أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثانية















المزيد.....

الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثانية


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 00:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحلقة الثانية

نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
حلقات نقدية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي

مقدمة من الرفيق د. علي طبله
2026 آيار 21

هذه السلسلة ليست خروجًا على الحزب، ولا هجومًا عليه، ولا محاولة لتصفية حساب مع تاريخه أو رفاقه. إنها مساهمة نقدية رفاقية تنطلق من الوفاء للحزب، ومن الحرص على معناه التاريخي، ومن القلق على مستقبله، ومن الإيمان بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يستحق المجاملة الصامتة، بل النقد الجاد الذي يساعده على أن يعود حزبًا للكادحين والاشتراكية والحياة.

تُنشر هذه الحلقات تباعًا بوصفها أجزاء من وثيقة موسعة تحمل عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وكل حلقة تعالج محورًا محددًا من محاور الأزمة وإمكانات النهوض: الحزب، الدولة، الطبقة، الدين، الطائفية، العشيرة، النساء، الشباب، كردستان، البرنامج، النظام الداخلي، الذاكرة الرفاقية، الأممية، ووحدة الحركة الشيوعية واليسارية.
الغاية ليست الادعاء بامتلاك الحقيقة النهائية، بل فتح نقاش مسؤول. فالحزب الذي لا يخاف من النقد لا يموت. والحزب الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه يظل قادرًا على النهوض.

الحلقة الثانية
د. علي طبله
2026 آيار 21

الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة

«إن كل خطوة حقيقية للحركة أهم من عشرات البرامج».
كارل ماركس، رسالة إلى برونكه، 1875.

«تكمن قوة الحزب الثوري في قدرته على الارتباط بالجماهير، لا في عدد شعاراته أو صلابة جهازه الإداري».
لينين، بتصرف عن كتاباته حول الحزب والطليعة الثورية.

هذه الحلقة هي الثانية من سلسلة حلقات نقدية رفاقية تُنشر تباعًا تحت عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وهي تنطلق من سؤال يتجاوز حدود الأداء التنظيمي اليومي أو النتائج الانتخابية أو الحضور الإعلامي، إلى سؤال أعمق وأكثر خطورة: هل ما يزال الحزب الشيوعي العراقي يؤدي وظيفة تاريخية فعلية داخل المجتمع العراقي المعاصر، أم أن الفجوة بين بنيته التنظيمية وبين التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية قد وصلت إلى مستوى يهدد بتحوله تدريجيًا إلى ذاكرة سياسية أكثر منه قوة اجتماعية حيّة؟

إن الأحزاب لا تُقاس فقط باستمرارها التنظيمي، بل بقدرتها على إعادة إنتاج ضرورتها التاريخية داخل المجتمع. فقد تبقى الأسماء، والمقرات، والرموز، والصحف، والمؤتمرات، قائمة لعقود طويلة، بينما تكون الوظيفة الاجتماعية التي منحت الحزب شرعيته الأصلية قد ضعفت أو تآكلت أو انفصلت عن الواقع الجديد. ولهذا فإن أخطر أشكال الأزمة ليست الانهيار المفاجئ، بل التحول التدريجي من حزب نشأ بوصفه تعبيرًا عن مصالح الكادحين والصراع الاجتماعي، إلى تنظيم ينشغل بإدارة بقائه الذاتي أكثر من انشغاله بإعادة بناء علاقته بالمجتمع.

لقد نشأ الحزب الشيوعي العراقي داخل شروط تاريخية محددة: الاستعمار البريطاني، التكوين شبه الإقطاعي، بدايات التشكّل الرأسمالي، صعود الحركة العمالية، وغياب التمثيل السياسي للفقراء والعمال والفلاحين. ولهذا لم يكن الحزب مجرد فكرة مستوردة أو تكرار ميكانيكي لنماذج خارجية، بل تعبيرًا عن تناقضات اجتماعية حقيقية داخل العراق الحديث. ومن هنا جاءت قدرته التاريخية على التحول إلى قوة جماهيرية واسعة، امتلكت حضورًا فعليًا داخل المصانع والموانئ والسكك والجامعات والأحياء الشعبية، والحركات الثقافية، والنسوية، والطلابية.

لكن الأحزاب التي تنشأ بوصفها استجابة لتناقضات مرحلة معينة لا تضمن استمرار ضرورتها بصورة آلية. فالمجتمع العراقي الذي أنتج الحزب في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين ليس هو المجتمع العراقي بعد الحصار والاحتلال والريع والطائفية والعمل الهش والهجرة والاقتصاد غير الرسمي والانفجار الرقمي. وحين تتغير البنية الاجتماعية بهذا العمق، يصبح بقاء الأدوات النظرية والتنظيمية القديمة من دون مراجعة جدية خطرًا على الحزب نفسه.

إن جزءًا مهمًا من أزمة الحزب يتمثل في أن تحولات العراق الاجتماعية والاقتصادية كانت أسرع من تحولات الخطاب والتنظيم. فقد تراجعت الصناعة، وتفككت أجزاء واسعة من الطبقة العاملة التقليدية، وتضخم الاقتصاد الريعي والخدمي، وظهرت أنماط جديدة من العمل الهش والمؤقت وغير المنظم، وتغيرت علاقة الأفراد بالدولة والعائلة، والطائفة، والسوق، والإعلام. لكن جزءًا من الخطاب الحزبي ظل يتحرك كما لو أن البنية الاجتماعية الأساسية ما تزال هي نفسها.
ولا يعني ذلك أن الطبقة العاملة اختفت، بل يعني أن أشكال ظهورها وتنظيمها ووعيها تغيرت جذريًا. فالعامل اليوم قد يكون سائق تطبيق، أو موظفًا بعقد مؤقت، أو عاملًا في قطاع خدماتي غير مستقر، أو شابًا ينتقل بين البطالة والعمل المؤقت والهجرة. وهذه التحولات لم تكن تفصيلية، بل مست جوهر السؤال الشيوعي نفسه: من هي القوى الاجتماعية التي يفترض بالحزب تنظيمها اليوم؟ وكيف يمكن بناء علاقة عضوية معها داخل واقع يتسم بالتفكك واللااستقرار والطائفية والريع؟

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي حزب ماركسي هو فقدان الحساسية التاريخية؛ أي العجز عن إدراك أن أدوات التحليل والتنظيم التي نجحت في مرحلة معينة قد تصبح عاجزة أو جزئية في مرحلة أخرى. فالماركسية ليست حفظًا لصيغ جاهزة، بل منهج لتحليل الواقع المتغير. والحزب الذي يتعامل مع تاريخه بوصفه ضمانة أبدية لبقائه يتحول تدريجيًا إلى تنظيم يدافع عن ذاكرته أكثر مما ينتج مستقبلًا.

كما أن الأزمة لا تتعلق بالخطاب النظري وحده، بل بالبنية التنظيمية والثقافة السياسية أيضًا. فحين يتحول التنظيم إلى غاية بحد ذاته، ويصبح الحفاظ على الهيكل الإداري أهم من إعادة بناء العلاقة بالمجتمع، تبدأ السياسة بالتراجع لصالح الإدارة، ويبدأ الحزب بالتعامل مع أعضائه وجمهوره بوصفهم عناصر داخل بنية مغلقة أكثر منهم فاعلين اجتماعيين أحياء.

لقد كشفت العقود الأخيرة عن ظاهرة خطيرة داخل عدد من الأحزاب الشيوعية واليسارية: استمرار البنية التنظيمية رغم تراجع الوظيفة الاجتماعية. أي أن الحزب قد يستمر شكليًا، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج وعي جديد، أو جذب أجيال جديدة، أو بناء مواقع فعلية داخل المجتمع. وفي هذه الحالة تصبح الذاكرة النضالية، مهما كانت عظيمة، عاجزة وحدها عن تعويض الانقطاع عن الواقع.

ولا يعني هذا التقليل من قيمة التضحيات التاريخية الهائلة التي قدمها الحزب الشيوعي العراقي. فالشهداء، والسجون، والمنافي، والعمل السري، ليست تفاصيل هامشية، بل جزء من تاريخ العراق الحديث. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول التاريخ إلى بديل عن الحاضر، أو حين تُستعمل الرمزية النضالية بوصفها حصانة ضد النقد والمراجعة. فالتاريخ يمكن أن يمنح الشرعية الأخلاقية، لكنه لا ينتج تلقائيًا وظيفة اجتماعية جديدة.

إن سؤال البقاء التاريخي ليس سؤالًا تنظيميًا ضيقًا، بل سؤالًا يتعلق بطبيعة الحزب نفسه: هل ما يزال أداة لتنظيم الصراع الاجتماعي والطبقي؟ أم أنه يتحول تدريجيًا إلى أقلية سياسية–ثقافية تحتفظ بخطاب يساري عام لكنها تفقد جذورها داخل الكتل الاجتماعية التي يفترض أن تمثلها؟

ولهذا فإن إعادة التأسيس لا تعني إنكار تاريخ الحزب أو الرغبة في هدمه، بل محاولة إنقاذه من التحول إلى مؤسسة رمزية معزولة عن المجتمع. فالحزب لا يُقاس فقط بعمره أو تاريخه، بل بقدرته على إعادة إنتاج ضرورته التاريخية في كل مرحلة جديدة.

إن الحزب الذي يريد البقاء بوصفه قوة حيّة لا يستطيع أن يكتفي بإدارة التراجع أو بتخفيف آثار الأزمة. بل يحتاج إلى مراجعة عميقة لعلاقته بالطبقة، وبالدولة، وبالطائفية، وبالنساء، وبالشباب، وبالعمل الهش، وبالديمقراطية الداخلية، وبالتنظيم نفسه. أي أنه يحتاج إلى إعادة التفكير في معنى الشيوعية العراقية داخل عراق ما بعد 2003، لا الاكتفاء بإعادة ترديد مفاهيم تشكلت داخل شروط تاريخية مختلفة جذريًا.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل يبقى الحزب موجودًا؟ بل: بأي معنى يبقى؟ هل يبقى بوصفه ذاكرة محترمة من تاريخ العراق؟ أم بوصفه أداة اجتماعية–سياسية قادرة على تنظيم الكادحين وإنتاج أفق جديد للتحرر والعدالة والاشتراكية؟
ذلك هو السؤال الذي لا يمكن تأجيله أكثر.

يتبع في الحلقة الثالثة:
الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة إنتاج الهيمنة.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
- بين فنزويلا والعراق
- من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
- الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
- من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
- النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
- قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع ...
- من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
- الهوية بين الأصالة والدونية
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ...
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ...
- إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف ...
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ...


المزيد.....




- اللون الأزرق يجمع الملكة رانيا والأميرة رجوة في عيد الاستقلا ...
- النفط يعوض خسائره بعد ضربات أمريكية -دفاعية- في إيران.. والأ ...
- الحجاج يتوافدون إلى صعيد عرفات لأداء -الركن الأعظم-
- رغم المساعي لاحتواء المواجهة.. تصعيد أميركي في إيران وتوتر م ...
- نازحو غزة يستعدون لعيد أضحى قاتم وسط الحرب وارتفاع الأسعار
- بوتين يمنح جنوده امتيازات إضافية.. تحذير بإخلاء كييف وإدانة ...
- أضحى بلا أضاحٍ للعام الثالث.. كيف غيّرت الحرب طقوس العيد في ...
- تساؤلات حول ترتيبات ما بعد الحرب.. لقاء سري في الإمارات بين ...
- تقرير ألماني يتوقع نهاية وشيكة للحرب بين واشنطن وطهران
- نيران الحرب في أوكرانيا تشتعل من جديد وموسكو تحث الأجانب وال ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة - نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة - الحلقة الثانية