أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - غيبوبة الكلمات والدم















المزيد.....

غيبوبة الكلمات والدم


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 02:48
المحور: الادب والفن
    


الساعة تجاوزت العاشرة ليلا عندما وصل الكاتب الصحفي الى الشارع الكبير ، يمر دائما امام مخفر الشرطة كلما غادر المكتبة، زقاق شبه مظلم لكن الحركة دائما نشيطة، المدينة في هذا الوقت لا تشبه نفسها، الشوارع التي تعج نهارا بالباعة والموظفين وهتافات المتفرجين في مباريات كرة القدم في ملعب الحي اقفرت الا من بعض المارة والمركبات.
الحسان لم يكن مجرد روائي يطارد الاستعارات كان صحافيا مشاكسا مبدئي يطارد الحقائق التي يفضل الجميع دفنها، الحقيبة الجلدية السوداء المعلقة على كتفه لم تكن تحتوي على مسودات روايته الجديدة فحسب، بل ضمت أيضا وثائق تهم صفقات عمومية وبقايا تقارير مرعبة عن تمويل حملات انتخابية لرجالات سلطة صعدوا فجأة من القاع إلى قمة الهرم.
مشى بخطوات وئيدة صوت الحذاء يرتطم بالرصيف الإسمنتي يتردد كبندول ساعة حائط قديمة، يشعر بثقل غريب في الهواء. في الأيام الأخيرة، تلقى رسائل مبطنة مكالمات من أرقام مجهولة، وصندوق البريد الاكتروني يحتوي على تهديدات واضحة، ونصائح اخوية من موظفين مقربين التقى باحدهم و قال له يوما

-يا سيد الحسان، الحبر يجف، لكن الدم إذا سال لا ينبت غير الثأر... خفف من حدة القصف، اللصوص يحمون الغنائم بالاسنان,

لم يأبه الحسان للكلمات العابرة للوقت، طوال اربعون سنة تلقى تهديدات اقوى بكثير من عصابة البلاطجة وغيرهم كثير، لم يرعو لم يخف لم يرتجف ولم يتقوقع يؤمن أن الكلمة هي السلاح الوحيد الذي يملكه العزل.
عندما دخل الشارع الكبير المظلم شيئا ما، تراقص مصباح الشارع الوحيد فجأة. ساد ظلام دامس إلا من بصيص ضوء قادم من بعيد ، تعثرت خطاه غريزيا. سمع صوت حفيف خلفه. ليس حفيف الرياح، بل احتكاك نعل مطاطي بالأرض الجافة. تلاها صوت خافت، لكنه حاد ومألوف بالنسبة لمن يعيش في الأحياء الهامشية، صوت سحب سكينا حادة من غمدها ، التفت الحسان بسرعة ابصر ظلا يتقدم بنبرة واثقة وقاتلة، لم يكن لصا عاديا؛ فاللصوص يترددون، أما هذا الشاب الذي يغطي راسه (بكابيتشو) ازرق مخطط بالابيض خطواته مستقيمة وهادفة. نظر اليه نظرة خاطفة حين اقترب منه اكثر، تفرس في الوجه الطفولي، كانه يعرفه مند سنوات، وجه ليس بغريب، تجاوزه ببضع خطوات ، اندفع الظل نحوه، ولمع حديد "السكين الأبيض" تحت ضوء المصباح الشاحب. حاول استخدام يده اليمنى كدرع، رفعها بوجه المهاجم .وبحركة خاطفة ومحترفة، غرز سلاحه واخترقت الشفرة الوجه، سال الدم بغزارة، لاحقه على الرصيف المقابل التقط حجرا كبيرا، رماه بقوة، افلت من موت محقق، ظل الروائي يصرخ، لص، لص لكن ولا احد استجاب لنداء الاستغاثة، حتى حارس السيارات الليلي الذي وقع الاعتداء امامه لم يحرك ساكنا، تدخين لفافات الحشيش غيبه عن العالم المحسوس.
ركض قوي لملاحقة المتعدي احس بنبضات القلب ترتفع والدم ينبجس بكثافة، شعر ببرودة شديدة أولا، برودة معدنية اخترقت لحمه، تلاها فورا اشتعال ألم حارق كأنه صب زيت مغلي داخل جوفه تقدم الى الامام اتصل بالشرطة بالهاتف النقال، وارسل صورة الاعتداء الى الحاج الخازوق، الدم بدأ يتدفق دافئا ليبلل البدلة السوداء الجلدية والقميص الرمادي الباهت، سمع صوتا من الداخل يردد بقوة.

- المرة القادمة لن نكتفي بالوجه، سنقطع اليد التي تكتب.

ترك يتخبط في بركة من الدماء الدافئة، توارى في عتمة الأزقة، حضر أمين تاجر أدوات الطبخ التقليدية والحاج الخازوق وحملاه إلى المستشفى وترك شرطيا الدراجات واقفين ساهمين، استغرب من تصرف تكتنفه لامبالاة عصية على الفهم، بدل البحث عن المجرم ظلا واقفين يتفرجان، لربما يستلذان بالمشهد الدامي، لم تمض سوى دقائق معدودة حتى لحق به عشرات الأصدقاء والشامتين إلى المستشفى، طرد متدربات حاولن تحويله إلى فار للتجارب، طرد مرتزق جمعوي.
المهدي ضابط شرطة شريف، يشتغل بضمير وانسانية، يحاول استجواب الضحية فور رثق الجرح العميق، فوق الكرسي اثناء تحرير المحضر الاول سالت الدماء بغزارة، حمله الى دورة المياه واغتسل، نقل الى الرباط لعدم وجود اسعافات اولية في مستشفى المدينة المغتصبة.
جلس في المقهى بجسد مليء بالندوب، وقلم لا يزال ينبض بالحياة. يعرف أن الحقيقة ليست ابنة المكاتب المكيفة، بل ابنة الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة العرق، والبول، والحشيش المحترق، والخضار العفن. لذلك لم يكن غريبا أن طعنته الأولى لم تأت من سيارة ذات زجاج داكن، بل جاءت من العتمة التي رباها بكلماته.
توالت التحقيقات وتم استدعاء جميع المشتبه فيهم، رافقه ضباط شرطة المهدي الى مسرح الجريمة . الشارع الكبير المؤدي إلى منزل الكاتب في الحي الشعبي يغط في صمت مريب، مصابيح البلدية مطفاة منذ أشهر ، والقمر محجوب بغيوم سوداء تشبه سحب الدخان التي تخرج من المقاهي الشعبية.
وقف الحسان للحظة يسترد أنفاسه ، الحقيبة الجلدية، تضغط على الكتف، شعر بالحركة تندفع من الخلف. لم تكن حركة غريبة، بل كانت مألوفة جدا. حركة يعرف إيقاعها، تتردد الصورة في الذهن عشرات المرات. ارتفع نصل السكين الأبيض ليمزق العتمة. لم تكن طعنة طائشة، بل كانت طعنة تلميذ خائف لكنه يعرف الضربة الموجعة والمؤلمة، وأين يسكن الألم دون أن يسبب الموت الفوري. صرخة الحسان المكتومة ابتلعها المساحة الفارغة من الدور السكنية . ركض وراء الفاعل ، اليد تضغط على مكان الجرح الذي بدأ يقذف دما دافئا وقانيا.
فوق الرأس تشتعل طواحين الاسئلة، لم يكن هناك أشباح، بل كانت هناك وجوه يعرفها جيدا. وجوه كتب عنها، وعاش بينها، وجوه تحالفت في لحظة شبق مصلحي غريبة لتنفيذ الجريمة، اعاد القصة عشرات المرات امام المحققين، المشتبه الاول دبر دليل براءة باللجوء الى كاميرا المقهى،واستدعاء المرتزقة ليكونوا شهودا في وقت الشدة،

الحسان يتخبط في بركة الدم وتمطرق الدماغ مئات الاسئلة، وجوه كثيرة اندفعت في الذاكرة كشريط سينمائي بطيء، كل وجه يمثل طعنة، وكل طعنة تمثل مصلحة مهددة، لم يكن القنطوري بائع البصل مجرد تاجر في السوق العشوائي. كان الحوت الذي يمارس جميع انواع المهن الوضيعة، مستندا إلى حماية من رجالات السياسة، وبفضل العلاقات الخبيثة قام بالبناء فوق الرصيف بالاسمنت المسلح. الحسان نشر مقالا يهاجم الجهات والأسماء كيف يتحكم بائع خضار في السلطات. تسبب المقال في تحرك السلطات، بالنسبة للقنطوري، لم يكن الحسان كاتبا، بل قاطع أرزاق يجب التخلص منه ليعود النشاط خارج القانون، اندفعت في المخيلة صورة عون السلطة الذي انفضحت تجارته في دعم الماشية، الذي انتقل من الدوار الى المكتبة وقدم مبلغا مهما ليكف عن الكتابة، صاحب الالعاب المحمي من السلطات الذي لم تستطع قرارات تحرير الملك العمومي حمله على الاخلاء، موظف المحكمة المرتشي وغيره كثير .
سقط في الدماغ خبث ووقاحة المخبر لمساسكي العين التي لا تنام لمصالح قسم الشرطة يخفي وراء الابتسامة الصفراء حقدا دفينا،مصيدة لالتقاط همسات المعارضين، والطلبة، والمحتجين وتجار الخمور وحبوب الهلوسة والدعارة. في رواية الكاتب الاخيرة رسم شخصية كلب حراسة يرتدي مئزرا ملطخا بالقيئ يبيع أصدقاءه مقابل بضع دراهم ووعود بحمايته.
شعر المساسكي بالمهانة رأى عورته مكشوفة أمام الحي بأكمله والمدينة. السكين في يده كانت غسلا لعار النذالة. يبيع الوهم للشباب الجانحين في الخفاء، بل يبيعه في وضح النهار لأن نصيب ولي النعمة يصل إليه كل ليلة جمعة في ظرف مغلق. الكاتب وضع يده على العش الدامس، انه الوحش الحقيقي في المدينة الذي يتواجد في كل الانشطة المريبة ،تشغيل الفتيات في الخارج أو تسهيل عقود التوظيف، لمساسكي يدير شبكة دولية للدعارة القسرية والاتجار بالبشر، مستهدفا الفتيات الهاربات من فقر الريف، تمرس في النصب والاحتيال. الحسان نجح في اختراق الشبكة، والتقى بإحدى الناجيات، وكان على وشك نشر مذكراتها التي تتضمن أسماء زبائن من عيار ثقيل: قضاة، ومقاولون، ورجال سلطة. بالنسبة لمساسكي، موت الكاتب مسألة حياة أو موت لنجاة الشبكة العابرة للقارات.
في قمة الهرم يجلس المسؤول الفاسد فلفول، الرجل الذي يحرك هؤلاء جميعا كقطع الشطرنج. الخضار يشارك في حملته الانتخابية، القهوجي يضمن له ولاء الشارع، تاجر الممنوعات يمول نفقاته السرية، والموظف الفاسد يسهل عقاراته، لمساسكي يوفر له الليالي الحمراء و العبردة والمجون. الحسان يمثل ثقبا في السفينة إذا غرقت السفينة، غرق الجميع، صدر الأمر من المكتب الفاخر.
-أدبوه.. دون أن تتركوا أثرا.
مستلقيا على الظهر ، يتأمل الكاتب النجوم التي لا تبدو واضحة من خلال ضباب المدينة. يسمع خطواتهم وهي تبتعد. يسمع ضحكة القهوجي المكتومة، وشخير القنطوري الخضار وهو يبصق على الأرض. يشعر ببرودة الموت الزاحفة إلى أطرافه، أن خطأه الأكبر لم يكن الكتابة عن الفساد، ظنه أن الفساد يسكن في قمة وهرم السلطة. لكن الفساد تغلغل وأصبح ثقافة محلية متوارثة، أصبح خبزا يوميا يدافع عنه الضحايا قبل الجلادين.
داخل غرفة المستعجلات، دخل الحسان في هلاوس بصرية ونفسية. يرى المجرمين في محاكمة سريالية، خروج الحسان من المستشفى ومن فترة نقاهة بجسد مكسور لكنه بروح عالية، ورويدا رويدا يكتشف أن المدينة بأكملها تنظر إليه كـبطل. لم تنجح مرحلة العزلة النفسية، وادرك أن السلاح الأبيض لا يهزم إلا بـالسلاح الابيض آخر وهو ورقة الكتابة الجريئة والمقتحمة.وتحولت في بضعة ايام المعركة الفردية إلى قضية رأي عام تحرك المياه الراكدة.
فكر طعنوا الجسد، وظنوا بغبائهم أنهم قتلوا الفكرة. ولم يعلموا أن الفكرة لا تنزف ولا تتقيح ، بل تولد من جديد في كل قطرة دم، في المكتبة تفوح رائحة الورق العتيق والحبر ،لم يكن يملك من حطام الدنيا الكثير، لكنه كان يملك الكلمة الحرة المقتحمة ، الكلمة في زمن الزيف، رصاصة طائشة يخشاها الجبابرة، القلم ليس أداة للتكسب، انه مشرط جراح يكشف اللحم الفاسد ليعالجه ويزيل عنه القطع المتعفنة ، طوال سنوات مقالاته ورواياته ونصوصه القصصية تتدفق كالنهر العذب، تروي عطش المتعبين، وتؤرق مضاجع الذين بنوا قلاعهم من دماء البؤساء. حذروه كثيرا من الاقتراب من عش الدبابير، همسوا في أذنه مرات عديدة ، الحبر رخيص لكن الدم غال،.، ابتسم ومسح نظارته وصرخ ضاحكا

-ما قيمة الدم إن جرى في عروق عبد صامت...

يجلس خلف الحاسوب .حشرات تراقص نور المصباح، ترقص الظلال على الجدران وتبدو في احجام كبيرة، الرياح في الخارج تعزف لحنا جنائزيا غريبا. يكتب عن الحرية تلك الفكرة التي عاش من أجلها. كان يشعر غريزيا أن الوقت يداهمه، فكانت أصابعه تسابق الزمن، والحروف تتدفق من لوحة المفاتيح كأنها نبضات قلب مجهد.
انكسر صمت الليل. لم يكن طرقا على الباب بل خطوات حثيثة، تبعها اقتحام عنيفا أشبه بهبوب العاصفة، الهدوء يتكسر ،ظل أسود يلاحقة. لم يكن للظل ملامح، فالطغاة دائما يرسلون أدوات بلا وجوه. التقت نظرات الكاتب الهادئة بعيني الشاب الغريب صاحب الوجه الطفولي. لم ينطق بكلمة، ولم يطلب مالا أو الهاتف النقال، سحب سكينا من الحجم الكبير رفعه في الهواء وهوى بكل ثقله، عناق الفولاذ والجسد، الطعنة على صفحات الخد الايمن، تحرك المجرم بتثاقل . وفي لحظة واحدة غادرة، اخترق النصل البارد وجه الكاتب. لم يصرخ. لم يرج جلاده. بل أطلق تنهيدة عميقة، شعر انه ينتظر هذا الموعد منذ زمن. انغرس السكين في الوجه. تناثرت قطرات الدم القاني على الاسفلت. في تلك اللحظة الشاعرية الرهيبة، انسحب المجرم في عتمة الليل، تاركا خلفه جسدا نازفا ، لكنه ترك أيضا شيئا لا يمكن اغتياله .
أشرقت شمس الصباح، تسللت الخيوط الذهبية عبر النافذة المكسورة، أضاءت المكتب والغرفة ، كان الكاتب مستلقيا بكبرياء، الالم ودوار خفيف يستبد به بين الفينة والاخرى، يده تلامس الجرح . الدم جف والضمادات تلفه، كيس الادوية ملقي غير بعيد، الكلمات التي كتبها قبل الطعنة كانت تتلألأ بنور لا ينطفئ. طعن الكاتب لكن المبدأ عاش وتقوى، لأن السكاكين مهما بلغت حدتها لا تملك القدرة على طعن الحروف.
في قلب مدينة مغتصبة يحكمها رموز الفساد واللصوص والخونة، يتحرك الكاتب الحسان بكل ثقة ، يمثل النبض الأخير لروح قديمة تأبى الانحناء. يقضي نهاراته في المكتبة يكتب مقالات عن الفساد والعدالة، والحرية، لم تكن الحروف مجرد كلمات عابرة ، بل كانت مبادئ حية يتنفسها.
خيوط الحلم لا تتقطع، حتى وإن بترت الأصابع التي تخطها. المبدأ الذي عاش به الحسان الروائي والصحفي الذي قض مضاجع الكثيرين في الجريدة، ورواياته التي كانت تشبه تشريحا جراحيا لفساد النخبة.
في البداية، لم تكن هناك اسلحة بيضاء ولا رصاصات طائشة، لم تفلح وسائل الاستمالة. أرسلوا له وسطاء برائحة عطور فاخرة، يحملون عروضا مغرية ، مبلغ دسم تحت مسمى تمويل نشاط ثقافي تمويل طبع كتاب، ودعوات لندوات . كان الرد من الحسان دائما ابتسامة ساخرة، وجملة واحدة كررها لآخر مبعوث،

-قلمي ليس برسم البيع، لأنني إذا بعته، فلن أجد ما أكتب به كفني ، والمال يجب ان نستفيد منه جميعا

عندما تأكدوا أن الرجل لا يشترى، وأن كلماته بدأت تحرك الشارع الراكد، تقرر الانتقال إلى الخطة البديلة، جروه الى المحاكمات، لكن القضاء الصخرة التي تكسرت عليها المناورات والدسائس. عقارب تزحف نحو العاشرة ، اغلق باب المكتبة، سار في نفس الزقاق الذي استعملة مند عقدين من الزمن،. انطفأت معظم مصابيح الزقاق.
حمل حقيبته الجلدية المهترئة. الازقة المحيطة خالية بشكل مريب على غير عادتها، حتى حارس السيارات العجوز الذي يرابط يوميا في الزاوية لم يكن هناك. استشعر الحسان برودة مفاجئة تسري في عموده الفقري، وهي غريزة الصحفي التي تحذره دائما من الخطر الوشيك، وصل الى الشارع الكبير ، الحركة صئيلة والاضواء قليلة.
مشى بخطوات متثاقلة ، انبعث صوت محرك دراجة نارية من الخلف، مزق سكون الليل لم تكن دراجة عادية تسير ببطء شديد، تحاذي خطواته. أدار الحسان رأسه بلمحة سريعة. كان الراكب خلف السائق يرتدي خوذة سوداء بالكامل، اعتدل السائق وزاد من السرعة، تنفس الصعداء واختفت التور والخوف، قطع الشارع الى الجهة اليسرى، على بعد خطوات من المنزل، سال الدم الدافئ على الوجه،فكر الرفض له ثمن، وقد حان وقت سداده.
في المستشفى بينما كان الطبيب يرتق ويضمد الجرح الغائر على الوجه، دلف ضابط التحقيق وسأله باقتضاب :

- هل تتهم أحدا يا استاذ الحسان
- انني اتهم القلم

في تلك الليلة، لم تكن الكلمات مجرد حروف تنساب على الورق، بل كان امتدادا لروح تقاوم العتمة، جلس الروائي والكاتب الصحفي في المقهى بعدما دخل المستشفى وغير الضمادات، يرتشف بقايا قهوة باردة، ويقاوم الالم ليصوغ لآلئ الحقيقة في مقال جديد. المقهى فارغة من الزبناء، النادل يرمي بنظرات قلقة على الشيخ الجالس بوقار يخط كلمات على الورق الابيض ، الكلمات نفسها تتوجس خيفة مما يتربص خلف العيون. صرير القلم الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المتقطع، صرير يشبه همس المتصوفة في محراب الفكر. خارج النافذة ضجيج وهرولات وابواق السيارات، الشارع الكبير يعج بالحركة ، الحاج الخازوق لا يكف عن الثرثرة وتدخين سجائر شقراء ،اتدثر بعباءة سوداء داكنة، الطبيب حذرني من تعريض الجرح لاشعة الشمس، حتى لا تظهر الندوب ، الهواء يهب من النافذة منعشا ، استعاد اللحظات الحرجة، الضربة تمطرق الدماغ بقوة، الوجه الطفولي يقفز الى الذاكرة في تحد خطير. في جحر الظلام لم تكن العتمة خالية، كانت تحبل بغدر يزحف على أطراف الاصابع. ظل غريب خطط ودبر ونفذ، بلا ملامح وبلا قلب، ينسل كالأفاعى نحو عتبة النور، يحمل في أيديه معدنا باردا، أداة صنعت لقطع أنفاس الكلمات، وإخراس الصوت الذي أرق مضاجع لصوص المال العام والمرتزقة.
اندفع بقوة نحو الهدف، دون استئذان، دون تفكير، المجرم مبرمج ،إعصار من الحقد قد هب دفعة واحدة. لا وقت للدهشة ولا التراجع. في أجزاء من الثواني، تلاقت نظرات الكاتب ببريق النصل والمعدن المسلط نحو الوجه. لم يمتلك درعا سوى يده اليمنى، ولم يكن لديه سلاح سوى صرخته. انقضت العتمة على النور في عراك وحشي، تناثرت الدماء على الاسفلت، وتناثرث الذكريات القديمة على الأرضية كدماء رمزية تسبق الدم الحقيقي. تلاحمت الأجساد، وكان الكاتب يدافع لا عن جسده الفاني، بل عن الرواية التي لم تكتمل، عن المقال الذي ينتظره القراء الاوفياء عند شروق الشمس، وعن الحقيقة التي أقسم ألا يموت قبل أن يزفها للعالم. دوى في الصمت صوت مكتوم، امتزج بآهة ألم حارقة.تراجع الشاب الغادر ، هاربا في جنح الليل كما جاء، تاركا وراءه جسدا ينزف، وكلمات تمتزج بالدم القاني على الأرض. هرول الكاتب نحو المجرم، ونظره شاخص على الشارع الفارغ من الحركة. الجرح عميق، الانفاس تتقطع نبضات القلب ترتفع، العياء يستبد به، لكن وعيه لم تنطفئ. امتدت اليد المرتجفة الى الهاتف، ركب رقما وارسل صورة للوجه المطعون، ترك عليه بصمة حمراء من الدماء المتخثرة تلك البصمة هي السطر الأخير في مقاله، والشهادة الحية على أن الفكرة لا تموت بالاسلحة البيضاء ولا بالرصاص.
غاب في الظلام مثلما جاء مرتديا ( كابيشو) لاخفاء الهوية، وظل هو والنور في عناق أخير، ينتظران الفجر الذي لا بد أن يشرق، ليروي للعالم كيف حاولت العتمة اغتيال الفجر... ففشلت.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
- المرتشي والرقم الاخضر
- رواية( زقوم كرة القدم )
- زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
- الحداد والاحمق والصورة
- الفقيه والطاهية والجارة
- ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
- الافعى ذات السبعة رؤوس
- ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
- البداية : ظهور السيدة قطام
- احاور جنازتي من فوق المحمل
- محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
- خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
- خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
- خوكم بوحمارة
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
- زقوم كرة القدم الحلقة (9)
- زقوم كرة القدم الحلقة ( 8)
- زقوم كرة القدم الحلقة (7)


المزيد.....




- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - غيبوبة الكلمات والدم