|
|
مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 20:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
وثيقة بحثية مقدمة إلى مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي
د. علي طبله 21 آيار/مايو 2026
مساهمة رفاقية في إعادة التأسيس (النص المختصر)
«إذا لم نكن بصدد تصميم المستقبل أو تقديم حلول جاهزة لكل زمان، فإن ما نملكه، مع ذلك، هو إدراك أوضح لما ينبغي إنجازه في الحاضر: ممارسة نقد لا يرحم لكل ما هو قائم؛ نقد لا يرحم بمعنيين: ألا يخاف من استنتاجاته الخاصة، وألا يخشى الصراع مع السلطات القائمة». كارل ماركس، رسالة إلى أرنولد روغه، 1843، واردة في: The Marx-Engels Reader، تحرير Robert C. Tucker، ص. 13.
«إن الاعتراف الصريح بالخطأ، وتحديد أسبابه، وتحليل الظروف التي أدت إليه، ومناقشة وسائل تصحيحه مناقشة وافية، هو علامة الحزب الجاد». لينين، الشيوعية اليسارية: مرض طفولي، 1920.
تمهيد تُقدَّم هذه الوثيقة بوصفها مساهمة رفاقية في النقاش التحضيري لمؤتمر الحزب، لا بوصفها خطابًا تعبويًا، ولا عريضة احتجاجية، ولا تصفية حسابات شخصية أو تنظيمية. إنها تنطلق من موقع الوفاء للحزب وتاريخه وشهدائه ومناضليه، ومن الإيمان بأن الحزب الشيوعي العراقي لا يزال يمتلك إمكانية تاريخية لاستعادة دوره، إذا امتلك شجاعة مراجعة ذاته، ومارس نقدًا لا يخاف من نتائجه، وأعاد بناء نفسه بوصفه حزبًا ماركسيًا ولينينيًا للكادحين والعمال والفقراء والمهمشين، لا جهازًا سياسيًا يكتفي بإدارة بقائه داخل نظام مأزوم. إن النقد، في هذه الوثيقة، ليس خروجًا على الحزب، بل دفاع عن ضرورته. وليس إساءة إلى تاريخه، بل محاولة لإنقاذ هذا التاريخ من التحول إلى ذاكرة محترمة منفصلة عن المجتمع. فالحزب الذي لا يعترف بأخطائه، ولا يحدد أسبابها، ولا يحلل الظروف التي أدت إليها، ولا يناقش وسائل تصحيحها، يفقد شيئًا من شرط الجدية الذي تحدث عنه لينين. والحزب الذي يخاف من استنتاجات نقده، أو يخشى الاصطدام بالبنى القائمة، يفقد شيئًا من روح النقد الماركسي التي تحدث عنها ماركس. السؤال المركزي الذي تطرحه الوثيقة هو سؤال البقاء التاريخي للحزب. فالبقاء لا يعني استمرار الاسم والهيكل والمقرات والرموز، بل استمرار الوظيفة الطبقية والاجتماعية للحزب بوصفه أداة لتنظيم الكادحين والسير نحو الاشتراكية وإنهاء استغلال الإنسان للإنسان. وقد يستمر حزب تاريخي شكليًا، لكنه يفقد تدريجيًا وظيفته إذا انقطعت علاقته الحية بالطبقة العاملة الجديدة، وبالشباب، والنساء، والعاطلين، والعاملين في الاقتصاد الهش، وبكل من يدفعون ثمن الدولة الريعية الطائفية التابعة. إن هذه الوثيقة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، ولا تقدم نفسها بديلًا عن النقاش الجماعي داخل الحزب، لكنها ترى أن الأزمة لم تعد أزمة أداء جزئية، أو انتخابات، أو إعلام، أو ضعف تنظيمي محدود، بل أزمة أعمق تمس البرنامج، والنظام الداخلي، والحياة الديمقراطية، والممارسة التنظيمية، والتحالفات، والموقف من الاحتلال وما بعده، والعلاقة بالجماهير، والذاكرة الرفاقية، والعدالة الداخلية. ولذلك فإن المطلوب ليس تحسينًا لغويًا أو إداريًا، بل مسار إعادة تأسيس ماركسي ولينيني يعيد الاشتراكية إلى مركز الحزب، والجماهير إلى مركز عمله، والنقد إلى مركز حياته الداخلية.
العراق بعد الاحتلال والدولة الريعية الطائفية لا يمكن فهم أزمة الحزب من دون فهم العراق بعد 2003. فالاحتلال الأمريكي لم يكن انتقالًا عاديًا من دكتاتورية إلى ديمقراطية، بل لحظة تفكيك وإعادة تركيب للدولة والمجتمع والاقتصاد داخل مشروع إمبريالي قائم على التبعية والريع والمكوناتية والمحاصصة. إن رفض الدكتاتورية البعثية لا يبرر الاحتلال، كما أن إدانة الاحتلال لا تعني الحنين إلى الاستبداد. الموقف الماركسي واللينيني يرفض الاثنين معًا: الطغيان الداخلي والهيمنة الخارجية. لقد مثّل مجلس الحكم لحظة تأسيسية في تحويل العراقيين من مواطنين داخل دولة مأزومة إلى “مكونات” ممثلة بنخب طائفية وقومية. ومن تلك اللحظة بدأ بناء نظام لا يقوم على الصراع حول العمل والثروة والعدالة، بل على تقاسم السلطة والريع والخوف. لذلك فإن المشاركة في تلك البنية أو التعامل معها بوصفها ساحة محايدة قابلة للإصلاح من الداخل دون نقد جذورها يحتاج إلى مراجعة تاريخية صريحة داخل الحزب، لا بهدف التشهير أو محاكمة النيات، بل بهدف فهم المسار الذي أوصل العراق والحزب إلى ما هما عليه. الدولة التي نشأت بعد الاحتلال ليست دولة فاسدة فقط، بل دولة ريعية طائفية تابعة. فالنفط، بدل أن يكون أساسًا لبناء اقتصاد منتج وصناعة وزراعة وخدمات عامة وضمان اجتماعي، تحول إلى مادة للصراع على الحصص والعقود والولاءات. والطائفية ليست مجرد تعصب ديني، بل علاقة مادية تمر عبر الوظيفة والراتب والعقد، والحماية، والوساطة، والسلاح. ولهذا لا تكفي إدانة الطائفية أخلاقيًا، بل يجب كشف الأساس الاقتصادي والسياسي الذي يجعل الطائفة طريقًا للعيش والحماية والنفوذ. ويجب أن يكون واضحًا أن نقد الطائفية لا يعني نقد طائفة دينية بعينها، ولا إدانة إيمان الناس أو تدينهم الشعبي أو قيمهم الروحية والأخلاقية. فالوثيقة لا تقف ضد دين الشعب، ولا ضد معتقداته، ولا ضد حاجته إلى المعنى والعزاء والأخلاق، بل تقف ضد تحويل الدين والطائفة إلى أدوات حكم، وريع وامتياز وولاء. إن الطائفية المقصودة هنا ليست وجود الطوائف الدينية في المجتمع، بل تحويلها سياسيًا إلى أجهزة تمثيل، واحتكار، وتوزيع للسلطة، والثروة. لقد تحولت الأحزاب الدينية والطائفية في العراق، خلال عقدين من الزمن، إلى قوى طبقية تدافع في جوهرها عن مصالح أثريائها وشبكاتها الاقتصادية والسياسية، لا عن الدين وقيمه الأخلاقية والروحية. فدين الشعب، بما يحمله من قيم الرحمة والعدل والتكافل والكرامة، بعيد جدًا عن دين الطبقة الأوليغارشية المكوناتية التي تستعمل الطائفة لتبرير الثروة، وحماية الفساد، وإعادة إنتاج الولاء، وإسكات الفقراء باسم الهوية. إن هذه الأحزاب لا تمثل الفقراء من أبناء طوائفها، بل تستعملهم قاعدة انتخابية ورمزية، بينما تدافع فعليًا عن مصالح طبقة ثرية نشأت داخل الدولة الريعية، والمحاصصة، والعقود، والامتيازات. ومن هنا فإن نقد الطائفية في هذه الوثيقة هو نقد للقيادات السياسية الطائفية، وللطبقات المنتفعة من تحويل الدين إلى سلطة، لا نقدًا للمؤمنين ولا للطوائف كجماعات اجتماعية. فالفقير الشيعي والفقير السني والفقير المسيحي والصابئي والإيزيدي والكردي والتركماني وسائر أبناء الشعب ليسوا أعداء بعضهم. إنهم، في مواقعهم الطبقية المختلفة، ضحايا بنية واحدة تستعمل الهويات لتقسيمهم، وتمنعهم من رؤية مصالحهم المشتركة في العمل، والعدالة، والكرامة، والاشتراكية. ولهذا ينبغي أن يميز الحزب بوضوح بين الدين الشعبي بوصفه جزءًا من حياة الناس وثقافتهم ووجدانهم، وبين الطائفية السياسية بوصفها أداة حكم طبقية. فمهمة الحزب ليست إهانة معتقدات الناس أو السخرية من تدينهم، بل كشف الذين يتاجرون بهذا التدين، ويحوّلون الطائفة إلى شركة سياسية، والدولة إلى غنيمة، والفقراء إلى جمهور تابع. وهذا التمييز ضروري كي يبني الحزب خطابًا طبقيًا قادرًا على مخاطبة المؤمنين والكادحين داخل كل الطوائف، لا أن يتركهم أسرى لمن يدّعون تمثيلهم باسم الدين وهم يدافعون فعليًا عن مصالح طبقة أوليغارشية لا علاقة لها بقيم الدين ولا بمصالح الفقراء. وهنا ينبغي التحذير من خطأ يقع فيه بعض الشيوعيين واليساريين حين يختزلون أزمة العراق في طائفة بعينها، أو يضعون اللوم كله على الشيعة بسبب اشتراكهم المذهبي مع إيران. هذا ليس تحليلًا ماركسيًا ولا لينينيًا، بل انزلاق ثقافوي وطائفي مقلوب، يستبدل التحليل الطبقي بلوم جماعة اجتماعية واسعة تضم ملايين الفقراء والكادحين والمظلومين. نقد سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتدخلاتها في العراق أمر مشروع وضروري، لكن تحويل هذا النقد إلى عداء للشيعة كجماعة اجتماعية هو سقوط في المنطق الطائفي نفسه الذي ينبغي تفكيكه. الفقراء الشيعة ليسوا الأوليغارشية الشيعية، والفقراء السنة ليسوا زعامات الطائفية السنية، والكادحون الكرد ليسوا سلطات الإقليم. مهمة الحزب أن يكشف الطبقة والسلطة داخل كل طائفة وقومية، لا أن يحمّل الضحايا مسؤولية من يدّعون تمثيلهم. إن المكوناتية لم تحمِ التعدد العراقي، بل حولته إلى نظام حكم. والتعدد القومي والديني والمذهبي في العراق حقيقة تاريخية يجب احترامها، لكنه يصبح خطرًا حين يُحوَّل إلى نظام حصص يمنع تشكل شعب سياسي موحد. لذلك فإن مهمة الحزب ليست الدفاع عن دولة مركزية قسرية، ولا مجاملة الهويات المتحكمة، بل بناء مشروع وطني طبقي يوحد الكادحين على أساس العمل، والعدالة، والحقوق، والاشتراكية.
الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية لقد ضغطت الليبرالية والنيوليبرالية بعد 2003 على لغة السياسة كلها، بما في ذلك لغة أجزاء من اليسار. صعدت مفردات الإصلاح، والحوكمة، والمجتمع المدني، والدولة المدنية، وبناء المؤسسات، بينما تراجعت مفردات الطبقة، والاستغلال، والريع، والإمبريالية، والملكية، والعمل، والاشتراكية. ليست المشكلة في الدفاع عن الحريات والديمقراطية والدولة المدنية، فهذه قيم لا يمكن لحزب شيوعي أن يتخلى عنها، بل في فصلها عن العدالة الاجتماعية والصراع الطبقي والتحرر من الرأسمالية التابعة. إن الحرية بلا عدالة اجتماعية تبقى ناقصة. والديمقراطية داخل المال السياسي والريع والطائفية قابلة للاختطاف. والدولة المدنية فوق اقتصاد ريعي طائفي تابع تبقى شعارًا هشًا. لذلك لا يجوز للحزب أن يذوب في خطاب إصلاحي عام، أو أن يخجل من الاشتراكية، أو أن يجعلها خلفية أخلاقية بعيدة. الاشتراكية ليست ذكرى ولا زينة أيديولوجية، بل ضرورة لعراق منهوب ومفكك، يعاني البطالة والعمل الهش والهجرة وانهيار الخدمات والفقر وسط الثروة. الاشتراكية التي تحتاجها البلاد يجب أن تُصاغ بلغة الحياة اليومية: العمل الكريم، الضمان الاجتماعي، الصحة والتعليم والسكن، السيادة على النفط، الصناعة والزراعة، حقوق النساء، مستقبل الشباب، حماية البيئة والمياه، والديمقراطية الاجتماعية التي تجعل الجماهير شريكة في القرار والثروة. بهذا فقط تصبح الاشتراكية أفقًا حيًا لا شعارًا معلقًا.
البرنامج والنظام الداخلي والديمقراطية الحزبية إن مراجعة البرنامج والنظام الداخلي شرط لا غنى عنه لأي إعادة تأسيس. فالبرنامج لا ينبغي أن يكون نصًا عامًا يصلح لأي قوة ديمقراطية إصلاحية، بل وثيقة تحدد طبيعة الدولة والاقتصاد والطبقات والصراع، وتعيد الاشتراكية إلى المركز. يجب أن يجيب البرنامج بوضوح عن سؤال العراق الراهن: كيف نخرج من اقتصاد الريع والمحاصصة والتبعية نحو اقتصاد منتج اجتماعي ديمقراطي؟ وكيف نبني دولة حقوق وعدالة لا دولة حصص وولاءات؟ وكيف نعيد تنظيم الطبقة العاملة والكادحين في شروط العمل الجديدة؟ أما النظام الداخلي، فهو الوجه التنظيمي للبرنامج. فلا معنى لبرنامج اشتراكي داخل حياة داخلية تخاف النقد، ولا معنى لديمقراطية شكلية داخل حزب لا يضمن حق الرفيق في الدفاع والمراجعة والاختلاف. المركزية الديمقراطية لا تعني طاعة صامتة، بل نقاشًا حرًا ومسؤولًا، ثم وحدة واعية في الفعل. فإذا فُرغت من الديمقراطية والرقابة والمحاسبة تحولت إلى مركزية إدارية خطرة. من هنا يجب إدانة القرارات الفردية في القضايا المصيرية. لا يجوز أن يقرر فرد، مهما علا موقعه، مصير رفيق، أو سلامته، أو عضويته، أو سمعته، أو صلته بالحزب دون إجراءات واضحة، وحق دفاع، وتوثيق، ومراجعة. وتشير الذاكرة التنظيمية، كما ترويها شهادات رفاقية قابلة للتحقق، إلى وقائع خطيرة كان يمكن لقرارات فردية فيها أن تعرّض حياة رفيق لخطر مباشر في زمن الفاشية البعثية، أو أن تقطع صلة الحزب برفاق أدّوا مهام تنظيمية وإعلامية واجتماعية شاقة بسبب خلافات فكرية وتنظيمية. لا تُطرح هذه الوقائع كقضايا شخصية، بل كدليل على ضرورة بناء ضمانات تمنع تحويل الموقع القيادي إلى سلطة فوق المساءلة. إن الرفيق ليس ملفًا إداريًا، والحزب ليس جهاز أوامر، والقيادة ليست امتيازًا فوق النقد. وكل قرار يمس حياة رفيق أو عضويته أو كرامته يجب أن يخضع لإجراءات مكتوبة، وحق دفاع، ومراجعة من هيئة مختصة. لا قيادة فوق المساءلة، ولا انضباط بلا عدالة، ولا حزب ثوري بلا ضمانات داخلية تحمي الرفاق من التعسف والصمت والإبعاد الغامض.
الإداروية والمقراتية وسياسة التجاهل تظهر أزمة الحزب في يومياته كما تظهر في وثائقه. الإداروية ليست مجرد سوء إدارة، بل تحول الحزب من أداة تغيير إلى جهاز يدير ذاته. حين يصبح الاجتماع أهم من أثره، والتقرير أهم من معرفته، والمقر أهم من علاقته بالمجتمع، يبدأ الحزب بالابتعاد عن وظيفته الطبقية. المقر ضروري، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول إلى بديل عن المجتمع. المكان الطبيعي للشيوعي هو بين الناس: في مكان العمل، والحي، والجامعة، والنقابة، وقضية السكن، ومعاناة المرأة، وخوف العامل الهش، وقلق الشاب العاطل. أما المقر فيجب أن يكون نقطة انطلاق نحو هذه المواقع، لا مركزًا لطقوس داخلية. وحزب الشهداء يجب أن يكون حزب الحياة، لا حزب تمجيد الموت والذاكرة وحدها. وشعار النزاهة لا يكفي إذا لم يُترجم إلى شفافية ومحاسبة. كذلك فإن سياسة التجاهل من أخطر ما يضعف الحزب. حين يكتب رفيق دراسة أو يرسل نقدًا أو يقترح مشروعًا ولا يتلقى جوابًا، فإن الرسالة التي تصله أن عقله غير مرئي. التجاهل ليس حيادًا، بل إقصاء صامت. والحزب الذي لا يقرأ مساهمات رفاقه، ولا يفتح منابره لأصحاب الاختصاص والتجربة، يخسر عقولهم قبل أن يخسر مواقعهم. لذلك يجب بناء آلية مؤسسية لاستقبال الدراسات والمقترحات والنقد، وقراءتها، والرد عليها، ومناقشتها. كما يجب تحويل الندوات من طقوس ثقافية إلى فضاءات بحث حقيقية، لا تُدار على أساس القرب والعادة، بل على أساس المعرفة والكفاءة والتجربة. الحزب الماركسي واللينيني يجب أن يكون عقلًا جماعيًا، لا دائرة ضيقة تحتكر الكلام.
الإعلام والمدرسة الحزبية الإعلام الحزبي ليس لوحة إعلانات للمواقف الرسمية، بل أداة في معركة الوعي. لا يكفي أن يدين الفساد، بل يجب أن يشرح بنيته. لا يكفي أن يهاجم الطائفية، بل يجب أن يكشف علاقتها بالريع، والخوف، والوظيفة، والسلطة. لا يكفي أن يتحدث عن الشباب والنساء والعمال، بل يجب أن يجعلهم يتكلمون في إعلامه، وأن يربط تجاربهم اليومية بالتحليل الطبقي والاشتراكي. أما المدرسة الحزبية، فهي شرط لبناء الكادر. الحزب لا يعيش بالتنظيم وحده، بل بعقل نقدي قادر على فهم العراق والعالم. المطلوب ليس تلقين نصوص كلاسيكية، بل إنتاج كادر يعرف ماركس ولينين، ويعرف أيضًا العراق بعد الاحتلال، الدولة الريعية، المكوناتية، النيوليبرالية، العمل الهش، الشباب، النساء، كردستان، خطر التقسيم، وتجارب الأحزاب الشيوعية في العالم. المعرفة ليست ترفًا، بل سلاح تنظيمي وسياسي.
الطبقة العاملة الجديدة والشباب والنساء لا يستطيع الحزب أن يبقى حزب الطبقة العاملة بالاسم فقط. الطبقة العاملة العراقية لم تختفِ، لكنها تغيرت وتشتتت. العامل اليوم ليس فقط عامل المصنع، بل عامل الخدمات، والتوصيل، والبناء، والمطاعم، والورش، والعقود المؤقتة، والقطاع غير الرسمي، والعمل اليومي، والعمل المنزلي والرعائي غير المدفوع، والعاطل الذي يتنقل بين البطالة والعمل الهش. إذا لم يعرف الحزب هذه الطبقة كما هي اليوم، فلن يستطيع تنظيمها. العمل الهش ينتج الفقر والخوف معًا. والعامل الخائف من الغد يصبح أكثر عرضة للابتزاز والزبائنية والطائفية. لذلك فإن مواجهة الطائفية تبدأ أيضًا من تنظيم العمل والدفاع عن الأجر والضمان والكرامة. حين يرى العامل الشيعي والسني والكردي والعربي أن هشاشتهم واحدة، يبدأ الوعي الطبقي بإمكانية الظهور. الشباب هم سؤال المستقبل. جيل واسع يعيش بين الشهادة بلا عمل، والهجرة، والبطالة، والعقود المؤقتة، وفقدان الثقة بالسياسة. لا يكفي دعوة الشباب إلى الحزب كما هو، بل يجب تغيير الحزب بحيث يصبح جديرًا بهم: يمنحهم حق التفكير، والمبادرة، والقيادة، والنقد. والنساء لسن ملفًا اجتماعيًا إضافيًا. المرأة العراقية تتحمل كلفة الانهيار مضاعفة: في العمل الهش، والرعاية غير المعترف بها، والعنف، والتبعية الاقتصادية، وانهيار الخدمات. تحرير النساء ليس ملحقًا بالاشتراكية، بل شرط من شروطها. والحزب الذي لا يجعل النساء فاعلات في قراره وبرنامجه وإعلامه وتنظيمه سيبقى ناقص الرؤية.
كردستان ووحدة العراق يواجه العراق خطر التفكك والتقسيم، لا فقط عبر خرائط جديدة، بل عبر تحلل الدولة إلى سلطات أمر واقع ومناطق نفوذ وهويات مغلقة. ووحدة العراق لا تُحمى بالمحاصصة ولا بالمركزية القسرية، بل بالعدالة الاجتماعية والاعتراف بالتعدد وبناء مصلحة مادية ومعنوية للكادحين في كل مناطقه. الدفاع عن حقوق الشعب الكردي واجب مبدئي. لكن ذلك لا يعني الصمت عن سلطات الإقليم، ولا الخلط بين الشعب الكردي والأحزاب الحاكمة، ولا اعتبار نقد الفساد والاحتكار والقمع في كردستان عداءً للكرد. معيار الحزب يجب أن يكون واحدًا في بغداد وأربيل والسليمانية والبصرة والموصل: أين يقف العامل؟ أين تذهب الثروة؟ من يملك القرار؟ من يُقمع حين يحتج؟ كما يجب فتح ملف الاستقلال السياسي والمعنوي للحزب في علاقته بكردستان. فإذا كانت رعاية بعض الأنصار أو مخصصاتهم مرتبطة بجهة حزبية أو سلطة في الإقليم، فهذا يطرح سؤالًا مشروعًا حول مصدر الموارد وأثرها على حرية النقد واستقلال القرار. حق الأنصار في الرعاية لا جدال فيه، لكن هذا الحق يجب أن يُصان عبر آلية حزبية مستقلة وشفافة لا تخلق التباسًا سياسيًا أو أخلاقيًا.
العدالة الرفاقية والذاكرة النضالية لا يستطيع الحزب أن يتحدث عن العدالة في المجتمع إذا لم يمارسها في ذاكرته وعلاقته بمناضليه. تجربة الأنصار والكفاح المسلح فصل مهم ومشرّف ومؤلم، ومن واجب الحزب صون كرامة الأنصار ورعايتهم. لكن الذاكرة النضالية لا تُختزل في شكل واحد من التضحية. هناك رفاق أصروا على الالتحاق بالكفاح المسلح، لكن الحزب كلفهم بمهام أخرى في الداخل أو الخارج كانت شديدة الخطر والاستنزاف. وهناك من أعاد ربط الرفاق المنقطعين، وتابع الاختراقات، وأصدر النشرات، وجمع الدعم، ونظم اللاجئين، وأسس منظمات، وعمل بصمت سنوات طويلة. كما لا تكتمل العدالة الرفاقية من دون عوائل الشهداء والمغيبين والمفقودين والمعذبين في السجون. الشهيد لم يترك اسمًا فقط، بل عائلة تحمل أثر الفقد. والمغيب ترك عائلة معلقة بين الأمل واليأس. والمعذب حملت عائلته معه آثار الخوف والحرمان. لا يكفي ذكرهم في المناسبات، بل يجب بناء سجل رعاية وتوثيق ومسؤولية، وصندوق رفاقي مستقل وشفاف، يحفظ ما أمكن كرامة المناضلين وعوائلهم.
توحيد الحركة الشيوعية والعمالية واليسارية لم تعد وحدة الحركة الشيوعية والعمالية واليسارية شعارًا عاطفيًا، بل ضرورة تاريخية. لكن الوحدة المطلوبة ليست شكلية ولا انتخابية ولا فوقية. يجب أن تقوم على وضوح ماركسي ولينيني، وموقف من الاحتلال وما بعده، والدولة الريعية الطائفية، والمكوناتية، والنيوليبرالية، ومن هدف الاشتراكية. على الحزب الشيوعي العراقي، بحكم تاريخه، أن يتعامل مع هذا الملف بروح المسؤولية والتواضع لا الأبوة واحتكار الشرعية. المطلوب بناء قطب طبقي اشتراكي واسع، يبدأ من العمل المشترك في قضايا العمال والشباب والنساء والحريات والعدالة الاجتماعية، ويمتد إلى مراجعة الذاكرة والانقسامات والخلافات بروح نقدية لا ثأرية.
من الوثيقة إلى الفعل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول إعادة التأسيس إلى عبارة جديدة في أرشيف الأزمة. معيار جدية المؤتمر لن يكون في تبني ألفاظ هذه الوثيقة، بل في تحويلها إلى ممارسة. تبدأ إعادة التأسيس حين تسأل المنظمة عن أثرها في محيطها، وحين يصبح التقرير تحليلًا لا سردًا، وحين يتحول المقر إلى نقطة انطلاق، وحين تُقرأ دراسات الرفاق، وحين يشعر العامل والشاب والمرأة والعاطل أن الحزب لا يتحدث عنهم فقط، بل يعمل معهم ومن خلالهم. المؤتمر لا يستطيع أن يحل كل شيء، لكنه يستطيع أن يغير الاتجاه. يستطيع أن يضع الاشتراكية في مركز البرنامج، والديمقراطية الداخلية في مركز النظام، والجماهير في مركز العمل، والنقد في مركز الثقافة، والمعرفة في مركز بناء الكادر، والاستقلال الطبقي في مركز السياسة. وإذا لم يفعل، فسيبقى الخطر قائمًا: استمرار الشكل مع تآكل المعنى.
خاتمة هذه الوثيقة ليست نصًا مغلقًا، بل مساهمة رفاقية قابلة للنقاش والنقد والتعديل. لكنها تطلب أن يُناقش جوهرها لا أن تُخفف أسئلتها. السؤال الذي تطرحه ليس شخصيًا ولا هامشيًا، بل سؤال الحزب نفسه: هل نريد بقاءً شكليًا، أم بقاءً تاريخيًا؟ هل نريد حزبًا يحمل اسم الشيوعية، أم حزبًا يمارسها في المجتمع والتنظيم، والبرنامج، والذاكرة، والاشتراكية؟ إن الحزب لا يحتاج اليوم إلى كلمات أكثر بقدر ما يحتاج إلى صدق أكثر. لا يحتاج إلى إثبات أنه كان عظيمًا، فهذا ثابت في تاريخ العراق، بل إلى إثبات أنه ما يزال ضروريًا لمستقبل العراق. والضرورة لا تُمنح باسم الماضي، بل تُنتزع من جديد بالعمل بين الجماهير، وببناء الوعي الطبقي، وبالدفاع عن وحدة العراق على أساس العدالة، وباستعادة الاشتراكية هدفًا لا مساومة عليه. يبقى الحزب إذا عاد إلى الكادحين، واستعاد الماركسية واللينينية بوصفهما منهجًا حيًا، وجعل الاشتراكية مركز مشروعه، وفتح أبوابه للنقد والمعرفة، وأنصف رفاقه ومناضليه وعوائل شهدائه ومغيبيه ومفقوديه ومعذبيه، ورفض القرار الفردي والتجاهل والمقراتية والانتخابوية، وبنى وحدة يسارية عمالية طبقية، ودافع عن وحدة العراق من موقع العدالة لا من موقع الشعار. بهذا فقط لا يبقى الحزب اسمًا في التاريخ، بل يصبح قوة في المستقبل.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
-
قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع
...
-
من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
-
التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
-
الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
-
بين فنزويلا والعراق
-
من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
-
الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
-
من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
-
النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
-
قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع
...
-
من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
-
الهوية بين الأصالة والدونية
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
-
إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف
...
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
-
الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع
...
-
الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
المزيد.....
-
ماذا نعرف عن سلالة إيبولا التي تثير مخاوف في الكونغو الديمقر
...
-
كاتب بواشنطن بوست: حرب إيران اختبار حاسم لترمب قبل التجديد ا
...
-
اللعبة الكبرى في المحيط الهادئ.. لا شيء يوقف صعود شي -العنيد
...
-
الكونغو الديمقراطية تعلن حصيلة جديدة لضحايا إيبولا
-
اليورانيوم عالي التخصيب في حسابات خامنئي وترامب
-
مباشر: وصول نشطاء -أسطول غزة- المُرحّلين من إسرائيل إلى تركي
...
-
تقرير يكشف أسباب خسارة هاريس أمام ترامب بالانتخابات الرئاسية
...
-
روبيو: ترامب -مستاء جدا- من دول في -الناتو- بسبب حرب إيران
-
إسرائيل تكثّف غاراتها على جنوب لبنان.. وتستهدف مركزا إسعافيا
...
-
بينهم ضابطان في الجيش والأمن العام.. واشنطن تفرض عقوبات على
...
المزيد.....
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
-
مقالات في الثورة السورية
/ عمر سعد الشيباني
المزيد.....
|