|
|
بائع الوجبات وانكسار الصمت
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 23:52
المحور:
الادب والفن
تحت شمس الظهيرة اللافحة، يقف مصطفى الزميط خلف عربته المتواضعة لبيع المأكولات الخفيفة، يغالب تعب السنين بابتسامة متكلفة، مدفوعا بمسؤولية إعالة زوجته وأبنائه الذين ينتظرون عودته كل مساء بقوت يومهم. حياته تدور في حلقة مفرغة من العمل الشاق والأمل في غد أفضل، حتى جاءت تلك اللحظة التي قلبت كيانه. كان مصطفى يقلب أقراص العجين على صفيح العربة الساخن، الدخان يتطاير في الهواء، بزبناء يجلسون على صناديق بلاستيكية فارغة، وآخرون ينتشرون فوق الرصيف، يبتلعون بشهية وجبات متنوعة، نقانق وفلفل و باذنجان، وسمك مشوي على نار هادئة، سلطة طماطم وفلفل سوداني حار، اهتز هاتفه القديم بالرنين، اتصال من رقم مجهول. تردد قليلا وضغط الزر ، سمع صوتا غريبا يهمس بكلمات نزل وقعها على قلبه كالصاعقة
-عد إلى بيتك فورا، زوجتك أدخلت عشيقها إلى فراشك. - من معي...؟ - فاعل خير
دارت به الدنيا واحس بحرارة ترتفع في الجسم، قطرات العرق تهبط باردة من الابطين رغم الجو البارد، ترك العربة في عرض الشارع، ركض نحو المنزل لاهثا، الأرض تضيق ،في الطريق توقف برهة، اتصل بالشرطة، الصوت يرتجف بين الغضب والذهول، وصل إلى العتبة في اللحظة التي كانت فيها دورية الشرطة تطوق المكان ، دقات القلب المتسارعة، فتح الباب لتنكشف الحقيقة المرة، الزوجة وعشيقها في وضع فاضح، في ثوب آدم، انطفأت في عينيه بريق الحياة، ساد صمت مطبق لم يقطعه إلا صوت الأصفاد تطبق على معصمي الخائنين. حملا في سيارة الشرطة الى المخفر، حررت المحاضر، بدأت الإجراءات القانونية، الأيام تمضي نحو جلسات المحاكمة، يتجرع مرارة الخيانة ويلملم شتات أبنائه الصغار الذين أصبحوا ضحية لقرار الزانية، وقف أمام القاضي. تطلع إلى سحنات الزوجة ،تنظر إلى الأرض بانكسار، تذكر وجه الابناء السنوات التي قضاها في الكدح من أجلهم. بصوت خافت ويد ترتجف، قدم مصطفى تنازلا مكتوبا عن متابعة ام الاولاد. لم يكن قراره غفرانا للذنب، انما لكي لا يحمل أبناؤه وصمة أم عاهرة مسجونة، انه الملاذ الوحيد المتبقي لهم في هذا العالم القاسي. مصطفى الزميط رجل لطيف وقنوع بنى وجوده كله على فكرة العيش بسلام. ويدفع العربة كل صباح أثقل من الحديد، محملة بكرامته ووعوده لبيته الذي تركه خلفه ليحمي أمانه. جاء الاتصال العاصفة، اهتز الهاتف في اليد، اهتزت الأرض من تحت الأقدام ،أصبح كتلة من الذهول البارد. في الطريق إلى البيت، لم يكن يركض، غرق في دوامة من التساؤلات القاتلة ، الصدمة لم تكن المشهد الفاضح بحد ذاته، انه ذلك الانكسار الداخلي الذي أصابه حين رأى الزوجة الخائنة ،الوطن الصغير غريب تماما. تحول غضبه البركاني إلى حزن وجودي ثقيل. رأى في العيون الخيانة وضياع العائلة التي نذر لها العمر ، قاعة المحكمة باردة، تفوح منها رائحة الورق القديم وقلق المتهمين، رائحة العرق والضجيج. جلس مصطفى في المقعد الخشبي المتهالك، اطلق صريرا، جسده يبدو أصغر من المعتاد، كأن السنين التي قضاها في الكدح تبخرت، تاركة وراءها هيكلا عظميا لرجولة مهشمة. حين نودي على الزوجة، دخلت مطأطأة الرأس، خصلات شعرها المبعثرة تحجب وجهها، تلاقت عيناهما، لم يجد في عينيها ندم القديسين، إنما وجد انكسارا هزازا يوما ما سكنه. توقف الزمن، وخيم صمت متقطع. القاضي، المحامون، همس الحاضرين.. كل شيء تلاشى في ضباب رمادي. مد مصطفى يده نحو الورقة التي أمامه. لم تكن مجرد تنازل، قطعة من جليد تتأرجح بين أنامله. تتضمن جملة واحدة، أتنازل عن حقي في المتابعة، حماية لأبنائي. نظر إلى القاضي، ثم عاد بنظره إلى زوجته. في أعماقه، كان هناك صرخة مكتومة.
- أنا لا أغفر لك، أنا أدمر نفسي لأمنع الحقيقة من الوصول إليهم.
حين أطبق أصابعه على القلم، لم يكن يوقع بيده، كان يوقع بقلبه الذي تمزق. ضغط على الورقة حتى أبيضت مفاصل أصابعه، وكأنه يحاول خنق الجريمة قبل أن تخرج للعلن. صمت جنائزي خيم على القاعة، صمت لم يقطعه إلا صوت احتكاك سن القلم بالورق، كان يشبه صوت سكين تنحر ما تبقى من طمأنينته. عندما دفع الورقة نحو كاتب الجلسة، شعر ببرودة غريبة تسري في عموده الفقري. لم يلتفت للوراء، خرج من القاعة بخطوات ثقيلة، تاركا وراءه مصطفى القديم، الرجل الذي يبيع الستر في وجبات الطعام، ليخرج إلى الشارع رجلا بلا وجه، وبلا ذاكرة، وبلا غد يمكنه أن يثق به. لقد ذبح كبرياءه أمام الجميع، لا لينقذ زوجته، بل ليغلق الباب على عورة ستلاحق أطفاله إلى الأبد. الصراع بين الكبرياء الجريح والابوة لا تزال الأقوى تنبض بالوفاء . حين وقع ورقة التنازل، لم يوقعها من أجل الخائنة، وقعها ليغلق جرحا مفتوحا في ذاكرة الاطفال. ذبح انتقامه الشخصي على مذبح مستقبل الابناء. خرج من المحكمة يعلم أن حياته تلاشت، الستر الذي يبيعه للناس في وجبات الاكل ضاع ، قرر أن يحمل عبء الضياع ، ليظل الجدار الأخير الذي يتكئ عليه الابناء، القلب تهشم تحت ثقل الصمت والتضحية. لم يكتف بتقديم التنازل، جدران البيت تفوح برائحة الخيانة، مارس دور الأم والأب معا، كاتما حجم الهزيمة التي سكنت الروح ، بعد جولة المحكمة المرهقة والشاقة، عاد الى الحياة الطبيعية في محاولة لإعادة ترتيب حياة تمزقت ،يستيقظ قبل الفجر، يعد شطائر المدارس للاطفال، يسرح شعورهم بمساعدة البنت البكر، يملأ بالكلمات الحنونة الفراغ المهول . الصمت يجلد المخيلة باستمرار . يرى في عيون الابناء تساؤلات خجولة عن غياب الأم، يواجه الاسئلة بابتسامة متعبة، مخبرا إياهم بأنها في رحلة طويلة أو في مكان آخر، حماية من حقيقة قد تقتل البراءة، ابنته الكبرى تنظر اليه باستغراب كبير، تعرف الحقيقة لكنها تلتزم الصمت. في الليل يقضي وقته الخاص في مواجهة الذات.ينام الأطفال ، يقف أمام مرآته، يواجه الرجل الغريب الذي أصبح عليه. الخيانة التي عفا عنها في المحكمة لم ترحل من دماغه بسهولة، يصارع نوبات من المرارة والألم، يضطر أحيانا لتمزيق ثيابه من شدة الحنق في الغرفة، يقوم في الصباح التالي يمسح وجهه بالماء، ويرتدي قناع الصبر ليخرج نحو الشارع بحثا عن لقمة العيش. لا يبيع المأكولات الخفيفة ليقتات، وانما ليشتري للابناء يوما آمنا، يبني لهم مستقبلا . أدرك أن البطولة الحقيقية ليست في الانتقام، بل في القدرة على إطعام أطفال بابتسامة، القلب يتضور جوعا إلى الحقيقة والسكينة. من يوم الفاجعة عاش حياة مزدوجة، يضحك في وجه الزبائن ويرعى الأبناء، وأخرى تقف بصمت ووقار أمام جرح لن يندمل أبدا، مكتفيا بأن يظل في نظر أطفاله بطلا لم يخذلهم، ويعرف ان ثمن الصمود باهظا للغاية. في إحدى الليالي، عاد من يوم شاق الى المنزل، الابن الأصغر ذو السبع سنوات يجلس على طرف السرير يراقب والده يلملم ملابسه المبعثرة. الصمت في الغرفة ثقيل، يقطعه صوت عقارب الساعة. اقترب الابن ببطء، وضع يده الصغيرة على يد والده الخشنة من أثر العمل، وسأل بصوتٍ خافت:
-بابا.. لماذا لا تأتي أمي معنا؟ هل سافرت ام ذهبت عند خالتي رحمة
تجمدت حركته واحس بارتجاف في الاطراف وغصة في الحلق. شعر وكأن خنجرا غرز في القلب. ابتلع الريق، أغمض عينيه للحظة ليطرد خيالات اليوم المشؤوم من المخيلة. التفت إلى الطفل بابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، وقال بصوت متحشرج:
-لا يا بني، لم تسافر ولم تذهب عند خالتك.. لكن الحياة أحيانا تضعنا في دروب مختلفة، والأم أحيانا تحتاج لأن تذهب بعيدا لتستريح.
- لكنني رأيتك تبكي في الليل حين تظن أننا نائمون. هل هي التي تجعلك تبكي؟ هل نحن لا نكفي يا بابا
أصر الصغير بعفوية الأطفال القاسية في اعادة السؤال اكثر من مرة ،في تلك اللحظة، شعر أن قناعه بدأ يتصدع. نظر إلى وجه الابن الصغير، ورأى فيه ملامح الزوجة التي أحبها، وتلك التي خذلته. كان الصراع يمزقه ،هل يخبره بالحقيقة فيتحطم عالم الطفل...؟ أم يستمر في الكذب ويغرس في ابنه فهما مشوها للواقع، يعرف ان الحقيقة سيسمعها عند الاتراب وفي الشارع. مسح على رأس الابن، وقال بصوت يملؤه الأسى المختلط بالحب.
-يا بني، الدموع لا تعني دائما الحزن، أحيانا تكون مجرد غبار عالق في العيون. أنا لا أبكي بسبب أحد، أنا أبكي لأنني أخشى أن يمر يوم ولا أستطيع فيه أن أجعلكم سعداء. أنتم كل ما أملك، وبدونكم، لا يصبح للبيت جدران.
لم يقتنع واستسلم لنبرة والده الدافئة، نام في حضنه. ظل مستيقظا طوال الليل، يراقب وجه الطفل الساكن، ويفكر في الحقيقة التي يحملها كسر قاتل ومنع إخوته الكبار من نقلها للصغير. أدرك حينها أن تضحيته لم تكن فقط في التنازل عن حق قانوني في المحكمة، وإنما في التنازل اليومي عن حقه في البوح، وفي تحمله لأسئلة أطفاله التي تنبش جرحه كل يوم، ليحمي براءتهم من وحشية العالم الذي اكتشفه. بعد مرور أسابيع على جلسة المحكمة، عاد إلى زاوية الشارع المعتادة. لم تكن نظرات الناس كالسابق، فقد تبدلت الشفقة إلى شيء آخر أكثر قسوة الاحتقار, يمشي في الزقاق، يسمع همسات الجيران تتساقط عليه كالحجارة. لم تكن كلمات صريحة، نظرات جانبية معاتبة، ابتسامات خبيثة تتبادلها النسوة عند العتبات، وإيماءات بالرأس توحي باشياء كثيرة.
- الرجل الذي يصفح عن خيانة زوجته لا يملك في دمه ذرة من الرجولة
كلمة ديوث لم تقل في وجهه، يقرؤها في عيون الرجال الذين كانوا يحيونه باحترام، صاروا يتجنبون النظر في عينيه، أو يكتفون بإلقاء التحية ببرود متعال. في ذلك المساء، اقترب منه أحد معارفه القدامى، وقف أمام العربة، نظر إليه نظرة ملؤها الازدراء، ثم بصق على الأرض وقال بصوت مسموع للمارة. -المرء يأكل في الشارع، لكن لا ينسى شرفه في البيت.. التنازل عن حقك ليس شهامة يا مصطفى، إنه سقوط في الوحل
شعر بدمائه تغلي في عروقه. قبض على مقبض عربته الحديدي بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه. الفرصة سانحة ليرد، يوضح أنه لم يتنازل ضعفا، لكن حماية لدمه والابناء، أنه يحمل جبلا من الألم على ظهره لا يتسع له فهمهم المحدود. ببطء شديد أرخى قبضته. نظر إلى السماء، ثم التفت إلى الرجل بهدوء مخيف وقال
-الكرامة يا سيد جعلان، ليست في صراخ يملأ الحارات، بل في بيت يظل مستورا، وفي أطفال ينامون دون أن يحملوا عارا صنعته أيادي الكبار. إذا كان صمتي يراه الناس خيانة لرجولتي، فليكن.. المهم أنني في نهاية اليوم أعود لأحضن أبنائي، ولا أتركهم يتسكعون في الشوارع ضحايا لسمعة أمهم.
تركه ومضى دافعا عربته وسط نظرات قاسية لم تتغير. يعلم الآن أن المجتمع لا يرحم، وأن ثمن الستر الذي اشتراه للأطفال يدفع من رصيد كرامته أمام الناس. وحده الجندي المتقاعد بوعزة الضو ظل يزوره باستمرار، يواسيه، يخفف عنه طعنات الغدر، وللمرة الأولى منذ الحادثة، شعر بانتصار داخلي هادئ. لم يعد يكترث للأعين الخبيثة، أدرك أن البطولة الحقيقية في العالم القاسي لا تقاس بما يراه الناس، بل بما يدفعه الإنسان من روحه ليحمي أغلى ما يملك. ألسنة الناس تنهش في سمعته، قلبه يمتلئ بسلام غريب، سلام الأب الذي رضي أن يكون المتهم في نظر المجتمع، ليكون الحامي الوحيد لأطفال في واقع لا يعرف الرحمة. لم يكن الجيران وحدهم من ينهشون في سمعته، بل تسللت الشكوك حتى إلى داخل دائرته الضيقة. في تلك الأمسية، يتناول الشاي في مقهى متواضع، بادر أحد معارفه الذي يدعي زروق بالقول بنبرة مسمومة.
- يا مصطفى، اسمع مني.. الناس لا يتحدثون من فراغ. انظر إلى أطفالك جيدا، ملامحهم بعيدة كل البعد عن ملامحك. اتق الله في نفسك وقم بإجراء تحليلات طبية، تأكد أولا إن كنت قادرا على الإنجاب، فربما تكون قد عشت عمرا تقتات على خداع لا يخصك.
كلمات سكاكين تبقر البطن والروح، جرحت ما تبقى من استقراره النفسي. لم يشعر بالغضب هذه المرة، شعر ببرودة قاسية وخواء في الروح. لم تكن المسألة مجرد تشكيك في الرجولة . انما طعنا في الأبوة ، في تلك الرابطة المقدسة التي كانت عزاءه الوحيد وسط الدمار. عاد إلى البيت تلك الليلة مهموما تفترسه الظنون، وقف أمام الابناء وهم نيام. امعن النظر في تقاسيم الوجوه، بحث عن أثر لنفسه في عيونهم، في شكل أنوفهم، في طريقة نومهم. هل عاش كذبة كبرى؟ هل سهر الليالي من أجل أطفال ليسوا من صلبه؟ توقف عن دفع العربة. توجه إلى مختبر طبي، قدماه متعبة ثقيلة ، وروحه معلقة بحبل مشنقة. دخل الغرفة البيضاء، وأعطى العينات المطلوبة شاعرا بضياع وجودي، فلو أثبتت التحاليل أنه لا ينجب، سينهار آخر جدار يستند إليه. ورقة المختبر في يده كأنها قطعة من جليد لا تذوب، بل تحرق، كلمة "عقيم" لم تكن مجرد تشخيص طبي، بل كانت حكم إعدام لكل الذكريات، لكل تعب خمسة عشر عاما، لكل شطيرة باعها ليشتري لهم بها ثوبا أو دواء. تحول العالم في عيني مصطفى إلى مرآة مهشمة. عاد إلى البيت مهموما، لم يعد يدخل كأب عائد من عمله، غريب اقتحم مكانا لا ينتمي إليه. نظر إلى وجوه الأطفال الذين يراهم بالأمس امتدادا لروحه، فأصبح يراهم الآن دليلا حيا على خيانة طويلة الأمد. كل ضحكة كانت تملأ البيت، وكل كلمة "بابا" كانت تتردد في أرجائه، تحولت في عقله إلى صدى ساخر يستهزئ بسذاجته.
تحطم مجداف الزورق ولا يمكن إصلاحه. لا يرى فيهم أبناءه، رأى فيهم أبناء الغريب، وجسدا حيا لكل لحظات الغدر التي مرت بها زوجته في غيابه. الصمود الذي تحلى به في المحكمة، وتلك التضحية التي جعلته يتقبل نظرات الشماتة من الجيران تبخر فجأة، شعر أن التنازل صون لكرامته، لم يكن سوى خديعة كبرى، وأنه يغذي الخيانة بيده، ويدفع ثمنها من عمره ومن كرامته. جلس في الزاوية المظلمة من البيت، يراقب الأطفال وهم نائمون. كانت يداه ترتجفان بعنف. لم يكن غضبه موجها نحوهم ،في نهاية المطاف هم ضحايا، موجها الغضب نحو "الرجل" الذي تشرب الخديعة لسنوات، الساذج الذي صدق أن التضحية وحدها تكفي لتبني عائلة.
في رأسه تتصادم الأفكار كالجحيم، خمسة عشر عاما من الكدح؟ من أجل من؟". انقلبت الرحمة إلى شعور بالانفصال التام. احس ان الأرض انشقت تحت قدميه ، سرقوا الابوة، سرقوا الذكريات، سرقوا الانسانيته التي دفعته للغفران. لم يعد الرجل الذي يبيع المأكولات الخفيفة بابتسامة.نظر إلى جدران البيت الذي قدسه، فكر بصوت مسموع أنها جدران سجن بنته الزوجة ببراعة، وأحكمت إغلاقه بخدعة استمرت لسنوات. خرج من الغرفة تاركا وراءه الاطفال الذين ناموا بسلام، في الشارع الطويل واجه حقيقة مريرة، أنه ليس أبا مخدوعا، انما رجل فقد هويته التي بناها على وهم دام طويلا. لا بكاء هذه المرة، ولا غضب يفرغه في الشارع. فقط صمت جنائزي، صمت رجل ماتت فيه الاحاسيس، وبدأ بداخله انسان اخر يتشكل، لا كأب محب، انما غريب يبحث عن طريق للخروج من متاهة لا نهاية لها. تلاطمت الأفكار في رأس مصطفى كأمواج هائجة في ليلة عاصفة. لم تعد الغرفة تتسع لثقل الحقيقة، فكل زاوية فيها كذبة استمرت خمسة عشر عاما. الخيارات تتصارع في عقله لم تكن مجرد قرارات، بل كانت محاولات مستميتة للنجاة من جحيم كرامته المهدورة. فكر في الهروب. يترك العربة في منتصف الطريق، يغادر المدينة تحت جنح الظلام، يختفي في زحام المدن الكبرى حيث لا يعرفه أحد، ليطوي صفحة الأب المخدوع، يبدأ حياة لا رائحة للخيانة فيها، وفي أعماق الروح المشروخة، يعلم أن الهروب اعتراف بالهزيمة، وسيظل يحمل عار الخديعة في الدم. فكر في القضاء. رفع دعوى قضائية، يكشف المستور، أن يواجه الخائنة في المحكمة ويشهد الناس على براءته من النسب. تخيل نظرات المجتمع التي ستتحول من الشفقة إلى الشماتة الفاضحة، وتخيل الابناء يتحولون إلى مادة دسمة في مجالس النميمة. لايريد أن يصلب على أعمدة الفضائح. وسط الضجيج الفكري والامتعاض، ولدت فكرة أكثر قسوة وأشد برودا، فكرة بدت له طريقا وحيدا لـغسل العار وخنق الخديعة، المواجهة الصامتة. نهض من مكانه، الحركات ثقيلة، كل خطوة تخطوها قدماه تزن أطنانا من الألم. اتجه نحو المطبخ، أحضر كوبا من الماء، وقف أمام الباب الذي يفصل بينه وبين الحياة السابقة. لا يريد الطلاق الذي سيفتح أبواب الفضيحة، ولا الهروب الذي سيلصق به تهمة الجبن. قرر في تلك اللحظة أن يغير قواعد اللعبة تماما. الخديعة التي عاشها يجب أن تدفن معه، لا أن تنشر في أروقة المحاكم. قرر أن يحول حياته إلى سجن له ولها، ليس بالضرب أو الصراخ، بل بجعلها تعيش تحت وطأة نظراته . أراد أن يحول البيت إلى مساحة من الصمت المطبق، حيث يراقبها وهي تعلم أن شيئا قد كسر للأبد، وأن سرها الذي ظنت أنه دفن، صار يعيش معهما في كل لحظة. قرر أن يغسل العار بـالتجاهل المميت. أن يعامل هؤلاء الأطفال لا كأبناء، غرباء يعيشون في بيته. لن يطرد أحدا، لن يشتكي لأحد، لن يمنح المجتمع فرصة للفرجة عليه. سيصبح غريبا عنهم، سيصبح الرجل الذي لا يرى ولا يسمع، وفي الداخل يراقب كيف تتلاشى الأمومة الزائفة أمام نظراته الباردة التي تشبه الصقيع. شعر في قرارة نفسه انه الوسيلة الاقوى لخنق الخديعة الحقيقي، أن يظلوا في البيت، ولكن بلا روح، بلا دفء، وبلا كذب. قرر أن يجعل من حياته مقبرة لكل ما حدث، يتركهم يعيشون مع ضميرهم تحت ظله الذي لم يعد يمنحهم الأمان، انما يمنحهم الوجود في صمت خانق. قرر أن يكون الجلاد والضحية في آن واحد، ويدفن الحقيقة في أعماق صدره، ليحمي بقايا وشظايا الستر الذي ظن يوما أنه قدسه، ليكتشف في النهاية أنه كان يحمي عشا من الأفاعي. تحول من رجل يصارع الألم إلى كائن تحركه غريزة التطهير الباردة. لم يعد البيت بالنسبة له ملاذا، انما ساحة حرب نفسية صامتة، تحولت فيها الخيانة إلى ورم لا ينمو إلا باستئصاله، غابت الابتسامة عن وجهه، وحل محلها قناع من الجمود، وبدأ عقله يغوص في دهاليز البحث عن الخلاص النهائي. توقف عن التفكير في الهروب أو القانون، القانون في نظره لا يغسل العار، والهروب لا يمحو أثر الكذبة من ذاكرته. بدأ ليله بالتنقيب في عتمة الإنترنت، يقرأ عن الموت الهادئ، وعن المواد التي لا تترك أثرا، وعن الأخطاء التي تقع فيها الجرائم غير المتقنة. بين كل تلك المواد التي قرأ عنها، برز سم الأفاعي استقر في ذهنه كفكرة شيطانية كاملة. بدأ يدرس طبيعته، كيف يتسلل إلى الدم، كيف يوقف عمل الأعضاء ببطء، وكيف يبدو في التقارير الطبية كأنه سكتة قلبية مفاجئة أو خلل وظيفي حاد. لم يعد الرجل الذي يبيع المأكولات الخفيفة، تحول الى صيدلي للموت في مختبر منزله المهجور من الدفء. يراقب الخائنة تتحرك في البيت، تحضر الطعام، تتحدث مع الأطفال، يراها في عينيه ككائن غريب يحتل مساحة لا يستحقها. لم يعد يشعر تجاهها بأي كره شخصي ، تحول الكره إلى نوع من الواجب. يخطط للأمر وكأنه هندسة معمارية دقيقة. تسائل في قرارة النفس الامارة بالسوء.
-كيف يضمن أنها ستمتص المادة دون ارتياب؟ كيف سيمثل دور الأرمل المكلوم أمام الجيران الذين احتقروه، ليحول الشماتة إلى تعاطف؟
يلمس زجاجة صغيرة في جيب المعطف ،زجاجة فارغة ينتظر أن تملأها الأقدار ويشعر أن كل سم في العالم أهون من مرارة العيش مع كذبة استمرت خمسة عشر عاما. لم يعد يرى نفسه قاتلا ، يرى نفسه منظفا للقذارة في منزل دنسه الغدر. يتحرك في البيت كالشبح، يبتسم ببرود، ويعد الطعام، ويداه اللتان تصنعان لقمة العيش لكرامته تتهيآن الآن لتنفيذ حكم اعدام. أعد العدة في سرية تماة، ورسم الطريق، وأغلق كل منافذ الرحمة في قلبه. تحول في تلك الايام العصيبة والثقيلة من رجل يخطط بيده إلى مدبر في الظل. تراجع عن فكرة السم لم يكن تراجعا عن الجريمة، انما اعترافا بضعفه أمام ثقل الدم المباشر، فقرر أن يستأجر يدا أخرى تنهي ما بدأه الكذب. عقد الدم في زاوية الشارع ، شاب لا يتجاوز عقده الثاني، منحرف خبر السجون اكثر من مرة، دار بينهما حوار قصير، فكر الشاب ان ثمن الوجبة دفع مسبقا، ظل المذبوح منكمشا في زاوية غرفته المظلمة، لا يضيئها سوى وهج شاشة هاتفه النقال، يتفرج في لقطات إباحية ، يداه ترتجفان، ليس من البرد، و إنما من الاحتياج القاتل الذي ينهش العظام. لا يرى أمامه سوى جرعة المخدرات، لإطفاء الألم الداخلي المتصاعد، لفافة واحدة تعيد إليه التوازن وتصفو الأشياء من حوله، وسيلة للهروب من الواقع إلى سجان لا يرحم. الساعة تجاوزت الثالثة صباحا حين أعاد في المخيلة مخطط الزميط، العجوز يريده إن يقتل الزوجة اللعوب. دارت في الدماغ صورة الرجل الذي يزوده بالممنوعات، مدينا له بمبالغ طائلة. في عقله المشتت، لا مكان للأخلاق أو التفكير في العواقب، عليه أن يعيش، صاحب المنزل يهدده بالشارع، عليه يدفع ما بذمته من شهور الكراء، يرى نفسه بدون قيمة. وحش الإدمان يصرخ في أعماقه، افعل أي شيء، تلك الكلمة التي خرجت اعتبرت اتفاقا، المهمة قتل زوجة خائنة، لم يقتل سابقا ولا عصفور، لم ينزعج ولم يرتجف ولم يرمش له جفن، فاوض الثمن بقوة، سيان لديه سجن الجدران افضل من سجن الحرية. في اليوم الثاني أعطاه الزميط سكينا من الحجم الكبير ، واكل حتى الشبع ، قبض مبلغا أوليا ،مشى منتشيا، راقبه يغوص في ظلمة الليل ، المذبوح يمثل في نظر مصطفى الأداة التي لا تملك ضميرا ولا تتردد. حين جلس أمام العربة في اول يون ، تفحصه جيدا، راى فيه سكينا حادا جاهزا للطعن. لم تكن وجبة النقانق والمشروب الغازي مجرد ضيافة، انما عربونا لاتفاق شيطاني،. يلتهم المذبوح الطعام بشره، راقبه بهدوء وتفحص شديد، حلل ملامح وجهه التي تعج بالقسوة واللامبالاة. همس بكلمات متلعثة حادة، فكر انه يصلح لتنفيذ العملية واقترب منه وهمس ( أريد تأديب امراة.. أريدها أن تختفي من الوجود). ضحك الشاب ضحكة خالية من أي إنسانية، بريق الطمع في عينيه أضاء كل زوايا الجريمة القادمة، لم يتردد كثيرا . (أين؟ متى؟ وكم الثمن؟) سأل المجرم ماسحا فمه ببقايا المرق والدسم. لم يكن يكترث للسبب، فبالنسبة له، الحياة تباع وتشترى بمبلغ معتبر.قال بصوت ثابت بشكل مرعب.
-سادفع لك ما يرضيك.. لكن لا أريد أثرا. أريد أن تموت بالطعنات، - أنا في الخدمة. المنحرفون لا يتركون خلفهم إلا الفراغ .
أجاب الشاب بزهو مريب ونظرات قاسية متفرسا في وجه صاحب العربة، بعد رحيله وقف متسمرا غائبا عن الوعي، لم يعد يرى الزبائن، ولا الشارع. يرى خطة الدم تتشكل في دماغه كفيلم سينمائي بطيء. القتل لم يعد مجرد فكرة، صار مهمة يجب إنجازها. كل مرة يلمس فيها مقبض العربة، يتخيل يد الشاب تنفذ ما اتفقا عليه. كان يبرر لنفسه بفكرة غسل العار. يقول في سره. - مرارة الخديعة لا تعالج إلا بالموت، الخمسة عشر عاما من الزيف يجب أن تنتهي بصرخة واحدة. يعيش يوميا في حالة من الصراع وتانيب الضمير ،هنيهات من الندم والتردد. عيني الشاب والضحكة الخبيثة حاضرة في المخيلة، يرى الزوجة تسقط، يرى نفسه يبدأ حياة جديدة نظيفة من الخديعة، حياة بلا أطفال ليسوا من صلبه، وبلا امرأة خانت الأمانة. يعد الساعات وكأنه ينتظر موعدا للنجاة. وفي زاوية مخفية من عقله، صوت خافت جدا يهمس. - هل ستنتهي الخديعة حقا بموتها؟ أم أنك ستحمل دما على يديك يطاردك في كل زاوية، حتى في فراشك الذي لم يعد ينام فيه أحد...؟
أصبح سجينا في مخطط القتل، يترقب المساء بلهفة وخوف شديد، يترقب اللقاء الذي سيسلم فيه مفاتيح حياته ومفاتيح قدره ، لشاب لا يعرف عن العدالة شيئا، سوى أنها تأتي بقطعة من الحديد أو جرعة من السم. أضواء العربة في تلك الليلة خافتة، ويده تتحرك بآلية مفرطة، تقطع الخبز وتضع الحشوات، عقله في مكان آخر تماما. الزقاق المظلم الذي اختاره المجرم مسرحا للعملية يمر منه الزبائن، في تلك اللحظة كان مقفرا إلا من صدى أنفاس الزوجة. شعرت الزوجة بحركة مريبة خلفها، التفتت لترى ظلا داكنا يندفع نحوها، استمرت في السير. لم تتح لها الفرصة حتى لاستجماع أنفاسها، فاستقرت نصل السكين في ظهرها بقوة وحشية. تبعتها ضربة خاطفة أخرى، قاطعة شريان العنق بدقة جراحية مريعة. لم تكن صرخة، انما خريرا مكتوما، سقوطا مفاجئا لجسد أضحى بلا روح على أرضية الزقاق الباردة، اختفى المجرم تاركا خلفه سكونا لا يقطعه إلا تسارع نبضات ليل المدينة. في تلك اللحظات وقف خلف العربة في الساحة القريبة. صوته يرتفع بكلمات روتينية ينادي بها الزبائن، يده تقلب النقانق على الصفيح الساخن. يحاول أن يظهر بمظهر الرجل الطبيعي ، الرجل الذي يعمل ليكسب قوته، قلبه في سباق مع الموت هناك في الزقاق القريب. اخترق السكون صوت صراخ بعيد، تلاه هرج ومرج. توقف مصطفى عن الحركة، سكنت يده والسكين التي يقطع بها الخبز في الهواء. بدأ الناس يتجمهرون، بدأت أصوات تهمس بكلمات جريمة، امرأة غارقة في الدماء. لم يتحرك ظل متسمرا في مكانه كتمثال من صخر، جاء أحد اطفال الجيران يركض نحو العربة، وجهه شاحب
- السيد مصطفى! أسرع! يقولون إن زوجتك.. لقد وجدوها مطعونة في الزقاق الخلفي!
سقطت قطعة الخبز من يده. لم يشعر بانهيار، بل شعر بـفراغ هائل. وضع يده على مقبض العربة ليسند نفسه، وتصنع ملامح الذعر. بدأ يركض بخطوات مرتبكة نحو موقع الجريمة. عندما وصل، رأى جسدها ملقى، الدماء تشكل نهرا صغيرا يغسل حقيقة الخديعة التي عاشها. نظر إلى وجهها الميت، لم يشعر بالندم، ولم يشعر بالشفقة، بل شعر بـالارتياح. تلك النظرة هي اللحظة التي أدرك فيها أنه لم يقتل زوجته فحسب، بل قتل "مصطفى" الذي يعرفه، وأنه مقبل على مواجهة مع عالم بدأ يضيق عليه، مواجهة لن تكون فيها السكاكين هي الفيصل، بل الحقيقة التي بدأت أطرافها تظهر في عيون رجال الشرطة الذين كانوا يطوقون المكان. وقف وسط الحشد، الأرمل المكلوم الذي لا يعلم أن القاتل لا يزال يراقب من بعيد، ينتظر نصيبه من المال، وأن الخديعة التي أراد وأدها قد ولدت من جديد في ملفات التحقيق التي فتحت لتوها. مرت الشهور تحولت القضية من جريمة قتل إلى ملف بارد في أروقة المحكمة، عجزت الشرطة عن فك شفرتها. ظلت التحقيقات تدور في حلقة مفرغة، المجرم الذي استأجره محترف في التخفي، ولم يترك خلفه أثرا واحدا يقود إليه. تحرر مصطفى من دائرة الاشتباه، وسقط في سجن أعظم واقبح، سجن الذنب الممزوج بالخوف. أصبح الذي رغب في تطهيره من العار مكانا، موحشا، غريبا، يشق على الانفاس ، يسكنه مع أطفال لا يدركون أن والدهم حرمهم من أمهم. بمرور الوقت ادرك أن خنق الخديعة لم ينه معاناته، انما حولها إلى شبح يطارده. الشاب القاتل المنحرف، يظهر أحيانا في زوايا الشارع، يرمقه بنظرات تحمل تهديدا مبطنا، طرق عليه باب البيت مرة، التقت عيناه بابنته البكر، امطرها بكلمات خادشة للحياء، المجرم يعرف أن مصطفى المحرض ،سر قد يبيعه في أي لحظة إذا ما ضاقت به السبل أو قرر الابتزاز. بدأت نظرات الناس تجاه مصطفى تتغير مجددا. بعد أن رموه بكلمة "الديوث" المخدوع، تحول الى الأرمل المسكين الذي ابتلاه الله في زوجته، الجيران يحيطونه بعطف ظاهري، تصرف يغرس في قلبه خناجر من الندم، يرى في عيونهم ثقة لا يستحقها، وفي كل مرة يعود فيها إلى البيت ليجد الأطفال بانتظاره، يشعر أن جدران البيت تضيق عليه. نجح مصطفى في تصفية جراحات الماضي، ووجد نفسه عالقا في حاضر لا يرحم. الغموض الذي اكتنف الجريمة وراه في البداية انتصارا تحول الى أكبر كابوس ، الجريمة المجهولة تعني أن القاتل طليق، وأن الحقيقة لم تدفن، بقيت حية تنتظر لحظة انفجار. في ليلة من ليالي الصيف وقف خلف العربة في ذات الزقاق الذي سقطت فيه زوجته. السماء صافية، روحه ملبدة بغيوم من الكآبة. نظر إلى الأطفال وهم يلعبون في الساحة القريبة، راودته فكرة مرعبة.
-هل سأقضي ما تبقى من عمري أهرب من ظل صنعته يداي...؟
لم يعد يهمه القضاء، ولا المجتمع، ولا كلام الناس. ادرك أن العقاب الحقيقي لم يكن السجن خلف القضبان، انما السجن خلف عينيه، حيث يعيش كل يومٍ تفاصيل تلك الليلة، ويرى في ملامح الأطفال الذين يربيهم وليسوا من صلبه مرآة لعمله الشنيع. أطبق يديه على مقبض عربته الحديدي، أخذ نفسا عميقا، ثم دفع العربة نحو زقاق آخر. بقي القاتل مجهولا في دفاتر الشرطة، وفي دفتر حياته التعيسة، يسكن معه في كل ركن، في كل لقمة خبز، وفي كل صلاة لا يتقبلها ضميره. انتهت قصة مصطفى ليس بانتصار أو هزيمة، بصمت أبدي، صمت رجل اختار دفن الحقيقة تحت قدميه، ووجد نفسه مدفونا فيها، يجر عربته في شوارع المدينة كشبح لا يموت، شاهدا على أن بعض الجراح لا تلتئم، وبعض الخطايا لا تغسلها دماء الضحايا، بل تزداد تعقيدا مع مرور الأيام. لم يكتف القاتل بالمال الذي أخذه، يرى في مصطفى مصدر رزق لا ينضب. في ليلة مقمرة، استدرجه المجرم إلى خلفية زقاق مظلم، تعلو أصوات القطط وتتخفى الظلال. لوح بسيجارة في يده، وابتسامة صفراء لا تخلو من تهديد، قال: -يا مصطفى، المبلغ لا يكفي. أريد ضعف المبلغ.. - ليس لدي مال - تبحث عن المشاكل - لقد أخذت ما يكفي… -يا مصطفى، أنت مجرد جثة تمشي… - عليك الرحيل - اسمع لماذا لا تزوجني ابنتك البكر حتى تظمن ولائي الدائم
تطاير الشرر من عيني مصطفى. تلاشى ذلك الرجل الصبور، الأب المخدوع، والزوج المكلوم، ولم يبق إلا كائن محاصر لا يرى إلا مخرجا واحدا. صرخ مصطفى بصوت مبحوح، اهتزت له جدران الزقاق ، ضحك المجرم باستهزاء وبزهو مريب، الكلمات القبيحة تمطر الدماغ، طعن في الرجولة والشرف، الدم يغلي في العروق، في لحظة خاطفة ودون تفكير، تحركت يد مصطفى كأنها أفعى مباغتة. سكين طي صغيرة يخبئها دائما تحسبا للحظات المشابهة. بضربة واحدة مباغتة، صامتة، موحشة، غرز النصل في قلب القاتل.اتسعت عينا المجرم، تراجع خطوة إلى الوراء، حاول أن يصرخ، لكن الدماء خنقت الحنجرة. سقط أرضا، وبدا الزمن متوقفا. نظر مصطفى إلى يده الملطخة بدم القاتل، القىى نظرة متفرسة إلى وجهه الذي بدأ يفقد بريقه، لم يشعر إلا ببرودة مطلقة تغزو جسده. جلس على مقربة من الجثة، السكين لا تزال في يده. لم يهرب، ولم يرتجف. شعر بـراحة غريبة، السلاسل التي قيدته منذ مقتل زوجته تكسرت أخيرا. أدرك أن الدائرة قد أغلقت بالكامل ، الخيانة دفنت في الزقاق الأول، والابتزاز دفن في الزقاق الثاني، بانتظار العدالة التي هرب منها. أخرج سيجارة ، أشعلها ووضعها في فم المجرم القتيل، ثم أخرج هاتفه واتصل بالشرطة. صوته هادئا، رخيما، خاليا من الالم,.
-تعالوا إلى الزقاق المحاذي للسوق الشعبي . قتلت شابا.. وأريد أن أنتهي.
وضع الهاتف، استعاد في الذاكرة صور ابناء لم يكونوا من صلبه، احبهم بصدق. ابتسم بمرارة، أغمض عينيه بانتظار صافرات الشرطة التي بدأت تقترب، معلنا بذلك نهاية رحلة بدأت بالاخلاق وانتهت بـالمزيد من الدم . استعاد في المخيلة جراة القاتل، تجرأ على أقدس ما يملك. اقترب منه في الزقاق المظلم، همس بكلمات كأنها رصاصات استقرت في العظام - المال لم يعد يطعم جوعي يا مصطفى.. ابنتك البكر، تلك الزهرة التي تمشي كل صباح إلى المدرسة.. سأخطفها، ولن أكتفي بذلك، سأفعل بها ما لا يخطر على بالك في وسط الشارع، ليعلم الجميع من هو أبوها الحقيقي,
تلاشت كل معالم الحياة في وجه الاب. لم يعد هناك صراع نفسي، ولا تردد، ولا حساباتٍ للمصير. في تلك اللحظة تحول من بائع مأكولات هادئ ولطيف إلى وحش كاسر لا يرى أمام عينيه سوى صورة الابنة في خطر ، ظل يردد امام عشرات العيون المتفرجة .
- قتلته نعم قتلته حاول انتهاك عرض ابنتي..
وصلت سيارات الشرطة، ضوء المصابيح يقطع عتمة الزقاق، وجدوا مصطفى جالسا بوقار، وجهه لا يحمل ندما، بل يحمل ملامح أب انتهى من مهمته الأخيرة، رمق بنظرة استعطاف جاره بوعزة الضو، حرك راسه دليلا على الثقة، وضع يده على القلب. اقتادوه إلى السيارة، بينما كان يلقي نظرة أخيرة على سماء المدينة. غادر الزقاق تاركا خلفه ذكريات اليمة، ساد الصمت بعد الاعتراف بتفاصيل الجريمة والدوافع، صمت جنائزي لم يقطعه إلا صوت إغلاق أبواب الزنزانة، معلنا نهاية مصطفى الزميط، الرجل الذي عاش يبيع المأكولات الخفيفة، وحمل ثقل أسرار ثقيلة،وما ظنه حماية شرفه الأخير.
انتهت بتاريخ 21-06-2001
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
-
الافعى ذات السبعة رؤوس
-
ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
-
البداية : ظهور السيدة قطام
-
احاور جنازتي من فوق المحمل
-
محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
-
خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
-
خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
-
خوكم بوحمارة
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
المزيد.....
-
من قال لا لفيلم -نعم-؟ انسحاب ناداف لابيد من مهرجان مرسيليا
...
-
في مالمو / السويد تقيم معرض للفنان التشكيلي هادي الصكر
-
-بعيون شابة-.. بغداد تحتفي بأفلام توثق قصص الأهوار والتغير ا
...
-
كوثر بن هنية: السينما سياسة والغرب يستهلك مآسي الجنوب
-
الملكة صوفيا تصنع التاريخ أمام ليون الرابع عشر باستعادة امتي
...
-
تضارب في الروايات الإسرائيلية عقب عملية تسلل واشتباك على الح
...
-
-دليل جرائم القتل من فتاة صالحة- 2.. موسم أكثر نضجا يعيد اكت
...
-
-ليلة عسل-.. مصطفى غريب يقدم أولى بطولاته المسرحية في السعود
...
-
موعد انطلاق عروض الفيلم الكوميدي الرومانسي -الكراش-
-
نيللي كريم تبدأ تصوير دورها في فيلم -الفيل الأزرق 3-
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|