أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحداد والاحمق والصورة















المزيد.....


الحداد والاحمق والصورة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 01:06
المحور: الادب والفن
    


النار مستعرة اكثر احمرارا في الفرن ، الشاب المفتول العضلات يضغط على مقبضي الكير، قوي البنية، سريع الحركة ، المد والجزر، الرجل المسن يهوي بالمطرقة على قطعة معدنية مثبتة بإحكام بملقاط فوق السندان، ضربات متتالية دقيقة،، القطعة الملتهبة تتشكل ،سحبها وأغرقها في الماء، تصاعد البخار و الفقاعات ، الوجه يتصفد عرقا ، يسحب المبرد ويقوم بتليين جوانب القطعة ، بالإزميل يحفر ثقوبا متساوية ، الحدوة بدأت في التشكل، با عيوش متمسك بالحرفة التي بدأت في الانقراض، دكاكين كثيرة للحدادة التقليدية أغلقت مند سنوات، أسماء كثيرة اختفت ، الحرفة لم تعد ذات قيمة، الحدادة العصرية قضت على التقليدية، غيمة صغيرة من التذمر تتدفق من السحنة، تذوب في كتاب الاستسلام، الحكمة القديمة ( الصنعة لا ما غنات تعيش) لا قيمة لها في الزمن الحاضر، نظر إلى الابن نظرة طويلة، حزينة وعميقة ، نظرة من يلاحق غيمة كاذبة، غصة في الحلق وفراغ في الحوباء، نار الحيرة تنام بالجوار، مند سنوات يحلم بمن يرثه بعد عمر طويل، بعد ولادة ستة فتيات، استجاب الخالق ومنحه الوريث، لكنه ليس أي وريث، في سن مبكرة اظهر اختلافا ظاهرا، ينفعل بسرعة ، يكسر الأثاث، يتعارك مع الأتراب، يحتسي الحياة من شرفة الهلوسات، لا يسافر إلى محطات الندم ،ادخل إلى المدرسة لكنه بطيء الفهم والاستيعاب ،يخرج إلى الساحة يلطخ الوجه بالوحل، يخيف الصغار والكبار، يصدر أصواتا مبهمة، صار مصدر ضجيج وإزعاج وخوف ،الابتسامات تجف في الأفواه، سحب قلما جافا وسدد ضربة لتلميذ يجلس في الطاولة الأمامية، الصرخات ترتفع، هروب جماعي من الفصل، التلميذ المصاب مدرج بالدماء، السماء تمطر رعبا، ارتفعت الضحكات والصرخات ، هرع المدير ومعلمين إلى القسم، القلم لا يزال عالقا في ظهر التلميذ ،ظل يرتجف، يتنهد بصعوبة مضطربا ، أنفاس مخنوقة متقطعة، نقل بسيارة إسعاف إلى المستشفى، حمل المعتدي إلى مخفر الشرطة، الخوف من المكان يشق سراديب الصدر، ينطح الرأس بالحائط ، يمزق الملابس، الهلع يستبد بالوجوه الفولاذية ، يلهو على ضفاف الارتعاش، يرتفع آذان النحيب عاليا، الأب الحداد يجثو في حضرة الشرطة ،يسكب من الخوف صمتا،

- ولدك طعن تلميذ في الظهر
- يا ربي السلامة
- راه مشدود عدنا
-أه أه
- غادي نعرضوه على طبيب الحماق

ليس المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تكبس عليه نوبات الجنون، كاد أن يقطع شحمة أذن طفل في الحي، صفع فتاة تلعب قرب المنزل ودفعها بقوة ،اشعل النار في عربة محملة بالحشائش، المارة انقذوا الحمار من نفوق محقق، يفرغ صفائح القمامة، يطرق أبواب المنازل بقوة، يضغط الاجراس، سلوك مضطرب وسرعة في الغضب ،مسلح دائما بعدوانية مفاجئة، في الحي اصبح مصدر قلق ورعب ،الاحتراس من (حماقة) ضروري ،نصيحة الأباء للأبناء، اختفى اسم أيوب وحل محلة لقب اكثر تحقيرا ،الزمن في الحي ملطخ بنوبات التذمر الجماعي ،الوالدين حائرين من شجرة الأسئلة الثقيلة، الأخوات الستة اكثر رعبا ، إغلاق الباب بالضبة والمفتاح لم يعد كافيا ،الخطر وراء الأبواب حين تصدر صريرا متقطعا ،حين تجحظ عيناه، تتوهج، يأتي الخطر ،العفاريت مدفونة في حديقة الشرايين ،في السنين الأولى كان يبدو طبيعيا ،حين اقترب من العقد الأول بدأت تنتابه حالات الغضب و الإغماءات ، نوبات الصرع تلازمه، لم تنفع وصفات الدجالين والمشعوذين، لم تنفع التمائم ولا الأحجبة، لا قراءات الفقهاء ولا ترتيل آيات الكتاب المقدس، ادخل المصحة العقلية لعدة شهور، شخص الاطباء حالته ، أيوب يعاني من اضطرابات نفسية حادة، خطر على نفسه وعلى المقربين ، العقاقير تعيد التوازن إلى الدماغ، ترتخي العضلات ، تحرس قلعة الرأس، تعيد التوازن الهارب من النفس الأمارة بالسلوكات القبيحة، يدخل في نوبات من الراحة ،باعيوش يحس بالصدمة، الوريث ليس سويا، شاهد نزلاء المستشفى كيف يدخلون و يخرجون، نصحه احد الشيوخ بحمله إلى بويا عمر اشهر الأولياء الصالحين نواحي مدينة مراكش،سمع الكثير عن الضريح / المشفى، أشياء تدخل الرهبة في النفوس، تزيد المرضى رضا ، أجسام مفصولة عن العالم الخارجي، تكبل بالأغلال ليلا ونهارا، تجلد بالعصي، تترك عارية ،جائعة، متسخة ، القمل يرعى في الأجسام ، رفض الفكرة من الأساس، لن يدفع فلذة الكبد إلى التهلكة، الخوف يتساقط من الجسد ،الروح معذبة مطرزة بثقوب سوداء ، تفرمها الهواجس ، الصلوات لم تصل إلى الخالق ،ينتظر معجزة ،على كل شيئ قدير، يمشي في الشارع يمسك بيد الابن، يفتح باب الدكان، يجلسه بحذر فوق الكرسي ،اصبح اكثر هدوءا ، العقاقير تأتي بالنتيجة.

- دوا غادي يخليه هادي ومرتاح
- ما يديرش لقباحة
- لا ...ولكن تابع لو دوا في الوقت
- وخا


الأخت الصغرى اكثر خوفا ورعبا، لم تعد قادرة على النظر في عينه، الأخوات الأخريات يراقبن بدون تدخل، لم تعد تجمعن مائدة الطعام، الخوف من ردات الفعل يلبس الرؤوس،( افرد إفراد البعير المعبد)، دخل على الأخت الوسطى في الحمام، ارتفعت الصرخات، ركضت الأخوات والأم تبثنه بقوة، وثقن الأرجل واليدين بالحبال، أيوب خطر يتهدد الجميع ،لم يجد الأب من وسيلة لكبح جماح الاعتداءات سوى بشراء سلسلة غليظة وقفل، يربطه في حجرة فارغة إلا من سرير إسفنجي متقادم وبضعة أغطية، لا وجود لأدوات حادة، عربة الجنون تفرغ الفوضى في الدماء، النسيان يطارده ويعيد نفس الأفعال .
صباح ربيعي دافئ، الصمت يكبس على الزقاق، الطاهر صاحب دكان البقالة ، يمشي بخطو وئيد، يوزع التحايا على الجيران، الشمس تغسل البيوت، في غفلة تعرض للرشق، حجارة فجت الرأس، سقط مغشيا عليه ، خرج عليه حماقة من العدم ،ركض بدون اتجاه مطلقا أصواتا مبهمة ،حشرجات ،عواء، جعجعات، حركات في الهواء ترسم هالات الجنون ،الخوف يمضي إلى الأفئدة، الابتسامات تنضب في السحنات ،بدون استئذان تهطل السماء لعنات ،حين يظهر حماقة يزدحم الحي بكربونات التذمر والقرف ،كل يلملم شتات أنفاسه، يسرع الخطى ويلوي عنق الاحتراس ،لا نواطير تضبط زوايا الانفعالات المفاجئة.
فصل أيوب من المدرسة، مزمار الجنون يعوي في الحنجرة بدون استئذان، قيل لوالده أن ابنه يشكل خطرا على التلاميذ وعلى نفسه، احس با عيوش بغصة في الحلق ،لاشيء يسافر معه حين غادر أسوار المدرسة مهزوما، فوق الصدر تندفع تنهيدات، آهات ، شهقات، فكر أن الوريث ولد بهوية مبعثرة، رفع الرأس إلى السماء الواسعة، يلتقط ذبذبات الراجلين، ضحكات التلاميذ يهرعون إلى المدرسة محملة ظهورهم بالمحافظ الثقيلة، يختنق ويختنق وتخر الأنفة صريعة في الجمرات المستعرة ، كلمات مدير المدرسة ما تزال عالقة في المخيلة، عبثت بقوة بفراشات الأحلام، ابنك يعاني من الاضطرابات النفسية يحتاج إلى العلاج والرعاية المستمرة، في القلب نبض الكلمات ،أراد أن يصرخ يمزق حبال صوته (كلنا مرضى….؟)، الكلمة اللعينة تعثرت في الحلق، كل الأزقة تنزف تبرما، العائلة الصغيرة دخلت مواسم النحيب، أيوب يتلهى بدمية، ينتف خصلات الشعر، يمزق، يعض، يضرب الدمية الصلعاء على الأرض ، يطلق قهقهات غريبة.
في الربيع الثاني عشر ازداد وزنا وقوة ،فك الأب أغلال الابن، أخده إلى دكان الحدادة، وضعه أمام فكي الكير، لعبة النفخ في الكير تستهويه، يبستم للنار تشتعل، تطير الشرارات، المطرقة والسندان، القطع الحديدية تخرج حمراء، الطرق القوي يعيد تشكيلها لتصبح حودات، تباع في السوق لتثبت على حوافر الدواب حماية لها من التآكل والتشقق ، أيوب اكثر فرحة وسرورا،يأكل بشراهة ، قليل الكلام، الأب يشعر بالارتياح، كل ثلاثة اشهر يتوجه إلى المستوصف الصحي لجلب العقاقير، بدون عقاقير يفقد أيوب البوصلة، يصبح كائنا آخر، يزور الطبيب محملا بالآمال العراض في الشفاء ،الحقيقة تكشر عن أنيابها، الطفل الواقف فوق المخيلة مند الصرخة الأولى، لم يهدا في نبضات القلب سيعيش معتلا ، مداومة شرب الأدوية ضروري، ان الله على كل شيئ قدير، مضمض الآية المقدسة بحرقة، حفظ أسماء أدوية، هالدول، لارتان، روزينا… الحشرجات تسبح فوق الصدر ،يرتشف من كاس شاي بدون مذاق، الزوجة والبنات يستفسرن ، الأسئلة تتقاطر لكن ولا شفاء ، يسرد في الم حكايات التذمر ،أيوب يحمل لعبة ورقية ، يصدر صوتا بشفتيه المزمومة أشبه بصوت محرك سيارة، تذكر المستوصف الصحي وعشرات المرضى من إعمار مختلفة ينتظرون نوبتهم لزيارة الطبيب، ثمة فتاة في العقد الثاني تبحلق في الوجوه، يتدلى منها اللسان، تبصق على الجميع، شاب ضخم الجثة، يطلق صفيرا، با عيوش ظل يتفرس في الوجوه باستغراب شديد، عالم غريب ينزع الدموع من العيون .

- لي مخرج من الدنيا ما خرج من عقايبها
- الله يرحمنا

الجالس بالقرب منه فوق الكرسي الخشبي الطويل، يحكي بحرقة عن شيخ كان يأتي بابنه للتداوي، الابن في العقد الخامس تقريبا، لم يفده العلاج في شيئ، يخرج للشارع فيرمي المارة بالحجارة ، يرشق السيارات، يفرغ حاويات الأزبال ، دخل إلى مقهى وشرع في تكسير الكراسي والطاولات ،اندفع الزبناء إلى الخارج خوفا من الإصابة، صاحب المقهى استدعى على عجل سيارة الشرطة، معركة حقيقية نشبت، تبادل الضرب والجرح واللكم، أصيب شرطي على مستوى الوجه بلكمة طرحته أرضا ،تقدم نحوه اربعة رجال دفعة واحدة، احكموا السيطرة ، رفعوه من الاربع مصفدا إلى السيارة الموشومة، نقل إلى مستشفى الأمراض العقلية في مدينة قرب العاصمة ،بعد شهر غادر المرفق الصحي، امسك في حملة تطهير في العاصمة ورموا به في الخلاء، وجد ميتا في الطريق ، قيل أن شاحنة صدمته ليلا، حملات التطهير في الوطن البئيس ترتبط بزيارات رؤساء دول أجنبية، يسترون القبح بعمليات الترقيع، تطارد السلطات المتشردين والحماق، يحملون في الحافلات، يتم التخلص منهم بشكل عشوائي في الطرقات على مقربة من مداخل المدن، بؤساء يفرمون بين أدغال التعليمات ،المتشرد والأحمق في قفص التراشق ،يلوذ الكلام إلى جعبة المتمنيات، با عيوش يلتهم الفراغ ،الطبيب يفحص الابن بعناية، الأنامل تخط على الورق حروفا مبهمة، العيون مغروسة في سماء الخوف، الوجه المضمخ بغبار قلة الحيلة، داوم على الدواء، كل صباح بعد الفطور حبتين وقطرتين، وكذلك الامر في المساء، الطريق شاق وصعب ،في الجلسة العاشرة تأكد أن حالة الوريث مستعصية ،الشفاء معدوم ، الحلم لم يعد ينمو على سفوح الخيال، با عياش تحول إلى سجان لفلذة الكبد، يصفد الرجل بالسلسة والقفل…، يحكم إغلاق الباب بالمزلاج، يحضر الأكل، ينظف الحجرة من القذارة، العقاقير تصيبه بالزحار والوجع، لم يعد يضرب راسه على الحائط، ولا تكسير الهدوء بالصراخ، يستغرق في النوم كثيرا ،الأدوية ترخي العضلات ، تسافر به إلى العوالم البعيدة، وحده يضبط نوبات الجنون، يرمم اضطرابات الدماغ وحالة الهيجان، يحس أن قواه تضعف أمام قوة الابن، يضيق الصدر بضجيج الحياة، والجمجمة مثقلة بهموم النهار والليل، البنات في حيرة من أمرهن ،يرعبهن صرير الأقفال والصرخات.
الأيام تأتي بالضيق والعسر، والفرح لم يبق منه إلا القليل ،يخاف أن تلتف حول العنق الهزيمة ،حين يرفع الصوت ويهدد، يرفع اليد في الهواء، ينزلق الخوف فوق العيون، ينكمش المريض، يصدر همهمات متقطعة، يغرس النظرات في الأرض، يستلقي بغضب على قارعة البكاء، وتسقط في الحين جعبة القسوة ، ولا يلبث أن يقرع أجراس العطف والرحمة.

- خصو شي حمام
- ضروري

رائحة الصابون وصبيب الماء يشعل حطب الهدوء، يحمل بعيدا من حمى الهلوسات، يأخذه إلى الدكان بعد ابتلاع العقاقير، الهواء النقي يروض خيول الأفكار ،قليل الكلام والتعابير، الحديث دائما يرغي في نهر الأشياء المبهمة، حين يكون المزاج رائقا وصافيا يطلق ابتسامة عريضة، يجلسه فوق الكرسي مكبل الرجل اليمنى، يمكنه من فكي الكير، اشتعال النار ، صوت المطرقة يشد الانتباه، الشمس تبتسم من عيون دافئة ،ترسم على الوجه الطفولي لوحات الطمأنينة، القضيب الحديدي يجمع دزينة الحدوات،يتابع مشهد تسوية حدوة على حوافر بغل ،يقلم الأظلاف، يبري الجوانب، يسحب مسامير ذات رؤوس مدببة، يثبت الحدوة بعناية.
الأيام تمر رتيبة محملة بالسام والقنوط، أيوب اصبح هادئا يتلفع طيلة الوقت بالصمت، يدفعه إلى العمل ويستجيب ،يرمم بسرعة نوبات الغضب،أمور كثيرة يقوم بها بدون إرشاد، يستحم، يغير ملابسه، يستمع اكثر مما يتحدث، لم يعد سجينا للغرفة، فك قيده وتركه يتصرف بحرية ، شكر الله كثيرا، سمع في المستوصف استمع لقصة سيدة تحبس ابنتها في حجرة طوال سنوات، تخاف من الاغتصاب، الذئاب البشرية لا تفرق بين المرضى و الأسوياء ، حالة الوريث تتحسن ،انقلبت أجواء المنزل دفعة واحدة، أجواء مفعمة بالحذر، الكل رفع أنخاب الراحة المؤقتة ، أيوب يلوي اصبعه في خصلة شعر ويبتسم، يشرب من فم الصنبور، ينتعل نعلا مطاطيا، يلبس الجلباب مقلوبا،يعيد خلعه ويلقيه بدون اكتراث. يزحف بالنظرات إلى المجهول ، متضرعا إلى الله، باحثا عن عاصفة من الرحمة والخلاص، يقف على صخرة وترحل جيوش الهلوسات، تسرج من الدمار الفوار زغاريد الهناء، يمتشق ابتسامة طفل صغير، لاستقبال طقوس الفرح ، حالة أيوب مستقرة، المنزل بدا موحشا وغريبا بعد زواح البنات وقرعت أجراس الرحيل، لا أفراح ولا احتفالات، نفس الصورة تكررت مع باقي الأخوات، تنفست الأم الصعداء ، صور فلذات الكبد تحبو فوق الصدر، مستقبل المرأة في بيت الزوجية ، البنت الصغرى تقدم لها عرسان لكنها رفضت، تريد استكمال الدراسة تحمل بمستقبل مغاير، الأم وقفت معها في محطات التمرد ،لا تريد أن تشعر بالوحدة وتعيش على ضفاف الفراغ.
من كثرة المشاهدة والتتبع راكم با عيوش تجربة مهمة في تشخيص المرضى النفسانيين، الأدوية التي تعيد ترتيب الأحاسيس والانفعالات، يعرف متى يضحك ، متى يدخل في حالة الصمت، متى يكون غاضبا، متى تنتابنه نوبات الجنون ،صار يقيم الحمقى في الشارع ،في الحي ظهر احمق بلحية كثة وشعر طويل، لم يكن عنيفا، يجلس متكئا على شجرة توت على مقربة من دكان لبيع التبن، يستعطي، يلتقط أعقاب السجائر، يدخن بشره، أصابع اليدين اكثر اصفرارا وكذا الشارب، يدندن مقاطع أغاني لعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش ،الحركة في الزقاق تلتهم صوته ،با عيوش يمكنه من رغيف محشو بالسمك المعلب ،يربث على كتفه ويدعو له بالصحة والعافية ،ليس كل متسول أو متشرد بالضرورة مختل عقلي يحزم تحت إبطية أحزمة نافسة من الهستيريا والهذيان ،الوريث يتسلق أرجوحة الأحلام، يخطو بخطو وئيد يسمع الأرض طقطقات من أكذوبة الولادة ،يرفع الرأس إلى السماء متحسرا على الوجوه الهاربة من الخوف و الراقصة على الترهات، لم يشرب بعد آخر جرعة من كاس الوجع، والجرح الغائر مفتوح على احتمالات كثيرة.
يجلس أمام الدكان ، انضم إليه البقال والجزار، براد الشاي المنعنع يحلو مع الجماعة، انخرطوا في حوارات كثيرة ، يرتقون جعجعات الزمن المر بأخبار الماضي البعيد، قصصا تآكلت من كثرة المضغ، تحملهم على أكتاف الخيال، الجلسة مليئة بالقفاشات، الحوارات تصمت ،تمر شابة في كامل زينتها، سروال الجينز الأزرق يعصر المفاتن، الله في القلوب، تسلقت الجماجم الذكريات البعيدة ،لكل وقت آذان، فوق صور المستوصف الصحي يجلس شبان في مقتبل العمر ، يمررون لفافات الحشيش ،يهاجرون إلى حدود النسيان ،يضرب با عيوش كفا بكف ويستغفر الله، نظرات الابن تترنح فوق جمرات خرساء، يلطم في سهو سحنات الانتظار، يقبض على فكي الكير في زهو.

- الوقت ولات خايبة ما بقا حشوم
- من بكري
- الله يدينا في الضو

مر مصور الحي مثقلا بالكاميرات ، ناداه با عيوش بإشارة من اليد، يريد صورة كبيرة تجمعه بالابن في الدكان ،تذكارا يحنط اللحظات، مسح السخام من على وجه الابن، نفض الغبار عن الجلباب، رتب الشعر، جلس با عيوش على الكرسي، حمل المطرقة والملقاط، ضرب وميض الكاميرا، فرك أيوب عينيه، يبصق في كفه ، ويقبض بقوة على فكي الكير، النار تشتعل ، صوت المطرقة يرتفع شيئا فشيئا، القطع الحديدية تحمر ، المارة يعبرون بصخب، عيون الابن تجحظ بين الفينة والفينة، يدخل في نوبة سهو، يهرب إلى غيوم الاضطراب ،متكئا على حروف الزفرات ،رفع حمام الرأس ونظر إليه نظرة حنونه تصيب بألم روابي التفكير ،جرس الإنذار يقرع في الخلايا، سحب القطع الحديدة المحمرة ، اغرفها في الماء البارد، تصاعد البخار والفقاقيع،صهيل الغروب يكتب نهاية النهار، ، اطفأ الفرن، اغلق الدكان ، سحبه من اليد، ظل يقيس توتر الخطوات ،يمشي وحيدا مرتبكا في أزقة الخيال، الدماغ متورم من كثرة الأسئلة ، عالج المفتاح في القفل، دخلا المنزل واغلق الباب، الصورة معلقة على الحائط في الغرفة، الهدوء يعم الحجرات، سافرت الزوجة والابنة لزيارة إحدى البنات في قرية مجاورة، تمدد الابن فوق السرير، يبحلق بغرابة في الصورة المعلقة، وضع صحن مرق فوق المائدة، أكلا حتى الشبع، دار بينهما حديث مقتضب، ومازال في الحلق كلام كثير ، اطفأ الأنوار وغرق المنزل في الظلام، يسمع من الغرفة المجاورة شخير الابن.
ألقى نظرة على الساعة، تقترب من السابعة صباحا ، ألقى نظرة على الابن ، يغط في نوم عميق، الزقاق شبه فارغ ، يحتسي هواء منعشا ، اختفى الأحمق الذي استعمل شجرة التوت مسكنا، لم يبق في المكان سوى قطع الكارتون والقناني الفارغة، خمن انه دورية حملته إلى وجهة مجهولة، البوس يهطل مند سنين على أوصال المدينة، الساكنة تبحث عن تنمية تضيء مسار الانتماء ، جلس أمام الدكان منتظرا مجيء الابن، يرتوي من غبار الزقاق ، الساعة تقترب من العاشرة صباحا، الجمرات الملتهبة في الفرن تخبو، النظرات مركزة على الطريق، لم يسبق أن تخلف عن الحضور مند شهور، اغلق الدكان بسرعة ، سار في الطريق متأبطا روحا مفجوعة، فكرة حدوث أمر فظيع تمطرق الدماغ، أمام الباب سيارات الإطفاء ، حشود كبيرة تعلق الزقاق، رائحة الدخان تملا المكان، تخنق الأنفاس، سقط الوريث في المخيلة، ارتعدت الفرائص، عرق دافئ ينزل من الإبطين ،لم ينتظر جوابا من رجال الأمن ، ولا من الجيران، الجثة المتقحمة ، تحمل في سيارة الإسعاف، بكى بحرقة والم، سمع الأطفال يتهامسون موت ( حماقة)، بعض الفتيات لم يصدقن الخبر، أيوب اقتحم مرة حمام النساء، ارتفعت الصيحات والهرولات، احتاج الأمر عشرة نسوة قويات لطرده، فردن للسماء ابتسامات ممزوجة بالوجع ، الباب الخارجي اقتلع ، النوافذ مفتوحة الوجنتين، تناسلت الروايات والتكهنات عن أسباب الحريق، لكن الرواية الأقرب إلى الحقيقة أن أيوب لم يتناول الأدوية وانتابته موجة من الهلوسات، التبست عليه الأمور، ظل يركز النظرات على الصورة، نفخ في النار لتزيد اشتعالا، احضر منفاخا وولاعة، اضرم النار في السرير الإسفنجي، ترتفع السنة اللهب، تنتقل النار إلى الغرفة المجاورة، تعالت الصرخات، الاختناق يكبس على الصدر، الدخان يتعالى في السماء، طرقات قوية على الباب، لم يبق من أثاث المنزل سوى الرماد، الصمت مبحوح في حضرة الفجيعة ، الحشرجات تغلي في الصدر، لا راد لقصاء الله ، تلقى التعازي الحارة من الجيران، رفع الرأس إلى السماء ، تدحرجت دمعة على الخد ، قال بصوت مسموع كأنما يحدث شخصا قريب ، رحمة الله عليه، عاش معذبا ومات معذبا.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفقيه والطاهية والجارة
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس
- ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
- البداية : ظهور السيدة قطام
- احاور جنازتي من فوق المحمل
- محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
- خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
- خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
- خوكم بوحمارة
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
- زقوم كرة القدم الحلقة (9)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 8)
- زقوم كرة القدم الحلقة (7)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 6)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 5)
- زقوم كرة القدم الحلقة4
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 3 )
- زقوم كرة القدم (الحلقة2 )
- زقوم كرة القدم


المزيد.....




- قصة «يا ليلة العيد».. كيف تحولت أغنية سينمائية إلى نشيد خالد ...
- فيلم لـ-لابوبو- قريبا.. يجمع بين التمثيل الحي والرسوم المتحر ...
- اختيار الراحل محمد بكري رمزاً للثقافة العربية لعام 2026
- اختير رمزا للثقافة العربية.. كيف حول محمد بكري حياته إلى فيل ...
- من -برشامة- إلى -سفاح التجمع-.. أفلام عيد الفطر في سباق شباك ...
- مطاردة بانكسي تنتهي بسجلات صادمة لشرطة نيويورك تكشف هويته ال ...
- جلال برجس يفتش عن معنى الوجود في -نحيل يتلبسه بدين أعرج-
- من يحمي الكنوز الثقافية في الشرق الأوسط من الحروب؟
- مدن الأشجار المكتظة
- 30 رمضان.. ذكرى رحيل داهية العرب وحارس السنة وغدر بونابرت


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحداد والاحمق والصورة