|
|
الهارب من المدينة إلى المغارة
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 02:36
المحور:
الادب والفن
ترك عبد القادر بوغلال كل شيء خلفه، الطفولة الهادئة والماضي والأصدقاء، رائحة الأزقة والشوارع، رائحة العطور والتوابل، الحمام الشعبي ملتقى الجيران، وأصوات الباعة الجائلين وتجار منظفات الغسيل، والمدرسة التي تلقى فيها أول درس في حب الوطن، وملعب الكرة الذي شارك فيه مباريات مع الأتراب. تخلص من الأوراق الثبوتية التي تحولت في نظره إلى صكوك عبودية؛ سئم تكاليف الحياة الثقيلة والمملة، والوجوه المبتسمة بزيف كرتوني في ردهات الإدارات الميتة والمستفزة، والوعود التي تباع في سوق النفاق اليومي. لسنوات طوال، ظن أن القانون يحمي الجميع، وأن المؤسسات ملاذ لجميع الطبقات، وأن في قلوب البشر متسعا للرحمة والشفقة والإنسانية، حتى دارت التروس الصدئة للآلة الإدارية والاجتماعية، فطحنته دون أن تطرف للمدينة عين. خرج منها وفي جعبته حقيقة واحدة عارية، الكل يلتهم الكل، والحيتان الكبيرة تلتهم الأسماك الصغيرة. قرر الهرب بعيدا عن الضوضاء والنفاق والكراهية والحقد، فحياة العزلة أرحم من حياة الضجيج. الحياة أصبحت تفعصه، تخنقه، تفتته من الداخل، وتقتل فيه الإنسانية. فكرة الهرب تطرق الدماغ صباح مساء، في الليل تسلل إلى الظلمة، لم يكن يحمل متاعا سوى ظهر مثقل بالنكسات وغضب قوي يعصر القلب. سار طويلا بدون وجهة محددة، استقبله الشجر العتيق بصمت مهيب، لم تطلب منه الغابة بطاقة تعريف، ولم يسأله جذر شجرة عن رصيده البنكي أو موقفه السياسي. في هذا الفضاء الأخضر الشاسع، كانت القوانين واضحة، قاسية لكنها عادلة، لا كذب فيها ولا مواربة. في الأيام الأولى من المقام في العراء والجوع، التهم السكون عقله. بحث غريزيا عن لافتة توجيه، أو بوصلة ليحدد الطريق، أو صوت بشري، أو سقف خرساني يحتمي تحته من لسعة الحشرات والزواحف وبرودة الليل. كانت العبودية للمدينة قد أصبحت جزءا من جهازه العصبي. مع مرور الأسابيع، بدأ يتخفف من أوساخ الحضارة الملعونة؛ تعلم الإنصات للريح، وقراءة لغة الأثر على التراب الرطب، وكيف ينام على فراش من أوراق الشجر الميت دون أن يخشى غدر الغد. رويدا رويدا بدأ يتعلم من الطبيعة كيف ينقل الماء، ويقتات على الفواكه البرية، وأغصان الأشجار، ونباتات وحشية تشبه التوت، تحيط بها أشواك كثيرة. تعلم اصطياد الأسماك في النهر عبر تغيير مجرى المياه، وحفر حفر عميقة تسقط فيها الأسماك مباشرة؛ طور مداركه وتعلم فن البقاء. أصبح جسده نحيلا ومتينا كجذع سنديانة. توقفت تلك التشنجات التي كانت تصيب معدته كلما رن هاتفه القديم الذي دفنه تحت صخرة في أول الطريق. لم يعد بحاجة للكلمات؛ فالكلمات في عالم البشر كانت أداة للخديعة والقسوة والمناورة، أما في الغابة الواسعة، فالصمت هو الأمان البكر. ذات مساء، بينما كان يجلس قرب نبع ماء صغير، لمح على الضفة الأخرى ذئبا رماديا. تجمد بوغلال في مكانه، وفكر أن ذئبا واحدا يعني أن هناك المزيد، فالذئاب في الغالب تتحرك في مجموعات. تلاقت أعينهما، لم يكن في عيني الذئب حقد، ولا ضغينة، ولا رغبة في استغلاله، بل بريق الوجود الخالص، وغريزة البقاء العارية. تطلعا إلى بعضهما لبرهة، ثم استدار الذئب ومضى في حال سبيله بهدوء. تنفس بوغلال الصعداء، وابتسم لأول مرة منذ سنوات، وأطلق ضحكات عالية. شعر براحة غامرة تتدفق في العروق؛ ففي الغابة المفترسات لا تخون، إنها تقتل لتأكل، لا لتستمتع بإذلالك. نظر إلى يديه اللتين تلوثتا بالطين واللحاء، ثم إلى السماء التي بدأت تشتعل بنجوم المساء بعيدا عن أضواء النيون الزائفة. أدرك حينها أنه لم يهرب ليموت، بل هرب ليعيش الحرية المطلقة. لقد وجد خلاصه أخيرا في المكان الذي لا توجد فيه كلمات، ولا وعود، ولا بشر. تتدفق الذكريات بغزارة في وعي بوغلال وهو في عزلته داخل الغابة؛ تتقاطع الأزمات العائلية مع الضغوط الإدارية الخانقة لتشكل مبررات الهروب. لم يعد قادرا على المقاومة، ولم تكن الغابة في وعيه المنهك مجرد مكان، بل جدارا عازلا بناه عبد القادر بينه وبين ماض ملوث يرفض المشي وراءه، لكنه يصر على الركض خلفه. في سكون الليل، يتدفق شريط حياته السابقة كأنه شظايا مرآة مكسورة، تذكر البدايات الشغوفة وكيف تحولت الأحلام الكبيرة تدريجيا إلى محاولات يومية للبقاء على قيد الحياة. الشعور بالاغتراب وسط الحشود تحول من إنسان يحمل مبادئ ورؤية منفتحة ومتسامحة إلى مجرد رقم في سجلات الديون وقوائم الحضور والانصراف. البيت الذي من المفترض أن يكون ملاذا، تحول إلى ساحة معركة صامتة تغذيها الحاجة والالتزامات الصارمة، نظرات العتاب الصامتة من أفراد الأسرة، والاتهامات المبطنة بالعجز عن تلبية التوقعات. الحوارات انتقلت إلى مشادات حول المصاريف، وتآكلت العاطفة تحت وطأة المتطلبات اليومية. الديون لم تكن مجرد أرقام، بل كائنات حية تلاحقه؛ دفاتر الشيكات، إنذارات الأبناك، والاضطرار للاستدانة لسد ثغرات ديون قديمة. يشعر أن كل خطوة يخطوها إلى الأمام تسحبه خطوتين إلى الوراء في وحل الالتزامات المالية التي لا تنتهي. الوظيفة والمنظومة الإدارية تطحنه ببطء، البيروقراطية الخانقة، رؤساء العمل الذين يمارسون سلطتهم لتصفية حسابات شخصية، تكليفه بمهام تفوق طاقته دون أي تقدير. المؤامرات المكتبية، والعيش في بيئة إدارية فاسدة قائمة على التملق والوشاية، حيث يعاقب النزيه ويكافأ الفاسد. شعر عبد القادر بأن كرامته تهدر يوميا مقابل راتب لا يكفي حتى لمنتصف الشهر، وأن المكتب تحول إلى زنزانة اختيارية. فكرة الهرب تغلغلت في الدماغ، الهروب لم يكن قرارا عقلانيا مدروسا بعناية، بل انفجار غريزي للنجاة بما تبقى من عقله. لم يكن يريد من الدنيا سوى الهدوء، والبحث عن لحظات الصمت وسط ضجيج المطالبات المالية وصراخ الإدارة وعتاب العائلة. عبد القادر كان بحاجة إلى مكان بلا صوت، حيث لا أحد يطلب منه شيئا ولا يصدر له أمرا ولا يشعر بالنفاق. لم ينم في الليلة الأولى، لكنه أحس أنه اتخذ القرار الصحيح. الأشجار لا تطالب بالديون، والحيوانات لا تمارس الضغط الإداري. الهروب إلى الغابة محاولة لخلع الهوية القديمة المثقلة بالهزائم، والبحث عن ولادة جديدة أو غيبوبة اختيارية بعيدا عن مجتمع ينهش أطرافه. يجلس عبد القادر مستندا إلى جذع شجرة بلوط هرمة، يراقب النار التي يخبو لهيبها تدريجيا. الصمت هنا حاد إلا من طقطقات الأعواد في النار، طقطقات ليست أشد حدة من الأصوات التي تصطرخ داخل رأسه. كلما حاول نسيان المدينة، قذفت إليه الذاكرة بوجوه يود لو يمحوها من الوجود. لم يكن يرى في رئيسه في العمل إنسانا، بل كان يراه آلة سادية مغلفة ببدلة رسمية وعطر رخيص. يتذكر عبد القادر جلوسه خلف مكتبه المهترئ، وصوت المدير الفظ يلقي بالملفات فوق رأسه .
- أنت هنا لتنفذ، لست هنا ليفكر عقلك. إذا لم يعجبك النظام، فالباب يتسع لجمل.. هناك المئات في الطابور ينتظرون مكانك."
النبرة القاسية تتعمد الإهانة أمام الزملاء، والمهام التعجيزية التي كان يكلف بها فقط لكسر كبريائه، كأن المدير يستمد طاقته من إذلال الآخرين وتذكيرهم دائما بأن مصير لقمة العيش في يده. في نهاية كل شهر، لم يكن يخشى شيئا كما يخشى وقع خطوات صاحب البيت المكتراة على الدرج؛ رجل ممتلئ، غليظ الملامح، لا يعرف في لغته سوى كلمة واحدة: "السومة الكرائية". تذكر عبد القادر آخر مواجهة بينهما عند عتبة الباب، ونظرات الجيران المشفقة والمتسائلة.
- أنا لا أدير جمعية خيرية يا عبد القادر. الأسبوع القادم إن لم أجد مالي فوق الطاولة، ستجد أثاثك في الشارع. القانون معي، والرحمة تركتها في مكاني القديم.
كلمات قاسية تغرس في قلبه إحساسا مقيتا بالعجز، البيت الذي يأويه مصدر دائم للرعب والقلق والتعري أمام الذات والآخرين. بين سندان المدير ومطرقة صاحب البيت، يقف الراتب، ذلك الرقم الهزيل الذي يتبخر في اليوم الأول من الشهر. يتأمل عبد القادر يديه الخشنتين بفعل حطب الغابة، ويتذكر الراتب؛ مجرد وهم يمر عبر أصابعه ليذهب مباشرة إلى جيوب الآخرين: كراء، فواتير ماء وكهرباء تراكمت، ديون البقال، وشيكات مؤجلة. يشعر بالخزي وهو يرى أن شهرا كاملا من العبودية الإدارية، وتحمل الإهانات والضغط النفسي، لا يكفي حتى لشراء الطمأنينة لأسبوع واحد. الراتب لم يكن أداة للعيش، بل كان الجرعة التي تبقيه على قيد الحياة ليستمر في خدمة المنظومة التي تطحنه. وسط جذوع أشجار الغابة الكثيفة ومجاري الوديان، أحس بالطمأنينة. الغابة لا تملك مديرين ولا تطالب بإيجار. يدرك عبد القادر أن هروبه لم يكن جبنا، لقد كان الطريقة الوحيدة ليقول "لا" مدوية لمدينة اشترت كرامته ببضعة دراهم. في الغابة، حتى لو مات جوعا أو بردا أو بلسعة سامة، سيموت وهو يملك رأسه، بعيدا عن صراخ المدير وجشع صاحب البيت، ومذلة انتظار راتب لا يكفي حتى لثمن كفن. في الأيام الأولى من الهرب، أصعب ما واجهه ليس البرد أو الجوع، بل كان ذلك الإيقاع الداخلي الذي لم يتوقف؛ يستيقظ مذعورا عند الساعة السابعة صباحا، يلتفت حوله باحثا عن ساعته، وينبض قلبه بهلع مألوف.
- سألتهم خطواتي.. سيتأخر التوقيع.. المدير سينتظر عند الباب.
حين يرى السقف الأخضر المتشابك للأشجار، يرتد إليه وعيه ببطء. استغرق الأمر أسابيع كاملة ليتعلم كيف ينام دون قيد الوقت، وكيف ينسى التاريخ، وينسى العائلة الصغيرة. المال والبنون زينة الحياة، لكنها حياة مقفرة وثقيلة ومذلة، صعب أن تطعم ستة أنفار بمرتب هزيل. تذكر الشجارات مع أم الأولاد حول استعمال موانع الحمل، فالمرأة لا تفكر سوى في كيفية تكبيل الزوج. ألقى ببطاقته المهنية في تجويف شجرة متعفنة، وترك هاتفه المنطفئ مدفونا تحت التراب. بحاجة إلى نفض غبار الإدارة عن جلده، فكل طبقة عرق يفرزها في جمع الحطب هي جزء من الراتب اللعين والديون القديمة يتقيأها جسده. بضعة شهور صعبة وقاسية كانت كافية لتتحول الغابة من مكان للهروب إلى مشروع للوجود والبقاء. تطلب الأمر غريزة لم يكن يعرف أنه يملكها؛ اختار مغارة صغيرة شبه مخفية بين الصخور، ودعم مدخلها بأغصان السنديان الكثيفة لحمايتها من الرياح الباردة التي تهب ليلا. النار رفيقته الوحيدة وصاحبة البيت الجديدة. تعلم كيف يفرز الخشب، يعرف الآن أن حطب الزيتون البري يدوم طويلا، وأن أوراق الصنوبر الجافة هي أفضل بريد سريع لإشعال اللهب. تراجع طموحه الغذائي إلى حدود الكفاف، صار يكتفي ببعض الثمار البرية، وجذور النباتات الصالحة للأكل، تعلم نصب الفخاخ للطيور والأرانب، وعمل ليل نهار لصناعة قوس وسهام، تمرن على التسديد. الماء النقي يجلبه في وعاء بلاستيكي قديم وجده عند أطراف الغابة من نبع جبلي قريب. أثناء جلوسه أمام ناره، عقد مقارنات صامتة تمنحه سلاما داخليا غريبا: - هذا البرد الذي يقضم أصابعي الآن، أنبل بكثير من نظرة صاحب العين المكتراة وهو يهدد بطرد أثاثي. وهذا الجوع الذي يقرص معدتي، أرحم من لقمة مغموسة بذل الإهانة أمام مكتب المدير.
شعر بأن الطبيعة قاسية لكنها عادلة، فالشجرة لا تحابي أحدا، والمطر يسقط على الجميع بالتساوي، لا وجود هنا للوساطة أو التملق الإداري. في الغابة، تساوي فقط ما تستطيع فعله بيدك لتظل حيا. بدأت حواس عبد القادر تتغير، تخلص سمعه من ضجيج محركات السيارات وصراخ المطالبات المالية، وطرقات صاحب البيت الخبيث والماكر الذي يتلفظ بالفظ قاسية دون احترام لاحد، يلوح بالقانون والافراغ ورمي الاثاث الى الزقاق، كلمات قاسية تهين الموظف البسيط المهزوم نفسانيا، صار يميز بين حركة الرياح في أوراق الصفصاف وحركتها في إبر الصنوبر، تعلم كيف يقرأ الليل والنجوم. يعرف متى توشك العاصفة على البدء من خلال مراقبة سلوك الطيور البرية. مات عبد القادر الموظف المستهلك المديون، مات الرجل الصامت الذي يموت واقفا كل ساعة في المكاتب الذبقة الاستفزازية، مات الرجل المحطم والمثقل بالمطالب التي لا تنتهي، وولدت مكانه كينونة أخرى خشنة، صامتة، ومتوجسة. يملك أخيرا الشيء الذي حرمته منه المدينة طوال حياته: امتلاك وقت الصمت الكامل. لم تكن الغابة لتهبه صمتها دون مقابل، فالطبيعة لا تمنح صكوك الغفران بالمجان، وكان على عبد القادر أن يدفع ضريبة كرامته الجديدة دما وعرقا في ليلة انفتحت فيها السماء.
خيم على الغابة صمت ثقيل ومريب، صمت يختلف عن هدوء الليالي السابقة. الطيور توقفت عن الزقزقة مبكرا، وغاصت الحيوانات في جحورها، بينما أخذ الهواء يبرد بسرعة فائقة، حاملا معه رائحة الطين المشبع بالرطوبة والموت. نظر إلى الأفق البعيد، الغيوم السوداء المتراكمة تشبه سياطا عملاقة تجرها خيول غير مرئية. أدرك غريزيا أن المحاكمة قد بدأت. في منتصف الليل، استيقظ على صوت الرعد الذي هز أركان المغارة كأنه قصف مدفعي. ثم انهمر المطر، لم يكن مطرا عاديا، بل كان سيلا جارفا مدفوعا برياح عاتية بدأت تنهش مدخل ملجئه. الأغصان التي جمعها بعناية وبنى منها سياجا لحماية المغارة بدأت تتطاير كأنها أعواد ثقاب. الرياح كانت تعوي بداخل التجويف الصخري، تسحب معها الحرارة وتبصق رذاذا باردا كالإبر على وجهه. في ثوان معدودة، هاجمت المياه موقد النار، انطفات الجمرات المدفئة للمغارة، صعد دخان خفيف الى الهواء. سمع فحيح الحطب وهو يموت، تحول الرماد الدافئ إلى وحل أسود. غابت النار، وانطفأ معها الأمل الأخير في الدفء، ليبقى وحيدا في ظلام دامس وبرد يقضم العظام. وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الفناء. انهار جزء من السقف الطيني للمغارة، وتدفقت المياه لتغمر فراشه المصنوع من القش وأوراق الشجر الجافة. أصبح جسده يرتجف بعنف، واصطكت أسنانه بصوت مسموع وسط هيروغليفية العاصفة. لم يجد بدا من التحرك، فالاستسلام للنوم في البرد يعني الموت تجمدا، استجمع ما تبقى من قواه الجسدية، اندفع بركبتيه في الطين مستندا إلى جدار المغارة الصخري، صار يدفع بجسده الهزيل الجذوع الكبيرة التي تخلخلت، جرفتها الامطار من مناطق بعيدة، محاولا سد الثغرة التي تتدفق منها الرياح. يداه العاريتان تنزفان جراء الاحتكاك بالصخور الخشنة وأشواك السنديان، لم يكن يشعر بالألم، الأدرينالين النقي يقوده الى التحدي، صراع غير متكافى لكنه لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء. انزلقت قدمه في الوحل وسقط على وجهه، وامتزج طعم التراب بدموعه وعرقه. في تلك اللحظة، وسط الرعب والظلام، تذكر وجه مديره ذو الوجه القاسي والالفاظ الخشنة والتهديدات المبطنة، راى وجه صاحب البيت، صرخ في وجه العاصفة بكل ما أوتي من قوة، صرخة واجه بها الطبيعة والماضي معا.
- اكسري عظامي إن شئت، أمطري كما تشائين.. فلن أعود إلى زنزانتهم.
مع أولى خيوط الفجر، بدأت العاصفة تلتقط أنفاسها، وانسحبت الرياح تدريجيا تاركة وراءها غابة مبللة ومنهكة، عبد القادر طل مستلقيا على الأرض الطينية ، يتنفس بصعوبة لكن قلبه لا يزال ينبض. جسده مغطى بالوحل، أطرافه مخدرة من شدة البرد، ويداه مجروحتان، الدم تخثر وتحول الى قطع صغيرة. حين فتح عينيه ورأى شعاع الشمس الأول يخترق بخار الماء المتصاعد من الأرض، شعر بنشوة لم يذقها من قبل. صمد، قاوم ، صرخ، اختبرت الغابة رغبته في الحياة بأقسى طريقتها، خرج من المعركة حيا. نظر إلى يديه الداميتين وابتسم، الألم كان حقيقيا، لم يكن فيه زيف الإدارة ولا ذل الحاجة. لقد تعمد بمطر الغابة، وأصبح جزءا من شريعتها. مع ترجل الشمس فوق قمم الأشجار لتجفف ملامح الغابة الجريحة، نهض بجسد متصلب يئن من فرط الإعياء. خرج من جحر الطين يتفقد حجم الخراب، لكن الغابة، كعادتها في ممارسة كرمها القاسي، لم تتركه خالي الوفاض بعد أن صمد في اختبارها. على بعد خطوات قليلة من مغارته، تسببت الرياح العاتية في اقتلاع شجرة صنوبر ضخمة من جذورها. ترك هذا السقوط المروع خلفه أمرين غيرا مسار بقائه؛ الجذور المقتلعة رفعت معها كتلة هائلة من التربة والصخور، صانعة تجويفا أرضيا عميقا ومحميا بشكل طبيعي، أوسع وأكثر أمانا من مغارته القديمة المتداعية. تحت الجذع المكسور، وعالقة بين الأغصان المتشابكة، لمح قطعة قماشية سميكة مشوهة بالوحل؛ سحبها بقوة ليكتشف أنها غطاء مشمع ضخم (بلاستيك مقوى)، يبدو أن أحد الرعاة أو الصيادين فقده في فصل سابق وجرفته السيول. بالنسبة له في تلك اللحظة، كان هذا المشمع أثمن من كل المبالغ التي كان يطالب بها البنك وصاحب العين المكتراة، إنه درع حقيقي ضد أمطار المستقبل. لم يمنح نفسه ترف الراحة أو البكاء على أطلال الأمس، علمته ليلة الزمهرير أن التراخي في الغابة يعني الموت، وأن الطبيعة لا تنتظر أحدا ليرتب أوراقه. انطلق فورا في تطبيق هندسة البقاء الجديدة، نقل أشياءه القليلة إلى التجويف الجديد تحت جذر الصنوبر، وقام بفرد الغطاء المشمع فوقه، وتثبيته بصخور ثقيلة من الحجر الجيري لضمان عدم تطايره مستقبلا. شرع في تقطيع الأغصان الجافة الداخلية لشجرة الصنوبر الميتة التي حماها لحاؤها السميك من المطر وتخزينها في عمق الملجأ الجديد، ليكون لديه مخزون استراتيجي من الحطب لا تطاله الرطوبة. استغل الوحل اللزج والنقي الذي خلفه السيل عند مصب المنحدر، وبدأ بيديه المجروحتين في تشكيل أوان طينية بدائية وتركها لتجف تحت أشعة الشمس، لاستخدامها لاحقا في تجميع مياه المطر النظيفة وتخزين جذور النباتات. مسح العرق الممزوج بالطين عن جبهته، نظر إلى ملجئه الجديد الذي بات يحمل ملامح بيت حقيقي بناه بصراعه. لأول مرة منذ أشهر، لم يشعر بالخوف من المستقبل، تحول من طريد هارب من الديون والإدارة، إلى سيد بقعته الصغيرة، كائن يتعلم كيف يطوع القسوة لتصبح أداة للعيش. مع مرور الشهور بدأت ملامح المدينة القاسية والزئبقية تتلاشى من مخيلة عبد القادر مثل كتابة طمستها مياه المطر. الوجوه التي كانت تؤرقه أصبحت بلا ملامح واضحة، وجه المدير المتغطرس صار مجرد قناع باهت بلا صوت، وصراخ صاحب العين المكتراة تحول إلى طنين بعيد يشبه طنين الحشرات الميتة في شباك العناكب. حتى الأرقام التي كانت تطارده في نومه، أرقام الديون، قيمة الفواتير، وتاريخ انتهاء صلاحية الراتب، تبخرت لتعوضها أرقام أخرى يمليها عليه واقع البقاء، عدد الساعات المتبقية لغروب الشمس، الأيام التي تفصله عن اكتمال القمر. لقد نجح جسده في غسل سموم الإدارة، صار الصمت المحيط لغته الرسمية الجديدة. الغابة سحبت منه أزمات البشر، بدأت تفرض عليه شروطها الخاصة وقوانينها الصارمة، الهروب من المجتمع لم يكن يعني الخلاص النهائي، بل كان مجرد استبدال لخصم بآخر. ظهرت أمامه تحديات جديدة لم يحسب لها حسابا وسط مكتبه الإداري القديم، وحشة الصمت الطويل أو "العدو الصامت" كما سماه. خمدت ثورة الغضب والانتصار على العاصفة، وواجه وحشة من نوع خاص. الصمت المطلق بدأ يثقل كاهله، في بعض الليالي يضطر للتحدث إلى نفسه بصوت مرتفع فقط ليتأكد من أنه لم يفقد القدرة على النطق، أو ينصت لنبضات قلبه ليعرف أنه لا يزال ينتمي لعالم الأحياء. النباتات والثمار البرية التي كانت تسد رمقه بدأت تشح مع تغير الطقس. أصبح الحصول على وجبة يومية يتطلب منه قطع كيلومترات طويلة وسط الأدغال، متتبعا مجاري المياه الجافة، ومخاطرا بآلام الجوع التي بدأت تنهك قواه الجسدية وتجعله أشد هزالا. أثناء جمعه لبعض الحطب، انغرست في باطن قدمه شوكة برية سامة. في المدينة هذه الإصابة تعني زيارة بسيطة للصيدلية، اقتناء ادوية وينتهي الامر في يوم ، لكنها تحولت الاصابة إلى كابوس، تورمت قدمه، واشتعلت النيران في جسده جراء الحمى، ووجد نفسه عاجزا عن الحركة لثلاثة أيام داخل ملجئه، مدركا أن أي خطأ صحي صغير في الغابة قد يكون ثمنه حياته. في أوج حماه، وبينما كان يضمد جرحه بأوراق نبات بري بعد هرسه بالصخور، وتحضير ضمادات من اوراق الاشجار، أدرك أنه لم يعد ذلك الإنسان الذي غادر المدينة، تحولت نظراته الخائفة المستكينة إلى نظرات حادة ومتوجسة كالحيوانات التي تقاسمه المكان. تعلم كيف ينام وعينه نصف مفتوحة، وكيف يفسر أدنى حركة للأعشاب. لم يعد يفكر في الغد بمعنى المستقبل المهني أو الاستقرار الاجتماعي، صار الغد بالنسبة إليه يعني شيئا واحدا، أن يفتح عينيه ويجد نفسه قادرا على التنفس والمشي خطوة أخرى. في أحد صباحات الخريف الباردة، كان عائدا نحو ملجئه الجديد حاملا بضع درنات برية ووعاء الماء، تجمدت أطرافه فجأة. التقطت حواسه التي شحذتها العزلة حركات غير مألوفة، ليست حركة ريح في الأغصان، ولا وثبة حيوان بري خائف. حشرجة محرك سيارة دفع رباعي تقترب من أطراف الغابة البعيدة، تلاها صدى أصوات آدمية تنادي باسمه. تراجع إلى الخلف غريزيا، ارتفعت دقات القلب، اختبأ خلف شجرة سدر كثيفة، كاتما أنفاسه. لم تكن السلطات التي تتعقب أثره، ولم يكن أصحاب الديون، كان الصوت يحمل نبرة مألوفة تارة، ومستغيثة تارة أخرى. إنه صوت ابن شقيقته الشاب الذي يبدو أنه اقتفى أثره لأسابيع مستعينا ببعض الرعاة في المنطقة. وضع الشاب حزمة صغيرة ملفوفة بقماش فوق صخرة معلومة عند الممر المؤدي لأعماق الغابة، ونادى بصوت مخنوق بالبكاء، وكأنه يوقن أن عبد القادر يراقبه من مكان ما.
- يا خالي.. إن كنت تسمعني، لست بحاجة للعودة إن كنت لا تريد.. لكن وجب أن تعلم. المدير الذي ظلمك تم توقيفه وإحالته على التحقيق بتهمة الفساد المالي، وصاحب البيت تنازل عن القضية بعد تدخل المحسنين.. لكن أمك.. أمك طريحة الفراش في المستشفى، ولا تنطق سوى باسمك.
انسحبت السيارة بعد ساعات من النداء، وعاد الصمت ليخيم على المكان. لكنه لم يكن صمتا كالسابق، كان صمتا مشحونا بزلزال نفسي جديد. وقف أمام الحزمة المتروكة على الصخرة، تقدم نحوها بخطوات ثقيلة كأنها تقوده إلى مقصلة جديدة. فتحها ببطء ليجد بداخلها مذياعا صغيرا قديما يعمل بالبطارية، ورسالة خطية من العائلة تترجاه بالعودة، وجريدة محلية تؤكد خبر اعتقال مديره السابق بتهم تبديد أموال عامة واستغلال النفوذ. انكسر إيقاع الغابة البدائي تماما. انهار جدار الصمت الذي بناه بعرق وليالي العواصف، فالمدينة التي فر منها لم تعد كما تركها، والماضي الذي اعتقد أنه دفنه تحت جذور الصنوبر، أرسل إليه جذورا أقوى تشده من قلبه: مرض أمه، وبراءته من سياط المدير. ساد صمت أشد قسوة من العاصفة بعد أن تلاشت أصوات السيارة في الأفق. وقف متسمرا في مكانه، الغصة في الحلق الناشف، يحدق في الحزمة المفتوحة عند قدميه. كانت الرسالة، والمذياع، والجريدة، تبدو كأجسام غريبة، كقطع أثرية هبطت من كوكب آخر لم يعد ينتمي إليه. جلس على الصخرة، ومرر أصابعه الخشنة المليئة بالجروح والندوب فوق ورق الجريدة الذي يحمل صورة مديره القديم خلف القضبان. شعر ببرود تام، لم يبتسم، ولم يشعر بنشوة الانتصار التي كان يتخيلها في الماضي؛ جاء هذا الإنصاف المتأخر بعد أن مات الموظف بداخله تماما، ما نفع صك البراءة لجثة..؟ أما عن صاحب العين المكتراة وتنازله، فقد بدا الأمر وكأنه شفقة لا تزيد كرامته إلا جرحا. التحدي الحقيقي الذي جعل جسده يرتجف لم يكن المدير أو الديون، بل كان طيف أمه المريضة. شعر بغصة تخنق حنجرته، ودمعة حارة شقت طريقها عبر الغبار والوحل المستقر على وجنتيه. تذكر وجهها، دعواتها، ورائحة خبزها وطريقة إعداد الكسكس والمرق. حين نظر إلى الغابة، والتفت نحو الممر المؤدي إلى المدينة، رأى بوضوح الكابوس الذي ينتظره:
- لو عدت الآن، سأعود شفقة.. سأعود لأدخل مجددا في طاحونة المنظومة التي طحنتني. سأضطر للبحث عن وظيفة أخرى، ومواجهة نظرات المجتمع التي تصنفني كمختل هرب إلى الغابة، حتى براءتي ستتحول إلى مادة للثرثرة اليومية في المقاهي والمكاتب. أدرك عبد القادر بوغلال أن الشفاء لوالدته لن يتحقق بتقديم جسده قربانا للمدينة مرة أخرى، وأن عودته مهزوما نفسيا ليعيش في زنزانة الإسمنت والمطالبات المالية مجددا هي الموت الحقيقي. ظل لأيام يعيد قراءة الرسالة بصوت مخنوق ومتلعثم، قوة الجذب للعودة إلى المدينة معدومة. أرسل حزمة آهات متلاحقة، وفي حركة حاسمة ومدفوعة بغريزة الحرية البدائية التي نمت في عروقه، نهض، أخذ الجريدة والرسالة الخطية، وألقى بهما في بقايا موقد ناره. راقب الحروف تتفحم وتتحول إلى رماد تذروه الرياح بين الأشجار. تناول المذياع الصغير، وبدلا من تشغيله ليربطه بأخبار العالم، ضربه بصخرة ضخمة حتى تحول إلى قطع بلاستيكية ونحاسية صغيرة، ثم دفن أشلاءه تحت التراب بجانب هاتفه القديم. أراد قطع الحبل السري الأخير الذي يربطه بالقطيع البشري. لم يكن هذا القرار جحودا ولا انحدارا نحو الجنون، كان خيارا تراجيديا للبقاء على قيد الحياة بالشروط التي حددها هو لنفسه. التفت بكامل جسده نحو أعماق الغابة، تاركا قناع المدينة وراء ظهره إلى الأبد. عاد إلى مغارته المحمية بالمشمع وبجذوع الصنوبر التي اقتلعتها العاصفة. في هذه البقعة التي تعمد فيها بالطين والمطر والدم، شعر بأنه ملك غير متوج. الأشجار لا تسأل عن ماضيه، والحيوانات لا تطالبه بواجب الكراء، والبرد والجوع اللذان يواجههما هما ضريبة حرة يختار دفعها بكامل إرادته مقابل ألا ينحني لمدير أو يرتعد أمام صاحب بيت. استلقى على فراشه من القش الجاف، وأغلق عينيه مطمئنا. اختار أن يكون جزءا من شريعة الغابة، كائنا بريا يعيش ويموت في صمت، متمسكا بحريته البدائية حتى الأنفاس الأخيرة. مرت السنوات كأنها فصول في حلم طويل، ولم يعد هناك ما يربط عبد القادر بالزمن البشري سوى تساقط أوراق الخريف واكتساء الأرض بالبياض في الشتاء. تحول جسده بالكامل، بشرته لفحتها الشمس حتى صارت بلون لحاء شجر السنديان، وشعره ولحيته طالا واشتعل فيهما الشيب ليحاكيا رغوة الجداول الجبلية في الشتاء، بينما غارت عيناه في محجريهما لتكتسبا حدة وعمق نظرات الصقور. نسي الحروف والكلمات، فالمقاطع الصوتية التي يملأ بها تقاريره الإدارية القديمة تعوضت بهدير الريح، وحفيف الأوراق، وأصوات الحيوانات التي بات يفهم نبراتها ويتحرك بينها كعنصر أصيل من عناصر الغابة، لا كدخيل عليها. في مأواه الذي غدا معزولا ومحاطا بسياج طبيعي من النباتات الشوكية، أنشأ عبد القادر بوغلال مملكته الخاصة القائمة على التآلف لا السيطرة. لم يعد كائنا يبحث عن البقاء فحسب، بل صار جزءا من التوازن البيئي للمكان، نجح في كسر حاجز الخوف والعداء مع أكثر حيوانات الغابة حذرا. بدأ الأمر بنجدته كلبة اليفة مصابة تاهت في رحلة قنص، ليتطور الأمر إلى ألفة غريبة. أصبحت الكلاب تأتي إلى محيط مغارته ليلا، تنام عند أطراف بقايا ناره في سلام، أنجبت الكلبة التي عالجها من كسر في الساق ثمانية جراء ، أطلق عليها أسماء أعدائه القدامى، يراقبها تلعب وتتعارك برفق، حين اشتد عودها ترافقه في جولاته بين الأشجار كحراس صامتين يفهمون إشارات يده الخشنة. تحول سقف مأواه وأغصان الأشجار المحيطة به إلى محطة استراحة مأهولة لطيور الحمام البري، والبوم التي بنت أعشاشها في شقوق الصخور. صار يجمع لها بذور النباتات والدرنات البرية ويقدمها لها في أوان طينية صنعها بنفسه، حتى أصبحت تحط على كتفيه ويديه دون خوف، وتملأ فضاء عزلته الصامت بترانيم بدائية تعوضه عن كل موسيقى الأرض. على الجانب الآخر، وبمحاذاة تخوم الغابة حيث يلتقي عالم الوحشة بعالم البشر، كان رعاة الغنم ينسجون حوله حكايات عن كونه انسان ممسوخ تسكنه العفاريت، يظهر ويختفي وتشتعل النار من حوله. لم يعد أحد يذكره باسم عبد القادر الموظف، صار يعرف في لغتهم "حارس الغابة" أو "سيد السنديان". يتناقل الرعاة الشباب، وهم يتحلقون حول نيرانهم ليلا، حكايات عن طيف بشري يظهر مع ضباب الفجر، محاطا بالكلاب وتتبعه أسراب الحمام، يلمحونه من بعيد فوق المرتفعات الصخرية، وحين يحاولون الاقتراب منه يختفي بين الأحراش كأنه تبخر في الهواء. تحول في معتقدات أهل القرى المجاورة إلى احمق ، مخلوق غريب الاطوار يحمي الغابة. صار الرعاة الكبار يتركون عند الصخور القريبة من ممراته بعض قطع الملح للمواشي، أو أثوابا صوفية قديمة، لا يجرؤ أحد على سرقتها، لعلمهم أن "رجل الثعالب" سيمر ليأخذها، وأنه في المقابل يترك لهم أحيانا علامات على مسارات المياه الجوفية أو ينقذ مواشيهم الضالة في الوديان المنحدرة. في ليلة مقمرة، جلس عند مرتفع صخري يطل على الغابة المترامية الأطراف. وضع يده فوق رأس كلب هرم ،هزيل، عظام القفص الصدري تبدو بارزة، فهم انه يصارع سكرات الرحيل الى العام الاخر، بينما كان طائر بوم جاحظ العينين يستقر على غصن قريب يراقبهما في صمت. نظر بعيدا نحو الأفق حيث تلمع أضواء المدينة البعيدة كشرارات صغيرة محبوسة في زجاج، تذكر وجوه الأولاد والزوجة، الإحساس بالحرية أقوى من علاقات الدم. لم يشعر تجاههم بحقد، ولا بحنين، ولا بأي رغبة في العتاب. كانت العائلة بالنسبة إليه طيفا خياليا مزعجا، قدم لهم سنوات من عمره، كافح وقاتل وحفر في الصخر ليؤمن لهم مستقبلا، جاع ليأكلوا وتعرى ليلبسوا، كان أبا حنونا ودافئا ومتفهما، لكن الحياة الصعبة مزقته من الداخل إربا إربا، الصراعات المستمرة حولته إلى لا شيء، صراع بين الذات والمرحلة وأدوات الصراع شتت عقله. المدينة مجرد مقبرة قديمة للموتى الأحياء، وسط الجوع والبرد وبصحبة كائناته البرية، يعيش أخيرا حياته الكاملة، حرا كالأشجار، وعميقا كجذورها الضاربة في عتمة التراب.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
-
الافعى ذات السبعة رؤوس
-
ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
-
البداية : ظهور السيدة قطام
-
احاور جنازتي من فوق المحمل
-
محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
-
خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
-
خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
-
خوكم بوحمارة
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
-
زقوم كرة القدم الحلقة (9)
المزيد.....
-
بيت المدى يستذكر -أبو سرحان- ابرز شعراء الاغنية السبعينية
-
-7 دوجز-.. فيلم استثنائي أم نسخة معربة من هوليوود؟
-
رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية وال
...
-
هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من
...
-
-مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف
...
-
فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
-
6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل
...
-
تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس
...
-
تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط
...
-
بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|