|
|
من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 20:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الوثيقة التأسيسية التاسعة
قراءة ماركسية نقدية في الدولة الريعية والاندماج الإصلاحي وبناء البديل التاريخي في العراق
د. علي عبد الرضا طبله 12 كانون الثاني 2026
وثيقة فكرية–سياسية ضمن مشروع إعادة التأسيس الشيوعي في العراق
تمهيد عام للوثيقة
تأتي هذه الوثيقة في سياق الحاجة التاريخية الملحّة لإعادة بناء المرجعية الفكرية والسياسية لليسار العراقي في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة والمجتمع. لحظة تتسم بانسداد الأفق الإصلاحي داخل النظام الريعي–المحاصصاتي، وتعاظم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وتآكل السيادة الوطنية، وانهيار الثقة الشعبية بالطبقة السياسية الحاكمة، وتفكك البنى التقليدية للتمثيل السياسي.
لقد شكّل التحول الذي عرفته قطاعات واسعة من اليسار العراقي بعد عام 2003 نحو خطاب «اليسار الديمقراطي» و«الدولة المدنية» محاولةً لإعادة التموضع داخل النظام السياسي الجديد، والبقاء فاعلًا في مشهد تعددي مفتوح بعد عقود من القمع والاستبداد. غير أن هذه المحاولة، رغم ما حملته من نيات إصلاحية مشروعة، اصطدمت بحدود بنيوية صارمة يفرضها نمط الحكم الريعي والاندماج النيوليبرالي في الاقتصاد العالمي، فتحولت تدريجيًا من مشروع تغيير اجتماعي إلى مشروع إدارة أزمة سياسية.
ومن هنا، فإن الهدف من هذه الوثيقة ليس الدخول في سجال أيديولوجي مع هذا التيار أو نزع الشرعية عن مناضليه، بل القيام بقراءة ماركسية نقدية صارمة للتجربة بكاملها، بوصفها مرحلة تاريخية محددة انتهت إمكاناتها الموضوعية، ولم تعد قادرة على إنتاج أفق تحرري جديد للمجتمع العراقي.
تنطلق هذه الوثيقة من مسلّمة مركزية مفادها أن العراق يعيش أزمة دولة ونمط إنتاج ومجتمع في آنٍ واحد، وأن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم عبر ترقيع النظام القائم أو تحسين إدارته، بل عبر إعادة تأسيس الدولة والمجتمع على قاعدة جديدة: قاعدة العمل والإنتاج والملكية العامة الاجتماعية.
وهذا هو جوهر مشروع إعادة التأسيس الشيوعي.
القسم الأول
الإطار النظري والسياسي لأزمة اليسار العراقي في سياق الدولة الريعية
1. أزمة اليسار العراقي بوصفها أزمة تاريخية مركبة
لا يمكن فهم مأزق اليسار العراقي المعاصر بوصفه مجرد أزمة تنظيمية، أو ضعف جماهيري، أو إخفاق انتخابي. فهذه المظاهر ليست سوى تعبيرات سطحية عن أزمة أعمق تمسّ المرجعية الفكرية، والهوية السياسية، والقاعدة الاجتماعية، ووظيفة اليسار التاريخية داخل المجتمع.
إن ما يعيشه اليسار العراقي اليوم هو أزمة تاريخية مركبة نتجت عن تداخل ثلاث تحولات كبرى: التحول العالمي المتمثل في انهيار التجربة الاشتراكية السوفيتية وصعود النيوليبرالية كنظام عالمي مهيمن؛ والتحول الوطني المتمثل في تفكك الدولة العراقية تحت ضغط الحروب والحصار والاحتلال وإعادة تشكيلها كنظام ريعي–محاصصاتي تابع؛ والتحول الاجتماعي المتمثل في تفكك البنية الطبقية التقليدية وصعود أنماط عمل هشّة واقتصاد استهلاكي ريعي.
هذه التحولات لم تغيّر فقط شروط العمل السياسي، بل غيّرت طبيعة المجتمع نفسه، وطبيعة الدولة، وطبيعة الصراع الاجتماعي. فالعراق لم يعد مجتمعًا صاعدًا على قاعدة تصنيع وطني وبناء دولة مركزية كما كان الحال في النصف الثاني من القرن العشرين، بل أصبح مجتمعًا ريعيًا تابعًا يقوم اقتصاده على تصدير النفط واستيراد معظم حاجاته الأساسية، وتقوم دولته بدور المالك والموزّع للثروة لا المنتج والمنظّم للعمل.
وفي مثل هذا السياق، لا يمكن لليسار أن يعمل بالأدوات النظرية والتنظيمية التي صيغت في سياق رأسمالية صناعية إنتاجية، ولا أن يستعيد نماذج تنظيمية تعود إلى القرن العشرين دون إخضاعها لنقد تاريخي جذري.
2. من المرجعية الاشتراكية إلى خطاب الديمقراطية بوصفه أفقًا سياسيًا أول
شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية العالمية في مطلع تسعينيات القرن العشرين صدمة تاريخية كبرى للحركة الشيوعية العالمية. لم تكن هذه الصدمة مجرد هزيمة سياسية، بل انهيارًا لنموذج الدولة الاشتراكية القائمة، وانكسارًا لليقين التاريخي بإمكانية الانتقال الحتمي من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
في العراق، جاءت هذه الصدمة في سياق وطني بالغ القسوة. فقد ترافق انهيار المرجعية الاشتراكية مع تدمير الدولة بفعل الحروب والحصار، وانهيار الصناعة الوطنية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتفكك الطبقة العاملة المنظمة، وصعود اقتصاد السوق الهشّ والتجارة الصغيرة والتهريب والاقتصاد الموازي.
في ظل هذا الواقع الجديد، بدأ يتراجع الخطاب الطبقي التقليدي لصالح لغة سياسية أكثر عمومية تركّز على الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني والتعددية السياسية. وأصبحت إزالة الاستبداد السياسي تُقدَّم بوصفها المهمة التاريخية الأولى، فيما جرى تأجيل المسألة الاجتماعية–الاقتصادية إلى مرحلة لاحقة غير محددة المعالم.
وهكذا انتقلت الديمقراطية من موقعها بوصفها أداة داخل مشروع تحرر اجتماعي اشتراكي إلى موقعها بوصفها أفقًا سياسيًا قائمًا بذاته، منفصلًا عن سؤال الملكية والعمل والإنتاج.
وبذلك بدأ يتشكّل، تدريجيًا، نمط جديد من اليسار يرى في الديمقراطية الليبرالية الإجرائية المدخل الأساسي للتغيير، ويقبل بالاقتصاد المفتوح والسوق بوصفهما إطارًا عامًا لا يُمسّ، مكتفيًا بالمطالبة بإصلاحات سياسية ومؤسسية داخل هذا الإطار.
3. ما بعد 2003: الانفتاح السياسي وإعادة التموضع داخل الدولة الريعية
أحدث الغزو الأميركي للعراق عام 2003 قطيعة تاريخية مع شكل الدولة العراقية الحديثة كما تشكّلت منذ عشرينيات القرن العشرين. فقد انهارت الدولة السلطوية المركزية، وتفككت مؤسساتها، وأُعيد تشكيل النظام السياسي ضمن إطار جديد قائم على الاحتلال المباشر، والمحاصصة الطائفية–الإثنية، والانفتاح النيوليبرالي الواسع.
في هذا المشهد الجديد، لم تعد السياسة تدور حول الصراع على برنامج اقتصادي أو اجتماعي، بل حول الصراع على الحصة من الدولة الريعية الجديدة التي باتت تتحكم بعوائد النفط وتعيد توزيعها عبر آليات سياسية وإدارية. وأصبحت المشاركة في السلطة مرهونة بالتموضع داخل منظومة المحاصصة، لا بالموقع داخل عملية الإنتاج.
وجد اليسار العراقي نفسه أمام فضاء سياسي مفتوح لم يعرفه من قبل: تعددية حزبية قانونية، انتخابات دورية، برلمان، إعلام متنوع، منظمات مجتمع مدني، وتمويل دولي واسع لمشاريع «الديمقراطية» و«الحكم الرشيد».
غير أن هذا الانفتاح السياسي كان مشروطًا ببنية النظام الجديد نفسه. فالدولة التي تشكّلت بعد 2003 لم تكن دولة ديمقراطية اجتماعية، بل دولة ريعية–محاصصاتية تدمج المعارضة داخل آليات الحكم بدل أن تفتح أفقًا لتغييرها الجذري.
4. من اليسار الاجتماعي إلى اليسار المدني الإصلاحي
في هذا الانتقال التاريخي، تغيّر مركز الثقل في هوية اليسار نفسه. فبدل أن تكون الاشتراكية والعدالة الطبقية هي القلب النظري للمشروع، صارت الديمقراطية الليبرالية المدنية هي القلب السياسي، بينما تحولت الاشتراكية إلى أفق أخلاقي بعيد أو مرجعية تاريخية غير ملزمة سياسيًا.
وبدل أن يكون اليسار حامل مشروع تحرّر اجتماعي جذري، أصبح جزءًا من كتلة مدنية إصلاحية تسعى إلى تحسين إدارة الدولة لا إلى تغيير بنيتها.
وهكذا جرى الانتقال من خطاب الصراع الطبقي إلى خطاب الإصلاح المؤسسي، ومن نقد نمط الإنتاج الريعي إلى نقد الفساد الإداري، ومن مشروع الدولة الاجتماعية إلى مشروع الدولة القانونية، ومن التنظيم الطبقي إلى التحالف المدني الواسع.
وبهذا المعنى، لم يعد اليسار، في خطابه وسلوكه، بديلًا تاريخيًا جذريًا للنظام الريعي–الطائفي، بل أصبح شريكًا إصلاحيًا محدود التأثير داخله.
5. الديمقراطية خارج مضمونها الاجتماعي
من أخطر نتائج هذا التحول الفكري والسياسي فصل الديمقراطية عن مضمونها الاجتماعي–الاقتصادي. فالديمقراطية، كما جرى تبنّيها في خطاب اليسار الديمقراطي، اختُزلت في مجموعة من الإجراءات والمؤسسات: انتخابات دورية، تعددية حزبية، تداول سلمي للسلطة، وحرية إعلام.
وهي بلا شك عناصر أساسية لأي نظام سياسي حديث، لكنها تصبح فارغة من مضمونها التحرري حين تُفصل عن سؤال: لمن تكون السلطة الاقتصادية؟ ومن يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يقرّر مصير الثروة الوطنية؟
في المجتمع الريعي، حيث الدولة هي المالك الأكبر للثروة، تتحول الديمقراطية الإجرائية إلى آلية لإدارة توزيع الريع بين النخب المتنافسة، لا إلى أداة لتحرير المجتمع من التبعية والاستغلال.
وهكذا تنشأ «ديمقراطية ريعية» ذات مضمون طبقي واضح: ديمقراطية شكلية تُستخدم لتجديد شرعية النظام عبر آليات انتخابية دورية، بينما تبقى علاقات السلطة والثروة على حالها.
6. الدولة المدنية بوصفها إطارًا قانونيًا بلا مضمون تحرري
في السياق نفسه، جرى طرح مفهوم «الدولة المدنية» بوصفه البديل السياسي للدولة الطائفية والدينية. غير أن هذا المفهوم، بصيغته المتداولة، بقي إطارًا قانونيًا–مؤسسيًا لإدارة التعدد السياسي، دون أن يتحول إلى مشروع دولة اجتماعية تعيد توزيع الثروة وتبني اقتصادًا وطنيًا منتجًا.
وهكذا تحولت الدولة المدنية إلى شعار جامع وفضفاض يسمح بالتحالف مع قوى ليبرالية ومحافظة وتكنوقراطية، لكنه يمنع بلورة مشروع اجتماعي–اقتصادي تحرري واضح.
وبذلك جرى استبدال مشروع الدولة الاجتماعية بمشروع الدولة القانونية، واستُبدل الصراع الاجتماعي بالصراع الدستوري، واستُبدلت العدالة الاجتماعية بالنزاهة الإدارية.
7. مأزق الإصلاح داخل بنية الدولة الريعية
تكشف التجربة التاريخية لليسار الديمقراطي أن الإصلاح السياسي داخل الدولة الريعية يواجه حدودًا موضوعية صارمة. فهذه الدولة ليست مجرد دولة فاسدة يمكن إصلاحها عبر القوانين والمؤسسات، بل هي دولة قائمة على آليات توزيع الريع وبناء الولاءات السياسية والاجتماعية.
إن محاربة الفساد دون تفكيك الاقتصاد الريعي تعني محاربة نتائج النظام لا أسبابه. وإن الدعوة إلى دولة مدنية دون مشروع اقتصادي بديل تعني بناء إطار قانوني لإدارة اللامساواة لا لإلغائها.
ومن هنا، فإن الإصلاح من داخل الدولة الريعية يتحول إلى أفق مسدود بنيويًا، مهما حسنت النيات ومهما تصاعدت الشعارات.
خلاصة القسم الأول
إن أزمة اليسار العراقي هي أزمة تاريخية مركبة نتجت عن تحولات عالمية ووطنية واجتماعية عميقة. وإن الانتقال من المرجعية الاشتراكية إلى خطاب الديمقراطية بوصفها أفقًا سياسيًا أول أفرغ المشروع اليساري من مضمونه الاجتماعي. وإن الانخراط في الدولة الريعية بعد 2003 أدّى إلى اندماج إصلاحي داخل نظام لا يسمح بإصلاح جذري. وإن الديمقراطية الإجرائية والدولة المدنية، بصيغتهما المتداولة، لا تشكّلان مشروع تحرر اجتماعي. وإن الإصلاح من داخل بنية الريع أفق مسدود بنيويًا.
ومن هنا، فإن الحاجة المطروحة اليوم ليست ترميم خطاب اليسار الديمقراطي، بل تجاوز هذه المرحلة التاريخية نحو مشروع إعادة تأسيس شيوعي جديد.
القسم الثاني
الدولة الريعية بوصفها بنية حكم طبقية
الاقتصاد السياسي للسلطة والفساد والطائفية والتبعية
تمهيد نظري
لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية ولا مأزق اليسار داخلها دون تحليل الاقتصاد السياسي الذي يقوم عليه نمط الحكم القائم. فالدولة الريعية ليست دولة «فاشلة» بالمعنى الإداري، ولا دولة «ضعيفة» بالمعنى المؤسسي، بل هي دولة ذات منطق حكم خاص، قائم على احتكار الثروة النفطية وتوزيعها سياسيًا، وتحويل المجتمع إلى تابع اقتصادي للدولة بدل أن يكون شريكًا إنتاجيًا فيها.
إن الريع النفطي لا يشكّل مجرد مورد مالي للدولة، بل يشكّل قاعدة بنيوية لإعادة إنتاج السلطة والهيمنة الطبقية، ويعيد صياغة السياسة والمجتمع والاقتصاد ضمن منطق توزيع الثروة لا إنتاجها.
ومن هنا، فإن تحليل الدولة الريعية ليس تحليلًا اقتصاديًا تقنيًا، بل تحليل طبقي لبنية السلطة نفسها.
1. الريع كنمط إنتاج وسلطة
يتميّز الاقتصاد الريعي النفطي بكونه اقتصادًا لا يقوم على الإنتاج الاجتماعي الواسع، بل على استخراج مورد طبيعي وتصديره إلى السوق العالمية، ثم إعادة توزيع عوائده عبر الدولة. وبذلك تصبح الدولة هي الفاعل الاقتصادي المركزي، لا بوصفها دولة منتجة، بل بوصفها دولة مالكة وموزّعة للثروة.
في هذا النموذج، لا تتأسس العلاقة بين الدولة والمجتمع على العمل والإنتاج، بل على التوزيع السياسي للريع. ويتحوّل المواطن من منتج اجتماعي إلى متلقٍ للثروة عبر الرواتب والإعانات، والعقود، والمناصب، والامتيازات. وهكذا تتغيّر طبيعة الصراع الاجتماعي ذاته؛ فبدل أن يكون الصراع حول شروط العمل والأجور والملكية داخل عملية الإنتاج، يصبح الصراع حول الوصول إلى الدولة بوصفها مصدر الثروة.
وبذلك تتحول السياسة إلى آلية لتنظيم توزيع الريع، لا إلى تعبير عن تناقضات طبقية إنتاجية. وفي هذا السياق، لا تنشأ برجوازية صناعية وطنية منتجة، ولا طبقة عاملة صناعية منظمة، بل تتشكّل طبقة سياسية–اقتصادية ريعية تمسك بمفاصل الدولة وتحتكر عوائد النفط، وتعيد توزيع جزء منها لبناء شبكات الولاء والهيمنة.
2. الدولة الريعية بوصفها دولة طبقية بامتياز
على خلاف التصورات الليبرالية التي ترى في الدولة الريعية دولة «مختطفة» أو «مخترقة» من قبل الفساد، يبيّن التحليل الماركسي أن هذه الدولة هي دولة طبقية بامتياز، تعبّر عن مصالح تحالف سياسي–اقتصادي محدد يسيطر على الريع ويوظّفه لإعادة إنتاج سلطته.
فالدولة الريعية ليست دولة خدمات عاجزة، بل دولة توزيع سياسي واعٍ للثروة. وهي لا تفشل في بناء اقتصاد منتج مصادفة، بل لأن وجود اقتصاد منتج مستقل يهدد احتكارها للريع ويضعف قدرتها على التحكم بالمجتمع. ومن هنا، فإن إبقاء المجتمع في حالة اعتماد دائم على الدولة بوصفها الموزّع الوحيد للثروة هو شرط من شروط استمرار الهيمنة الريعية.
في هذا الإطار، يصبح الفساد جزءًا عضويًا من آلية الحكم لا مجرد انحراف أخلاقي. فالفساد هو الشكل الذي تتخذه عملية إعادة توزيع الريع داخل شبكات السلطة، وهو الأداة التي تُبنى بها الولاءات السياسية والاجتماعية. إنه ليس استثناءً عن القاعدة، بل القاعدة نفسها.
3. الطائفية بوصفها الشكل السياسي لتنظيم الريع
لا يمكن فهم الطائفية السياسية في العراق خارج إطار الاقتصاد الريعي. فالطائفية ليست مجرد خطاب تعبوي أو انقسام ثقافي، بل هي آلية سياسية لتنظيم المنافسة على الريع داخل الدولة.
ففي غياب اقتصاد إنتاجي وقاعدة طبقية مستقلة، تُعاد صياغة الانتماءات الاجتماعية على أساس طائفي وإثني ومناطقي بوصفها قنوات للوصول إلى الدولة والثروة. وتتحول الهوية الطائفية إلى بطاقة سياسية للحصول على الوظائف والعقود والامتيازات والحماية السياسية.
وهكذا تصبح الطائفية الشكل الذي يتخذه الصراع الطبقي في مجتمع ريعي؛ فهي التعبير الأيديولوجي عن صراع النخب على الدولة بوصفها مالك الريع، وهي الأداة التي تُستخدم لتفتيت المجتمع ومنع تشكّل وعي طبقي جامع.
4. النيوليبرالية وإعادة إنتاج التبعية
أُعيد تشكيل الاقتصاد العراقي بعد عام 2003 ضمن إطار نيوليبرالي مفتوح على السوق العالمية، من خلال تحرير التجارة، وفتح باب الاستثمار الأجنبي، وخصخصة قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتقييد دور الدولة الإنتاجي.
غير أن النيوليبرالية في العراق لم تُنتج اقتصاد سوق تنافسي قائمًا على الإنتاج، بل أعادت تكريس نمط ريعي–استهلاكي تابع. فقد تحوّل العراق إلى سوق واسع للسلع الأجنبية، ومجال رحب للمضاربة والعقود والسمسرة، بينما تراجعت الصناعة الوطنية والزراعة والخدمات الإنتاجية.
وهكذا جرى تفكيك السيادة الاقتصادية للدولة، وربط الاقتصاد العراقي بالسوق العالمية بوصفه مصدرًا للريع النفطي وسوقًا للاستهلاك، لا بوصفه فاعلًا إنتاجيًا مستقلًا. وفي هذا السياق، لم تعد الدولة الريعية تملك حتى مشروعًا وطنيًا للتنمية، بل أصبحت جزءًا من شبكة التبعية الاقتصادية العالمية، حيث يُعاد تصدير الريع النفطي إلى الخارج عبر الاستيراد والعقود والاستثمارات.
5. الديمقراطية الريعية: إدارة سياسية للثروة
في ظل هذه البنية الاقتصادية، تتشكّل الديمقراطية بوصفها آلية لإدارة توزيع الريع لا بوصفها ساحة صراع اجتماعي حول الإنتاج والملكية. فالانتخابات تصبح منافسة بين قوى سياسية على من يتحكم بالدولة والموارد، لا على من يقدّم برنامجًا اقتصاديًا–اجتماعيًا بديلًا.
وتتحوّل الأحزاب إلى شبكات زبائنية توزّع المنافع مقابل الولاء السياسي، ويصبح البرلمان ساحة لتقاسم العقود والمناصب أكثر مما هو ساحة للتشريع والرقابة.
وهكذا تنشأ «ديمقراطية ريعية» ذات مضمون طبقي واضح: ديمقراطية شكلية تخدم إعادة إنتاج الهيمنة الريعية، وتُستخدم لتجديد شرعية النظام عبر آليات انتخابية دورية.
6. كيف يُعاد إنتاج الزبائنية اقتصاديًا داخل الدولة الريعية
لا تقوم الزبائنية في الدولة الريعية على الولاءات السياسية وحدها، بل تُعاد إنتاجها يوميًا عبر بنية اقتصادية كاملة تقوم على ربط سبل العيش الفردي والجماعي بالدولة بوصفها المالك والموزّع الوحيد للثروة. ففي غياب اقتصاد إنتاجي مستقل، تصبح الوظيفة العامة، والعقد الحكومي، والإعانة الاجتماعية، والمقاولة الثانوية، والمنصب الإداري، هي القنوات الأساسية للحصول على الدخل الاجتماعي.
وهكذا يجري تحويل السوق من فضاء تنافسي للإنتاج والعمل إلى فضاء ملحق بالدولة، تديره شبكات المصالح السياسية–الاقتصادية. فالتاجر لا يراكم من خلال الإنتاج، بل من خلال الوساطة والعقود، والمقاول لا ينجح عبر الكفاءة، بل عبر القرب من مراكز القرار، والموظف لا يترقى عبر الأداء، بل عبر الولاء السياسي.
في هذا السياق، تُعاد صياغة العلاقات الاقتصادية بوصفها علاقات ولاء لا علاقات عمل. ويُعاد إنتاج الفقر بوصفه أداة ضبط اجتماعي، حيث يبقى المواطن في حالة حاجة دائمة للدولة، وتبقى الدولة في موقع القدرة على المكافأة والعقاب عبر أدوات اقتصادية ظاهرها إداري وباطنها سياسي.
وهكذا تتحول الزبائنية من ظاهرة سياسية إلى نمط اقتصادي شامل يربط المجتمع بالدولة عبر التبعية المعيشية، ويعيد إنتاج الهيمنة الطبقية في شكل يومي متجدد، يجعل من تفكيك هذه البنية شرطًا لأي مشروع تحرر اجتماعي حقيقي.
7. مأزق الإصلاح داخل بنية الريع
في ضوء هذا التحليل البنيوي، يصبح واضحًا أن الإصلاح السياسي داخل الدولة الريعية يواجه حدودًا موضوعية صارمة. فالنظام لا يمكن إصلاحه لأنه قائم أصلًا على احتكار الريع، والزبائنية السياسية، والطائفية كآلية حكم، والتبعية الاقتصادية.
إن محاربة الفساد دون تفكيك الاقتصاد الريعي تعني محاربة نتائج النظام لا أسبابه. وإن الدعوة إلى دولة مدنية دون مشروع اقتصادي بديل تعني بناء إطار قانوني لإدارة اللامساواة لا لإلغائها.
ومن هنا، فإن الإصلاح من داخل الدولة الريعية ليس أفقًا واقعيًا للتحرر الاجتماعي، بل أفق لإعادة إنتاج النظام بصيغ أكثر تهذيبًا.
8. نحو تفكيك الدولة الريعية وبناء اقتصاد العمل
إذا كان الاقتصاد الريعي هو البنية التحتية للسلطة والفساد والطائفية والتبعية، فإن التحرر الاجتماعي في العراق يمرّ حتمًا عبر تفكيك هذه البنية وبناء اقتصاد وطني منتج قائم على العمل لا على الريع.
وهذا يقتضي إعادة الاعتبار للملكية العامة الاجتماعية للثروة النفطية، وبناء قاعدة إنتاجية صناعية وزراعية وطنية، وربط الدولة بالمجتمع عبر العمل لا عبر الزبائنية، وتحويل الريع من أداة هيمنة إلى أداة تنمية اجتماعية.
ومن هنا، فإن مشروع إعادة التأسيس الشيوعي لا ينطلق من شعار سياسي مجرّد، بل من قراءة اقتصادية–طبقية عميقة لبنية الدولة والمجتمع.
خلاصة القسم الثاني
إن الدولة الريعية ليست دولة فاشلة إداريًا، بل دولة طبقية ناجحة في إعادة إنتاج الهيمنة. وإن الفساد والطائفية ليسا انحرافات، بل آليات حكم عضوية. وإن النيوليبرالية عمّقت الطابع التابع والريعي للاقتصاد العراقي. وإن الديمقراطية الريعية هي شكل سياسي لإدارة توزيع الثروة لا لتحرير المجتمع. وإن الإصلاح من داخل بنية الريع أفق مسدود بنيويًا.
ومن هنا، فإن تفكيك الدولة الريعية شرط تاريخي لأي مشروع تحرر اجتماعي في العراق.
القسم الثالث
مأزق اليسار الديمقراطي والاندماج الإصلاحي
من المعارضة الاجتماعية إلى إدارة الأزمة
تمهيد سياسي
لا يمكن فهم تجربة «اليسار الديمقراطي» في العراق بوصفها مجرد خيار تكتيكي خاطئ أو انحراف سياسي طارئ، بل ينبغي قراءتها بوصفها تعبيرًا تاريخيًا عن محاولة إعادة تموضع اليسار داخل دولة ريعية–محاصصاتية تشكّلت بعد عام 2003، وفرضت على جميع القوى السياسية قواعد لعب جديدة وحدودًا صارمة للفعل السياسي.
لقد دخل اليسار هذه المرحلة وهو مثقل بإرث طويل من القمع والتهميش والعمل السري، وبقاعدة اجتماعية منهكة بفعل الحصار والحروب، وبمرجعية نظرية مهزوزة بعد انهيار الاشتراكية العالمية. وفي هذا السياق، بدا الانخراط في العملية السياسية الجديدة بوصفه الفرصة الأرجح للبقاء داخل المشهد السياسي وعدم التحول إلى قوة هامشية.
غير أن هذا الانخراط لم يكن بلا ثمن؛ فقد أعاد تشكيل هوية اليسار، وخطابه، ووظيفته الاجتماعية، وحدود فعله السياسي، وحوّله تدريجيًا من قوة تغيير اجتماعي إلى قوة إصلاح مؤسسي محدود الأفق.
1. من المعارضة الجذرية إلى المعارضة المؤسسية
عُرف اليسار العراقي، تاريخيًا، بوصفه قوة معارضة جذرية للدولة السلطوية، سواء في مراحل الملكية أو الجمهورية أو دولة الحزب الواحد. وكانت معارضته تقوم على نقد اجتماعي–طبقي عميق لبنية الدولة والاقتصاد، وعلى تنظيم جماهيري في مواقع العمل والطلبة والنقابات والأحياء الشعبية.
غير أن التحول الذي حصل بعد 2003 نقل اليسار من موقع المعارضة الجذرية إلى موقع المعارضة المؤسسية داخل الدولة الجديدة. فبدل أن يكون خارج النظام في موقع الصراع معه، أصبح داخله في موقع محاولة إصلاحه.
وقد تجسّد هذا التحول في ثلاثة مستويات مترابطة: الانتقال من الشارع إلى البرلمان بوصفه ساحة النضال الأساسية، والانتقال من التنظيم الطبقي إلى التحالف المدني الواسع، والانتقال من خطاب الصراع الاجتماعي إلى خطاب الإصلاح السياسي.
وهكذا تحوّل اليسار إلى «معارضة داخل النظام» لا «معارضة للنظام»، أي إلى قوة تسعى إلى تحسين أداء الدولة لا إلى إعادة تأسيسها على أسس جديدة.
2. التيار الديمقراطي بوصفه إطار الاندماج السياسي
شكّل تأسيس «التيار الديمقراطي» عام 2011 تتويجًا لمسار بدأ منذ التسعينيات وتبلور بعد 2003، وتمثّل في البحث عن إطار سياسي واسع يجمع القوى المدنية واليسارية والليبرالية في مواجهة هيمنة الإسلام السياسي والطائفية.
وقد بدا هذا الخيار، في حينه، منطقيًا من حيث الحسابات الانتخابية والسياسية، في ظل نظام انتخابي يقوم على القوائم الكبيرة ويكافئ التحالفات الواسعة. غير أن هذا الإطار حمل في بنيته تناقضًا عميقًا بين مشروعين سياسيين مختلفين: مشروع إصلاحي مدني يسعى إلى بناء دولة قانون ومؤسسات، ومشروع تحرري اجتماعي يسعى إلى تغيير نمط الإنتاج وبنية الدولة.
وقد جرى تجاوز هذا التناقض عبر الاكتفاء بالقواسم السياسية الدنيا: الدولة المدنية، والديمقراطية، ومحاربة الفساد، والمواطنة. وهكذا جرى تسييل الهوية اليسارية داخل إطار مدني عام، وفقد اليسار موقعه بوصفه حامل مشروع اجتماعي–اقتصادي بديل.
3. التحالفات الانتخابية وحدود البراغماتية السياسية
دخل التيار الديمقراطي في سلسلة من التحالفات الانتخابية الواسعة التي هدفت إلى تجميع الأصوات المدنية في مواجهة الأحزاب الطائفية الكبرى. غير أن هذه التحالفات اتسمت بطابعها البراغماتي وبغياب برنامج اقتصادي–اجتماعي واضح يجمع أطرافها.
فالقاسم المشترك بينها كان سياسيًا–إجرائيًا: رفض الطائفية، والمطالبة بالدولة المدنية، ومحاربة الفساد. أما القضايا الجوهرية المتعلقة بنمط الاقتصاد الريعي، والخصخصة، والسيطرة الاجتماعية على الثروة، فلم تكن جزءًا من هذه البرامج.
وبذلك تحوّلت التحالفات إلى أدوات تكتيكية لدخول البرلمان، لا إلى أدوات لبناء مشروع تحرري بديل. وأصبح اليسار طرفًا في لعبة التوازنات السياسية بدل أن يكون قوة تاريخية تسعى إلى تغيير قواعدها.
4. البرلمان بوصفه أفقًا سياسيًا محدودًا
مع دخول ممثلي اليسار الديمقراطي إلى البرلمان، بدا وكأن المشروع المدني قد حقق اختراقًا مهمًا داخل النظام السياسي. غير أن التجربة البرلمانية كشفت بسرعة حدود العمل المؤسسي داخل دولة ريعية–محاصصاتية.
فالبرلمان في هذا النظام ليس سلطة تشريعية مستقلة تعبّر عن صراع اجتماعي حيّ، بل هو انعكاس مباشر لتوازنات القوى الطائفية–الحزبية. وهو يعمل وفق منطق الصفقات السياسية وتقاسم المناصب والامتيازات، لا وفق منطق البرامج الاجتماعية–الاقتصادية.
في هذا السياق، يصبح دور النائب المعارض — مهما كانت نزاهته — محدود التأثير ما لم يستند إلى كتلة اجتماعية منظمة قادرة على فرض إرادتها من خارج المؤسسة. وهكذا تحوّل العمل البرلماني المعارض إلى شهادة أخلاقية على فساد النظام، لا إلى أداة لتغييره.
5. تجربة «سائرون» وذروة الاندماج الإصلاحي
بلغ مسار الاندماج الإصلاحي ذروته السياسية مع تجربة تحالف «سائرون» عام 2018، الذي جمع بين قوى مدنية ويسارية وبين التيار الصدري ذي الجذور الدينية–الشعبوية.
وقد قُدّم هذا التحالف بوصفه لحظة سياسية استثنائية تكسر الاصطفافات الطائفية التقليدية وتفتح أفقًا جديدًا للإصلاح من داخل النظام. غير أن هذا التحالف لم يكن تحالفًا على مشروع اجتماعي–اقتصادي تحرري، بل على برنامج إصلاحي عام يركّز على محاربة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة.
ومع دخول «سائرون» إلى البرلمان بوصفه الكتلة الأكبر، بدا وكأن المشروع المدني قد حقق انتصارًا سياسيًا مهمًا. غير أن التجربة العملية كشفت سريعًا حدود هذا «الانتصار». فسرعان ما دخل التحالف في لعبة التوافقات الحكومية والمحاصصة المقنّعة، وفقد طابعه الاحتجاجي لصالح التكيّف مع قواعد النظام.
وهكذا انتهت تجربة «سائرون» إلى إعادة إنتاج منطق النظام بدل كسره، وإلى تحويل اليسار إلى شريك ضعيف في إدارة الأزمة بدل أن يكون قوة تغيير.
6. تشرين 2019: لحظة الانكشاف التاريخي
شكّلت انتفاضة تشرين 2019 لحظة تاريخية كاشفة لأزمة الدولة الريعية وأزمة اليسار الديمقراطي معًا. فالجماهير التي خرجت إلى الشوارع لم تطالب بإصلاحات إجرائية داخل النظام، بل طرحت — ولو بشكل جنيني — سؤال تغيير قواعد اللعبة السياسية ذاتها.
غير أن هذه اللحظة الثورية–الاحتجاجية كشفت في الوقت نفسه هشاشة البنية التنظيمية لليسار العراقي، وعجزه عن التحوّل إلى قيادة تاريخية للحراك الاجتماعي. فلم يكن لدى اليسار مشروع بديل متكامل للدولة الريعية يمكن طرحه على الحراك، ولم يكن لديه تنظيم جماهيري واسع قادر على تحويل الزخم الاحتجاجي إلى قوة سياسية منظمة.
وهكذا وجد اليسار نفسه، مرة أخرى، في موقع المرافق الأخلاقي للحراك لا قائده التاريخي.
7. من مشروع تغيير إلى إدارة أزمة
تكشف التجربة الكاملة لليسار الديمقراطي أن هذا التيار انتقل تدريجيًا من موقع مشروع التغيير إلى موقع إدارة الأزمة. فبدل أن يسعى إلى تفكيك بنية الدولة الريعية، سعى إلى تحسين إدارتها. وبدل أن يبني تنظيمًا اجتماعيًا مستقلًا، انخرط في تحالفات انتخابية ظرفية. وبدل أن يطرح مشروعًا اقتصاديًا بديلًا، اكتفى بخطاب إصلاحي عام.
وهكذا تحوّل اليسار إلى جزء من آليات الاستقرار السياسي للنظام بدل أن يكون قوة تاريخية تهدد هذا الاستقرار.
خلاصة القسم الثالث
إن الاندماج في الدولة الريعية قاد إلى تسييل الهوية اليسارية داخل خطاب مدني إصلاحي. وإن التحالفات الانتخابية قيّدت اليسار بسقف سياسي منخفض. وإن العمل البرلماني دون قاعدة اجتماعية منظمة أفق محدود التأثير. وإن تجربة «سائرون» كشفت حدود الإصلاح من داخل النظام. وإن تشرين 2019 أعادت طرح سؤال التغيير من خارج النظام.
ومن هنا، فإن تجاوز مأزق اليسار الديمقراطي يتطلب قطيعة تاريخية مع منطق الاندماج الإصلاحي، والانتقال إلى مشروع إعادة تأسيس شيوعي جديد.
القسم الرابع
أفق إعادة التأسيس الشيوعي
من نقد الإصلاح إلى بناء البديل التاريخي
تمهيد تأسيسي
إن نقد تجربة اليسار الديمقراطي لا يهدف إلى تصفية حسابات سياسية أو فكرية، بل إلى تجاوز مرحلة تاريخية انتهت إمكاناتها الموضوعية، ولم تعد قادرة على إنتاج أفق تحرري جديد للمجتمع العراقي. فالعراق اليوم لا يعيش أزمة حكومة أو أزمة إدارة أو أزمة فساد فحسب، بل يعيش أزمة دولة ونمط إنتاج ومجتمع في آنٍ واحد. وهي أزمة لا يمكن تجاوزها عبر إصلاحات مؤسسية داخل النظام القائم، بل عبر إعادة تأسيس الدولة والمجتمع على قاعدة جديدة: قاعدة العمل والإنتاج والملكية العامة الاجتماعية.
ومن هنا تنبع الحاجة التاريخية لمشروع إعادة التأسيس الشيوعي.
1. لماذا إعادة التأسيس؟ ضرورة القطيعة التاريخية مع منطق الإصلاح
إن التجارب السياسية التي راهنت على إصلاح الدولة الريعية من داخلها اصطدمت بجدار بنيوي صلب. فالدولة القائمة ليست جهازًا محايدًا يمكن إعادة برمجته، بل هي بنية سلطة طبقية قائمة على احتكار الريع وتوزيعه سياسيًا، وعلى إعادة إنتاج الطائفية والزبائنية والتبعية بوصفها آليات حكم.
ومن هنا، فإن أي مشروع تغييري لا يضع تفكيك الدولة الريعية في قلب استراتيجيته يكون معرضًا للاحتواء أو التهميش، أو للتحول إلى جزء من آليات الاستقرار السياسي للنظام.
إن إعادة التأسيس تعني القطيعة مع منطق الاندماج الإصلاحي داخل النظام، ومع الرهان على البرلمان بوصفه أفق التغيير الحاسم، ومع الاكتفاء بخطاب الدولة المدنية والديمقراطية الإجرائية، ومع تأجيل المسألة الاجتماعية–الاقتصادية إلى «مرحلة لاحقة» غير محددة.
وهي تعني، في المقابل، بناء مشروع تحرري اجتماعي يربط الديمقراطية بتحرير المجتمع من الريع والتبعية والاستغلال.
2. الأساس النظري لمشروع إعادة التأسيس
ينطلق مشروع إعادة التأسيس الشيوعي من إعادة الاعتبار للماركسية بوصفها منهجًا نقديًا تاريخيًا لتحليل المجتمع وتغييره، لا بوصفها عقيدة جامدة أو نموذج دولة جاهزًا للاستنساخ.
ويعتمد هذا المشروع النهج التشكيكي النقدي التجديدي في الماركسية واللينينية إطارًا منهجيًا يقوم على تفكيك التجارب الاشتراكية السابقة واستخلاص دروسها بدل تقديسها، ونقد الرأسمالية المعاصرة والنيوليبرالية كنظام عالمي مهيمن، وتحليل الاقتصاد الريعي بوصفه نمطًا خاصًا في الأطراف التابعة، وإعادة صياغة مفهوم الدولة من منظور اجتماعي–طبقي تحرري، وتجديد أدوات التنظيم السياسي والاجتماعي بما ينسجم مع شروط القرن الحادي والعشرين.
فالهدف ليس إعادة إنتاج نماذج القرن العشرين، بل بناء يسار جديد يستجيب لشروط المجتمع الريعي وتناقضاته، ويعيد وصل الماركسية بعصرها.
3. إعادة تعريف اليسار في المجتمع الريعي
في المجتمع الريعي العراقي لا يمكن تعريف اليسار انطلاقًا من نماذج الرأسمالية الصناعية الغربية. فاليسار هنا ينبغي أن يُعرَّف بوصفه حركة اجتماعية لتحرير المجتمع من الريع والتبعية، وقوة سياسية تمثّل مصالح العمال والكادحين والعاطلين والشباب والنساء، ومشروعًا اقتصاديًا لإعادة بناء الدولة على قاعدة الإنتاج والعمل، وبرنامجًا وطنيًا للسيادة الاقتصادية والتنمية الاجتماعية.
فاليسار ليس تيارًا مدنيًا ديمقراطيًا فحسب، بل حامل مشروع تحرر اجتماعي شامل يعيد الاعتبار لقيمة العمل المنتج، ويحوّل الثروة النفطية من أداة هيمنة إلى أداة تنمية اجتماعية.
4. الديمقراطية الاجتماعية لا الديمقراطية الإجرائية
يضع مشروع إعادة التأسيس الشيوعي مفهوم الديمقراطية في قلب مشروعه، لكنه يرفض اختزالها في إجراءات انتخابية ومؤسسات شكلية. فالديمقراطية، في هذا المشروع، ليست فقط تداولًا سلميًا للسلطة وتعددية حزبية وحريات عامة، بل هي قبل كل شيء سيطرة اجتماعية على الثروة الوطنية، ومشاركة شعبية فعلية في صنع القرار الاقتصادي، وحق العمل بوصفه حقًا سياسيًا واجتماعيًا، وربط الحرية السياسية بالأمن الاقتصادي والاجتماعي.
وبذلك تتحول الديمقراطية من آلية لتداول السلطة بين النخب إلى أداة لتحرير المجتمع من التبعية والاستغلال.
5. الدولة بوصفها أداة تحرر اجتماعي
لا يرى مشروع إعادة التأسيس الدولة بوصفها جهازًا محايدًا يمكن إصلاحه إداريًا، بل بوصفها ساحة صراع اجتماعي يمكن تحويلها إلى أداة تنظيم اجتماعي تحرري.
الدولة المطلوبة هي دولة إنتاج وتنمية لا دولة توزيع ريعي، ودولة عمل لا دولة زبائنية، ودولة سيادة اقتصادية لا دولة تبعية، ودولة عدالة اجتماعية لا دولة امتيازات طبقية. وهذا يقتضي إعادة بناء الدولة على قاعدة الملكية العامة الاجتماعية للثروات الاستراتيجية، وفي مقدمتها النفط، وربطها بمشروع وطني للتصنيع والزراعة والخدمات الإنتاجية.
6. التنظيم الاجتماعي بوصفه قلب المشروع
لا يمكن لأي مشروع تحرري أن يتحقق دون قوة اجتماعية منظمة. ومن هنا، فإن مشروع إعادة التأسيس يضع بناء التنظيم الاجتماعي في قلب استراتيجيته. وهذا التنظيم لا يقتصر على الحزب السياسي بالمعنى التقليدي، بل يشمل تنظيمات العمال في مواقع العمل، وتنظيمات العاطلين والشباب، وتنظيمات النساء والكادحين في الريف والمدينة، وشبكات التضامن الاجتماعي والاقتصادي.
فاليسار الجديد لا يُبنى في البرلمان فقط، بل يُبنى في المصانع والورش والمدارس والجامعات والأحياء الشعبية.
7. من الانتفاضة إلى المشروع التاريخي
تُعدّ انتفاضة تشرين لحظة تاريخية كاشفة لإمكانات التغيير الاجتماعي في العراق، لكنها كشفت في الوقت نفسه غياب القيادة والتنظيم والبرنامج البديل. ومن هنا، فإن مهمة اليسار الجديد ليست تمجيد تشرين بوصفها ذكرى احتجاجية، بل تحويل روحها إلى مشروع تاريخي منظّم: تحويل الغضب إلى وعي طبقي، وتحويل الاحتجاج إلى تنظيم، وتحويل الشعارات إلى برنامج، وتحويل الشارع إلى قوة سياسية تاريخية.
8. الأفق التاريخي لمشروع إعادة التأسيس
لا يطرح مشروع إعادة التأسيس الشيوعي نفسه بوصفه انقلابًا سياسيًا فجائيًا، بل بوصفه مسارًا تاريخيًا طويل النفس لبناء بديل اجتماعي–اقتصادي–سياسي. إنه مشروع تراكمي لا انتظاري، اجتماعي لا نخبوي، وطني لا تابع، تحرري لا إصلاحي. وهو لا يعد بالجنة على الأرض، بل يفتح أفقًا تاريخيًا لتحرير المجتمع من الريع والتبعية والاستغلال.
الخاتمة السياسية للوثيقة
من إدارة الأزمة إلى تغيير جذورها من الإصلاح إلى التحرر الاجتماعي من الدولة الريعية إلى دولة العمل والعدالة
إن العراق اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: فإما الاستمرار في إدارة الأزمة داخل بنية دولة ريعية–محاصصاتية عاجزة عن إنتاج التنمية والسيادة والعدالة، أو الشروع في مسار تاريخي جديد يعيد تأسيس الدولة والمجتمع على قاعدة العمل والإنتاج والملكية العامة الاجتماعية.
لقد أثبتت تجربة اليسار الديمقراطي أن الإصلاح من داخل النظام القائم بلغ حدوده القصوى، وأن الديمقراطية الإجرائية والدولة المدنية، بصيغتهما المتداولة، لا تشكّلان مشروع تحرر اجتماعي.
ومن هنا، فإن الحاجة المطروحة اليوم ليست ترميم خطاب الإصلاح، بل بناء مشروع تحرري جديد يعيد الاعتبار لمركزية الاقتصاد السياسي والصراع الاجتماعي بوصفهما قلب أي تغيير تاريخي.
إن العراق بحاجة إلى يسار لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يسعى إلى تغيير جذورها؛ يسار لا يكتفي بمحاربة الفساد، بل يفكك النظام الذي ينتجه؛ يسار لا يكتفي بالمطالبة بالديمقراطية، بل يبني ديمقراطية اجتماعية فعلية؛ ويسار لا يكتفي بالدولة المدنية، بل يبني دولة اجتماعية تحررية.
وهذا هو أفق مشروع إعادة التأسيس الشيوعي في العراق.
•••
ملحق المصطلحات
المصطلحات المركزية الواردة في الوثيقة
الدولة الريعية–المحاصصاتية: نمط دولة يقوم على احتكار الثروة النفطية وتوزيعها سياسيًا عبر نظام محاصصة طائفية–إثنية، ويعيد إنتاج الهيمنة الطبقية عبر الزبائنية والفساد والتبعية.
نمط الإنتاج الريعي: نمط اقتصادي يقوم على استخراج مورد طبيعي وتصديره بدل الإنتاج الاجتماعي الواسع، ويجعل الدولة المالك والموزّع المركزي للثروة.
الاندماج الإصلاحي: اندماج القوى المعارضة داخل آليات الحكم الريعي تحت شعار الإصلاح المؤسسي، بما يحوّلها إلى جزء من آليات الاستقرار السياسي للنظام.
الديمقراطية الإجرائية: صيغة للديمقراطية تختزلها في الانتخابات والمؤسسات الشكلية دون مضمون اجتماعي–اقتصادي تحرري.
الديمقراطية الاجتماعية: صيغة ديمقراطية تربط الحرية السياسية بالسيطرة الاجتماعية على الثروة، وبحق العمل والعدالة الاجتماعية.
الدولة المدنية: إطار قانوني–مؤسسي لإدارة التعدد السياسي لا يشكّل بحد ذاته مشروع دولة اجتماعية تحررية.
السيطرة الاجتماعية على الثروة: خضوع الثروات الوطنية لإدارة المجتمع عبر الدولة بوصفها أداة تنظيم اجتماعي لا أداة هيمنة طبقية.
الزبائنية السياسية: نمط حكم يقوم على توزيع المنافع مقابل الولاء السياسي، ويشكّل الآلية الاقتصادية اليومية لإعادة إنتاج الهيمنة الريعية.
النهج التشكيكي النقدي التجديدي في الماركسية واللينينية: منهج فكري يعيد وصل الماركسية واللينينية بعصرهما عبر الشك المنهجي في المسلّمات، والنقد الجدلي للواقع، والتجديد المستمر للأدوات النظرية والتنظيمية.
مشروع إعادة التأسيس الشيوعي: مشروع تاريخي لتحرير المجتمع العراقي من الريع والتبعية والاستغلال عبر إعادة بناء الدولة والمجتمع على قاعدة العمل والإنتاج والملكية العامة الاجتماعية.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
-
الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
-
بين فنزويلا والعراق
-
من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
-
الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
-
من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
-
النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
-
قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع
...
-
من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
-
الهوية بين الأصالة والدونية
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
-
إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف
...
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
-
الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع
...
-
الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
ماذا يريد الشيوعيون؟
-
الوثيقة المركزية لإعادة التأسيس الشيوعي في العراق - يا شيوعي
...
-
لماذا خسر الحزب؟ وما الذي يجب فعله الآن؟
المزيد.....
-
-ستارلينك أصبحت متاحة مجانًا في إيران-.. مصدر يوضح لـCNN الت
...
-
ما هي الخيارات المحتملة على طاولة ترامب لحسم الأوضاع في إيرا
...
-
ترامب يقوم بـ-إشارة بذيئة- لشخص خلال جولة في مصنع.. والبيت ا
...
-
رضا بهلوي يوجه -رسالة- إلى الجيش الإيراني بشأن الاحتجاجات
-
غوتيريش يهدد بإحالة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية بسبب أون
...
-
واشنطن تقترب من تعيين لجنة فلسطينية لإدارة غزة وشعت مرشح لرئ
...
-
المغرب يحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2976
-
مشروع قانون لجعل غرينلاند -الولاية الأميركية الـ51-
-
تنازل السوداني للمالكي عن رئاسة الوزراء يثير جدلا في العراق
...
-
الشهراني يبحث في عدن ترتيبات أمنية وعسكرية للمرحلة المقبلة
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|