علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 23:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قراءة ماركسية هادئة في أطروحات د. سلام قاسم حول الحزب الشيوعي العراقي
وفي وثيقة إعادة التأسيس الشيوعي
د. علي عبد الرضا طبله
2كانون الثاني 2026
هذا النص ليس سجالًا ولا ردًّا انفعاليًا، وليس دفاعًا غرائزيًا عن حزبٍ عريقٍ يواجه أزمة تاريخية. إنه محاولة لتثبيت وتطوير حوارٍ بدأ داخل الحركة الشيوعية العراقية، وامتدّ خارجها، حول سؤالٍ أصبح مصيريًا: كيف يمكن لحزبٍ وُلد من رحم الصراع الطبقي، ودفع أثمانًا هائلة في السجون والمنافي والمشانق، أن يستعيد دوره التاريخي في مجتمعٍ صار ريعيًا–فصائليًا–زبائنيًا حتى الصميم؟
في هذا السياق، تأتي مقالات الباحث والصديق د. سلام قاسم، رئيس تحرير صدى الناس لسان حال التيار الديمقراطي العراقي — ومن بينها مقالته الأخيرة حول “الانتقال من الحزب الانتخابي إلى الحزب الاجتماعي المشتبك” — بوصفها مساهمة فكرية تستحق التوقّف أمامها نقديًا، بعيدًا عن الشخصنة، وبروحٍ ماركسية ترى في النقد أداة معرفة وتصحيح لا سلاح تصفية. ولا يُخفى أن عددًا من أطروحاته يقترب — أحيانًا بصورة لافتة — من المسار النظري–العملي الذي قدّمناه في وثائق إعادة التأسيس الشيوعي في العراق، خصوصًا وثيقة النقد والنقد الذاتي: من ثقافة التبرير إلى منهج التصحيح الثوري.
لكن التشابه لا يُلغي الفارق المنهجي. فسلام يكتب من موقع الباحث أو الدائرة اليسارية–الديمقراطية الأوسع، بينما نكتب نحن من داخل الجسد الذي يخضع للجراحة: الحزب الشيوعي العراقي نفسه، ببنيته، وتاريخه، وجراحه، وأزماته، وانكساراته، وإمكاناته غير المستنفدة.
ومن هنا تأتي هذه المقالة، ليس لنفي الآخر، بل لوضع النقاش في إطاره الماركسي الدقيق، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بمفاهيم من وزن: الاشتباك، الطبقة، الريع، الحزب، الانتخابات، والتحالفات.
أولًا: عن المجتمع الريعي–الفصائلي… ومحدودية الاشتباك “الاجتماعي”
ينطلق د. سلام من توصيف بنيوي صحيح إلى حدّ بعيد: العراق بعد 2003 لم يعد دولةً رأسماليةً صناعيةً بقدر ما صار دولةً ريعيةً–فصائلية، تُعاد فيها صياغة السلطة عبر النفط، والسلاح، والشبكات الزبائنية. هذه البنية لا تنتج مواطنة، بل تبعية؛ ولا تنتج طبقة عاملة صناعية مستقرة، بل قوى عمل هشّة تُستوعب عبر عقود مؤقتة، وظائف زبائنية، وإعانات.
هذا التشخيص مهم لأنه ينسف الوهم القائل بأن صندوق الاقتراع — وحده — قادر على تفكيك بنية كهذه. وهو ما سبق أن شدّدنا عليه مرارًا: الانتخابات، في ظل دولة ريعية–فصائلية، ليست “تعبيرًا عن الإرادة الشعبية” بقدر ما هي آلية لإعادة تدوير الشرعية داخل نفس المنظومة.
لكن المشكلة تبدأ حين يُستبدل الاشتباك الطبقي بمفهومٍ أكثر عمومية هو “الاشتباك الاجتماعي”. فالمصطلح الأخير — مهما حُسنت النوايا — قد يذيب الطبقة وسط المجتمع، ويخلط بين العمل الخيري، والعمل المدني، والعمل المطلبي، والعمل الطبقي المنظم. لذلك نقول:
نعم للاشتباك — لكن اشتباك طبقي واعٍ، لا مجرد حضورٍ اجتماعي عام.
إن الطبقة ليست هوية ثقافية أو فئوية، بل موقع في عملية الإنتاج. وما لم يُبنِ الحزب حضوره في قلب علاقات العمل، في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، في مواقع القهر المادي حيث تُصنَع القيمة ويُنتَهب الجهد، فإن حضوره سيظل “اجتماعيًا عامًا” لا “طبقيًا مؤثرًا”.
هنا بالضبط تتمايز دعوتنا لإعادة التأسيس:
لسنا حركة تحسين اجتماعي،
بل حركة صراع طبقي تاريخية.
ثانيًا: الحزب الانتخابي… وحدود صناديق بلا طبقة
يؤكد د. سلام — ونحن نتفق معه — أن قياس قوة الحزب بعدد المقاعد النيابية وهمٌ قاتل، خصوصًا حين تتحكم بالعملية السياسية قوى السلاح والريع والزبائنية. لكننا نذهب أبعد:
المشكلة ليست في النتائج،
بل في تحوّل الانتخابات إلى بديل عن الطبقة.
حين يفقد الحزب عمقه الاجتماعي، يبحث عن شرعيته في مجلس النواب، بدل أن يبحث عنها في قلب حياة الناس. ومع الوقت، تتحول كل دورة انتخابية إلى رهانٍ مصيري، بينما تُترك مهمة التنظيم الطبقي اليومي في الهامش.
ولذلك نؤكد:
الانتخابات وسيلة،
لا مسرح المعركة الرئيس،
ولا مقياس الشرعية الوحيد.
وإذا أردنا استعارة مفهومٍ جميل استخدمه سلام، فإننا لا نرفض “الحزب الاجتماعي المشتبك”، لكننا نعيد تعريفه جذريًا: ليس الحزب الذي يحضر اجتماعيًا، بل الحزب الذي ينظّم الطبقة تنظيميًا وسياسيًا — ويحوّل الحضور الاجتماعي إلى قوة تاريخية واعية.
ثالثًا: سلام عادل… والاشتباك الصغير كمدخل لانتصار كبير
ليس جديدًا على الشيوعيين العراقيين التفكير في الاشتباك اليومي الصغير.
فالقائد الشهيد سلام عادل — وهو رمز لا يحتاج إلى قداسة لكي يُحترم — كان يؤكد باستمرار أن النضال لا يُختصر في معارك كبرى أو شعارات مجلجلة، بل يُبنى عبر انتصارات صغيرة، متراكمة، متلاحقة، قابلة للتحقق، لصيقة بلحم الحياة اليومية.
سلام عادل لم يكن يرى “الاحتجاج الصغير” مجرد خطوة تكتيكية، بل رآه حلقةً تأسيسية في بناء الثقة. فحين يربح الحزب معركة بسيطة — رواتب متأخرة، ظلم إداري، عقدٍ مجحف، تهديد تهجير — فإنه لا يربح قضيةً فحسب، بل يربح الناس، ويُثبت أن الحزب ليس رأسًا متكلمًا، بل كتفًا يُسند.
هذا الفهم العميق هو ما نحاول إحياؤه اليوم:
أن نعود إلى الشارع،
لا خطيبين عليه،
بل شركاء في ألمه،
منظمين لغضبه،
محوّلين الوعي المشوش إلى وعي طبقي صلب.
وهذا — مرة أخرى — أبعد من “الاشتباك الاجتماعي”
إنه الاشتباك الطبقي المنظم والمدروس.
عن الديمقراطية الداخلية، وعن مأزق التحالفات، وعن الفارق بين خطابٍ إصلاحي من خارج الحزب ومشروعٍ جذري لإعادة التأسيس من داخله.
رابعًا: الديمقراطية الداخلية… حين يصبح النقد شرطًا للبقاء لا رفاهية أخلاقية
أحد أهم الأسئلة التي يطرحها د. سلام — بل يلمّح إليه أكثر مما يصرّح — هو موقع الديمقراطية الداخلية في الحزب. وهنا يلتقي نصّه مع جوهر وثيقتنا حول النقد والنقد الذاتي. لكن الفارق بين موقعينا يبقى حاسمًا: سلام ينصح الحزب، أما نحن فنخضع أنفسنا للمشرط.
إن الحزب الشيوعي، لكي يكون طليعة طبقية حقيقية، لا يكفي أن يتبنى خطابًا نقديًا تجاه الدولة الريعية–الفصائلية. عليه أن يسمح بالنقد في داخله أولًا، وأن يراه جزءًا من بنائه لا خطرًا عليه. الخطأ لا يُمنع بالصمت، بل بالمراجعة. والهيبة لا تُصان بإقصاء الأسئلة، بل بامتلاك شجاعة الإجابة.
ولذلك نقول بلا مواربة: لا إعادة تأسيس بلا ديمقراطية داخلية فعّالة، تداول للمسؤولية السياسية، شفافية تنظيمية، مساحة للاختلاف ضمن وحدة البرنامج الطبقي العام، ومسار مصالحة تاريخية مع كل الرفاق الذين خرجوا أو أُخرجوا أو انسحبوا بصمت. فالحزب الذي يخاف من تاريخه ومن رفاقه السابقين، سيخاف حتمًا من الطبقة التي يدّعي تمثيلها.
إن استعادة الديمقراطية الداخلية ليست مسألة أخلاقية مجردة، بل شرط تنظيمي لبناء الثقة. ومن دون الثقة، لا يمكن لحزبٍ طبقي أن يقود معركة واحدة، لا اجتماعية ولا سياسية ولا نقابية.
خامسًا: التحالفات… حين يصبح التكتيك قدرًا دائمًا
ينتقد د. سلام — وهذا يُحسب له — هشاشة التحالفات المدنية–الديمقراطية، ويشير إلى أن تبديد الأصوات في الانتخابات الأخيرة جاء نتيجة تشظي القوى المعارضة. لكن هذا المستوى من النقد، رغم أهميته، يظل قريبًا من السطح إذا لم يُربط بالسؤال الأعمق: ما معنى التحالف أصلًا؟ ومع من؟ وبأي ثمن؟ وتحت أي سقف طبقي؟
إن تجربة الحزب الشيوعي العراقي — خصوصًا منذ منتصف القرن الماضي — مفعمة بدروس مريرة حول التحالفات. بعضها انتهى قمعًا واغتيالًا ومشانق، وبعضها انتهى تهميشًا وتذويبًا سياسيًا. لكن الجوهر واحد: حين يدخل الحزب تحالفًا من موقع ضعف اجتماعي، ويعوّل على الحليف أكثر مما يعوّل على طبقته، فإنه يضع نفسه في قلب تناقض لا يملك السيطرة عليه.
التحالف في المنهج الماركسي ليس غاية ولا قدرًا، بل أداة مشروطة. وهو لا يكون مشروعًا إلا إذا حافظ الحزب على استقلال قراره، وعلى خطه الطبقي، وعلى قدرته على الانسحاب حين يُطلب منه أن يصمت عن الجريمة أو الفساد أو القمع. التحالفات التي تُدار بعنوان “الضرورة الوطنية” من فوق، بينما تُترك القاعدة الاجتماعية بلا تنظيمٍ من تحت، تتحول سريعًا إلى قيدٍ على الحزب لا إلى مساحة حركة.
ولذلك فإن الخروج من مأزق التحالفات لا يكون بتوسيعها كيفما اتفق، بل بإعادة تأسيسها على قاعدة طبقية صارمة: الحليف ليس من يوقّع معنا بيانًا، بل من تمسّ مصالحه الفعلية، في الصراع الاجتماعي، مصالح الطبقة العاملة والكادحين.
سادسًا: الاشتباك… بين “الاجتماعي” و“الطبقي”
هنا نصل إلى قلب النقاش المفهومي. د. سلام يستخدم مصطلح “الحزب الاجتماعي المشتبك”. وهو مصطلح فيه روح نقدية مهمة، لكنه يظل — حتى في أقصى طاقته — أقل دقة من مصطلح الاشتباك الطبقي.
فالاشتباك “الاجتماعي” قد يشمل قضايا عادلة، ولكن غير طبقية تمامًا: حقوق المستهلك، قضايا بيئية عامة، ملفات خدمات. كل هذه ساحات مهمة، لكن الحزب الشيوعي لا يصبح حركة تاريخية إلا حين يقود الاشتباك في قلب علاقة العمل: الأجر، التشغيل، العقود، التأمين، الاستغلال، الاقتصاد غير الرسمي، موقع النساء العاملات، البطالة الهيكلية، الهجرة الطبقية.
إن ما نطرحه ليس مجرد اشتباك مع “المجتمع”، بل اشتباك مع بنية الاستغلال فيه. وهذا ما يميّز العودة إلى الطبقة عن مجرّد “العودة إلى الشارع”.
ومن هنا، فإن اشتراك سلام معنا في نقد مركزية الانتخابات، وفي نقد هشاشة الأدوات الحزبية، وفي الدعوة إلى حضور يومي بين الناس — كل ذلك يفرحنا ويدعونا للاطمئنان بأن النقاش بدأ يتحرك في الاتجاه الصحيح. لكنه لا يعفي من الحسم المفاهيمي: الاشتباك الذي نريده اشتباكٌ طبقي لا اجتماعي محايد.
سابعًا: لماذا نختلف — بهدوء — رغم أننا نلتقي كثيرًا؟
نلتقي مع د. سلام في جوهر أساسي: الحزب الشيوعي العراقي بحاجة إلى إعادة تأسيس عميقة، لا إلى تجميل لغوي أو إعادة ترتيب إداري. ونلتقي معه في رفض تحويل الانتخابات إلى معيار شرعية وحيد، وفي ضرورة العودة اليومية إلى هموم الناس الحقيقية.
لكننا — من داخل الحزب لا من خارجه — نذهب خطوة أبعد:
نحن لا نريد حزبًا “إصلاحيًا اجتماعيًا أوسع حضورًا”،
بل نريد حزبًا ثوريًا طبقيًا أكثر تنظيمًا ووعيًا.
نريد حزبًا لا يهرب من تاريخه، ولا يقدّسه.
لا يخاف من النقد، ولا يختبئ خلف شعارات عامة.
لا يذوب في الدولة المدنية، ولا يتصالح مع الطبقة الحاكمة،
بل يطرح نفسه بديلاً تاريخيًا لها — معرفيًا، أخلاقيًا، وتنظيميًا.
ومن هنا، فإن مقالات سلام — بما فيها مقالته الأخيرة — تمثّل بالنسبة لنا مادة حوار لا مادة خصومة. وهي تكشف أيضًا أن ما بدأناه في مشروع إعادة التأسيس الشيوعي لم يعد شأنًا داخليًا محضًا، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع حول معنى اليسار في العراق اليوم.
وهذا تطوّر إيجابي يجب تثبيته لا مهاجمته.
خاتمة: من الاعتراف إلى الفعل — ومن الاشتباك العام إلى الاشتباك الطبقي
إذا أردنا تلخيص هذا النقاش الطويل، فيمكن القول إن ما يقدّمه د. سلام قاسم يقترب — في كثير من جوانبه — من الروح العامة لمشروع إعادة التأسيس. لكنه يظل — بطبيعة موقعه — أقرب إلى خطاب إصلاحي نقدي خارجي. أما ما نطمح إليه، من داخل الحزب، فهو شيء أكثر جذرية:
إعادة تعريف الحزب بوصفه أداة للصراع الطبقي،
لا مجرد قوة ضغط اجتماعي أو شريك انتخابي.
إننا نرحّب بكل نقد علمي هادئ، خصوصًا حين يأتي من وطنيين صادقين. لكن مسؤوليتنا التنظيمية والسياسية أكبر من الترحيب؛ فهي تفرض علينا أن نحوّل النقد إلى مراجعة، والمراجعة إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى تراكم تاريخي ملموس.
وهذا لن يتحقق إلا إذا عدنا حقًا إلى الطبقة — لا كشعار، بل كمنهج حياة ونشاط وتنظيم.
بهذا المعنى، فإن النقاش مع د. سلام قاسم ليس نهاية، بل بداية. بداية لوعيٍ جديد، ولحوارٍ لا يخاف من الأسئلة الصعبة، ولحزبٍ لا يخاف من صورته في المرآة، ولإعادة تأسيسٍ لا يريد أن يكون مجرد نص — بل مشروعًا تاريخيًا حيًا.
تمام — سأواصل بنفس السردية المنهجية الأكاديمية، دون تعداد إلا حيث يفرضه المنطق. وسأدمج الآن الفقرة التوثيقية عن الشهيد سلام عادل، ثم أختم المقال بربطه بمشروعنا العام وإشارات منهجية محسوبة.
ملحق توثيقي –
سلام عادل: حين يصبح الانتصار الصغير جزءًا من استراتيجية كبرى
لا يمكن أن نتحدث عن فكرة “الاشتباك اليومي مع هموم الناس” دون أن نستحضر تجربة واحدة من أنقى وأشد التجارب نقاءً في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية: تجربة الشهيد سلام عادل.
لم يكن سلام عادل قائدًا تنظيميًا بالمعنى الإداري للكلمة. كان قائدًا في المعنى التاريخي الأعمق: رجلًا ربط الحزب بالناس ربطًا عضويًا حيًّا. كان يؤمن — لا شعارًا، بل ممارسة — أن الحزب لا يعيش في اجتماعاته ولقاءاته، بل حيث يعيش الكادحون فعليًا: في المصانع، الموانئ، السكك، المزارع، الأحياء الفقيرة، المدارس، المقاهي الشعبية، غرف العمال المشتركة، والبيوت التي لا يصلها الضوء إلا في آخر النهار.
كان يؤكد، بإصرار لافت، أن الانتصار الصغير المتكرر ليس تفصيلًا ثانويًا، بل بنية تراكمية واعية. أن تُساعد عمّال مصنع على انتزاع مستحقاتهم، أن تمنع فصل عامل بسبب انتمائه، أن تدعم معلمًا في صراع مهني، أن تقود حملة تضامن مع عائلة شهيد — كل ذلك لم يكن عنده نشاطًا جانبيًا، بل هو الحزب نفسه. لأن هذه الانتصارات الصغيرة هي التي تبني الثقة، وتصنع العلاقة الحية بين الحزب وطبقته، وتحوّل التنظيم من نص إلى روح.
ولذلك كان يرى أن الحزب الذي لا يربح معركة يومية معيشية للكادحين، حتى لو كانت “صغيرة”، لن يربح أي معركة كبرى. لأن المعركة الكبرى ليست حدثًا يقع فجأة، بل نتيجة تراكم تاريخي من الاشتباكات الصغيرة المنظمة، الواعية، المتصلة، التي تجعل الناس يشعرون — لا يسمعون فقط — أن الحزب معهم لا عليهم، ومعهم لا فوقهم، ومعهم لا بعيدًا في خطابه.
بهذا المعنى، فإن استحضار سلام عادل ليس حنينًا إلى الماضي ولا تقديسًا للأسماء. بل هو استعادة لمنهج تقوم عليه كل إعادة تأسيس جادة: أن الحزب ليس جهازًا إداريًا ولا منصة انتخابية، بل حركة طبقية تعمل يوميًا حيث يتحدد مصير العمال والكادحين، لا حيث تُكتب الخطب.
صلة المقال بمشروع إعادة التأسيس — من وحدة النقد إلى وحدة الاتجاه
هذه المناقشة مع د. سلام قاسم، بكل ما فيها من تقاطعات واختلافات، ليست حادثة عابرة ولا سجالًا صحفيًا طارئًا. إنها — في جوهرها — جزء من النقاش الكبير الذي فتحناه في وثيقة “النقد والنقد الذاتي — من ثقافة التبرير إلى منهج التصحيح الثوري”، ثم عمّقناه في وثائق العودة إلى الطبقة، الوطنية والحاضنة الاجتماعية، والتحالفات.
ولذلك فإن هذا المقال ليس ردًّا على شخص، بل مساهمة في تحديد اتجاه:
الحزب الذي نريده ليس حزبًا “اجتماعيًا مشتَبكًا” بالمعنى العام،
بل حزبًا طبقيًا ثوريًا منخرطًا بوعي في صراع اجتماعي طبقي مفتوح.
لا نخشى الاعتراف.
ولا نخشى الاختلاف.
ولا نخشى قراءة تاريخنا بعين نقدية.
لكننا — في الوقت نفسه — نرفض أن يصبح النقد استبدالًا للموقف الطبقي، أو أن يتحول إلى خطاب عام بلا حسم مفهومي. لذلك كان لا بد من التوضيح: الاشتباك الذي ننشده ليس اشتباكًا اجتماعيًا عامًا، بل اشتباك طبقيًا محددًا في بنية الاستغلال نفسها.
وهنا تكمن خصوصية مشروعنا:
نحن لا نكتب من خارج الحزب، بل من داخله.
لا نكتب بوصفنا مراقبين، بل فاعلين.
ولا نقدّم “نصائح أخلاقية”، بل برنامجًا لإعادة بناء العلاقة التاريخية بين الحزب وطبقته.
كلمة أخيرة — امتنان بلا تبعية، واختلاف بلا خصومة
يبقى ما يقدمه د. سلام قاسم — بكل صراحة — جهدًا مهمًا، وعلينا أن نثمّنه لأنه يحرّك المياه الراكدة. بل يمكن القول إن كثيرًا مما طرحه يلتقي مع جوهر ما ناضلنا لصياغته في مشروع إعادة التأسيس. وهذا أمرٌ يبعث على الارتياح: لأن الفكر لا يتقدم إلا حين يصبح الحوار ظاهرة عامة، لا همسًا داخل غرف مغلقة.
لكن التثمين لا يعني التطابق. ففي الوقت الذي يرى فيه سلام ضرورة الانتقال إلى “حزب اجتماعي مشتَبك”، نرى نحن ضرورة العودة الجذرية إلى الاشتباك الطبقي، وإعادة تعريف الحزب كطليعة طبقية لا قوة احتجاج اجتماعي عام.
وإذا كانت أطروحاته مفيدة للحزب من الخارج، فإن مسؤوليتنا — نحن — أن نحولها من وعي نقدي إلى بنية تنظيمية تاريخية.
بهذا المعنى، لا نعتبر هذا المقال نهاية نقاش، بل بداية مستوى أعلى منه: مستوى نطرح فيه السؤال، لا عن البلاغات، ولا عن المقالات، بل عن الواقع الفعلي للصراع الطبقي في العراق، وكيف يجب أن يتموضع الحزب فيه.
وما دام هذا السؤال مفتوحًا، سيبقى مشروع إعادة التأسيس مشروعًا حيًا، لا نصًا مكتوبًا فقط.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟