عبوس من تحت حوافر الزمن العجيف ، الإسكافي انخرط في حديث مطول مع بعض الجيران، جعبة الكلام انفتحت، (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين )ألقى سائق طاكسي صغير الأية وسط حشد من الناس، الهواء يغربل مغامرات الزانية، ويتنفس الزقاق أبجديات الخيانة.
الأيام تمر رتيبة محملة بالشقاء والتعب ،لم تعد لها رغبة في الحديث عن الشيخ الذي يشتهي فض بكارات العذراوات ، لا جدوى من دغدغة أحلام الشريفات، فتحت كتابا غليظا لتقرا فيه طلاسم المستقبل، سقطت في الدماغ وصايا الأم وهي تئن من سكرات الاحتضار وتمضي بجحافل الآهات إلى السماء، الدموع في المآقي ، احتضنتهن الواحدة تلو الأخرى من فوق جمرات المرض ،الوصية تغلي في العروق، انهن بناتك أمانة في عنقك إلى يوم الدين، حافظي عليهن ، الكلام يلوذ إلى مغارات الصمت ،انطفأت الحنجرة المكلومة بجراحات البوح الأخير، تعالت الصرخات والبكاء والعويل، تقاطر الأقرباء والغرباء على المنزل، تفرق المشيعون بعد الدفن، خالتها تبكي بحرقة قبلت البنات وغنت على نار الفراق أغنية من ترسانة الفقد ، احتضنت شيماء وهمست في أذنها أنها تشبه أمها في كل شيئ، تفرست في الوجه المطرز بغبار الهزائم ،تدفأت بضعة لحظات من صقيع اليتم ،حملت الأخت الصغيرة وسبحت الوسطى ووضعتهما في الفراش، البكاء والضجيج يزيد مخاوفهما، الجيران تكفلوا بكل شيئ، نصبوا خيمة كبيرة في الزقاق، الحاجة الصحراوية طاهية محترفة، بكت في حضنها بحرقة والم ،أمها الثانية علمتها فن الطهي، دفعتها للعمل بليونة في الحفلات والأعراس والمناسبات ، أحضرت كبشا وخضرا وخبزا، لم تشعر إطلاقا انهن يتيمات، نساء الحي أمهات وخالات وعمات.

- رحمها الله كانت امرأة بنت الناس
- الله يرحمها عمرنا سمعنا منها العيب

أيام العطل الأسبوعية تأخذ الأخوات للقيام بجولات في المدينة، يجلسن في الحديقة ، المثلجات والمبردات مطلب جماعي، لا تريدهن أن يشعرن باليتم وأنها غير قادرة على تدبير الأمور ،تنفخ فيهن العزة والكرامة، لا تريد أن يضيع مجهود سنوات هباء، كبرى الأخوات تدرس في قسم البكالوريا، لم يبق أمامها سوى سنة لتلتحق بأحدى الكليات، النسيم العليل وحده يبلل تلابيب الأحلام، صرير القلم يعبث بالأوراق البيضاء ، المعادلات الرياضية تفك بسهولة، الشمس تبحر بسلاسة في بطن الظلام الدامس، نتائج الامتحانات تؤكد أن الأخوات مجتهدات ،شكرت الله كثيرا لإنه استجاب لاستغاثة الضعفاء ،تخرج كل صباح لتبيع وتشري، حين تستدعى للطهي في الحفلات والأعراس تعود محملة بما لذ وطاب من لحم وفاكهة ومبلغ مالي محترم، تعمل منظفة في المنازل تحمل ملابس مستعملة للأولاد والبنات، الملابس المستعملة تجارة مربحة، تعرضت اكثر من مرة للتحرش من طرف المتزوجين، قاومت الرغبات المحمومة ،إذا سقطت سقطت الأخوات، كل النداءات همس في شرايين الخوف، تحمل في الحوباء نبيذا معتقا من الصمود، الجارة اللعينة لا تزال تنتظر الجواب لتكتمل بنود الصفقة، السلع تباع في سوق الرقيق الأبيض، ساعة المزاد لم تحن بعد.

-كيف دايرة شيماء لباس عليك
- الحمد لله اختي سميرة
- ماسولتيش فيا
-نساي داك الموضوع
- هانية

عويل من نبضات الهزيمة ينبث في الوجه المتبرج ، أدارت الرأس نحو الشارع الكبير ، ضغطت على المحرك ارتفع دخان في الهواء ،ظلت تراقبها إلى أن اختفت السيارة عن الأنظار، أحست بارتياح شديد وثقل ينزاح من على الظهر، ذابت جمرات الخوف في الفؤاد وازدادت تمسكا بالكرامة وعزة النفس ،اللقاء القصير كان صاخبا بتعابير الرفض، الشارع يقبض على نبضاتها المضطربة، تلعثمت الكلمات في الحلق، زمت شفتيها الملطخة بأحمر الشفاف، حركة تعبر عن الغضب والامتعاض، الصوت مبحوح في حضرة الفرصة الضائعة، فكرت أنها ربما تلعنها في الخيال، الإسكافي ظل يراقب الحوار عن بعد ، همت بالرحيل فاستوقفها باسما ، انخرط معها في حديث مقتضب، قرع الجرس المنبه في الدماغ، أدار المدافع تجاه صاحبة المخبزة والمقهى ، حذرها من ألاعيب وسيطة الدعارة ، نفخ في نعش الذكريات، فتح قمقم الأسرار المغيبة، سميرة الجارة تتاجر في البشر والشجر، اعتقلت بملفات القوادة وإعداد وكر للدعارة اكثر من مرة، تناولت الوجبات بدون مضغ وابتلعت غصة الخيال، حركت راسها وهي تسمع نشرات أخبار الحي، شكرته ودلفت إلى الدكان .
تمر الأيام رتيبة ، الضجيج يكبر في الزقاق ، شهر رمضان على الأبواب التجار يستعدون للشهر الفضيل، روائح الحلويات والمخبوزات تزكم الأنوف، تثير شهية الناهقين، الأخوات الأربع يعملن بهمة وحماس ، شيماء بلباس العمل الأبيض، تعرض فوق منصة خشبية أنواع الحلويات والمخبوزات، شباكية، بغرير ، مسمن، وطنجرة كبيرة للحريرة، خضر وفواكه، فوق الدكان علقت يافطة بالخط العريض ( حلويات شيماء) الفرحة والرضا تعبر السحنات، في الفؤاد صوت عميق لم تسمعه أبدا، اجتازت اختبارات الكرامة بنجاح، العصافير في الصدر ترفرف تعلن رقصة الطمأنينة ، السلع تطير والربح وفير، ضجيج الزبناء يداعب الأوردة، الأخوات متلفعات بالابتسامة، الصغيرة تلعق الأيدي من العسل المصنع، تمر قوافل النشوة تحت الإبطين، الإسكافي يحرس الزقاق، يضع رجلا على رجل أمام باب الدكان، السلع تطير ، فواكه وخضر وحلويات ومخبوزات، شهر الغفران يرفع معدلات الشراء، بائع السمك المشوي ينشر الروائح في كل مكان، يصرخ بأعلى صوته أن السمك طري،المذياع يقيئ أخبار الوطن، الطقس حار شيئا ما، ولا كلام يروي عطش الصيام، كل مرة ينشب عراك بين (المترمضنين)الذين يظهرون العصبية والغضب والنرفزة بسبب الصيام خلال النهار ،سكاكين تسحب ومطاردات ، اعتقالات وتصفيد ونقل إلى المخفر.
شاهدت سميرة الجارة اكثر شحوبا واضطرابا، تواجدها في المخبزة والمقهى اصبح متقطعا، تختفي لأيام ثم تعود للظهور ،كثر الكلام عن المغامرات المحرمة والتجارة في الرقيق الأبيض، الإسكافي ينفخ في دخان الخطيئة، الرزق يسكن بين الفخذين ،يمضي في لعبة البوح من ذاكرة محشوة بلهيب الأخبار الطازجة، رجل امن بزي العمل يطرق الباب، ينادي على سميرة، يخرج الزوج مرعوبا ، مرتكبا، متعرقا، قبض ورقة زرقاء ووقع بأصابع مرتعشة ، السيدة مطلوبة للتحقيق، تدحرج الخبر تحت سنابك النهار، اغلق الباب بقوة، ركض الإسكافي يلاحق الشرطي ، احتضنه بشدة وانخرطا في حديث مقتضب، هنيهات قليلة عاد مسرعا إلى دكان شيماء،

- سميرة متهمة بجرائم النصب والتجارة في البشر
- كيف
- شكايات من ضحايا تطاردها
- يا الاهي

رفعت راسها إلى السماء، لاحت صورة الفقيه والزانية والزوج المخدوع، لا وقت للتشفي وشحذ السكاكين، الإسكافي ينشر الخبر في الزقاق كانه يزف بشارة ، الهمهمات تركض على السحنات لتستقر في رحم اللعنات، سميرة قطعت تذكرة المغادرة إلى قعر مظلمة، عبثت بمصير البريئات، تصلي كل يوم فرائض المجون والعربدة، تركض خلف الثروة والجاه بدون بوصلة ،العيد على الأبواب، ثمة وجع يستقر في الشرايين، صورة الأبوين جاثمة فوق المخيلة، الرحمة والمغفرة لهما ، خرجت الكلمات بدون استئذان، أحست بغصة في الحلق، القت نظرة على الأخوات المنهمكات في تلفيف أرغفة الخبز والحلويات ،صوت المؤذن يأتي من مسجد قريب ، اقتربت ساعة الافطار.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس
- ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
- البداية : ظهور السيدة قطام
- احاور جنازتي من فوق المحمل
- محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
- خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
- خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
- خوكم بوحمارة
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
- زقوم كرة القدم الحلقة (9)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 8)
- زقوم كرة القدم الحلقة (7)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 6)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 5)
- زقوم كرة القدم الحلقة4
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 3 )
- زقوم كرة القدم (الحلقة2 )
- زقوم كرة القدم
- يوميات الكابران لمساسكي


المزيد.....




- كيف يؤثر التمويل المشروط على الهوية الثقافية في القدس؟
- مخرج فلسطيني يصدح بمهرجان برلين السينمائي: ألمانيا شريكة في ...
- مهرجان برلين السينمائي : رسائل صفراء يفوز بجائزة الدب الذهبي ...
- الأدباء في رمضان.. هجرة من صخب الكتابة إلى ملاذ القراءة
- حرب غزة وانتهاكات الاحتلال تثير الجدل في مهرجان برلين السينم ...
- 70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشق ...
- -مجلس السلام- أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتم ...
- فيلم -اللي باقي منك-: مأساة عائلية تختصر تاريخ فلسطين
- ويلي كولون أسطورة موسيقى السالسا يرحل عن عمر يناهز 75 عامًا ...
- 5 رمضان.. يوم صاغته فتوحات الأندلس وعمّدته دماء اللّد بفلسطي ...


المزيد.....

- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الفقيه والطاهية والجارة