|
|
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى الضرورة الثورية
علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 21:23
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
وثيقة من وثائق إعادة التأسيس الشيوعي في العراق
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي
من سوء الفهم التاريخي إلى الضرورة الثورية
د. علي عبد الرضا طبله 2026-2025
مدخل منهجي تأسيسي
حين نتحدث في هذه الوثيقة عن الدين، فإننا لا نقصد ديناً بعينه، ولا عقيدة محددة، ولا طائفة دون غيرها. نحن نتحدث عن الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية تاريخية شاملة في المجتمع العراقي بكل تنوّعه وتعدديته. نقصد الإسلام بمذاهبه وتياراته، والمسيحية بطوائفها المختلفة، والإيزيدية، والصابئة، وسائر الأديان التي شكّلت عبر قرون طويلة النسيج الروحي والثقافي للعراق.
كما أننا لا نختزل الدين في طائفة، ولا الطائفة في جماعة سياسية، ولا الجماعة السياسية في حزب أو فصيل. ونرفض بصورة قاطعة استخدام أي توصيفات دونية أو عنصرية أو شوفينية بحق أي مكوّن اجتماعي أو ديني أو مناطقي في العراق، ونرفض كل الخطابات التي تحوّل أبناء المدن أو الأقاليم أو الطوائف إلى “كتل مشبوهة” أو “هويات متهمة” أو “جماعات ملحقة”.
نحن نرفض اختزال مفهوم المرجعية الدينية بطائفة بعينها، ونرفض تصوير العمامة، أو الزي، أو الطقوس، أو الزيارات بوصفها علامات سياسية لفئة دون غيرها. فالمرجعية الدينية، حيثما وُجدت، هي ظاهرة اجتماعية–سياسية–اقتصادية مركبة، تخضع للتحليل الطبقي مثلها مثل أي مؤسسة أخرى في المجتمع. وهي ليست جوهراً ثابتاً ولا قدراً تاريخياً، بل بنية متحركة تتشكّل داخل شروط الدولة والاقتصاد والصراع الاجتماعي.
ونرفض، بالدرجة نفسها، منطق الاتهام الجاهز بالولائية والتبعية والارتهان، وكأن بعض المكونات وحدها ترتبط بشبكات إقليمية ودولية، فيما تُقدَّم باقي القوميات والطوائف والإثنيات بوصفها بريئة أو محايدة أو منزّهة عن المصالح والعلاقات العابرة للحدود. فالعراق، بحكم موقعه وتاريخه وبنيته الاقتصادية، كان وسيبقى ساحة تداخل إقليمي ودولي، ولا توجد جماعة اجتماعية خارج هذه الشبكات المعقدة من المصالح والتأثيرات.
إننا نكتب هذه الوثيقة من موقع الدفاع عن كرامة المجتمع العراقي كله، ومن موقع الإدانة الصريحة لكل القوى السياسية التي تبني خطابها على التحريض الطائفي، أو الشيطنة المناطقية، أو التشهير الهويّاتي، أو الاستثمار في الانقسام الاجتماعي.
ونقرّ بوضوح أنّ جزءاً غير قليل من الخطاب السياسي والإعلامي والبياني الذي صدر عن الحزب نفسه في مراحل مختلفة قد انزلق، عن قصد أو عن غير قصد، إلى هذه المسالك المدانة، سواء عبر التعميم الطائفي، أو عبر تبنّي سرديات المظلومية الانتقائية، أو عبر الصمت عن خطاب الكراهية حين يكون موجهاً ضد فئات بعينها.
إعادة التأسيس الشيوعي تبدأ من هنا: من نقد الذات، ومن تصحيح اللغة، ومن إعادة بناء الخطاب على أساس المواطنة والطبقة والكرامة الإنسانية.
الدين في العراق: من عقيدة روحية إلى مؤسسة اجتماعية–سياسية–اقتصادية
في العراق لم يكن الدين يوماً شأناً فردياً محصوراً في الضمير، ولا ممارسة روحية معزولة عن المجتمع، ولا علاقة خاصة بين الإنسان وربّه فحسب. الدين كان دائماً جزءاً عضوياً من الحياة الاجتماعية: من اللغة اليومية، ومن منظومة القيم، ومن أنماط التضامن الأهلي، ومن الأخلاق العامة، ومن أشكال التنظيم والوساطة، ومن طرائق الناس في تفسير الألم والمعنى، والعدل، والخير، والشر.
وبقدر ما شكّل الدين تاريخياً حاملاً روحياً وثقافياً يربط الجماعات داخل مجتمع متعدد، فقد شكّل أيضاً مجالاً تتقاطع فيه المصالح، وتتنازع فيه السلطة مع المجتمع، ويتداخل فيه الرمز مع الاقتصاد ومع السياسة.
ومع تطور الدولة الحديثة، وصعود الريع النفطي، وتفكك الطبقات المنتجة، لم يتراجع الدين، بل تمدّد واحتل مساحات أوسع في الحياة اليومية وفي المجال العام وفي السياسة وفي الاقتصاد. لم يعد الدين مجرد منظومة إيمانية، بل صار لغة اجتماعية مشتركة، وسلطة رمزية، وشبكة مؤسسات، واقتصاداً موازياً، وأداة تعبئة سياسية، وجهازاً لإنتاج الوعي الشعبي.
وحين انهارت الدولة بعد الحروب والحصار والاحتلال، لم يملأ الفراغ جهاز مدني حديث، بل ملأته شبكات دينية، ومؤسسات خيرية، ومرجعيات روحية، وتنظيمات مسلحة تستند إلى خطاب ديني، واقتصادات شعائرية ضخمة.
وهكذا لم يعد الدين مجرد “بنية فوقية” بالمعنى الكلاسيكي، بل أصبح جزءاً من البنية الاجتماعية ذاتها، يتقاطع مع الاقتصاد الريعي، ومع الدولة الضعيفة، ومع العشيرة، ومع الفصائل، ومع الإعلام، ومع التعليم، ومع أنماط العيش اليومية.
ومن يختزل الدين في بعده اللاهوتي، أو يتعامل معه بوصفه وهماً يجب محاربته ثقافياً، أو شأناً شخصياً يجب تجاهله سياسياً، يكون قد انسحب عملياً من واحدة من أخطر ساحات الصراع على وعي الجماهير.
الدين كجهاز لإنتاج الوعي الاجتماعي: من المعنى إلى الطاعة
حين نقول إن الدين في العراق صار جهازاً لإنتاج الوعي الاجتماعي، فنحن لا نستخدم استعارة، بل نصف واقعاً مادياً ملموساً. فالدين، في شروط انهيار الدولة وصعود الريع وتفكك البنى الإنتاجية، لم يعد مجرد لغة للمعنى أو إطاراً للأخلاق الفردية، بل تحوّل إلى منظومة كاملة لإعادة تفسير الواقع الاجتماعي والسياسي، ولتوجيه السلوك اليومي، ولإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الفقر والعدل، وبين الظلم والقدر.
في هذا السياق لم يعد الدين يشتغل فقط في فضاء المسجد أو الكنيسة أو المعبد، بل في المدرسة، وفي الفضائيات، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الجمعيات الخيرية، وفي مؤسسات الرعاية، وفي اقتصاد المناسبات، وفي مواسم الطقوس، وفي شبكات الخدمات، وفي أنماط الاستهلاك، وفي اللغة السياسية ذاتها. صار الدين بنية يومية متغلغلة في تفاصيل العيش، لا يمكن فصلها عن السياسة ولا عن الاقتصاد ولا عن الاجتماع.
هنا يبدأ التحول الأخطر: حين يُعاد تفسير الظواهر الاجتماعية تفسيراً غيبياً، ويُسحب السبب من الأرض إلى السماء، ويُفرّغ الواقع من جذوره المادية. الفقر لا يعود نتاجاً لنهب منظم واقتصاد ريعي وفساد ممنهج، بل يتحول إلى “قسمة”. البطالة لا تعود نتيجة سياسات اقتصادية تدميرية وتفكيك للصناعة الوطنية، بل تصبح “ابتلاء”. المرض لا يعود نتيجة انهيار النظام الصحي وخصخصته، بل يُعاد تفسيره بوصفه “امتحاناً إلهياً”. القمع لا يعود سياسة دولة وفصائل، بل “قدراً” أو “ضرورة لحفظ النظام”.
في هذه اللحظة يُلغى الفاعل الاجتماعي الحقيقي: الدولة، السلطة، الطبقة الحاكمة، شبكات الفساد، التحالفات الإقليمية والدولية. ويُعاد إدخال السلطة إلى السماء نفسها، فتُمنح شرعية مطلقة لا تقبل المساءلة. من يعارضها يعارض الدين، ومن ينتقدها يسيء للمقدس، ومن يطالب بالعدالة الاجتماعية يُتهم بإثارة الفتنة، ومن يطالب بحصر السلاح يُصوَّر عدواً للهوية.
وهكذا يتحول الدين من لغة للتحرر الروحي إلى لغة للحكم، ومن أفق للمعنى إلى أداة للضبط الاجتماعي، ومن مجال للأخلاق إلى جهاز لإنتاج الطاعة.
وهنا بالضبط تتحدد ساحة الصراع الطبقي الجديدة: ليس بين الإيمان والإلحاد، ولا بين الدين والعلمانية بوصفهما تجريدين ثقافيين، بل بين دين الناس ودين السلطة، بين الإيمان الشعبي بوصفه بحثاً عن الكرامة والمعنى، وبين التوظيف السياسي للدين بوصفه أداة للهيمنة.
الحزب والطبقات المؤمنة: القاعدة الاجتماعية المهدورة
واحدة من أخطر أخطاء التجربة اليسارية في العراق أنها تعاملت مع المجتمع المؤمن بوصفه كتلة وعي متخلفة، أو كتلة محافظة مغلقة، أو كتلة غير قابلة للاشتغال السياسي الطبقي. وبهذا الموقف، سواء كان معلناً أو مضمراً، جرى التخلي عملياً عن أغلبية المجتمع لصالح الخطابات الطائفية والشعبوية والدعوية.
الطبقات الكادحة في العراق هي في غالبيتها الساحقة طبقات مؤمنة. العامل، والفلاح، وسائق الأجرة، وبائع الأرصفة، والموظف الصغير، والعاطل عن العمل، والمرأة العاملة، والشاب العاطل، كلهم يعيشون داخل منظومات إيمانية واجتماعية تشكّل جزءاً من هويتهم ومن معنى حياتهم. الإيمان هنا ليس ترفاً فكرياً، بل ملاذاً نفسياً في شروط القهر، ومصدراً للأمل في شروط الانسداد، وشبكة تضامن في ظل غياب الدولة.
حين ينسحب الحزب من هذا الفضاء، فإنه لا يترك فراغاً محايداً، بل يترك ساحة كاملة لقوى الهيمنة الدينية–السياسية كي تعيد تشكيل وعي هذه الطبقات وفق مصالحها. وحين يكتفي الحزب بخطاب ثقافي معادٍ للدين أو متعالٍ عليه، فإنه لا يحرر الوعي، بل يدفع الجماهير أكثر إلى أحضان الخطاب الطائفي الذي يقدم نفسه بوصفه المدافع عن الكرامة والهوية.
الحزب الذي يريد أن يكون حزب الطبقة العاملة لا يستطيع أن يقف خارج عالمها الروحي والثقافي. ولا يستطيع أن يخاطبها بلغة النخبة المدينية المعزولة عن القاع الاجتماعي. ولا يستطيع أن يبني جسور الثقة معها إذا كان يحتقر رموزها أو يسخر من طقوسها أو يتعامل مع إيمانها بوصفه جهلاً.
الواجب الثوري هنا ليس مجاملة التدين السياسي، ولا تبني خطاب وعظي انتهازي، بل بناء خطاب ديني–اجتماعي نقدي ينحاز إلى الفقراء ضد استغلال الدين، ويستعيد القيم الشعبية الكبرى – العدل، التكافل، الكرامة، نصرة المظلوم – ويربطها بالصراع الطبقي وبالدولة المدنية وبالحقوق الاجتماعية.
إن القاعدة الاجتماعية المؤمنة ليست عائقاً أمام المشروع الشيوعي، بل هي شرطه الموضوعي. ومن يتركها لخصومه إنما يسلّم المعركة قبل أن تبدأ.
الدين بوصفه أداة حكم في دولة الريع والمحاصصة والفصائل
في عراق ما بعد 2003 لم يعد الدين مجرد مرجعية أخلاقية أو روحية، بل صار أحد أعمدة النظام السياسي نفسه. الدولة التي شُيّدت على أنقاض الاحتلال لم تُبنَ على أساس المواطنة ولا على أساس السيادة الوطنية ولا على أساس الاقتصاد المنتج، بل بُنيت على معادلة الريع النفطي، والمحاصصة الطائفية، وتوازنات الفصائل المسلحة، والتدخلات الإقليمية والدولية.
في هذه الدولة الهشة، لم تكن المؤسسات المدنية قادرة على إنتاج شرعية مستقرة. فجرى تعويض ضعف الدولة بشرعية دينية، وتعويض غياب العقد الاجتماعي بشرعية مذهبية، وتعويض غياب السيادة بشرعية “المقاومة” أو “الحماية” أو “التمثيل الطائفي”.
وهكذا تحوّل الدين إلى جزء من بنية الحكم، لا بوصفه عقيدة، بل بوصفه جهازاً سياسياً، واقتصادياً، وإعلامياً، وأمنياً. نشأت طبقات سياسية–دينية جديدة راكمت الثروة والسلطة باسم الطائفة، وباسم المظلومية، وباسم المقدس، وباسم الدفاع عن الهوية.
وترافق ذلك مع نشوء اقتصاد ديني ضخم: مؤسسات، مشاريع، خدمات، مواسم، مناسبات، فضاءات إعلامية، جمعيات، شبكات رعاية، ونظام توزيع موارد خارج الرقابة العامة. هذا الاقتصاد لم يكن بديلاً عن الاقتصاد الوطني المنتج، بل شكلاً من أشكال الريع الموازي الذي يعيد توزيع المال مقابل الولاء والسكوت.
في هذا السياق أصبح الفقير مادة خام للاستثمار السياسي والاقتصادي. جسده في المواكب، ودمعته في المجالس، وخوفه في الخطاب، وذاكرته الجريحة في التعبئة، كلها صارت جزءاً من دورة إنتاج سلطة وثروة.
وكل نظام يملك اقتصاداً يملك أيضاً شرطة معنوية: تضبط السلوك، تجرّم الأسئلة، تحرّم النقد، وتحوّل الفضيحة إلى إساءة للمقدس.
الاحتلال بوصفه الأصل البنيوي للأزمة الدينية–السياسية
لا يمكن فهم تحوّل الدين إلى جهاز حكم في العراق من دون وضع الاحتلال في مركز التحليل. فالاحتلال لم يكن حدثاً عسكرياً عابراً، بل كان مشروعاً لإعادة هندسة الدولة، والمجتمع، والاقتصاد، والوعي. لم يأتِ الاحتلال ليُسقط نظاماً استبدادياً ويبني دولة حديثة، بل جاء ليُفكك الدولة ويعيد تركيبها على أسس تجعلها قابلة للانقسام الدائم، وللهشاشة المزمنة، وللتبعية المستمرة.
منذ الأيام الأولى، لم يُدار العراق بوصفه بلداً ذا سيادة، بل بوصفه مساحة لإعادة التجريب الإمبريالي. قرارات الحاكم المدني لم تكن إجراءات إدارية، بل كانت إعادة كتابة لبنية الدولة نفسها: حلّ الجيش، تفكيك المؤسسات، خصخصة الاقتصاد، تفكيك التعليم، ضرب النقابات، وإعادة إنتاج السياسة على أساس الهويات الطائفية والقومية لا على أساس المواطنة.
في هذا السياق جرى استدعاء الدين بوصفه بديلاً عن الدولة، والطائفة بوصفها بديلاً عن الوطن، والمرجعيات الدينية بوصفها بديلاً عن العقد الاجتماعي. لم يكن ذلك نتيجة “طبيعة المجتمع العراقي”، كما يدّعي الخطاب الاستشراقي الجديد، بل نتيجة تصميم سياسي واعٍ يقوم على إدارة الانقسام بوصفه أداة حكم.
الاحتلال لم يفرض نظاماً سياسياً محايداً، بل فرض نظاماً قائماً على تفكيك المجتمع إلى كتل متنافسة، وتغذية مخاوفها، وربط أمنها بهوياتها لا بدولتها. ومنذ تلك اللحظة بدأ الدين يتحول من إطار ثقافي جامع إلى سلاح سياسي في صراع السلطة.
خرافة “التنسيق الأمريكي–الإيراني” وسرديات التبرير الطائفي
من أكثر السرديات سذاجة وخبثاً في آن واحد تلك التي روّجت لفكرة أن احتلال العراق جرى بتنسيق أمريكي–إيراني. هذه السردية لم تُنتج بوصفها تحليلاً سياسياً، بل بوصفها أداة لتبرير الفشل السياسي، ولتحويل الاحتلال من مشروع إمبريالي إلى مؤامرة مذهبية.
الغريب في هذه السردية أن من يروّجها هم في الغالب أبناء دول تنتشر على أراضيها أكبر القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية، وتدار سياساتها الأمنية والاقتصادية في غرف القرار الغربية. لكنهم لا يرون في ذلك احتلالاً، ولا يرون فيه تبعية، ولا يرون فيه مساساً بالسيادة. بينما يصورون العراق وحده بوصفه ساحة “تآمر طائفي”.
هذه السردية لا تخدم فهم الواقع، بل تخدم إعادة إنتاج الطائفية السياسية على مستوى إقليمي. فهي لا تفسر الاحتلال بوصفه جزءاً من استراتيجية إمبريالية عالمية لإعادة رسم خرائط المنطقة، بل تحصره في صراع مذهبي ضيق، وتبرر به كل أشكال الكراهية والشيطنة الجماعية.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن الاحتلال جاء ليؤسس نموذجاً سياسياً قابلاً للتعميم: دولة ضعيفة، مجتمع منقسم، اقتصاد ريعي تابع، سيادة منقوصة، وصراعات داخلية دائمة. نموذج يُراد له أن يمتد من أفغانستان إلى سواحل المتوسط، ومن العراق إلى بعض بلدان شمال أفريقيا، وصولاً إلى أي بلد يرفض الخضوع للإمبريالية والرأسمالية الغربية.
هذا ليس تحليلاً مؤامراتياً، بل قراءة في تاريخ الإمبراطوريات الحديثة التي لم تكن تسقط الدول لتتركها مستقرة، بل لتعيد إنتاجها في حالة تفكك دائم.
الإرهاب العابر للحدود: الدين بوصفه وقوداً للقتل الجماعي
في موازاة الاحتلال، فُتح العراق على واحدة من أفظع موجات الإرهاب الديني في التاريخ المعاصر. عشرات الآلاف من الانتحاريين جاؤوا من بلدان “حريصة على الإسلام السلفي” ليفجّروا أنفسهم وسط تجمعات الناس البسطاء، وهم يصرخون بصوت قبيح: “الله أكبر”. استخدموا هذه العبارة نفسها عند قطع رؤوس أبناء طوائف أخرى، بعد أن أفتوا بكفرهم.
هذا الإرهاب لم يكن تعبيراً عن “غضب شعبي”، بل كان مشروعاً سياسياً منظماً لتدمير المجتمع، وتفكيك الدولة، وإشعال حرب أهلية دائمة. كان هدفه تحويل العراق إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، وإلى مختبر لإنتاج الرعب الطائفي.
وهنا يجب أن يُقال بوضوح مؤلم: كثير من الخطابات التي ادّعت الدفاع عن “الأمة” و” الهوية” صمتت عن هذه الجرائم، أو بررتها، أو ساوت بين الضحية والجلاد. وبعض القوى التي رفعت شعارات مقاومة الاحتلال لم تجد حرجاً في تبرير قتل المدنيين بوصفه “ثمن التحرير”.
هذا الانحطاط الأخلاقي والسياسي هو الوجه الآخر لتديين الصراع الطبقي وتحويله إلى حرب أهلية بلا أفق.
صمت الحزب ولوم الضحية: مأزق الخطاب اليساري
في مواجهة هذه الجرائم الوحشية، كان يفترض بالحزب الشيوعي أن يكون في مقدمة القوى التي تفضح الإرهاب الديني وتدين القتل الجماعي وتدافع عن المجتمع بوصفه ضحية لمشاريع إقليمية ودولية. لكن الواقع كان أكثر تعقيداً وإرباكاً.
في كثير من اللحظات، نأى الحزب بنفسه عن الإدانة الصريحة. مرة بالصمت، ومرة بلغة مائعة تساوي بين الإرهاب والدولة، ومرة بلوم الضحية والجلاد معاً. هذا الموقف، مهما كانت دوافعه التكتيكية، أسهم في إضعاف موقع الحزب الأخلاقي، وترك فراغاً استغلته القوى الطائفية لتقديم نفسها بوصفها الحامية الوحيدة للمجتمع.
الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات داخل الحزب وقعت في فخ السرديات الإقليمية، وشاركت في إعادة إنتاج الإشاعات والتقولات الكاذبة التي اختزلت الاحتلال في بعد مذهبي، وشيطنت كتلاً اجتماعية كاملة بوصفها “تابعة” أو “ولائية”، وكأن باقي الطوائف والأقوام ملائكيون بلا امتدادات إقليمية ولا علاقات دولية.
هذا الخطاب ليس تحليلاً طبقياً، بل انزلاق إلى الدونية المجتمعية والسياسية، وإلى إعادة إنتاج الطائفية بلغة يسارية.
الدونية الثقافية “التقدمية” وإعادة إنتاج الطائفية بلغة معكوسة
في لحظة الانهيار الكبير الذي أصاب الدولة والمجتمع بعد الاحتلال، لم يقتصر التشوّه على صعود الطائفية السياسية والفصائل المسلحة واقتصاد الريع الديني، بل تمدّد أيضاً إلى قطاعات من المثقفين والناشطين الذين يدّعون التقدمية والعلمانية والحداثة. هؤلاء لم يقفوا ضد الطائفية بوصفها بنية حكم واستغلال، بل أعادوا إنتاجها بلغة معكوسة، لغة احتقار المجتمع باسم التنوير، وشيطنة التدين الشعبي باسم الحداثة، وتحويل النقد السياسي إلى ازدراء ثقافي.
هنا وُلدت ما يمكن تسميته بـ “الدونية الثقافية التقدمية”. ظاهرة يتبرأ فيها بعض من جذورهم الاجتماعية، ويسخرون من طقوس أهلهم وأحيائهم ومدنهم، ويعاملون ثقافة الفقراء بوصفها عبئاً تاريخياً يجب التخلص منه، ثم يبحثون عن شرعية رمزية لدى “الآخر” عبر تمجيد طقوسه والاحتفاء بمناسباته بوصف ذلك دليلاً على تحررهم وتقدمهم.
هذه ليست علمانية. وليست تنويراً. وليست نقداً للدين بوصفه بنية اجتماعية–سياسية.
إنها استعلاء طبقي متنكر في خطاب ثقافي. وهي نسخة مقلوبة من الطائفية نفسها: الطائفي يمجّد طائفته ويحتقر الآخرين، وهؤلاء يحتقرون طائفتهم ليرضوا طوائف أخرى. كلاهما يعادي المجتمع، وكلاهما يعيد إنتاج الانقسام، وكلاهما عاجز عن بناء مشروع وطني طبقي جامع.
هذه الظاهرة لا تُفهم إلا بوصفها أزمة هوية طبقية. فحين يفشل بعض المثقفين في الارتباط بالطبقات الشعبية بوصفها حاملهم الاجتماعي الطبيعي، يبحثون عن بديل رمزي يمنحهم شعوراً بالتميز. فيستبدلون الانحياز للفقراء بالانتماء إلى “الصفوة المستنيرة”، ويستبدلون النضال الاجتماعي بالاستعراض الثقافي، ويستبدلون النقد الطبقي بازدراء المجتمع.
وهكذا تتحول “المدنية” إلى قناع لاحتقار الناس. وتتحول “الحداثة” إلى أداة لإذلال الذاكرة الشعبية. وتتحول “العلمانية” إلى هوية فوقية منفصلة عن الواقع الاجتماعي.
هذا السلوك ليس تقدماً، بل انحطاطاً فكرياً وأخلاقياً. لأنه يقطع الصلة بين اليسار وقاعدته الاجتماعية المفترضة، ويحوّل الصراع من صراع ضد منظومة الاستغلال إلى صراع ضد ثقافة الفقراء أنفسهم.
العداء الانتقائي والدونية السياسية في قراءة الصراع الإقليمي
لا تقل خطورة عن ذلك ظاهرة العداء الانتقائي لدول بعينها لا بوصفها دولاً ذات سياسات إقليمية محددة، بل بوصفها “دول طوائف”. حيث يجري اختزال الصراع السياسي إلى صراع مذهبي، وتقديم الشعوب بوصفها كتل دينية متجانسة، وإلغاء كل التمايزات الطبقية داخل تلك المجتمعات.
في هذا الخطاب، تُشيطن دولة لأنها تنتمي إلى “الطائفة الخطأ”، بينما تُمنح أنظمة أخرى صكوك براءة رغم استبدادها ودمويتها وتبعيتها، فقط لأنها تنتمي إلى “الطائفة الصحيحة”. لا نسمع احتجاجاً على القمع حين يكون ضد شعوب معينة، ولا غضباً على القتل السياسي حين يُمارس بأسماء أخرى، ولا إدانة للإرهاب حين يأتي من جهات مختلفة.
هذه ليست سياسة. وليست مبدئية. وليست موقفاً وطنياً.
إنها دونية سياسية واصطفاف هويّاتي مفضوح.
الموقف الطبقي لا يخاصم الدول بوصفها طوائف، بل يخاصم السياسات بوصفها سياسات. يخاصم الأنظمة بوصفها أنظمة طبقية، لا عقائد دينية. ويخاصم الهيمنة حيثما كانت، والاحتلال حيثما كان، والاستبداد حيثما كان.
نحن ننظر إلى الشعوب بوصفها شعوباً، لا مذاهب. وننظر إلى الأنظمة بوصفها طبقات حاكمة، لا عقائد. وننظر إلى الصراع بوصفه صراع مصالح، لا صراع طوائف.
ومن لا يريد أن يبقى على هذا النهج الطبقي الصارم، فإنه يختار موقعاً آخر خارج تقاليد اليسار الثوري.
المرجعية والعمامة والطقوس: ضد التعميم الطائفي وضد القداسة السياسية
حين نتحدث عن المرجعية الدينية، وعن العمامة، وعن الطقوس، وعن الزيارات، وعن المواكب، وعن المؤسسات الوقفية، فإننا لا نتحدث عن طائفة بعينها، ولا عن دين محدد، ولا عن مذهب دون غيره. نحن نتحدث عن ظاهرة اجتماعية–سياسية–اقتصادية مركبة، تتخذ أشكالاً مختلفة في بيئات مختلفة، لكنها تؤدي الوظيفة نفسها حين تندمج في بنية الحكم الريعي–الفصائلي.
نرفض رفضاً قاطعاً استخدام هذه المفردات بوصفها شتائم سياسية أو أدوات شيطنة اجتماعية. ونرفض تحويل العمامة إلى رمز اتهام، والطقس إلى دليل تخلف، والزيارة إلى علامة دونية. هذا ليس نقداً للدين، بل تصنيع كراهية اجتماعية تخدم الطائفية السياسية أكثر مما تفضحها.
وفي الوقت نفسه، نرفض تحويل المرجعية إلى سلطة فوق الدولة، وتحويل الطقوس إلى اقتصاد سياسي ريعي، وتحويل المؤسسة الدينية إلى جهاز تعبئة انتخابية وأداة ضبط اجتماعي. نرفض القداسة السياسية التي تُلبس السلطة ثوب التقوى، وتُحصّن الفساد بالرمز، وتُجرّم النقد باسم المقدس.
بين هذين الموقفين يقع الخط الطبقي الذي ندافع عنه: احترام الإيمان الشعبي بوصفه تجربة إنسانية وأخلاقية. ونقد استغلال الدين بوصفه جهاز حكم وهيمنة.
الإيمان الشعبي تعبير عن حاجة إنسانية مشروعة إلى المعنى والأمل والعدالة. أما استغلال الدين فهو تعبير عن مصالح طبقية تريد تحويل هذه الحاجة إلى أداة ضبط وسيطرة. ومن لا يميّز بين الأمرين يقع إما في العداء الثقافوي العقيم، أو في التواطؤ السياسي الانتهازي.
شيطنة المكوّن الأكبر: تحويل الضحية إلى متهم تاريخي
من أخطر ما أنتجه الخطاب السياسي بعد 2003 هو اختزال ما جرى في العراق إلى “استيلاء طائفة بعينها على الدولة”، ثم تحويل هذا الاختزال إلى إطار جاهز لإنتاج الإدانة والاحتقار والدونية الاجتماعية. هذا الخطاب لا يفسر كيف صُنعت السلطة، ولا من صمّم النظام، ولا من رآكم الثروة، ولا من هندس المحاصصة، ولا من سلّح الفصائل، ولا من نهب الدولة.
بل يفعل شيئاً آخر أخطر: يحوّل ملايين الفقراء والكادحين من تلك الطائفة إلى متهمين جماعيين، وكأنهم هم من كتبوا الدستور، أو وقّعوا العقود، أو نهبوا المنافذ، أو راكموا المليارات، أو أسسوا اقتصاد الظل. بينما الواقع أن أغلبية هؤلاء كانوا ضحايا مثلهم مثل بقية المجتمع: ضحايا الفقر، البطالة، غياب الخدمات، العنف، الحروب، الاغتيالات، التهجير، والابتزاز.
هذا الخطاب يُعفي الطبقة الحاكمة الفعلية من التسمية الطبقية. لأن حين تضع اللوم على “هوية”، لا تعود مضطراً لأن تقول: هناك برجوازية ريعية مسلحة، هناك شبكات عقود وتهريب وفساد، هناك طبقة سياسية–مالية تصنع الثروة من الدولة لا من الإنتاج، وهناك ريع نفطي يُعاد توزيعه عبر المحاصصة. الهوية هنا تصبح ساتراً لطبقة. وهذا بالضبط ما تريده الطبقة الحاكمة: أن لا تُرى بوصفها طبقة.
كما أن هذا الخطاب يُنتج طائفية مضادة باسم “المدنية” و” الوطنية”. أي يعيد إنتاج الانقسام، ولكن بالمقلوب: بدل أن تكون طائفية السلطة هي التي تشحن الجمهور، تصبح طائفية “النخبة المتعالية” هي التي تُهين جمهوراً كاملاً وتقدّم ذلك بوصفه وعياً.
وهذا هو الطريق الأسرع لتحويل كل نقد صحيح للسلطة إلى وقود للكراهية، ثم إلى رد فعل هويّاتي، ثم إلى مزيد من السلاح، ثم إلى مزيد من انهيار الدولة.
الدين بوصفه جهاز حكم داخل الدولة الريعية–المحاصصاتية
حين نقول إن الدين في العراق تحوّل من عقيدة روحية إلى مؤسسة اجتماعية–سياسية–اقتصادية، فإننا لا نطلق توصيفاً بلاغياً ولا حكماً أخلاقياً، بل نصف تحوّلاً مادياً في بنية السلطة نفسها. فالدين لم يعد مجرد منظومة معنى أو طقوس إيمانية، بل صار جزءاً من جهاز الحكم الفعلي داخل دولة ريعية ضعيفة، تقوم على المحاصصة والهويات والسلاح والريع النفطي.
في الدولة التي نشأت بعد الاحتلال، لم تُبنَ المؤسسات على قاعدة المواطنة ولا على مفهوم السيادة الشعبية، بل أُعيد تركيبها بوصفها نظام إدارة تناقضات وصراعات بين نخب هوياتية مسلّحة، يجمعها شيء واحد: الارتهان لبنية خارجية صاغت قواعد اللعبة منذ اللحظة الأولى. في هذا النموذج، لم يدخل الدين إلى السياسة بوصفه خياراً ثقافياً، بل بوصفه ضرورة سياسية لإدارة مجتمع مفكك ومُنهك، ومجروح بالحروب، والحصار والانهيار.
الدولة التي تقوم على الريع لا تحتاج إلى مواطنين منتجين، بل إلى رعايا. والدولة التي تقوم على المحاصصة لا تحتاج إلى شعب موحد، بل إلى جماعات متنافسة. والدولة التي تقوم على السلاح لا تحتاج إلى قانون، بل إلى شرعية رمزية.
وهنا بالضبط يدخل الدين بوصفه لغة الحكم. لغة تبرّر، وتشرعن، وتسكّن الغضب، وتحوّل الفشل إلى قضاء وقدر، والنهب إلى رزق، والفساد إلى ابتلاء، والقمع إلى حفظ للنظام، والسلاح إلى حماية، والزعيم إلى وليّ.
لم يعد الدين خارج الدولة، بل صار جزءاً من بنيتها الفعلية. دولة داخل الدولة. سلطة فوق السلطة. اقتصاد موازٍ للاقتصاد الرسمي. إعلام بديل للإعلام العام. قضاء معنوي بديلاً عن القضاء القانوني. جهاز تعبئة بدلاً عن الأحزاب. وشبكة خدمات بديلة عن مؤسسات الرعاية المنهارة.
وهكذا لم يعد ممكناً الفصل بين السياسي والديني، لأن الاثنين يشتغلان داخل آلة واحدة لإدارة المجتمع وإعادة إنتاج الخضوع.
كيف يُعاد إنتاج الخضوع باسم السماء؟
في العراق المعاصر لا يعمل الدين السلطوي بوصفه منظومة وعظ فقط، بل بوصفه آلية اجتماعية لإعادة تشكيل الوعي الشعبي. آلية تجعل الإنسان يتكيّف مع القهر بدل أن يثور عليه، ويبحث عن الخلاص الفردي بدل أن يناضل من أجل العدالة الجماعية، ويستعيض عن السياسة بالطقس، وعن التنظيم بالدعاء، وعن الفعل بالانتظار.
هذا التحول لا يحدث عبر النصوص وحدها، بل عبر منظومة يومية كاملة: منابر وفضائيات. مدارس دينية ومجالس ومواكب. جمعيات ومؤسسات خيرية. اقتصاد نذور ومواسم وشعائر. شبكات وساطة وخدمات.
وحين تصبح هذه المنظومة بديلاً عن الدولة، فإنها لا تحلّ مشكلة الناس، بل تعيد تشكيل وعيهم بطريقة تجعلهم يقبلون غياب الدولة بوصفه قدراً، ويتكيّفون مع الحرمان بوصفه امتحاناً، ويرون في السلطة قداسة لا تُمس.
يُسحب السبب من الأرض إلى السماء. يُفرَّغ الفقر من جذوره الاقتصادية. يُعاد تفسير البطالة بوصفها قسمة. يُقدَّم المرض بوصفه ابتلاء. يُلغى الفاعل الاجتماعي: الدولة، السلطة، الطبقة الحاكمة.
ثم تُعاد إدخال السلطة إلى السماء. تُمنح القوة السياسية شرعية أخلاقية مطلقة: من يعارضها يعارض الدين، من يفضحها يسيء للمقدس، من يطالب بحصر السلاح يعتدي على الرموز، من يطالب بدولة قانون يُتهم بأنه يريد نزع الهوية.
بهذه الحركة المزدوجة يتحوّل الإنسان من فاعل اجتماعي إلى تابع رمزي، ومن مواطن محتمل إلى رعية، ومن صاحب حق إلى صاحب مظلومية، ومن كادح إلى مادة تعبئة.
هنا الدين لا يكون دين الناس، بل دين السلطة. لا يكون لغة المعنى، بل لغة الحكم. لا يكون عزاء المقهورين، بل أداة ضبطهم.
الاقتصاد الديني: حين يصبح المقدس سوقاً
من أخطر ما حدث في عراق ما بعد الانهيارات المتتالية أن الدين لم يعد فقط سلطة رمزية، بل صار اقتصاداً قائماً بذاته. اقتصاداً يخلق موارد، ويوزعها، ويوظفها، ويستثمرها، ويعيد إنتاجها موسمياً، ويؤسس طبقات كاملة تعيش منه وتراكم منه.
هذا الاقتصاد لا يقوم على الصدقات البسيطة وحدها، بل على شبكة واسعة من المؤسسات والمشاريع والعقود والخدمات وإدارة المناسبات والفضاءات الإعلامية ونظام رعاية بديل يشتغل خارج الرقابة العامة. في كثير من تجلياته يتحول هذا الاقتصاد إلى رأسمال ريعي موازٍ، لا يقوم على الإنتاج، بل على إعادة توزيع المال والرمز مقابل الولاء والسكوت.
وحين يتحول الدين إلى سوق، فإن الفقير لا يعود مؤمناً فقط، بل يصبح مادة خام لاستثمار سياسي واقتصادي. يصبح جسده ودمعته وخوفه وذاكرته جزءاً من دورة إنتاج ربح سياسي ومالي.
وكل نظام يملك اقتصاداً يملك أيضاً شرطة معنوية تضبط السلوك، وتجرّم الأسئلة، وتحرّم النقد، وتحول الفضيحة إلى إساءة، وتقطع الطريق على أي مساءلة.
هنا يُعاد إنتاج الخضوع لا بالقوة وحدها، بل بالاعتياد. يُعاد إنتاج الطاعة لا بالخوف فقط، بل بالامتنان. يُعاد إنتاج الاستتباع لا بالإكراه فقط، بل بالحاجة.
احتكار الأخلاق: كيف خسرت القوى التقدمية المعركة الرمزية؟
الطائفية السياسية لم تنتصر فقط لأنها مسلحة، بل لأنها نجحت في احتكار الأخلاق. جعلت نفسها معيار الفضيلة، وجعلت خصومها خارجين عن القيم. صار الفساد يُغتفر إذا كان من جماعتنا، وصار القتل يُبرَّر إذا كان دفاعاً عن المقدسات، وصارت السرقة خدمة للمذهب، وصار الفقير يعتذر للفاسد لأنه يرفع الراية.
في المقابل، لم تنجح القوى التقدمية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، في بناء شرعية أخلاقية مفهومة شعبياً في مراحل عديدة من الصراع. تركت المجال لمن يحتكر تعريف الشرف والغيرة والعيب والحلال والحرام، ثم استغربت لماذا يتهمها الجمهور بأنها باردة ونخبوية وبلا قيم.
الحزب لا يكسب الجماهير بتحليل اقتصادي صحيح فقط. يكسبها حين يصبح عنواناً أخلاقياً: نزاهة، تضحية، انحياز للضعفاء، حضور في الشدة، حماية للناس من الإذلال. هذه ليست زينة خطابية، بل شرط لبناء الثقة في مجتمع طُحنت روحه بالعنف والخذلان.
ولهذا فإن إعادة التأسيس ليست إعادة تنظيم فقط، بل إعادة بناء شرعية أخلاقية طبقية، تستعيد القيم الشعبية الكبرى وتعيد ربطها بالعدالة الاجتماعية لا بالطاعة، وبالكرامة لا بالخضوع، وبالحق لا بالصدقة.
انسحاب الحزب من ساحة الدين بوصفه خطأً تاريخياً مركّباً
حين انسحب الحزب من ساحة الدين، لم تختفِ هذه الساحة، ولم تفرغ، ولم تتراجع أهميتها الاجتماعية. بل على العكس تماماً: تمدّدت، وتعاظمت، وتحولت إلى أحد أهم مصانع إنتاج الوعي الشعبي في العراق المعاصر. فالفراغ في السياسة لا يبقى فراغاً، بل يُملأ دائماً بقوى أكثر تنظيماً وأكثر جرأة وأكثر قدرة على الاستثمار في المشاعر والرموز والاحتياجات.
لقد ترك الحزب هذه الساحة لقوى الطائفية السياسية، وللفصائل المسلحة، ولشبكات الريع الخيري، ولرجال دين السلطة، ولدعاة الكراهية، ولتجار الشعائر. وهكذا تحوّل الدين إلى جهاز يومي لإعادة إنتاج الوعي الزائف، لا عبر الخطب فقط، بل عبر نمط حياة كامل يبدأ من المدرسة ولا ينتهي عند المقبرة، ويمرّ بالحي، والسوق، والمناسبة، والمأتم، والفضائية، والمنصة الرقمية.
صار الفقير يرى فقره قدراً لا بنية استغلال. وصار العاطل يرى بطالته ابتلاء لا نتيجة اقتصاد ريعي فاسد. وصار المقهور يرى قهره امتحاناً لا نظاماً أوليغارشياً. وصار الفاسد مجاهداً. وصار القاتل مدافعاً عن المقدسات. وصار السلاح حماية للطائفة. وصارت الدولة غنيمة للمذهب.
هذا التحول لم يكن عفوياً، بل كان نتيجة عمل منهجي طويل النفس، اشتغلت فيه قوى الطائفية السياسية على إعادة هندسة وعي المجتمع داخل شروط الخراب والحروب والحصار والاحتلال وانهيار الدولة. وفي مقابل هذا العمل المنظم، وقف الحزب عاجزاً عن إنتاج خطاب اجتماعي ديني نقدي يخاطب وجدان الناس ويشتبك مع معاناتهم اليومية ويعيد ربط الإيمان بالعدالة الاجتماعية لا بالخضوع.
وهنا يجب القول بوضوح لا لبس فيه: إن انسحاب الحزب من هذا الحقل لم يكن حياداً، بل كان تخلّياً عن واحدة من أخطر ساحات الصراع الطبقي في العراق.
الدين والاحتلال: حين تتحول العقيدة إلى لغة نظام مفروض من الخارج
حين دخل الاحتلال الأميركي إلى العراق لم يكن مشروعه إقامة دولة ديمقراطية حديثة كما زُعم في خطاب “التحرير”، ولا كان هدفه إسقاط ديكتاتورية ليقيم مكانها نظاماً سيادياً مستقلاً. لقد دخل العراق بوصفه ساحة اختبار لمشروع إمبريالي جديد في إدارة العالم، يقوم على تفكيك الدول الكبيرة والمجتمعات المركبة، وتحويلها إلى كيانات ضعيفة، متناحرة، قابلة للضبط عبر الريع، والسلاح، والهويات، والانقسامات.
العراق لم يكن حالة استثنائية، بل كان النموذج الأول.
ومن يقرأ مسار الأحداث بعد الاحتلال يكتشف بسرعة أن ما جرى لم يكن مجرد أخطاء في إدارة بلد محتل، بل كان بناءً واعياً لنظام سياسي مصمم لكي يقود بحكم بنيته إلى التفكك والانقسام وربما التقسيم. فالدولة لم تُعاد بناؤها بوصفها دولة مواطنين، بل بوصفها دولة مكوّنات. والسلطة لم تُؤسس على قاعدة السيادة الشعبية، بل على قاعدة المحاصصة. والدستور لم يُكتب بوصفه عقداً اجتماعياً جامعاً، بل بوصفه اتفاقاً بين نخب ممثلة لهويات متناحرة. والاقتصاد لم يُنظم على قاعدة الإنتاج الوطني، بل على قاعدة الريع والخصخصة والتبعية. والأمن لم يُبنَ بوصفه جهاز دولة، بل بوصفه شبكة متداخلة من جيوش رسمية وشبه رسمية وفصائل مسلحة.
بهذا المعنى، فإن الاحتلال لم يأتِ ليقيم دولة، بل ليُنتج “لا دولة” مستقرة على الانقسام. دولة معلّقة بين التفكك والوحدة. كيان هشّ قابل للاهتزاز الدائم. نظام يعيش على الأزمات لا على حلّها.
وهذه الصيغة لم تكن خاصة بالعراق وحده، بل كانت جزءاً من عقيدة إمبريالية أوسع لإعادة تشكيل العالم بعد الحرب الباردة. من أفغانستان إلى العراق، ومن ليبيا إلى سوريا، ومن اليمن إلى السودان، ومن القرن الإفريقي إلى بعض بلدان شمال أفريقيا، نرى النموذج نفسه يتكرر بصيغ مختلفة: دولة تُفكك، مجتمع يُستنزف، هويات تُسلّح، اقتصاد يُنهب، وسيادة تُفرغ من مضمونها، ثم يُقال للضحايا: أنتم المشكلة.
في هذا السياق، لم يكن الدين هو الذي استولى على الدولة، بل الدولة هي التي استُخدمت لإعادة تشكيل الدين بوصفه جهاز حكم. فالدين الشعبي كان موجوداً قبل الاحتلال، لكنه لم يكن دولة، ولم يكن اقتصاداً، ولم يكن جهازاً قمعياً، ولم يكن منظومة توزيع امتيازات. هذه الوظائف لم يولد بها الدين، بل أُلصقت به حين أُدخل في بنية السلطة الريعية الجديدة.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الدين مجرد معتقد، بل صار شبكة مصالح وسوقاً ضخمة ومنصة تعبئة وأداة ضبط اجتماعي ومصدراً للشرعية السياسية. وصار رجل الدين، في كثير من المواقع، جزءاً من منظومة الحكم لا شاهداً عليها. وصارت المؤسسة الدينية، في كثير من تجلياتها، شريكاً في اقتصاد الريع لا ناقداً له. وصارت الطقوس مواسم سياسية، والمناسبات مناسبات تعبئة، والخطاب الديني خطاب ولاء.
لكن الأخطر من ذلك كله هو الطريقة التي جرى بها توجيه الغضب الشعبي. فبدلاً من أن يُوجَّه نحو منظومة الاحتلال التي صمّمت هذا النظام، أو نحو الطبقة الحاكمة التي راكمت الثروات من دم الناس وفقرهم، جرى توجيهه نحو طائفة بعينها، بحجة أن “الدين استولى على الدولة”، وكأن الدين كتلة واحدة، وكأن الطوائف متجانسة، وكأن ملايين الفقراء والكادحين الذين ينتمون إلى هذه الطائفة هم المسؤولون عن نظام لم يختاروه ولم يصمموه ولم يستفيدوا منه.
هنا تحوّل نقد السلطة إلى جلد اجتماعي. وتحول تفكيك الهيمنة إلى إنتاج دونية جماعية. وتحول الصراع الطبقي إلى صراع ثقافي ضد طقوس الناس وعاداتهم وممارساتهم اليومية. وبدلاً من أن يُفضَح نظام الريع والفصائل والمحاصصة، جرى تسطيح الأزمة واختزالها في صورة نمطية تقول إن المشكلة هي دين هذه الطائفة.
هذا ليس نقداً سياسياً، بل إعادة إنتاج للانقسام الذي أراده الاحتلال. وليس تفكيكاً للهيمنة، بل خدمة مجانية لها.
من الدين الشعبي إلى الدين السلطوي: خط فاصل لا يجوز طمسه
في قلب هذه الوثيقة يجب أن يظل الخط الفاصل واضحاً وحاداً بين تديّن المجتمع وتديّن السلطة. فالتديّن الشعبي في العراق ليس اختراعاً سياسياً ولا أداة حكم، بل ممارسة اجتماعية وثقافية وروحية متجذّرة في تاريخ طويل من العيش المشترك، ومن بناء المعنى في مواجهة القهر، والحرمان، والموت، والحروب. هذا التديّن الشعبي هو جزء من نسيج المجتمع، من لغته اليومية، من أخلاقه، من طقوسه، من تضامنه، من آلامه، من ذاكرته. وهو في جوهره ليس عدواً للعدالة الاجتماعية، بل كثيراً ما يكون حاملاً لقيمها: الكرامة، التكافل، رفض الظلم، نصرة الضعيف، إغاثة المحتاج.
أما تديّن السلطة فهو شيء آخر تماماً. هو تحويل الدين إلى جهاز حكم، وإلى لغة شرعنة، وإلى أداة تعبئة، وإلى اقتصاد ريعي، وإلى منظومة ضبط اجتماعي. هو ليس تديّناً بالمعنى الروحي، بل أيديولوجيا حكم تُلبس الاستغلال ثوب التقوى، وتلبس النهب ثوب الخدمة، وتلبس السلاح ثوب الحماية، وتلبس الطغيان ثوب الولاية.
بين هذين المستويين تقع المعركة.
الحزب الذي يخلط بينهما يقع حتماً في أحد انحرافين: إما عداء للمجتمع باسم التقدم، وإما تواطؤ مع السلطة باسم الواقعية. وكلاهما طريق مسدود.
إن الموقف الماركسي من الدين ليس موقف نفي ميتافيزيقي ولا موقف قبول أخلاقي، بل موقف تحليل مادي. أي أن نسأل دائماً: من يستخدم الدين؟ ولماذا؟ ولصالح من؟ وبأي أدوات؟ وعلى حساب من؟
وحين نطرح هذه الأسئلة في العراق بعد 2003 نكتشف أن الدين قد أُدرج داخل منظومة حكم تقوم على ثلاث ركائز متداخلة: الريع النفطي، والسلاح المنفلت، والمحاصصة الهوياتية. هذه الركائز لا تعمل منفصلة، بل تغذي بعضها بعضاً. الريع يمول الأحزاب والفصائل والمؤسسات الدينية. السلاح يحمي الريع ويقمع الاعتراض. والمحاصصة تعيد توزيع الغنيمة تحت عناوين طائفية وقومية تضمن بقاء الانقسام الاجتماعي.
في هذه المنظومة يصبح الدين اللغة المشتركة التي تُشرعن كل شيء. يشرعن بها الفساد بوصفه خدمة للمذهب أو دفاعاً عن الهوية. ويشرعن بها السلاح بوصفه حماية للمقدسات. ويشرعن بها الولاء الخارجي بوصفه نصرة للدين. ويشرعن بها قمع الاحتجاج بوصفه حفظاً للسلم الأهلي.
وهنا لا يعود الدين مجرد إطار ثقافي، بل يصبح جزءاً من جهاز الدولة غير الرسمي. دولة داخل الدولة. وسلطة فوق السلطة. واقتصاد موازٍ للاقتصاد. وإعلام بديل للإعلام. وقضاء معنوي بديلاً عن القضاء.
استعادة ساحة الدين بوصفها ساحة صراع طبقي على الوعي
إذا كانت الطائفية السياسية قد نجحت في احتلال ساحة الدين وتحويلها إلى جهاز حكم، فإن مهمة الحزب التاريخية لا تكون بالانسحاب ولا بالتجاهل ولا بالمواجهة الثقافوية الفجّة، بل باستعادة هذه الساحة بوصفها ساحة صراع طبقي على الوعي. فالدين في المجتمع العراقي ليس هامشاً ثقافياً يمكن تجاوزه بخطاب إداري عن “الدولة المدنية”، بل هو لغة يومية يعيش بها الناس آلامهم، وأحلامهم، ومخاوفهم، ورجاءهم. ومن يترك هذه اللغة لقوى الهيمنة يترك الجماهير فريسة لمعنى جاهز يعيد إنتاج الخضوع بدل أن يفتح أفق التحرر.
استعادة هذه الساحة لا تعني أن يتحول الحزب إلى حزب ديني، ولا أن ينافس المرجعيات في الإفتاء، ولا أن يدخل في مزايدات إيمانية، بل أن يفهم الدين بوصفه شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي الذي تشكّل داخل شروط الاستغلال والحرمان والقهر. أي أن يتعامل مع الدين كما يتعامل مع كل ظاهرة اجتماعية: بوصفه نتاجاً تاريخياً، قابلاً للتحليل، وقابلاً لإعادة التوجيه.
هنا تتحدد مهمة الحزب بوصفه قوة وعي لا قوة وصاية. قوة تفكيك لا قوة شتيمة. قوة بناء لا قوة إقصاء.
فالمجتمع العراقي اليوم مجتمع متدين في غالبيته، لكنه أيضاً مجتمع مسحوق، منهوب، مهمّش، محكوم بمنظومة ريعية–فصائلية لا تمثله. والاشتباك مع هذا المجتمع لا يكون بلغة الاستعلاء ولا بلغة السخرية ولا بلغة النخبوية، بل بلغة العدالة والكرامة والحقوق، والخبز، والعمل، والأمان.
حين يقول الحزب للعامل المؤمن إن مشكلتك ليست مع ربك، بل مع من سرق خبز أولادك، فإنه ينقل الصراع من السماء إلى الأرض، ومن الغيب إلى السياسة، ومن القدر إلى النظام. وحين يقول للمرأة المتدينة إن مشكلتك ليست في حجابك، بل في دولة لا تحميك، فإنه يعيد تعريف القضية بوصفها قضية حقوق لا قضية مظهر. وحين يقول للشاب المتدين إن مشكلتك ليست في عقيدتك، بل في نظام يسرق مستقبلك، فإنه يفتح أفق الفعل بدل أفق الانتظار.
بهذا المعنى، لا يكون الحزب في مواجهة مع الدين بوصفه إيماناً، بل في مواجهة مع الدين بوصفه أيديولوجيا حكم.
كيف يُعاد ربط الإيمان بالعدالة الاجتماعية لا بالخضوع
الهيمنة الدينية في العراق لا تقوم فقط على السلاح والمال والمؤسسات، بل تقوم قبل كل شيء على إعادة تعريف القيم. فالطائفية السياسية لم تنتصر فقط لأنها مسلحة، بل لأنها نجحت في احتكار الأخلاق. جعلت نفسها معيار الفضيلة، وجعلت خصومها خارجين عن القيم. صار الفساد يُغتفر إذا كان من جماعتنا، وصار القتل يُبرَّر إذا كان دفاعاً عن المقدسات، وصارت السرقة خدمة للمذهب، وصار الفقير يعتذر للفاسد لأنه يرفع الراية.
في المقابل، لم ينجح الحزب في مراحل عديدة في بناء شرعية أخلاقية مفهومة شعبياً. ترك المجال لمن يحتكر تعريف الشرف والغيرة والعيب والحلال والحرام، ثم استغرب لماذا يتهمه الجمهور بأنه بارد أو نخبوي أو بلا قيم.
الحزب لا يكسب الجماهير بتحليل اقتصادي صحيح فقط. يكسبها أيضاً حين يصبح عنواناً أخلاقياً: نزاهة، تضحية، انحياز للضعفاء، حضور في الشدة، حماية للناس من الإذلال. هذه ليست زينة خطابية، بل شرط لبناء الثقة في مجتمع طُحنت روحه بالعنف والخذلان.
إعادة التأسيس هنا ليست إعادة تنظيم فقط، بل إعادة بناء شرعية أخلاقية طبقية تستعيد القيم الشعبية الكبرى وتعيد ربطها بالعدالة الاجتماعية لا بالطاعة. فالإيمان الشعبي يحمل في داخله قيماً ثورية كامنة: رفض الظلم، نصرة المظلوم، إغاثة المحتاج، إدانة الجشع، تمجيد الكرامة، تقديس العمل. لكن هذه القيم جرى تفريغها من مضمونها الاجتماعي وربطها بالطاعة والامتثال والصبر على القهر.
مهمة الحزب أن يعيد وصل هذه القيم بمعناها الطبقي. أن يقول للناس إن العدل ليس موعظة، بل سياسة. وإن الكرامة ليست شعاراً، بل حق. وإن الأمانة ليست فضيلة فردية، بل شرط حكم. وإن الرحمة ليست صدقة، بل نظام رعاية. وإن التكافل ليس إحساناً، بل توزيعاً عادلاً للثروة.
حين يستعيد الحزب هذه اللغة الأخلاقية الشعبية ويعيد ربطها بالصراع الاجتماعي، يكسر احتكار الطائفية لمعنى التقوى والوطنية، ويحوّل الدين من أداة هيمنة إلى مجال وعي.
من ساحة الطقس إلى ساحة التنظيم
الدين في العراق ليس خطاباً فقط، بل ممارسة اجتماعية كثيفة: مواسم، زيارات، مجالس، مواكب، أعياد، مناسبات، نذور، جمعيات، شبكات إعانة، اقتصاد شعائر. هذه الممارسات ليست هامشاً في حياة الناس، بل جزء من تنظيم حياتهم اليومية، من شبكات تضامنهم، من أشكال اجتماعهم، من طرق تبادلهم للثقة والخبرة والخدمة.
قوى الطائفية السياسية فهمت هذه الحقيقة مبكراً، فحوّلت الطقس إلى موسم تعبئة، والمناسبة إلى منصة ولاء، والشعيرة إلى سوق، والزيارة إلى استعراض قوة، والمجلس إلى غرفة عمليات انتخابية وأمنية واقتصادية.
في المقابل، وقف الحزب بعيداً عن هذه الفضاءات، إما بدافع النفور الثقافوي، أو بدافع الحذر الأمني، أو بدافع الحسابات التنظيمية الضيقة. وهكذا خسر الحزب واحدة من أهم ساحات الاتصال الحي بالمجتمع.
استعادة ساحة الدين تعني أيضاً استعادة هذه الفضاءات بوصفها فضاءات اجتماعية لا طائفية، وبوصفها أماكن لقاء الناس لا منصات تعبئة ضد بعضهم. تعني أن يكون الحزب حاضراً حيث يكون الناس، لا أن ينتظر الناس في مقرات معزولة. تعني أن يتحول المجلس من مساحة تلقين إلى مساحة نقاش، وأن تتحول المناسبة من موسم استعراض إلى موسم تضامن، وأن تتحول الشعيرة من سوق ريعي إلى فعل اجتماعي نقدي.
ليس المطلوب أن يرفع الحزب رايات دينية، بل أن يرفع راية الإنسان داخل هذه الفضاءات. ليس المطلوب أن ينافس رجال الدين في الوعظ، بل أن ينافس السلطة في خدمة الناس والدفاع عنهم. ليس المطلوب أن يبارك الطقوس بوصفها مقدسة، بل أن يحميها من أن تتحول إلى أدوات استغلال.
بهذا المعنى، تصبح ساحة الدين جزءاً من ساحة التنظيم الطبقي. ليس بديلاً عنها، بل امتداداً لها داخل نسيج المجتمع الحي.
الدين بوصفه لغة الحياة اليومية للطبقات الكادحة
في مجتمع مسحوق مثل العراق، لا يعيش الناس السياسة بوصفها برامج وانتخابات فقط، بل بوصفها خوفاً وأملاً وأماناً، وتهديداً، وكرامة، وإهانة. والدين هو اللغة التي تُعبّر بها هذه المشاعر عن نفسها في الحياة اليومية.
حين يُطرد عامل من عمله، لا يقول إن قانون العمل فاسد، بل يقول إن الله سيعوّضه. وحين تُفقد امرأة ولدها في تفجير، لا تتحدث عن فشل الدولة الأمنية، بل تتحدث عن القضاء والقدر. وحين يُحرم شاب من فرصة عمل، لا يتحدث عن اقتصاد ريعي، بل عن نصيب مكتوب.
هذه اللغة ليست سذاجة، بل تعبير عن اغتراب اجتماعي عميق. اغتراب يجعل الإنسان يرى العالم قوة غيبية لا نظاماً بشرياً، ويرى الظلم امتحاناً لا بنية، ويرى القهر نصيباً لا سياسة.
مهمة الحزب ليست السخرية من هذه اللغة، بل تفكيك شروطها الاجتماعية. أن يبيّن أن ما يُقدَّم بوصفه قدراً هو في الواقع قرار. وأن ما يُقدَّم بوصفه نصيباً هو في الواقع سياسة. وأن ما يُقدَّم بوصفه ابتلاء هو في الواقع نظام فاشل.
حين ينجح الحزب في تحويل هذا الوعي الغيبي إلى وعي اجتماعي، يكون قد أنجز أعقد مهامه: نقل الناس من موقع الرعايا إلى موقع المواطنين، ومن موقع الانتظار إلى موقع الفعل، ومن موقع الطاعة إلى موقع المطالبة.
الاحتلال بوصفه الأصل البنيوي لإعادة تركيب الدولة والدين والطائفية
لا يمكن فهم المسألة الدينية في العراق بعد 2003 خارج السياق الذي وُلدت فيه الدولة الجديدة نفسها. فالدين لم يدخل السياسة صدفة، والطائفية لم تصعد بفعل “يقظة مذهبية” عفوية، والمحاصصة لم تكن نتيجة تفاوض داخلي طبيعي بين قوى اجتماعية. كل ذلك كان جزءاً من مشروع إعادة هندسة شامل فرضه الاحتلال الأميركي بوصفه لحظة تأسيس جديدة لدولة مصمَّمة لكي تكون ضعيفة، قابلة للضبط، ومفتوحة على التفكك الدائم.
الاحتلال لم يأتِ ليقيم دولة مواطنين، بل ليؤسس نظام إدارة تناقضات. لم يأتِ ليبني سيادة شعبية، بل ليعيد توزيع السلطة والثروة عبر وكلاء محليين مرتبطين ببنية خارجية صاغت قواعد اللعبة منذ اللحظة الأولى. لم يأتِ ليحرر المجتمع من الاستبداد، بل ليُنتج شكلاً جديداً من الهيمنة، أكثر مرونة وأشد اختراقاً، يستبدل الدكتاتورية المركزية بدولة مكوّنات متناحرة تتقاسم الريع وتحتمي بالسلاح وتحتاج دائماً إلى وسيط خارجي “ينظّم” النزاع.
منذ الأيام الأولى للاحتلال، لم يُعاد بناء الدولة بوصفها دولة قانون ومواطنة، بل بوصفها دولة حصص. لم يُكتب الدستور بوصفه عقداً اجتماعياً جامعاً، بل بوصفه اتفاقاً بين نخب تمثّل هويات متنافسة. لم يُنظم الاقتصاد على قاعدة الإنتاج الوطني، بل على قاعدة الريع والخصخصة والتبعية. ولم يُبنَ الأمن بوصفه جهاز دولة يحتكر العنف المشروع، بل بوصفه شبكة متداخلة من جيوش رسمية وشبه رسمية وفصائل مسلحة.
بهذا المعنى، فإن الاحتلال لم يأتِ ليقيم دولة، بل ليُنتج “لا دولة” مستقرة على الانقسام. كياناً هشّاً يعيش على الأزمات لا على حلّها. نظاماً معلّقاً بين التفكك والوحدة، قابل للاهتزاز الدائم، ومفتوحاً على احتمالات التقسيم.
وهذه الصيغة لم تكن خاصة بالعراق وحده، بل كانت جزءاً من عقيدة إمبريالية أوسع لإعادة تشكيل العالم بعد الحرب الباردة، تقوم على تفكيك الدول المركزية الكبيرة، وضرب المجتمعات المركبة ثقافياً وقومياً، وتحويل التعدد إلى صراع، وتحويل الاختلاف إلى حرب أهلية كامنة. من أفغانستان إلى العراق، ومن ليبيا إلى سوريا، ومن اليمن إلى السودان، ومن القرن الإفريقي إلى بعض بلدان شمال أفريقيا، يتكرر النموذج بصيغ مختلفة: دولة تُفكك، مجتمع يُستنزف، هويات تُسلّح، اقتصاد يُنهب، وسيادة تُفرغ من مضمونها.
في هذا السياق، يصبح الدين ضرورة سياسية لا خياراً ثقافياً. ضرورة لضبط المجتمع، ولتسكين الغضب، ولشرعنة الفشل، ولتبرير النهب، ولتأجيل الانفجار. لم يكن الدين هو الذي استولى على الدولة، بل الدولة هي التي استُخدمت لإعادة تشكيل الدين بوصفه جهاز حكم. الدين الشعبي كان موجوداً قبل الاحتلال، لكنه لم يكن دولة ولا اقتصاداً ولا جهازاً قمعياً. هذه الوظائف أُلصقت به حين أُدخل في بنية السلطة الريعية الجديدة.
منذ تلك اللحظة، لم يعد الدين مجرد معتقد، بل صار شبكة مصالح، وسوقاً ضخمة، ومنصة تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، ومصدراً للشرعية السياسية. صار رجل الدين، في كثير من المواقع، جزءاً من منظومة الحكم لا شاهداً عليها. وصارت المؤسسة الدينية، في كثير من تجلياتها، شريكاً في اقتصاد الريع لا ناقداً له. وصارت الطقوس مواسم سياسية، والمناسبات مناسبات تعبئة، والخطاب الديني خطاب ولاء.
لكن الأخطر من ذلك كله هو الطريقة التي جرى بها توجيه الغضب الشعبي. فبدلاً من أن يُوجَّه نحو منظومة الاحتلال التي صمّمت هذا النظام، أو نحو الطبقة الحاكمة التي راكمت الثروات من دم الناس وفقرهم، جرى توجيهه نحو طائفة بعينها، بحجة أن “الدين استولى على الدولة”. هكذا تحوّل نقد السلطة إلى جلد اجتماعي، وتحول تفكيك الهيمنة إلى إنتاج دونية جماعية، وتحول الصراع الطبقي إلى صراع ثقافي ضد طقوس الناس وعاداتهم وممارساتهم اليومية.
بهذا المعنى، فإن كثيراً من الإشاعات السخيفة التي أُشيعت بعد الاحتلال – كزعم أن احتلال العراق كان نتيجة “تواطؤ أميركي إيراني” – لم تكن سوى أدوات دعائية لتبرئة الدول التي تحتضن أكبر القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية والفرنسية، ولتغطية الدور الفعلي لتحالف إمبريالي–إقليمي واسع في إعادة هندسة العراق والمنطقة. وفي الوقت نفسه، جرى التغاضي عن حقيقة أن أكثر من عشرين ألف انتحاري جاؤوا من بلدان “حريصة على الإسلام السلفي” ليفجروا أنفسهم وسط تجمعات الناس البسطاء وهم يصرخون بصوت قبيح: الله أكبر، ويقطعوا رؤوس أبناء طوائف أخرى أُفتي بكفرهم وما زالوا.
المفارقة الفادحة أن الحزب نفسه، في مراحل، نأى بنفسه عن إدانة هذه الجرائم الوحشية مرة بالصمت، ومرة بلوم الضحية والجاني معاً. والأدهى أن بعض هذه السرديات الكاذبة وجدت طريقها إلى خطاب الحزب وإلى أعداد كبيرة من أعضائه، حتى إن البعض رآكم داخل الحزب “رصيداً تنظيمياً” بسبب موقفه الدوني من طائفته وثقافتها وتقاليدها الاجتماعية.
هنا لا نكون أمام خطأ تكتيكي، بل أمام انزلاق سياسي وأخلاقي خطير. لأن الحزب الذي يصمت عن إرهاب يُذبح فيه الفقراء باسم الله، أو يساوي بين القاتل والمقتول، أو يساير خطاب الدونية ضد جمهور كامل، يفقد موقعه الطبقي ويضع نفسه – عن قصد أو عن غير قصد – في خدمة منظومة الهيمنة التي تريد تحويل الصراع من صراع ضد نظام ريعي–فصائلي–محاصصاتي إلى صراع أخلاقي ضد “ناس” في أحيائهم وبيوتهم وطقوسهم.
من هنا تأتي ضرورة التوضيح الجذري الذي يجب أن يكون في قلب هذه الوثيقة: حين نتحدث عن الدين فإننا نتحدث عن كل الأديان في العراق بكل طوائفها وتياراتها ومؤسساتها. وحين نتحدث عن المرجعية فإننا نتحدث عن كل أشكال السلطة الدينية حين تتحول إلى سلطة سياسية أو اقتصادية أو رمزية فوق المجتمع وفوق الدولة. وحين نتحدث عن الطقوس والمراسيم والزيارات والرموز والزي الديني فإننا نرفض رفضاً قاطعاً أن تُختزل هذه المفردات في طائفة بعينها أو أن تُستخدم لصناعة شيطنة اجتماعية ممنهجة.
نحن لا نقبل لغة “العمامة” بوصفها شتيمة سياسية. ولا نقبل لغة “الزيارات” بوصفها تهمة اجتماعية. ولا نقبل لغة “الطقوس” بوصفها دليلاً على التخلف. ولا نقبل تحويل ملايين البشر إلى مادة للسخرية والاستعلاء. هذه ليست سياسة ثورية، بل انحطاط ثقافي.
النهج الطبقي لا يرى الناس بوصفهم هويات، بل بوصفهم مواقع في علاقات الإنتاج. لا يرى المؤمن بوصفه خصماً، بل بوصفه عاملاً، أو فلاحاً، أو عاطلاً، أو موظفاً مسحوقاً. ولا يرى الطائفة بوصفها كتلة، بل بوصفها ساحة صراع داخلي بين قوى تهيمن باسمها وجماهير تُستغل باسمها.
ومن لا يفهم هذه الجدلية، لا يفهم العراق.
تديّن المجتمع وتديّن السلطة: خط الصراع الفاصل
حين نتحدث عن الدين في العراق لا يجوز لنا أن نخلط بين مستويين مختلفين جذرياً في الطبيعة والوظيفة والموقع الاجتماعي.
هناك تديّن المجتمع، بوصفه ممارسة روحية وثقافية واجتماعية متجذّرة في تاريخ طويل من العيش المشترك، وفي بناء المعنى في مواجهة القهر، والحرمان، والموت، والحروب. هذا التديّن الشعبي هو جزء من نسيج المجتمع، من لغته اليومية، من أخلاقه، من طقوسه، من تضامنه الأهلي، من ذاكرته الجمعية، ومن محاولته الدائمة لإيجاد معنى في عالم غير عادل.
وهناك تديّن السلطة، أي تحويل الدين إلى جهاز حكم، وإلى لغة شرعنة، وإلى أداة تعبئة، وإلى اقتصاد ريعي، وإلى منظومة ضبط اجتماعي. هذا ليس تديّناً بالمعنى الروحي، بل أيديولوجيا حكم تُلبس الاستغلال ثوب التقوى، وتلبس النهب ثوب الخدمة، وتلبس السلاح ثوب الحماية، وتلبس الطغيان ثوب الولاية.
بين هذين المستويين تقع المعركة.
الخلط بينهما يقود دائماً إلى أحد انحرافين قاتلين: إما عداء للمجتمع باسم التقدم، وإما تواطؤ مع السلطة باسم الواقعية.
وكلاهما طريق مسدود.
فالموقف الماركسي من الدين ليس موقف نفي ميتافيزيقي ولا موقف قبول أخلاقي، بل موقف تحليل مادي تاريخي. أي أن نسأل دائماً: من يستخدم الدين؟ ولماذا؟ ولصالح من؟ وبأي أدوات؟ وعلى حساب من؟
وحين نطرح هذه الأسئلة في العراق بعد 2003 نكتشف أن الدين أُدرج داخل منظومة حكم تقوم على ثلاث ركائز متداخلة: الريع النفطي، والسلاح المنفلت، والمحاصصة الهويّاتية.
هذه الركائز لا تعمل منفصلة، بل تغذّي بعضها بعضاً. الريع يمول الأحزاب والفصائل والمؤسسات الدينية. السلاح يحمي الريع ويقمع الاعتراض. والمحاصصة تعيد توزيع الغنيمة تحت عناوين طائفية وقومية تضمن بقاء الانقسام الاجتماعي.
في هذه المنظومة يصبح الدين اللغة المشتركة التي تُشرعن كل شيء. يشرعن بها الفساد بوصفه خدمة للمذهب أو دفاعاً عن الهوية. ويشرعن بها السلاح بوصفه حماية للمقدسات. ويشرعن بها الولاء الخارجي بوصفه نصرة للدين. ويشرعن بها قمع الاحتجاج بوصفه حفظاً للسلم الأهلي.
وهنا لا يعود الدين مجرد إطار ثقافي، بل يصبح جزءاً من جهاز الدولة غير الرسمي: دولة داخل الدولة، وسلطة فوق السلطة، واقتصاد موازٍ للاقتصاد، وإعلام بديل للإعلام، وقضاء معنوي بديلاً عن القضاء.
إن ترك هذا الجهاز بلا مساءلة ولا تفكيك يعني ترك وعي المجتمع تحت سيطرته الكاملة. ويعني أن كل حديث عن العدالة الاجتماعية سيبقى معلقاً في الهواء، لأن من يملك تعريف الخير والشر، والحلال والحرام، والواجب والخيانة، يملك القدرة على إعادة توجيه الغضب الشعبي من السلطة إلى “الآخر” الهويّاتي، ومن الفساد إلى المؤامرة، ومن الاستغلال إلى الفتنة.
ولهذا نقول بوضوح: الحزب الذي ينسحب من ساحة الدين ينسحب من ساحة الوعي. والحزب الذي يكتفي بخطاب علماني تجريدي منفصل عن واقع الناس يترك الجماهير فريسة لمن يقدّم لهم معنى جاهزاً لكل شيء، حتى لو كان هذا المعنى مزيّفاً.
لكن الدخول إلى هذه الساحة لا يكون عبر المزايدة الدينية، ولا عبر استدعاء النصوص لتجميل خطاب الحزب، ولا عبر التحالف الصامت مع مؤسسات دينية مقابل حماية سياسية. هذه كلها طرق قصيرة النفس تؤدي إلى ذوبان الهوية الطبقية للحزب.
الدخول الحقيقي هو عبر بناء خطاب ديني–اجتماعي نقدي يعيد ربط الإيمان بالعدالة الاجتماعية لا بالخضوع، ويعيد ربط الأخلاق بالحقوق لا بالطاعة، ويعيد ربط الكرامة بالتحرر لا بالاستكانة.
إعادة تشكيل الإنسان العراقي: من المواطن إلى التابع
الأخطر من إدخال الدين إلى بنية الحكم هو الطريقة التي أُعيد بها تشكيل وعي الإنسان العراقي منذ طفولته داخل هذه المنظومة.
فالطفل الذي يولد في حي فقير، ويدخل مدرسة متهالكة، ويشاهد دولة عاجزة، ويعيش في بيئة أمنية هشة، ويكبر في ظل بطالة وفقر وخوف، لا يتلقى الدين بوصفه تجربة روحية فقط، بل يتلقاه بوصفه لغة تفسير للعالم كله.
يتعلم أن ما يجري حوله ليس نتيجة سياسات، بل نتيجة إرادات غيبية. وأن الظلم ليس نظاماً، بل امتحان. وأن القهر ليس بنية، بل نصيب. وأن الفقر ليس جريمة دولة، بل حكمة سماوية.
بهذه الطريقة يُعاد تشكيل الإنسان قبل أن يمتلك أدوات النقد. يُعاد تشكيله بوصفه كائناً يتكيّف مع القهر بدل أن يثور عليه، ويبحث عن الخلاص الفردي بدل أن يناضل من أجل العدالة الجماعية، ويستعيض عن السياسة بالطقس، وعن التنظيم بالدعاء، وعن الفعل بالانتظار.
وهنا تقع أكبر جريمة بحق الطبقة العاملة والفقراء والكادحين: تحويلهم من فاعلين اجتماعيين إلى رعايا في نظام رمزي، ومن مواطنين محتملين إلى أتباع في جماعات هوية، ومن أصحاب حقوق إلى أصحاب مظلومية.
هذا هو المعنى الحقيقي لهيمنة الدين السياسي: ليس أن الناس يصلّون أو يصومون أو يزورون، بل أن هذه الممارسات تُفصل عن شروطهم الاجتماعية وتُربط بمنظومة حكم تجعلهم يقبلون واقعهم بوصفه قدراً.
ومن هنا فإن الحزب الذي يريد أن يكون حزب الطبقة العاملة لا يمكنه أن يقف على الهامش. لا يمكنه أن يكتفي بخطاب عام عن الدولة المدنية بينما تُصاغ الحياة اليومية للناس بلغة أخرى. ولا يمكنه أن يكتفي بتحليل اقتصادي دقيق بينما يُعاد تشكيل الوعي الشعبي بأدوات رمزية لا يمسّها.
الحزب الذي يترك ساحة الدين فارغة يترك الوعي الشعبي رهينة. والحزب الذي لا يمتلك لغة تخاطب الإنسان المؤمن بوصفه إنساناً مضطهداً قبل أن يكون تابعاً لعقيدة يقطع نفسه عن عمق المجتمع.
لكن الدخول إلى هذه الساحة لا يكون بالتديّن السياسي ولا بالمجاملة ولا بالمساومة على المبادئ. بل يكون بإعادة تعريف العلاقة بين الإيمان والعدالة، بين الدين والكرامة، بين الأخلاق والحقوق، بين التقوى والتحرر.
ليس المطلوب أن يصبح الحزب حزباً دينياً، بل أن يصبح حزباً يفهم الدين بوصفه لغة اجتماعية لا يمكن تجاهلها. حزباً يفهم أن الفقير الذي يتمسك بدينه ليس عدواً طبقياً، بل ضحية نظام يحتاج إلى أفق خلاص. حزباً يفهم أن الطقس الشعبي ليس مشكلة، بل المشكلة فيمن يحوّله إلى أداة تعبئة وسوق استثمار.
وهنا تتحدد مهمة الحزب بوصفه قوة وعي لا قوة وصاية. قوة تفكيك لا قوة شتيمة. قوة بناء لا قوة إقصاء.
الوطنية الاجتماعية الزائفة: حين تُعاد الطائفية بلغة “تقدمية”
واحدة من أخطر الظواهر التي تشكّلت في العراق بعد 2003 هي ولادة خطاب يُسمّي نفسه مدنياً أو علمانياً أو حداثياً، لكنه في جوهره يعيد إنتاج الطائفية بصورة معكوسة. طائفية بلا عمامة، لكنها مشبعة بالاستعلاء الثقافي. طائفية بلا منبر، لكنها مشبعة بالاحتقار الاجتماعي. طائفية بلا فتاوى، لكنها مشبعة بالدونية والشيطنة الجماعية.
هذا الخطاب لا ينتقد الدين بوصفه مؤسسة اجتماعية وسياسية واقتصادية داخل بنية حكم ريعية–فصائلية، بل ينتقد المتدينين بوصفهم كتلة بشرية متخلفة، ويختزل جماعات اجتماعية كاملة في صورة كاريكاتورية، ويحوّل الطقوس الشعبية إلى مادة سخرية، ويحوّل الهوية الدينية إلى تهمة اجتماعية.
هنا لا يعود النقد موجهاً إلى السلطة الدينية، بل إلى المجتمع نفسه. لا يعود موجهاً إلى من يحتكر المقدس ويستثمره، بل إلى من يعيش المقدس بوصفه جزءاً من حياته اليومية. وهكذا يتحول “النقد” إلى ضرب من ضروب التحقير الطبقي المتنكر بلغة التنوير.
هذا النوع من الوطنية الاجتماعية الزائفة يقوم على مفارقة فاضحة: يمارس أصحابه أقسى أشكال الدونية تجاه دينهم وبيئتهم وأصولهم الاجتماعية، ويتباهون في المقابل باحتفائهم بمناسبات دينية لطوائف أو أديان أخرى بوصفه دليلاً على “تقدميتهم” وانفتاحهم. يدينون طقوس أهلهم بوصفها تخلفاً، ويحتفون بطقوس غيرهم بوصفها تراثاً إنسانياً. يسخرون من مواسم الفقراء، ويصفقون لمواسم النخب. يدينون تدين مجتمعهم، ويمدحون تدين مجتمعات أخرى بوصفه روحانياً وجميلاً.
هذه ليست علمانية. هذه ليست حداثة. هذه ليست نقداً.
هذه إعادة إنتاج للاستعمار الثقافي داخل المجتمع نفسه.
هي محاولة لإعادة رسم الخريطة الرمزية للعراق على أساس “نحن المتحضرون” و“هم المتخلفون”، “نحن المدنيون” و“هم الطائفيون”، “نحن أبناء المستقبل” و“هم أبناء الماضي”. وبالطبع، يجري توزيع هذه الأوصاف دائماً وفق خطوط طائفية وقومية واضحة، حتى لو جرى إنكارها لفظياً.
هذا الخطاب لا يخدم مشروع الدولة المدنية، بل يقوضه من أساسه. لأنه يبني عداءً اجتماعياً بين فئات الشعب بدل أن يبني تحالفاً طبقياً ضد منظومة النهب والسلاح والريع. ويحوّل الصراع من صراع بين المجتمع والسلطة إلى صراع داخل المجتمع نفسه.
والمفارقة الأخطر أن هذا الخطاب يجد له مكاناً داخل بعض أوساط اليسار، بما في ذلك داخل الحزب نفسه أحياناً، تحت عناوين “مواجهة الطائفية” أو “محاربة الخرافة” أو “الدفاع عن العقل”. لكنه في الواقع لا يحارب الطائفية بوصفها نظام حكم، بل يحارب المتدينين بوصفهم كتلة اجتماعية. ولا يحارب الخرافة بوصفها نتاج الحرمان، بل يحارب الفقراء بوصفهم جهلة. ولا يدافع عن العقل بوصفه أداة تحرر، بل يوظفه بوصفه أداة إذلال.
وهنا ينبغي أن يكون موقفنا واضحاً بلا مواربة: نحن ضد الطائفية السياسية بوصفها نظام حكم. ونحن ضد توظيف الدين في السلطة بوصفه أيديولوجيا قمع. لكننا لسنا ضد المجتمع المتدين، ولسنا ضد الإيمان الشعبي، ولسنا ضد الطقوس بوصفها جزءاً من الذاكرة الجمعية.
نحن ضد تحويل الدين إلى جهاز قهر. ولسنا ضد الإنسان الذي يبحث في الدين عن معنى في عالم قاسٍ.
الانتقائية في نقد الدين: آلية سياسية لا موقفاً مبدئياً
من أخطر ما شاع في الخطاب السياسي والإعلامي بعد الاحتلال هو الانتقائية الفاضحة في نقد الدين وتوظيفه. انتقائية لا تقوم على تحليل طبقي أو موقف مبدئي، بل على اصطفاف سياسي وإقليمي واضح.
منذ 2003 يتركز الحديث عن “استيلاء الدين والأحزاب الدينية على السلطة” بطريقة تختزل المشهد كله في طائفة دينية بعينها، تشكّل الغالبية السكانية في العراق. تُقدَّم هذه الطائفة بوصفها المشكلة، ويُقدَّم تدينها بوصفه الخطر، وتُقدَّم طقوسها بوصفها التهديد، ويُقدَّم حضورها الاجتماعي بوصفه العائق أمام الدولة.
في المقابل، يجري تجاهل تام لدور التيارات الدينية الأخرى، ولشبكاتها الاقتصادية، ولتحالفاتها الإقليمية، ولأدوارها في إنتاج العنف والإرهاب، ولتاريخها الطويل في التحريض الطائفي والتكفير والقتل الجماعي.
يجري تجاهل حقيقة أن عشرات الآلاف من الانتحاريين جاؤوا من بلدان “تحرص على الإسلام السلفي” ليذبحوا العراقيين في الأسواق والمساجد والحسينيات والمدارس، وهم يصرخون “الله أكبر”. يجري تجاهل حقيقة أن هذه الجماعات قطعت رؤوس أبناء الطائفة الأخرى وعلّقتها في الساحات العامة بفتاوى التكفير. يجري تجاهل حقيقة أن هذه التنظيمات كانت وما زالت جزءاً من مشاريع إقليمية ودولية لتفكيك العراق وتحويله إلى ساحة دم مفتوحة.
وفي الوقت نفسه، تُشيع بعض القوى الإقليمية وأذرعها الإعلامية أكذوبة أن احتلال العراق كان “بتنسيق أمريكي–إيراني”، في حين أن هذه القوى نفسها تستضيف أكبر القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية على أراضيها، وتقدّم نفسها حليفاً استراتيجياً للغرب الإمبريالي.
هذه ليست قراءة سياسية، بل دعاية. وليست نقداً للدين، بل توظيفاً طائفياً له. وليست دفاعاً عن الدولة، بل مشاركة في تفكيكها.
والأخطر من ذلك أن هذا الخطاب تسرّب إلى داخل الحزب نفسه في مراحل مختلفة، إما بالصمت، أو بالمساواة الشكلية بين الجلاد والضحية، أو بلغة “الإدانة المتوازنة” التي تضع الإرهاب الوحشي في الكفة نفسها مع المجتمع المذبوح.
هذا المسلك ليس حياداً، بل انحياز مقنّع. وليس عقلانية، بل تواطؤ لغوي مع سرديات التفكيك. وليس نقداً، بل إعادة إنتاج لمنطق الهيمنة.
نحن طبقيون. ومن لا يريد أن يبقى على النهج الطبقي فليس مكانه بيننا.
النهج الطبقي يعني أن نرى الصراع حيث هو فعلاً: بين شعب يُنهب ويُقتل ويُفكّك، وسلطات محلية وإقليمية ودولية تتقاسم الغنيمة.
لا بين طوائف. ولا بين مذاهب. ولا بين أديان.
نواصل في الدفعة التالية إلى محور الاحتلال بوصفه مشروع تفكيك شامل للدولة والمجتمع، ودور الدين السياسي في ترسيخ هذا التفكيك، وكيف استُخدمت الهويات بوصفها أدوات حكم لا تعبيرات ثقافية.
الاحتلال بوصفه مشروع تفكيك شامل للدولة والمجتمع
حين دخل الاحتلال الأمريكي إلى العراق لم يدخل بوصفه قوة عسكرية لإسقاط نظام سياسي فحسب، بل دخل بوصفه مشروعاً لإعادة هندسة الدولة والمجتمع والاقتصاد والهوية السياسية دفعة واحدة. لم يكن الهدف تغيير رأس السلطة فقط، بل تفكيك البنية التاريخية للدولة العراقية وإعادة تركيبها على أسس جديدة تجعلها دولة منزوعة السيادة، مفككة اجتماعياً، مرتهنة اقتصادياً، ومفتوحة دائماً للتدخل الخارجي.
قرارات الحاكم المدني لم تكن إجراءات انتقالية مؤقتة، بل كانت اللبنات الأولى لنظام سياسي مصمم على إنتاج الانقسام الدائم. حلّ الجيش، تفكيك مؤسسات الدولة، إعادة بناء النظام السياسي على أساس المحاصصة الطائفية–القومية، صياغة دستور مفروض تحت الاحتلال، فتح الاقتصاد على مصراعيه أمام الرأسمال العالمي من دون حماية وطنية، تحويل الريع النفطي إلى أداة ولاءات سياسية، كل ذلك لم يكن أخطاء عشوائية، بل كان منطقاً متكاملاً لإنتاج دولة هشة لا تستطيع أن تكون إطاراً جامعاً لمواطنيها.
في هذا السياق، لم يكن استدعاء الهويات الدينية والطائفية والقومية مجرد نتيجة جانبية للفوضى، بل كان جزءاً من آلية الحكم الجديدة. حين تُفكك الدولة بوصفها دولة مواطنين، لا يبقى أمام المجتمع سوى العودة إلى الروابط الأولية: الطائفة، العشيرة، القومية، المنطقة، الجماعة الدينية. وحين تتحول هذه الروابط إلى بوابات للوظيفة والخدمة والحماية والامتياز، فإنها لا تبقى مجرد هويات ثقافية، بل تتحول إلى بنى سياسية واقتصادية كاملة.
هكذا أُعيد تعريف السياسة في العراق بوصفها صراع حصص لا صراع برامج، وصراع مكونات لا صراع طبقات، وصراع نفوذ لا صراع مشاريع. وفي مثل هذا النظام لا تكون المواطنة هي أساس الانتماء، بل تصبح الهوية الفرعية هي العملة السياسية الوحيدة القابلة للتداول.
ومن هنا يصبح الدين، بكل أديانه وطوائفه، جزءاً من بنية الحكم الجديدة، لا بوصفه منظومة روحية، بل بوصفه أداة تعبئة، ووسيلة ضبط اجتماعي، وقناة توزيع ريعي، وغطاء أخلاقي للسلطة.
الاحتلال لم يأتِ ليؤسس دولة مدنية، بل جاء ليؤسس نظاماً سيقود حتماً إلى تفكيك العراق، وتحويله إلى نموذج قابل للتعميم في المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى سواحل المتوسط، وصولاً إلى بعض بلدان شمال أفريقيا. نموذج الدولة المقسمة، المجتمع المنقسم، الاقتصاد المنهوب، والسيادة المؤجلة. وهذا النموذج ليس استثناءً عراقياً، بل جزء من سياسة إمبريالية أوسع تستهدف كل الدول التي لا تدور في الفلك الغربي الرأسمالي.
والتاريخ يعلمنا أن من يشارك في هذه اللعبة بوصفه حليفاً مؤقتاً، سيكون في نهاية المطاف ضحيتها أيضاً.
الدين السياسي بوصفه ركيزة من ركائز نظام ما بعد الاحتلال
في ظل هذا التفكيك المنهجي للدولة، لم يعد الدين مجرد مرجعية أخلاقية أو ثقافية، بل أصبح أحد أعمدة النظام السياسي الجديد. لم يُستدعَ الدين إلى السياسة من بوابة القيم، بل من بوابة السلطة. لم يدخل بوصفه لغة عدالة، بل بوصفه لغة شرعنة. لم يدخل بوصفه صوت الفقراء، بل بوصفه غطاءً لمنظومة الريع والسلاح والفساد.
هنا تحوّل الدين إلى جهاز لإنتاج الوعي السياسي المشوَّه. وبدلاً من أن يكون أفقاً للمعنى في مواجهة القهر، صار أداة لإعادة إنتاج القهر باسم المعنى. وبدلاً من أن يكون ملاذاً روحياً للمحرومين، صار وسيلة لإقناعهم بأن ما يعيشونه هو قدر، لا نتيجة سياسات ونهب وتحالفات.
هذا التحول لم يكن خاصاً بدين دون آخر، ولا بطائفة دون غيرها. كل الأديان في العراق، بكل طوائفها ومؤسساتها، دخلت بدرجات متفاوتة في هذا الحقل السياسي–الاقتصادي الجديد. بعضها اندمج مباشرة في السلطة، وبعضها تحالف معها، وبعضها وفر لها الغطاء الرمزي، وبعضها لعب دور المعارضة المتدينة التي تعيد إنتاج المنطق نفسه بلغة أخرى.
وحين نقول “المرجعية الدينية” فنحن لا نقصد مرجعية دين بعينه، بل نقصد كل أشكال السلطة الدينية حين تتحول إلى سلطة فوق المجتمع وفوق الدولة. وحين نقول “العمامة” أو “الزي الديني” أو “المراسيم” أو “الزيارات” فنحن نرفض رفضاً قاطعاً أن تُستخدم هذه المفردات لصناعة شيطنة انتقائية لطائفة دون غيرها، لأن هذا هو جوهر الانزلاق إلى خطاب الدونية والعداء الهويّاتي.
الهيمنة الدينية ليست حكراً على مذهب. والتوظيف السياسي للدين ليس حكراً على طائفة. والاستتباع الإقليمي ليس حكراً على جهة.
إن اختزال الدين السياسي في مكوّن اجتماعي واحد هو كذب سياسي، وتزوير للتاريخ، وتغطية على أدوار قوى أخرى لعبت وما زالت تلعب أدواراً خطيرة في تفكيك المجتمع والدولة.
بين إيمان الناس واستغلال الدين: التمييز الضروري
واحدة من أخطر الانزلاقات في الخطاب السياسي المعاصر هي الخلط المتعمّد بين إيمان الناس واستغلال الدين. هذا الخلط يخدم السلطة الدينية من جهة، ويخدم خصومها الشعبويين من جهة أخرى، ويقع اليسار ضحية له حين يفقد بوصلته الطبقية.
الإيمان الشعبي ليس أيديولوجيا. الطقوس ليست برنامج حكم. والتدين الاجتماعي ليس مشروع سلطة.
الناس في العراق، كما في كل المجتمعات التي عاشت القهر والحروب والحصار والفقر، يبحثون في الدين عن معنى يحميهم من الانهيار الداخلي، وعن أفق أخلاقي يقيهم السقوط في العدمية، وعن لغة تفسر لهم الألم حين تعجز السياسة عن تفسيره.
لكن هذا الإيمان يتحول إلى أداة قهر حين يُختطف من قبل السلطة. حين يُحوَّل إلى خطاب طاعة. حين يُربط الولاء السياسي بالعقيدة. حين تُختزل الوطنية في الطائفة. حين يُربط الخلاص الأخروي بالتصويت الانتخابي. حين تُحوّل الصدقات إلى بديل عن الحقوق. وحين تُقدَّم الصبر بوصفه فضيلة سياسية.
هنا لا يعود الدين دين الناس، بل دين السلطة. ولا يعود خطاباً روحياً، بل خطاب حكم. ولا يعود ملاذاً للفقراء، بل أداة لضبطهم.
والحزب الذي لا يميز بين هذين المستويين يقع في خطيئتين قاتلتين: إما أن يعادي المجتمع المتدين ويخسر قاعدته الاجتماعية الطبيعية، أو أن يصمت عن توظيف الدين في السلطة ويخسر موقعه النقدي الطبقي.
إعادة بناء العلاقة مع الدين لا تعني مصالحة مع السلطة الدينية، ولا تعني تبنّي خطابها، ولا تعني تديّناً انتهازياً. بل تعني بناء خطاب ديني–اجتماعي نقدي، ينطلق من هموم الناس، ويفضح استغلال الدين، ويعيد ربط القيم الدينية الكبرى بالعدالة الاجتماعية لا بالطاعة السياسية.
الدين بين إمكان التحرر وآلية القهر: الرهان التاريخي للحزب
حين ننظر إلى المسألة الدينية في العراق من موقع المنهج الماركسي الجدلي، لا يجوز لنا أن نقع في فخين متقابلين كلاهما مدمّر: فخ العداء الثقافوي الذي يرى في الدين شراً مطلقاً يجب استئصاله، وفخ التواطؤ السياسي الذي يرى في الدين قوة اجتماعية لا يجوز الاقتراب منها. كلا الفخين يلغي طبيعة الدين بوصفه ظاهرة تاريخية متحولة، تتبدل وظائفها بتبدل البنية الاجتماعية وشروط الصراع الطبقي.
الدين في جوهره ليس أداة قهر ولا أداة تحرير. هو طاقة رمزية يمكن أن تُستثمر في الاتجاهين معاً. يمكن أن يكون لغة احتجاج أخلاقي ضد الظلم، كما يمكن أن يكون لغة تبرير للاستغلال. يمكن أن يكون تعبيراً عن تطلّع الإنسان إلى العدالة في عالم غير عادل، كما يمكن أن يكون أداة لإقناعه بأن هذا العالم قدر لا يُغيَّر. والفيصل هنا ليس النصوص ولا العقائد، بل الموقع الطبقي للقوى التي تمسك بمفاصل المؤسسة الدينية وتوظفها داخل بنية الحكم.
في العراق المعاصر، لم يعد الدين مجرد أفق للمعنى، بل صار جزءاً من جهاز الحكم الفعلي. لم يعد مساحة أخلاقية مفتوحة، بل شبكة مصالح متشابكة مع الريع والسلاح والمحاصصة. ولم يعد خطاباً روحياً، بل لغة سياسية لتوزيع الشرعية وتحديد العدو والصديق وضبط المجتمع وإعادة إنتاج الطاعة.
هنا بالضبط تتحدد طبيعة المعركة. ليست معركة ضد الإيمان، بل معركة ضد تحويل الإيمان إلى أداة هيمنة. ليست معركة ضد الطقس، بل معركة ضد تحويل الطقس إلى اقتصاد سياسي ريعي. ليست معركة ضد المرجعية بوصفها ظاهرة اجتماعية، بل معركة ضد المرجعية حين تتحول إلى سلطة فوق الدولة وفوق المجتمع.
من لا يميز بين هذه المستويات يقع إما في عداء عقيم مع المجتمع، أو في تواطؤ انتهازي مع السلطة.
الحزب وسؤال الأخلاق الثورية في مجتمع مسحوق
إن الحزب الثوري لا يُقاس فقط بصحة تحليله الاقتصادي، بل أيضاً بقدرته على بناء شرعية أخلاقية داخل المجتمع. ففي مجتمع تعرّض لانهيارات متتالية، لا يكفي أن تقول للناس إن النظام فاسد، بل عليك أن تكون أنت عنوان النزاهة. لا يكفي أن تقول إن الدولة منهوبة، بل عليك أن تكون أنت نموذج التضحية. لا يكفي أن ترفع شعار العدالة الاجتماعية، بل عليك أن تكون أنت في صف المظلوم حين يُقمع، والعامل حين يُفصل، والمرأة حين تُهان، والشاب حين يُدفع إلى الهجرة أو السلاح.
الطائفية السياسية لم تنتصر فقط لأنها امتلكت السلاح، بل لأنها نجحت في احتكار الأخلاق. جعلت نفسها معيار الفضيلة، وجعلت خصومها خارجين عن القيم. من يعارضها يُتّهم بالإساءة للمقدسات. من ينتقدها يُتّهم بإثارة الفتنة. من يطالب بحصر السلاح يُتّهم بمعاداة الطائفة. من يطالب بدولة قانون يُتّهم بنزع الهوية.
في المقابل، لم ينجح الحزب في كثير من المراحل في بناء صورة أخلاقية شعبية واضحة. ترك المجال لمن يحتكر تعريف الشرف والغيرة والعيب والحلال والحرام، ثم استغرب لماذا يتهمه الجمهور بأنه حزب بارد أو نخبة معزولة أو تنظيم بلا قيم.
إعادة التأسيس تبدأ من هنا: من استعادة الشرعية الأخلاقية الطبقية. من إعادة وصل القيم الشعبية الكبرى بالصراع الاجتماعي. من إعادة تعريف التقوى بوصفها انحيازاً للمظلوم لا طاعة للظالم. ومن إعادة تعريف الوطنية بوصفها دفاعاً عن الخبز والعمل والسكن والتعليم والصحة، لا دفاعاً عن رايات وهويات.
الدين والاحتلال: من أداة تفكيك إلى ساحة مقاومة
لا يمكن فصل صعود الدين في السياسة العراقية عن مشروع الاحتلال الذي دخل العراق ليؤسس نظاماً قائماً على تفكيك الدولة وإعادة تركيبها على أسس محاصصاتية وهوياتية. الاحتلال لم يأتِ ليقيم دولة مواطنين، بل ليبني دولة مكوّنات. لم يأتِ ليؤسس اقتصاداً وطنياً منتجاً، بل ليطلق اقتصاد الريع والخصخصة والتبعية. ولم يأتِ ليبني جهاز أمن دولة، بل ليخلق شبكة من الجيوش والفصائل والتوازنات المسلحة.
في هذا النموذج، كان لا بد من إدخال الدين إلى قلب الحكم بوصفه لغة شرعنة وتعبئة وضبط. فالدولة الضعيفة تحتاج إلى قداسة تعوّض غياب الشرعية. والنظام الريعي يحتاج إلى خطاب أخلاقي يبرر النهب. والسلطة المحاصصاتية تحتاج إلى هوية تعبّئ الجمهور وتحميها من المساءلة.
وهكذا لم يكن الدين هو الذي استولى على الدولة، بل الدولة هي التي أُعيد تشكيلها لكي تستثمر الدين في إدارة المجتمع. وهنا يصبح الدين جزءاً من منظومة الهيمنة الإمبريالية الجديدة التي تريد شرقاً أوسط مفككاً، ضعيفاً، تابعاً، بلا دول سيادية وبلا مجتمعات قادرة على المقاومة.
العراق كان المختبر الأول لهذا النموذج. ومن أفغانستان إلى ليبيا وسوريا واليمن والسودان وبعض بلدان شمال أفريقيا، نرى الصيغة نفسها تتكرر: دولة تُفكك، مجتمع يُستنزف، هويات تُسلّح، اقتصاد يُنهب، وسيادة تُفرغ من مضمونها. ثم يُقال للضحايا: أنتم المشكلة.
هنا تتحدد وظيفة الحزب التاريخية بوصفه قوة مقاومة لهذا المشروع. مقاومة لا تختزل في السلاح، بل في الوعي. مقاومة لا تبدأ من الحدود، بل من المجتمع. مقاومة لا تقوم على استبدال طائفة بطائفة، بل على استعادة الدولة بوصفها أداة سيادة شعبية.
استعادة السياسة من قبضة المقدس المُسيَّس
إن أخطر ما أصاب العراق بعد الاحتلال ليس فقط تفكيك الدولة، ولا فقط تدمير الاقتصاد المنتج، ولا فقط عسكرة المجتمع، بل إعادة تعريف الإنسان العراقي نفسه بوصفه كائناً هويّاتياً لا مواطناً، وطائفياً لا طبقياً، وتابعاً لا صاحب حق.
في هذا التحول العميق، لم يعد الدين مجالاً روحياً، بل صار أداة لإدارة الجماهير. ولم تعد الطائفة إطاراً اجتماعياً، بل صارت وحدة سياسية. ولم تعد المرجعية سلطة رمزية، بل تحولت إلى فاعل في إنتاج القرار. ولم يعد السلاح استثناءً، بل صار لغة الدولة.
في هذا السياق، لا يمكن للحزب أن يكتفي بخطاب الدولة المدنية المجرد، ولا بشعارات فصل الدين عن السياسة المعلّقة في الفراغ، ولا بنداءات الوحدة الوطنية التي لا تمس جذور الانقسام. فالدولة التي نريدها لا تُبنى في الخطب، بل في الصراع الاجتماعي اليومي. والوحدة التي نريدها لا تُفرض من فوق، بل تُنسج من تحت، من معاناة مشتركة ومن مصالح مادية متقاطعة ومن تنظيم طبقي عابر للهويات.
استعادة السياسة من قبضة المقدس المُسيَّس تعني إعادة بناء المجال العام على أساس المواطنة لا الطائفة، وعلى أساس الحقوق لا الامتيازات، وعلى أساس القانون لا الفتوى، وعلى أساس الدولة لا الفصيل. وتعني في الوقت نفسه استعادة الدين من قبضة السلطة، وإعادته إلى موقعه الطبيعي بوصفه طاقة أخلاقية يمكن أن تنحاز للإنسان لا للحاكم.
نقترب من الخاتمة الجدلية الكبرى في الدفعة التالية: الحزب والدين بوصفهما ساحتين في معركة واحدة على وعي المجتمع ومستقبل الدولة.
نواصل، وبالثبات نفسه. نواصل يا رفيقي، وبالنسج الجدلي نفسه، وباللغة التي تضع اليد على الجرح من دون مواربة، وتفتح الأفق من دون شعارات.
من تديّن المجتمع إلى تديّن السلطة: حيث تُختطف السماء
إن الخط الفاصل الذي ينبغي للحزب أن يرسمه بوضوح لا يقبل الالتباس هو الخط بين تديّن المجتمع وتديّن السلطة. فالتديّن الشعبي في العراق ليس ظاهرة طارئة ولا انحرافاً ثقافياً، بل هو تعبير تاريخي عن حاجة إنسانية عميقة إلى المعنى والأمل والعدل في واقع مليء بالقهر، والحروب، والفقر، والحرمان. هو لغة الناس في مواجهة الموت، وطقوسهم في مواجهة الفقد، وتضامنهم في مواجهة العوز، ومحاولتهم الدائمة لصيانة كرامتهم في عالم قاسٍ.
هذا التديّن الشعبي لا يقف بطبيعته ضد العدالة الاجتماعية، بل كثيراً ما يحمل في داخله بذور الاحتجاج الأخلاقي على الظلم، وقيم النصرة للمظلوم، وإغاثة المحتاج، ورفض الاستبداد. ومن ينظر إلى المتدين الفقير بوصفه خصماً طبقياً يرتكب خطيئة سياسية وأخلاقية، لأنه يخلط بين الإنسان الذي يبحث عن عزاء، وبين المنظومة التي تستثمر هذا العزاء لتعيد إنتاج القهر.
أما تديّن السلطة فهو شيء آخر تماماً. هو تحويل الدين إلى جهاز حكم. هو إدخاله في بنية الدولة الريعية–المحاصصاتية ليصبح لغة شرعنة للنهب، وأداة تعبئة انتخابية، واقتصاداً موازياً، ومنظومة ضبط اجتماعي، وغطاءً أيديولوجياً للسلاح المنفلت. هو حين يصبح رجل الدين جزءاً من شبكة السلطة، والمؤسسة الدينية جزءاً من اقتصاد الريع، والطقس موسماً سياسياً، والمناسبة الدينية منصة تعبئة، والفتوى بديلاً عن القانون.
هنا لا يعود الدين لغة خلاص، بل لغة حكم. لا يعود مساحة معنى، بل آلية ضبط. لا يعود طاقة احتجاج، بل أداة تبرير. وهنا بالضبط تقع ساحة الصراع الطبقي.
إن من يهاجم تديّن المجتمع يقدّم خدمة مجانية لتديّن السلطة، لأنه يدفع الناس إلى الاحتماء بهويتهم بدل مساءلة من يحكم باسمها. ومن يصمت عن تديّن السلطة يترك السماء مختطفة، ويترك الضمير الشعبي رهينة لمن يسرق باسم الله.
العداء الانتقائي والدونية السياسية: حين تتحول “المدنية” إلى طائفية مقلوبة
في سياق هذا التشوّه العميق، ظهرت ظاهرة خطيرة لا تقل خطورة عن الطائفية السياسية نفسها، وهي ظاهرة العداء الانتقائي للدين والطائفة تحت لافتة “المدنية” و” الحداثة” و” العلمانية”. خطاب يدّعي التنوير بينما يمارس في الواقع سياسة إذلال جماعي لمكوّن اجتماعي بعينه، ثم يسمّي ذلك نقداً للدين.
هذا الخطاب لا يواجه الهيمنة الدينية بوصفها ظاهرة بنيوية مرتبطة بالدولة الريعية والسلاح والمحاصصة، بل يختزلها في صورة نمطية عن طائفة بعينها، ويحوّل ملايين الفقراء والكادحين إلى متهمين جماعيين. لا يرى الطبقة الحاكمة المختبئة خلف الهوية، بل يرى الهوية نفسها بوصفها المشكلة. لا يفضح اقتصاد الدين، بل يسخر من طقوس الناس. لا يكشف شبكات الريع، بل يحتقر ثقافة الأحياء الشعبية.
وهكذا تتحول “المدنية” إلى طائفية مقلوبة. ويصبح النقد المزعوم أداة لإعادة إنتاج الانقسام الذي صممه الاحتلال. وتتحول السياسة إلى سوق تحقير، ويتحول اليسار إلى ذيل لخطاب دوني، ويضيع خط الطبقة.
إن الحزب الذي يريد أن يكون حزب الشعب لا يمكنه أن يتورط في هذا المسلك. لا يمكنه أن يرى في تدين الفقراء عاراً تاريخياً، ولا في طقوسهم دليلاً على التخلف، ولا في ثقافتهم الشعبية عبئاً يجب التخلص منه. لأن هذا الخطاب لا يخدم إلا أعداء الطبقة أنفسهم، ويعيد إنتاج القطيعة بين الحزب وقاعدته الاجتماعية المفترضة.
الطبقية لا تُقاس بنوع النبيذ ولا بنوع الموسيقى ولا بنوع الطقوس التي نشارك فيها، بل بموقفنا من الفقراء، ومن العدالة، ومن الاستغلال، ومن الهيمنة.
الإرهاب باسم الله: الوجه الآخر لتديّن السلطة
ومن أكثر ما شوّه صورة الدين في الوعي العام بعد 2003 هو ذلك الوجه الدموي الذي حملته موجات الإرهاب القادمة من خارج العراق وداخله، باسم الإسلام السلفي التكفيري. أكثر من عشرين ألف انتحاري جاؤوا من بلدان “حريصة على الإسلام”، فجّروا أنفسهم وسط تجمعات الناس البسطاء، وهم يصرخون بصوت قبيح: “الله أكبر”. قُطعت رؤوس أبناء الطائفة الأخرى باسم الفتوى، وذُبح الأبرياء باسم الجهاد، وحُوّلت المدن إلى مقابر جماعية باسم إقامة الدولة الإسلامية.
هذا ليس تديّناً شعبياً، بل تديّن سلطة متوحشة. ليس إيماناً، بل أيديولوجيا قتل. وليس تعبيراً عن أزمة روحية، بل أداة في حرب إقليمية–دولية على المجتمع العراقي.
الأشد خطورة أن هذه الجرائم لم تُواجَه دائماً بالموقف الحاسم الذي يليق بحزب طبقي ثوري. في مراحل عديدة، نأى الحزب بنفسه عن الإدانة الصريحة لهذه الوحشية، مرة بالصمت، ومرة بلغة تساوي بين الضحية والجاني، ومرة بحسابات سياسية ضيقة. وهذا موقف لا يمكن الدفاع عنه تاريخياً ولا أخلاقياً.
الإرهاب الذي يذبح الناس باسم الله هو جزء من منظومة تديّن السلطة العالمية، لا أقل خطراً من منظومة تديّن السلطة المحلية. كلاهما يستثمر المقدس في القتل. وكلاهما يسرق السماء ليحكم الأرض بالدم.
الإشاعات الإمبريالية وتزييف الوعي: حين يُسرق التحليل
ومن بين أخطر ما أُشاعته منظومة الاحتلال وأعوانها في المنطقة تلك الأكاذيب السخيفة عن أن احتلال العراق كان نتيجة “تنسيق أميركي–إيراني”، يروّجها سياسيون وإعلاميون من بلدان تحتضن على أراضيها أكبر القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية والفرنسية. هذه السردية ليست تحليلاً سياسياً، بل بروباغندا رخيصة هدفها غسل يد الإمبريالية من جريمة الاحتلال، وتحويل الغزو إلى مؤامرة إقليمية محلية.
الأخطر أن هذه الأكذوبة تسللت إلى وعي قطاعات واسعة، بل ومورست داخل الحزب نفسه، حتى صار بعض الرفاق يتقدم تنظيمياً بموقفه الدوني من طائفته وثقافتها، وكأن إدانة الذات الجماعية شرط للحداثة السياسية.
هذا ليس نقداً للإقليمية ولا مواجهة للنفوذ، بل إعادة إنتاج لخطاب إمبريالي يريد إخفاء الفاعل الحقيقي: الإمبريالية بوصفها منظومة عالمية لكسر الدول وتفكيك المجتمعات ونهب الموارد.
من يختزل الاحتلال في “تفاهمات إقليمية” يبرئ الإمبريالية من جريمتها التاريخية. ومن يشيطن طائفة كاملة يبرئ الطبقة الحاكمة من مسؤوليتها الطبقية. ومن يستبدل التحليل بالشتيمة يستبدل السياسة بالأحقاد.
الحزب بين النقد الجذري والوفاء التاريخي
إن كل ما كُتب ويُكتب في هذه الوثيقة لا ينطلق من موقع خصومة مع الحزب، بل من موقع الوفاء لتاريخه الطبقي ودوره الوطني. ليس بحثاً عن بطولة شخصية، ولا استعراضاً أخلاقياً، ولا تصفية حسابات، بل محاولة جدية لإعادة الاعتبار للمنهج النقدي بوصفه شرط بقاء الحزب الثوري.
النقد ليس شتيمة، والاختلاف ليس تخويناً، والصرامة المبدئية ليست عداءً تنظيمياً. الحزب الذي يخاف من النقد العلني حزب خائف من نفسه. والحزب الذي يطلب الوصاية المسبقة على الفكر حزب فقد ثقته بجماهيره. والحزب الذي يصمت عن أخطائه يراكمها حتى تتحول إلى هزيمة تاريخية.
نحن لا ندّعي امتلاك الحقيقة، بل ندلي بدلونا في صراع فكري وتنظيمي طويل، من موقع التواضع الفكري والصلابة المبدئية معاً. نحن نكتب دفاعاً عن معنى الحزب بوصفه مشروع تحرر وطني طبقي، لا جهازاً إدارياً ولا منصة صفقات سياسية.
نحن نكتب من داخل الحزب الفكري والتاريخي، حتى حين نكون خارجه تنظيمياً. لأن الحزب ليس ملكاً لقيادة، بل ملك لتاريخه وطبقته ورسالتِه.
أفق إعادة التأسيس: حين يعود الدين مجالاً للوعي لا أداة حكم
في الأفق الذي نرسمه، لا يعود الدين سلاحاً في يد السلطة، ولا يعود الحزب خصماً للمجتمع في معتقداته، بل تصبح المسألة الدينية ساحة وعي طبقي مفتوحة.
حين يقول الحزب للعامل المؤمن إن مشكلته ليست مع ربّه، بل مع من سرق خبز أولاده، وحين يقول للمرأة المتدينة إن مشكلتها ليست في حجابها، بل في دولة لا تحميها، وحين يقول للشاب المتدين إن مشكلته ليست في عقيدته، بل في نظام يسرق مستقبله، عندها فقط يبدأ الوعي بالتحول من الداخل.
هكذا تُستعاد السياسة من يد الطائفية. وهكذا يُستعاد الدين من يد السلطة. وهكذا يُستعاد الإنسان من قبضة الخوف.
وهنا فقط يبدأ معنى إعادة التأسيس حقاً: ليس استعادة مقاعد، ولا تحسين صورة، ولا توسيع تحالفات، بل استعادة المجتمع من قبضة منظومة تريد أن تحكمه بالخوف والهوية والحرمان.
نقترب من الخاتمة الجدلية للوثيقة في الدفعة القادمة: الحزب والدين بوصفهما شرطَي بناء دولة مواطنين لا دولة مكوّنات.
نواصل، وبالصلابة نفسها. نواصل يا رفيقي، ونمضي إلى الخاتمة الجدلية التي لا تُغلق النص، بل تفتحه على أفق العمل والصراع.
الحزب والدين بوصفهما شرطَي بناء دولة مواطنين لا دولة مكوّنات
إن جوهر الصراع الذي يخوضه العراق منذ أكثر من قرن ليس صراعاً بين دين ودولة، ولا بين إيمان وعلمانية، ولا بين طائفة وأخرى، بل هو صراع بين مشروعين تاريخيين متناقضين: مشروع الدولة الوطنية بوصفها إطار السيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية، ومشروع “اللا دولة” بوصفها نظام إدارة تناقضات، وساحة تقاسم غنائم، وفضاء صراع هويات متناحرة.
في هذا الصراع، لم يكن الدين في ذاته هو المشكلة، كما لم تكن الطائفة في ذاتها هي المعضلة، بل كان إدخال الدين في بنية الحكم، وتحويل الطائفة إلى وحدة سياسية، وتفكيك المجتمع إلى “مكوّنات” هي الآلية التي صُمّم بها النظام بعد الاحتلال لكي يمنع تشكّل شعب موحّد قادر على فرض مشروع سيادي مستقل.
الدولة التي نُصبت بعد 2003 لم تُبنَ بوصفها دولة مواطنين، بل بوصفها دولة حصص. لم تُؤسَّس على فكرة الشعب بوصفه مصدراً للسلطة، بل على فكرة الجماعات بوصفها وحدات تفاوض. لم تُربَط بالعمل والإنتاج والحقوق الاجتماعية، بل بالريع والوساطة والمحاصصة. في هذا النموذج، يصبح الدين ضرورة سياسية لا خياراً ثقافياً، لأن السلطة تحتاج إلى لغة شرعنة أقوى من القانون، وإلى رابطة أمتن من المواطنة، وإلى ولاء أعمق من العقد الاجتماعي.
هكذا صار المقدس بديلاً عن الدستور، والفتوى بديلاً عن القضاء، والزعيم الروحي بديلاً عن المؤسسة، والطائفة بديلاً عن الوطن. وصار الإنسان العراقي يُعاد تعريفه بوصفه تابعاً لهوية قبل أن يكون مواطناً في دولة. ومع هذا التحول، لم تعد السياسة مجالاً للصراع الاجتماعي حول توزيع الثروة والسلطة، بل تحولت إلى إدارة هويات متنافسة على موارد دولة منهوبة.
في هذا السياق المشوّه، لا يمكن للحزب الشيوعي أن يكتفي بشعارات عامة عن “الدولة المدنية” ولا بنداءات مجردة عن “الوحدة الوطنية”. فالدولة التي نريدها لا تُبنى في الخطب، بل تُبنى في الصراع الاجتماعي اليومي. والوحدة التي نريدها لا تُفرض من فوق، بل تُنسج من تحت، من مصالح مادية مشتركة، ومن تنظيم طبقي عابر للهويات، ومن نضال مشترك ضد منظومة الريع والسلاح والمحاصصة.
إن مواجهة الطائفية السياسية تبدأ من تفكيك شروطها الاجتماعية. تبدأ من إعادة الاعتبار للعمل المنتج بوصفه أساس الكرامة الإنسانية. تبدأ من بناء اقتصاد يحرّر الناس من التبعية لشبكات الإعانة الطائفية. تبدأ من إعادة بناء النقابات والتنظيمات الشعبية بوصفها أدوات دفاع عن الحقوق لا ملحقات انتخابية. تبدأ من استعادة دور الدولة بوصفها ضامناً للخدمات لا موزعاً للولاءات.
حين يمتلك الإنسان خبزه بكرامة، لا يحتاج صدقة الزعيم. حين يمتلك عملاً مستقراً، لا يحتاج حماية الفصيل. حين يمتلك دولة تحميه بالقانون، لا يحتاج وساطة الطائفة. حين يمتلك أفقاً للمستقبل، لا يبيع صوته ولا بندقيته.
وهنا يتضح المعنى العميق للعلمانية بوصفها مشروعاً اجتماعياً تحررياً لا شعاراً ثقافياً. العلمانية التي نريدها ليست عداءً للإيمان، بل تحرراً للدولة من الاحتكار الديني. ليست نفياً للمقدس، بل نفياً لتسييس المقدس. ليست استعلاءً على المجتمع، بل استعادة لكرامة المجتمع من قبضة من يحتكر الحديث باسمه.
العلمانية التي لا ترتبط بالعدالة الاجتماعية تتحول إلى نخبوية باردة. والعلمانية التي لا ترتبط بالديمقراطية تتحول إلى استبداد جديد. والعلمانية التي لا ترتبط بتحرير الاقتصاد تتحول إلى غطاء لليبرالية المتوحشة. ولهذا فإن مشروع الحزب لا يمكن أن يكون علمانياً بالمعنى الإداري فقط، بل علمانياً بالمعنى التحرري: دولة مواطنين أحرار متساوين، لا دولة مكوّنات متناحرة.
معركة الوعي: من القدر إلى السياسة
إن النظام القائم لا يحكم بالقوة وحدها، بل يحكم عبر إنتاج معنى زائف للواقع. معنى يجعل الناس ترى الخراب قدراً، والنهب قسمة، والفساد ابتلاء، والقهر امتحاناً، والطاعة فضيلة، والتمرد فتنة. معنى يجعل الفقير يدافع عمن يسرقه، ويخاف من من يريد إنقاذه.
هنا وظيفة الحزب ليست فقط أن يفضح، بل أن يبني معنى بديلاً. معنى يقول إن الفقر ليس قضاءً، بل جريمة اجتماعية. وإن البطالة ليست كسلاً، بل نتيجة نظام فاشل. وإن الفساد ليس استثناءً، بل بنية حكم. وإن السلاح خارج الدولة ليس حماية، بل تهديد. وإن الطائفية ليست هوية، بل أداة تقسيم. وإن الوطن ليس غنيمة، بل حقاً مشتركاً.
هذا المعنى البديل لا يُبنى بالبيانات وحدها، بل بالممارسة اليومية. ببناء شبكات تضامن، وتنظيم مطالب، والدفاع عن المظلومين، والوقوف مع العمال حين يُفصلون، ومع الفلاحين حين تُصادر أرضهم، ومع النساء حين يُقهرن، ومع الشباب حين يُدفعون إلى الهجرة أو السلاح.
حين يرى الناس الحزب في حياتهم اليومية، لا في صفحات التواصل فقط، تبدأ الثقة بالتكوّن. وحين يرونه يقف معهم في الشدة، لا في المؤتمرات فقط، تبدأ الشرعية بالترسّخ. وحين يرونه يقول الحقيقة مهما كانت مُكلفة، تبدأ السياسة بالتحول إلى أخلاق عامة.
الخاتمة: الدين ساحة وعي… والحزب قوة تحرر
وهكذا نعود إلى جوهر وثيقتنا: الحزب والدين ليسا مجالين متوازيين، بل ساحتين متداخلتين في معركة واحدة على وعي المجتمع. إما أن يترك الحزب الدين يُختطف بالكامل من قبل الطائفية السياسية، فيتحول إلى أداة حكم، وإما أن يدخل هذه الساحة بوصفه قوة اجتماعية نقدية، تعيد ربط الإيمان بالعدالة، والهوية بالوطن، والكرامة بالعمل.
نحن لا نريد حزباً يعادي الناس في معتقداتهم، ولا حزباً يهادن السلطة في استغلالها للمعتقدات. نريد حزباً يقول للناس بوضوح: دينكم ليس مشكلة، بل من سرق دينكم ليحكمكم هو المشكلة. طقوسكم ليست عاراً، بل من حوّلها إلى تجارة هو العار. إيمانكم ليس تخلفاً، بل من جعله وسيلة للنهب هو المتخلف أخلاقياً.
بهذا الخطاب وحده يمكن أن تُستعاد السياسة من قبضة المقدس المُسيَّس. وبهذا التنظيم وحده يمكن أن تُستعاد الدولة من قبضة الطائفة. وبهذا المشروع وحده يمكن أن يُستعاد الوطن من قبضة الريع والسلاح والاحتلال المقنّع.
وهنا نختم هذا المسار من الوثيقة لا بوصفه خاتمة فكرية مغلقة، بل بوصفه إعلان مواجهة تاريخية: مواجهة مع منظومة جعلت من الدين جهاز حكم، ومن الطائفة دولة، ومن الريع اقتصاداً، ومن السلاح سياسة، ومن الاحتلال نموذجاً يُراد تعميمه على المنطقة كلها.
ونقولها بلا لبس: نحن حزب الطبقة العاملة بكل أديانها وطوائفها وقومياتها. حزب الفقراء بكل معتقداتهم وهوياتهم. حزب الذين يريدون وطناً لا غنيمة، ودولة لا مزرعة، وديناً لا سلطة، وسياسة لا سلاحاً.
وهنا، في هذا الاشتباك الجدلي العميق، تبدأ إعادة التأسيس حقاً.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع
...
-
من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
-
التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
-
الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
-
بين فنزويلا والعراق
-
من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
-
الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
-
من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
-
النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
-
قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع
...
-
من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
-
الهوية بين الأصالة والدونية
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
-
إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف
...
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
-
الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع
...
-
الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
ماذا يريد الشيوعيون؟
المزيد.....
-
فيديو يظهر سيدة إيرانية توجه رسالة استغاثة لترامب.. ماذا قال
...
-
مقتل شخص في إطلاق نار من عناصر بإدارة الهجرة في مينيابوليس ب
...
-
أخبار اليوم: أخبار اليوم: الناتو يعتزم إنشاء -منطقة دفاع مؤت
...
-
أفريقيا: قرار ترامب بوقف منح التأشيرات -تمييز وإقصاء شعبوي-
...
-
البوندسليغا.. بايرن يتجرع أول خسارة بعد أشهر من الهيمنة المح
...
-
إيران تؤكد استعدادها للرد على أي هجوم محتمل من قبل الولايات
...
-
بين من يؤيد توجيه ضربة موجعة لإيران ومن يعتقد أن الوقت لم يح
...
-
ما الذي قد تستهدفه الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران؟
-
د. ناصر بن حمد الحنزاب: -التعليم ركيزة أساسية لتعزيز السلام
...
-
هل تواجه مدينتا كادقلي والدلنج مصير الفاشر؟
المزيد.....
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
المزيد.....
|