أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - أبية الريح - العنف الممتد من الجذور الثقافية إلى القطيعة بالوعي














المزيد.....

العنف الممتد من الجذور الثقافية إلى القطيعة بالوعي


أبية الريح
كاتبة ، صحفية ،قاصة ، ناشطة حقوقية

(Abeia Elrayah)


الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 07:39
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


العنف ضد المرأة نتاج تاريخ طويل من المفاهيم الخاطئة التي نشأت من الحرص المفرط على العفة والخوف من العار. فقد كان المجتمع العربي القديم يبالغ في السعي لحماية “الشرف” إلى درجة دفن الطفلة حيّة خشية العار، ثم ورثت بعض المجتمعات هذا الخوف في صور جديدة أبرزها الختان، الذي ظُنّ أنه يحفظ الأخلاق ويصون الأسرة. ومع ذلك، أثبت الزمن أن الطريق الحقيقي إلى العفة يكون بالتربية والتعليم.
وتتخذ ممارسات العنف ضد المرأة أشكالًا كثيرة، تبدأ من الاعتداء الجسدي الذي يترك آثارًا لا تُمحى في الجسد والنفس، مرورًا بالعنف النفسي واللفظي الذي يحطم الثقة بالنفس ويغذي الخوف والقلق، وصولًا إلى التحرش الجنسي الذي يشيع جوًا من الرهبة في أماكن العمل والشارع ويُلقي بظلاله الطويلة على استقرار المرأة النفسي. ويظل الختان واحدًا من أقسى صور العنف، إذ تُجبر الفتيات على الخضوع له بدافع الجهل والموروث، وعلى التحقيق يفقدن طرفًا من الإحساس وتبقى الآلام والمضاعفات الصحية والنفسية لسنوات طويلة. والمفارقة أن من يمارس الختان على الطفلة في كثير من الأحيان امرأة، مما يثبت أن العنف ليس قاصرًا على الرجل كفاعل، بل إن المرأة الجاهلة بدورها قد تمارس العنف على بناتها بالختان أو القهر على الزواج ظنًا منها أنها تحميهن. وهنا تتأكد الحقيقة الجوهرية: المرأة ليست عدوة الرجل، والمرأة ليست خصمًا للرجل، بل إن الجهل هو العدو المشترك لهما معًا.
أما استمرار العنف فهو مرتبط بالتنشئة الاجتماعية التي تربي الفتاة على الطاعة والصمت، وتربي الرجل على السلطة والهيمنة، مما يجعل العنف يبدو في نظر البعض جزءًا من “الطبيعة”. كما يؤثر الفقر والبطالة في زيادة التوتر داخل الأسرة، فيلجأ بعض الرجال إلى العنف كوسيلة لإثبات السيطرة أو الهروب من الإحساس بالعجز.
ورغم أهمية القوانين الرادعة، فإن التجارب أثبتت أن القانون وحده غير قادر على تغيير المعتقدات المتجذّرة. وقد شهد السودان مثالًا واضحًا على ذلك في حادثة الخفاض الفرعوني برفاعة عام 1946م، حين أدى تطبيق القانون قبل توفر الوعي الكافي إلى ردّ فعل اجتماعي عنيف ضد السلطة، مما يبيّن أن القوانين بلا توعية قد تنتج أثرًا عكسيًا بدل أن تُصلح الواقع.
وفي مقابل هذا الإرث من العنف، قدّمت المرأة السودانية نماذج باهرة في النضال من أجل حقوقها. فقد كانت الدكتورة خالدة زاهر أول طبيبة سودانية ورائدة في الدفاع عن تعليم البنات وحقوق النساء. وبرزت فاطمة أحمد إبراهيم كأول امرأة تُنتخب في البرلمان، رافعة صوت المرأة في الساحة السياسية. وواصلت سعاد إبراهيم أحمد نضالها الحقوقي في الدفاع عن النساء قانونيًا ومجتمعيًا، بينما حملت ملكة الدار محمد عبر الأدب هموم المرأة إلى الوعي العام، مسلّطة الضوء على قضاياها من خلال السرد والكلمة الحرة.
وفي السياق ذاته، برز بابكر بدري رائدًا في مجال التعليم والوعي، إذ افتتح أول مدرسة خاصة لتعليم البنات في السودان عام 1903م وأدخل فيها بناته. وقد واجه معارضة شديدة حين بدأ في تعليم البنات، بسبب خوف الناس من تعليم المرأة، لكنه عمل بأناة وحكمة، واستطاع بفضل مثابرته وحسن فهمه لطبائع الناس كسب ثقتهم، مبينًا لهم فوائد العلم التي غابت عنهم بسبب شكوك الاستعمار. وكانت فتيات رفاعة رائدات التعليم النسائي في السودان.
ولم تقتصر جهود التغيير على الناشطات فقط، بل شارك المفكرون والمبدعون في معركة الوعي. فقد كان محمود محمد طه من أوائل الذين نادوا بالمساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة، مؤكدًا أن تحرير المرأة وتعلمها أساس تحرير المجتمع نفسه. كما استخدم عبد الكريم الكابلي الفن لنشر الوعي بأهمية تمكين المرأة، وكانت أغنيته “فتاة الغد” نداءً يبث الثقة والقوة في نفوس النساء، إذ جسّد فيها صورة المرأة القادرة على بناء مستقبل جديد، حتى أن بعض المثقفين رأوا أنها تستحق أن تُدرّس كنشيد تربوي ينهض بوعي الأجيال.
وبفضل جهود الإعلام أيضًا، أصبحت قضايا العنف ضد المرأة حاضرة في النقاش العام، فساهمت البرامج والصحف ومنصات التواصل في فضح الانتهاكات وتغيير التصورات التقليدية، والدعوة إلى محاسبة المعتدين وحماية النساء.
ويبقى الحل الحقيقي في الجمع بين التوعية العميقة التي تغيّر طريقة التفكير حول العفة والمرأة ودورها، وبين التربية السليمة التي تنشئ جيلًا يحترم المرأة باعتبارها إنسانًا كامل الحقوق. كما أن تمكين المرأة اقتصاديًا ونفسيًا يسهم في كسر دائرة التبعية والخوف، ويمنحها القدرة على اتخاذ القرارات التي تحميها وتحمي أسرتها. أما المؤسسات الدينية، فهي قادرة - متى التزمت بالطرح المستنير - على إعادة تفسير المفاهيم المتعلقة بالشرف والجسد تفسيرًا ينسجم مع الكرامة الإنسانية، ويهدم الأسس التي تستند إليها ممارسات العنف.
وفي نهاية المطاف يتبيّن أن معركة القضاء على العنف ضد المرأة هي معركة بين المعرفة والجهل، بين الوعي والخرافة. وحين ينهزم الجهل، ينهزم معه كل عنف، وتُفتح الطريق نحو مجتمع عادل يحترم كرامة الجميع.



#أبية_الريح (هاشتاغ)       Abeia_Elrayah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فجوة مشبوبة || قصة قصيرة
- الممر السابع: مع الكاتب عادل سيد أحمد
- قصيدة... ندوب مسكينة
- الريح وتمائم الاغتراب. قراءة في شعر محيي الدين فارس
- الممر السابع: مع هيلانة الشيخ
- رؤى سياسية: مع رقية هباني (1)
- وشوشة الهواجس
- سفر النفس إلى شوقها الأول (4)
- أقنعة الضوء الغارق
- سفر النفس إلى شوقها الأول (3)
- نزهة القتلى في عيد الحياة
- خارج اتفاقية الطاعة
- طقس انقراض طوعي
- بنتُ وَهمِكِ
- نرجسية المطر
- طيف ينهض من أقبية الرماد
- سفر النفس إلى شوقها الأول (2)
- سفر النفس إلى شوقها الأول (1)
- السودان والمشروع المعاكس


المزيد.....




- إدانة مسؤول إسرائيلي بارز بارتكاب جرائم اغتصاب بحق أطفال
- مستشارة أممية: حرب غزة لها تداعيات شديدة الخطورة على النساء ...
- أولمبياد التواصل!
- سجن سياسي فرنسي سابق بعد اتهامه بتخدير زميلته بهدف الاغتصاب ...
- الحكم بالإعدام شنقاً على مرتكب جريمة أطفال/طفلات فيصل
- اليونيسيف تبدأ حملة لإعادة 700 ألف طفل/ـة إلى المدارس بغزة
- إصابة طفل ومداهمة مدنيين/ات في مخيمات ومدن فلسطينية
- منع مساحيق التجميل في المؤسسات الرسمية
- تحوّلت إلى مقبرة.. امرأة سودانية تُصدم بأرضها بعد عودتها من ...
- مروّجًا لإنسانية زائفة.. الاحتلال الإسرائيلي يستغل أطفال/ات ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - أبية الريح - العنف الممتد من الجذور الثقافية إلى القطيعة بالوعي