أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أبية الريح - سفر النفس إلى شوقها الأول(5)














المزيد.....

سفر النفس إلى شوقها الأول(5)


أبية الريح
كاتبة ، صحفية ،قاصة ، ناشطة حقوقية

(Abeia Elrayah)


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 08:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في الكمال المنسي والعودة إلى الذات
______________________________

مرحبًا أيها الإنسان:
قال أفلاطون شيئًا ما تزال النفس تتذكر صداه. ففي محاوراته طرح فكرة أن النفس أسبق من الجسد، وأنها عاينت في عالم المثل حقائق الجمال والخير والعدل في صورتها الكاملة، ثم نسيتها حين هبطت إلى العالم المحسوس. لذلك فإن ما نسميه تعلّمًا هو في جوهره ليس اكتسابًا لشيء جديد بقدر ما هو تذكّر لما كان حاضرًا في النفس على نحو خفي. والمعرفة التي تضيء فجأة في داخلك حين تسمع موسيقى تهزّك أو تقرأ بيت شعر يوقظ شيئًا قديمًا فيك، أفلاطون لا يقول انها مجرد مصادفة؛ انها لحظة تعرّف النفس إلى أثر مما كانت تعرفه من قبل.
وفي محاورة "المأدبة"، تعلّم ديوتيما سقراط درسًا لا يُنسى: الحب سلّم تصعده النفس. تبدأ الرحلة بالانجذاب إلى جسد جميل، ثم إلى الجمال في أجساد كثيرة، ثم إلى جمال النفوس والأفعال والقوانين والمعارف، حتى تبلغ التأمل في الجمال ذاته؛ ذلك الجمال الذي لا يشيخ ولا يتبدل. ويضيف أريستوفانيس إلى هذا التصور أسطورته الشهيرة عن الكائنات المكتملة التي شطرتها الآلهة، فصار كل نصف يجوب العالم باحثًا عن نصفه الآخر. والأسطورة ليست وصفًا حرفيًا للوجود، لكنها تعبير رمزي عن حقيقة إنسانية عميقة: أن في كل إنسان شعورًا بالنقص وشوقًا إلى ما يراه متممًا له، حتى وإن عجز عن تسميته.
أما سقراط، الذي جعل من عبارة "اعرف نفسك" محورًا للفلسفة، فلم يكن يدعو إلى معرفة نظرية أو تعريفات مجردة. كان يدعو إلى مواجهة صادقة مع الذات. فالحياة غير المفحوصة، في نظره، لا تستحق أن تُعاش. والفحص الحقيقي حين تلتفت النفس إلى داخلها وتسأل: من أنا وراء ما تعلمته؟ ومن أكون بعيدًا عن الأقنعة التي فرضتها العادة والخوف وتوقعات الآخرين؟
جاء كارل يونغ بعد قرون ليترجم هذا الشوق إلى لغة علم النفس. فرأى أن الإنسان يحمل في أعماقه عالمًا واسعًا من الصور والرموز والقوى اللاواعية. وعرّف الأنيما بأنها تجسيد العنصر الأنثوي في اللاوعي الذكوري، والأنيموس بأنه تجسيد العنصر الذكوري في اللاوعي الأنثوي. وهما من النماذج البدئية الأساسية في النفس الإنسانية باعتبارهما رمزين لأبعاد نفسية كامنة لا يلتفت إليها الوعي عادة.
ورأى يونغ أن كثيرًا من صراعات الإنسان تنبع من إنكار هذه الأبعاد أو إسقاطها على الآخرين بدل الاعتراف بها. ومن خلال مواجهتها واستيعابها تنشأ عملية "التفرد"، أي المسار الذي تتجه فيه الشخصية نحو قدر أكبر من الوحدة والتكامل. وفي هذا السياق يظهر مفهوم "الاقتران" أو اتحاد الأضداد، حيث لا يتحقق النضج النفسي بإقصاء ما نجهله في أنفسنا، يتحقق بدمجه في وعينا. وهنا يلتقي يونغ مع أفلاطون من طريق مختلف لأن كليهما يرى أن الإنسان يحمل في داخله شيئًا لم يكتمل ظهوره بعد، وأن مهمة الحياة هي اكتشافه.
غير أن نيتشه وقف في اتجاه مختلف. فقد رفض عالم المثل الأفلاطوني ورأى فيه انتقاصًا من قيمة الحياة الأرضية. وبدل البحث عن حقيقة مفارقة للعالم، دعا الإنسان إلى أن يخلق معناه داخل هذا العالم نفسه. ومنح الفن والأسطورة مكانة لا تقل أهمية عن الفلسفة، لأنهما يكشفان من الوجود ما تعجز المفاهيم المجردة عن الإمساك به.
ومع ذلك، فإن نقد نيتشه لا يلغي الشوق الإنساني، ولكنه يعيد توجيهه. فهو يقول اصنع ذاتك هنا، وسط الألم والفرح والخسارة والخلق. وإذا كان أفلاطون يدعو النفس إلى الارتفاع نحو المثال، فإن نيتشه يدعوها إلى الغوص في الحياة بكل تناقضاتها.
ورغم اختلافاتهم العميقة، يجتمع هؤلاء المفكرون عند حقيقة واحدة: أن الإنسان ليس كائنًا مكتملًا بصورة نهائية. لكنه أيضًا ليس مجرد مجموعة من الحاجات العابرة. ففي أعماقه دائمًا شيء يدعوه إلى تجاوز ما هو عليه. عند أفلاطون يظهر ذلك في صورة التذكّر، وعند سقراط في صورة فحص النفس، وعند يونغ في صورة التكامل النفسي، وعند نيتشه في صورة الخلق المستمر للذات.
ولعل الحقيقة الأجمل والأكثر إيلامًا في آن واحد هي أن النفس لا تبلغ في هذا العالم اكتمالًا نهائيًا مغلقًا. فكلما ظنت أنها وصلت، انفتح أمامها أفق جديد. وربما كان الكمال في القدرة على مواصلة السير.
فالنفس الحية هي النفس التي لا تزال في الطريق؛ تتذكر، وتتساءل، وتفتش، وتتصالح مع ظلالها، وتخاطر، وتتعلم، وتمضي.
وبين خطوة وخطوة، ثمة شوق أول يضيء الدرب.



#أبية_الريح (هاشتاغ)       Abeia_Elrayah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراتيل الزوال في ممالك الموتى
- الممر السابع: حوار مع نجود عجب
- العنف الممتد من الجذور الثقافية إلى القطيعة بالوعي
- فجوة مشبوبة || قصة قصيرة
- الممر السابع: مع الكاتب عادل سيد أحمد
- قصيدة... ندوب مسكينة
- الريح وتمائم الاغتراب. قراءة في شعر محيي الدين فارس
- الممر السابع: مع هيلانة الشيخ
- رؤى سياسية: مع رقية هباني (1)
- وشوشة الهواجس
- سفر النفس إلى شوقها الأول (4)
- أقنعة الضوء الغارق
- سفر النفس إلى شوقها الأول (3)
- نزهة القتلى في عيد الحياة
- خارج اتفاقية الطاعة
- طقس انقراض طوعي
- بنتُ وَهمِكِ
- نرجسية المطر
- طيف ينهض من أقبية الرماد
- سفر النفس إلى شوقها الأول (2)


المزيد.....




- إدريس إلبا: الجمهور لن يتقبل -رجلاً أفريقياً- بدور -جيمس بون ...
- تجاوز ارتفاعها 20 قدمًا.. أمواج عاتية تضرب جنوب كاليفورنيا
- خلال رحلته إلى برشلونة.. البابا لاوُن يصعد إلى قمرة قيادة طا ...
- دولتان عربيتان تعقبان على الضربات الانتقامية الإيرانية الجدي ...
- -فارس-: إيران أصابت 70% من أهداف هجومها على القواعد الأمريكي ...
- اختبار لوقف إطلاق النار ـ إيران تضرب قواعد أمريكية بالخليج
- -حنظلة-: تم نقل إحداثيات جميع القوات الأمريكية في الخليج للح ...
- تجدد الضربات الأمريكية على جنوب إيران واستهداف الدفاعات الجو ...
- لحظة بلحظة.. غارات إسرائيلية متواصلة على جنوب لبنان رغم وقف ...
- لقطات صادمة توثق أعمال شغب واسعة في بلفاست عقب هجوم طعن أثار ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أبية الريح - سفر النفس إلى شوقها الأول(5)