علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 18:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة
حلقات نقدية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي
الحلقة الأولى
د. علي طبله
2026 آيار 21
النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه
«إذا لم نكن بصدد تصميم المستقبل أو تقديم حلول جاهزة لكل زمان، فإن ما نملكه، مع ذلك، هو إدراك أوضح لما ينبغي إنجازه في الحاضر: ممارسة نقد لا يرحم لكل ما هو قائم؛ نقد لا يرحم بمعنيين: ألا يخاف من استنتاجاته الخاصة، وألا يخشى الصراع مع السلطات القائمة».
كارل ماركس، رسالة إلى أرنولد روغه، 1843.
«إن الاعتراف الصريح بالخطأ، وتحديد أسبابه، وتحليل الظروف التي أدت إليه، ومناقشة وسائل تصحيحه مناقشة وافية، هو علامة الحزب الجاد».
لينين، الشيوعية اليسارية: مرض طفولي، 1920.
هذه الحلقة هي الأولى من سلسلة حلقات نقدية رفاقية تُنشر تباعًا تحت عنوان: نحو إعادة تأسيس شيوعية عراقية معاصرة. وهي ليست خروجًا على الحزب، ولا هجومًا عليه، ولا محاولة لتصفية حساب مع تاريخه أو رموزه أو رفاقه. إنها مساهمة نقدية تنطلق من الوفاء للحزب الشيوعي العراقي، ومن الحرص على معناه التاريخي، ومن القلق على مستقبله، ومن الإيمان بأن الحزب الذي قدّم كل تلك التضحيات لا يستحق المجاملة الصامتة، بل النقد الجاد الذي يساعده على أن يعود حزبًا للكادحين والعمال والنساء، والشباب، والاشتراكية، والحياة.
لا تُكتب هذه السلسلة بوصفها بيانًا احتجاجيًا عابرًا، ولا بوصفها خطابًا تنظيميًا موجَّهًا إلى لحظة محدودة، ولا بوصفها رغبة في استعادة جروح قديمة من أجل تثبيتها في الذاكرة. إنها تُكتب بوصفها مساهمة رفاقية في لحظة يواجه فيها الحزب الشيوعي العراقي، والحركة الشيوعية والعمالية واليسارية في العراق عمومًا، سؤالًا عميقًا يتجاوز حدود الأداء اليومي والنتائج الانتخابية والضعف الإعلامي. إنه سؤال البقاء التاريخي: هل يستطيع الحزب أن يستعيد وظيفته بوصفه حزبًا ماركسيًا ولينينيًا للكادحين والعمال والفقراء والنساء والشباب والمهمشين، أم يكتفي بأن يبقى اسمًا عظيمًا في الذاكرة الوطنية وهيكلًا تنظيميًا قائمًا في الحاضر، لكن بوظيفة اجتماعية آخذة في التراجع؟
إن هذه الحلقات لا تقف خارج الحزب كي تحاكمه، ولا تتحدث إليه بروح الخصومة أو التشفي، بل تنطلق من الوفاء له، ولتاريخه، ولشهدائه، ولمناضليه، ولرفاقه الذين أعطوا أعمارهم وصحتهم وأحلامهم في السجون والمنافي والجبال والمدن والبيوت السرية ومواقع العمل الصامت. لكن الوفاء، في الفهم الماركسي واللينيني، لا يعني التقديس، ولا يعني السكوت عن الأخطاء، ولا تحويل التاريخ إلى حصانة ضد النقد. فالوفاء الحقيقي للحزب هو أن نطالبه بأن يكون جديرًا بتاريخه، لا أن نطلب من التاريخ أن يغطي ضعفه الراهن.
والوفاء للشهداء لا يكون بتكرار أسمائهم في المناسبات فقط، بل بمنع الحزب الذي استشهدوا من أجله من أن يتحول إلى طقس أو ذاكرة منفصلة عن المجتمع. والوفاء للماركسية واللينينية لا يكون بحفظ العبارات وتكرارها، بل باستعمال منهجهما في نقد الواقع ونقد الذات معًا.
لقد اختار ماركس أن يعرّف مهمة النقد بأنها نقد لا يرحم لكل ما هو قائم. وليس المقصود بذلك القسوة اللفظية أو الإدانة الأخلاقية السهلة، بل أن النقد لا ينبغي أن يخاف من نتائجه، ولا من الصراع مع السلطات القائمة. وهذه السلطات ليست خارجية فقط. فهناك سلطة الدولة، وسلطة رأس المال، وسلطة الطائفة، وسلطة العشيرة، وسلطة القومية، وسلطة الذكورية، وسلطة العادة، وسلطة الموقع التنظيمي، وسلطة الذاكرة غير المراجَعة. وحين يصبح النقد انتقائيًا، أو حين يجرؤ على خصومه ويخاف من ذاته، فإنه يفقد طابعه التحرري ويتحول إلى أداة دفاعية.
ولهذا السبب نستدعي قول لينين عن الحزب الجاد الذي يعترف صراحة بخطئه، ويحدد أسبابه، ويحلل الظروف التي أدت إليه، ويناقش وسائل تصحيحه. إن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا. الضعف هو إنكار الخطأ أو دفنه أو تبريره بلغة الظروف الموضوعية وحدها. والجرأة ليست في نقد الخصوم فقط، بل في امتلاك شجاعة النظر إلى الذات. والحزب الذي لا يخاف من نقد نفسه لا يضعف، بل يثبت أنه لا يزال حيًا، وأن في داخله قدرة على التعلم والتجدد.
إن الأزمة التي تعالجها هذه السلسلة ليست أزمة جزئية. ليست مجرد ضعف في الإعلام، أو تراجع انتخابي، أو قلة في الشباب، أو خلل في بعض المنظمات، أو قصور في بعض القيادات. هذه كلها مظاهر لأزمة أعمق: أزمة العلاقة بين الحزب ووظيفته التاريخية. فالحزب الشيوعي لا يوجد لكي يدير ذاته، ولا لكي يحافظ على اسمه، ولا لكي يشارك في العملية السياسية بأي ثمن، ولا لكي يحيا داخل مقراته وذكرياته، بل لكي يكون أداة تنظيم ووعي وصراع طبقي، يسعى إلى تحرير الكادحين من الاستغلال، وإلى بناء الاشتراكية بوصفها مشروعًا للحياة الإنسانية الكريمة، لا بوصفها شعارًا مؤجلًا أو ذكرى من القرن العشرين.
ولأن الأزمة عميقة، فإن العلاج لا يمكن أن يكون تجميليًا. لا يكفي تحسين اللغة، ولا تنشيط الإعلام، ولا تبديل بعض الوجوه، ولا إصدار وثائق أكثر توازنًا. المطلوب هو إعادة تأسيس. ولا تعني إعادة التأسيس هنا هدم الحزب أو شطب تاريخه أو البدء من الصفر. إنها تعني إعادة بناء العلاقة بين الحزب ومجتمعه، بين الحزب وطبقته، بين الحزب والاشتراكية، بين الحزب والديمقراطية الداخلية، بين الحزب وذاكرته الرفاقية، بين الحزب والشباب والنساء، بين الحزب والدين والطائفية والعشيرة والقومية، وبين الحزب والحركة الشيوعية والعمالية واليسارية الأوسع.
إن العراق الذي تعمل فيه الحركة الشيوعية اليوم ليس عراقًا بسيطًا أو شفافًا. إنه عراق خرج من دكتاتورية مدمرة إلى احتلال إمبريالي، ومن دولة مركزية قمعية إلى دولة ريعية طائفية تابعة، ومن مجتمع منهك بالحروب والحصار إلى مجتمع ممزق بالمحاصصة والمكوناتية، ومن اقتصاد مفكك إلى اقتصاد ريعي هش، ومن وعود الديمقراطية إلى واقع المال السياسي، والسلاح، والبطالة، والهجرة. وهو أيضًا عراق متدين، عشائري، قومي، مناطقي، ذكوري، متنوع، مجروح، لكنه في الوقت نفسه عراق يضم ملايين الكادحين والفقراء والنساء والشباب الذين يبحثون عن حياة كريمة، وعن معنى، وعن أفق، وعن قوة سياسية لا تكذب عليهم ولا تحتقرهم ولا تستعملهم.
ومن هنا، لا يمكن للحزب أن ينجح إذا خاطب عراقًا متخيّلًا. لا يمكن أن يخاطب شعبًا مجردًا من الدين، أو من العشيرة، أو من الذاكرة، أو من الطائفة، أو من الخوف، أو من الفقر، أو من الهجرة، أو من التجربة اليومية مع الدولة الفاسدة والواسطة والبطالة. ولا يمكن أيضًا أن يستسلم لهذه البنى أو يقدسها. المطلوب هو فهمها ماديًا وتاريخيًا، لا احتقارها ولا التماهي معها.
فالدين الشعبي ليس هو الطائفية السياسية، والعشيرة ليست هي العشائرية بوصفها سلطة فوق القانون، والقومية المضطهدة ليست هي السلطة القومية المحتكرة، والمنطقة ليست قدرًا أخلاقيًا مغلقًا، والمرأة ليست ملفًا جانبيًا، والشباب ليسوا زينة تجديدية، والطبقة العاملة ليست صورة قديمة في الذاكرة.
تسعى هذه السلسلة إلى بناء لغة نقدية جديدة داخل الحزب. لغة لا تخجل من الاشتراكية، ولا تذوب في الليبرالية، ولا تختزل العراق في طائفة، أو دولة خارجية، أو زعيم، أو مؤامرة واحدة، ولا تتهرب من نقد الذات. إنها تريد أن تقول إن الحزب، إن أراد أن يبقى قوة في المستقبل، لا بد أن يعود إلى الكادحين لا بوصفهم جمهورًا انتخابيًا، بل بوصفهم مادته التاريخية؛ وأن يعود إلى الماركسية واللينينية لا بوصفهما هوية مغلقة، بل بوصفهما منهجًا نقديًا وتنظيميًا؛ وأن يعود إلى الاشتراكية لا بوصفها خاتمة خطابية، بل بوصفها جوابًا ملموسًا عن العمل، والصحة، والتعليم، والسكن، والنفط، والمرأة، والشباب، والبيئة، والكرامة.
هذه السلسلة، إذن، ليست نصًا نهائيًا مغلقًا ضد النقاش. إنها مساهمة تأسيسية للنقاش، قابلة للمراجعة والتدقيق والتطوير. لكنها تطلب أن يُناقش جوهرها لا أن تُخفف أسئلتها. فالسؤال المطروح اليوم ليس سؤالًا صغيرًا، بل سؤال الحزب نفسه: هل نريد بقاءً شكليًا أم بقاءً تاريخيًا؟ هل نريد حزبًا يحمل اسم الشيوعية، أم حزبًا يمارس معناها في المجتمع، والتنظيم، والبرنامج، والذاكرة؟ هل نريد أن ندير التراجع بلغة أكثر حكمة، أم نفتح طريقًا صعبًا لإعادة البناء؟
إن الحزب الذي لا يخاف من النقد لا يموت. والحزب الذي يملك شجاعة مراجعة نفسه يظل قادرًا على النهوض. أما الحزب الذي يستعيض عن النقد بالمجاملة، وعن الاعتراف بالتبرير، وعن المراجعة بالخوف من فتح الملفات، فإنه يترك أزمته تعمل في الصمت. والصمت، في لحظات تاريخية كهذه، ليس حيادًا؛ إنه شكل من أشكال التراجع.
إن ما نكتبه هنا لا يراد له أن يكون ضد الحزب، بل ضد تلاشي معنى الحزب. لا يراد له أن يضعف الحزب، بل أن يساعده على استعادة قوته الحقيقية: قوة الكادحين، قوة النقد، قوة المعرفة، قوة التنظيم، وقوة الاشتراكية بوصفها وعدًا عمليًا بحياة إنسانية كريمة.
ومن هذه الروح تبدأ السلسلة: من النقد بوصفه وفاءً، لا خروجًا؛ ومن الاعتراف بوصفه شجاعة، لا ضعفًا؛ ومن إعادة التأسيس بوصفها إنقاذًا للمعنى، لا هدمًا للتاريخ.
يتبع في الحلقة الثانية:
الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظيفة.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟