|
|
قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريعية المأزومة (2003–2026)
علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 19:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
وثيقة في مشروع إعادة التاسيس الشيوعي في العراق
قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريعية المأزومة (2003–2026)
دراسة جدلية تشكيكية تجديدية في حدود الخطاب الإصلاحي وأزمة اليسار العراقي المعاصر
د. علي عبد الرضا طبله 15 كانون الثاني 2026
المقدمة المنهجية والإطار النظري للوثيقة
يشكّل الخطاب السياسي للحزب الشيوعي العراقي أحد المداخل الأساسية لفهم التحولات العميقة التي شهدها المجتمع والدولة في العراق منذ عام 2003. فالحزب، بوصفه أحد أعرق التنظيمات اليسارية في المنطقة العربية، لم يكن مجرد فاعل سياسي عابر، بل كان على امتداد تاريخه الطويل جزءاً عضوياً من تشكّل الحركة الاجتماعية الحديثة في العراق، ومرتبطاً بصعود الحركة العمالية والنقابية، وبالمشروع الوطني التحرري، وبالصراع من أجل العدالة الاجتماعية والدولة الحديثة.
غير أن التحولات البنيوية التي أصابت الدولة العراقية بعد الاحتلال الأميركي، وما رافقها من تفكك المركز السيادي للدولة، وصعود نظام المحاصصة الريعية، واندماج رأس المال الطفيلي بالسلطة السياسية، وانتشار التسلح المجتمعي، قد أعادت صياغة المجال السياسي والاجتماعي برمّته، ووضعت اليسار العراقي عموماً، والحزب الشيوعي خصوصاً، أمام مأزق تاريخي مركب.
فمن جهة، ما زال الحزب يحتفظ بإرثه الأخلاقي والسياسي بوصفه ممثلاً تقليدياً للكادحين والفئات الشعبية، ومن جهة أخرى يعمل داخل نظام سياسي مغلق تحكمه منطق الغنيمة والزبائنية والسلاح والمال السياسي، بما يجعل الفعل الإصلاحي نفسه موضع صراع بنيوي لا مجرد خيار سياسي.
تنطلق هذه الوثيقة من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العراق اليوم ليست أزمة سياسات أو إدارة فحسب، بل هي تعبير عن أزمة دولة ونمط إنتاج معاً. وهي أزمة تتجسد في بنية الدولة الريعية الزبائنية التي أعيد تركيبها بعد 2003، وفي طبيعة الطبقة الحاكمة الجديدة التي تشكلت في ظل اقتصاد الاستيراد والعقود والمضاربات، وفي تفكك احتكار الدولة للعنف، وفي انحسار القاعدة الاجتماعية التقليدية لليسار.
وبناءً على ذلك، فإن تحليل خطاب الحزب الشيوعي العراقي، ولا سيما بياناته الاقتصادية والاجتماعية، لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذا السياق البنيوي، ولا يمكن اختزاله في تقييم أخلاقي أو سياسي مباشر، بل يقتضي مقاربة مادية تاريخية تفكك العلاقة الجدلية بين الدولة والاقتصاد والمجتمع والخطاب السياسي.
تعتمد هذه الوثيقة ما نصطلح عليه بـ النهج التشكيكي النقدي التجديدي في الماركسية واللينينية، بوصفه نهجاً يقوم على الشك المنهجي في المسلمات، والنقد الجدلي لبنية الدولة والسلطة ونمط الإنتاج، وتجاوز القراءة التبريرية أو الإدانة الأخلاقية المجردة، والسعي إلى إعادة وصل النظرية بالممارسة في سياقها التاريخي الملموس.
فالغاية من هذه الدراسة ليست إصدار حكم سياسي على الحزب الشيوعي العراقي، بل الإسهام في بناء وعي نقدي تاريخي بمأزق اليسار العراقي المعاصر، وبحدود الخطاب الإصلاحي داخل دولة الغنائم، وبشروط إعادة تأسيس مشروع تحرري وطني اجتماعي جديد.
الدولة العراقية بعد 2003: من الدولة الريعية إلى دولة الغنائم
لا يمكن مقاربة الأزمة المالية والاقتصادية التي يعيشها العراق اليوم بوصفها أزمة ظرفية أو تقنية ناتجة عن تقلبات أسعار النفط أو سوء إدارة مالية عابرة، بل ينبغي النظر إليها بوصفها التعبير المكثف عن مأزق تاريخي أعمق يطال بنية الدولة نفسها ونمط تشكّلها بعد عام 2003. فالدولة العراقية المعاصرة لم تتكوّن بوصفها استمراراً للدولة الوطنية المركزية التي تشكّلت في القرن العشرين، ولا بوصفها دولة مدنية حديثة قائمة على عقد اجتماعي جديد، بل أعيد تركيبها في سياق احتلال عسكري خارجي، وانهيار مؤسسات الدولة السابقة، وصعود نظام سياسي جديد يقوم على تقاسم السلطة والموارد وفق منطق المحاصصة.
لقد دخل العراق بعد 2003 مرحلة إعادة تأسيس للدولة في ظروف استثنائية، حيث جرى تفكيك البنية المؤسسية القديمة دون أن يُبنى بديل وطني جامع قادر على استيعاب المجتمع وإعادة تنظيم علاقاته الاقتصادية والاجتماعية على أسس حديثة. وفي هذا الفراغ التاريخي نشأ نظام سياسي جديد يستند إلى شرعية انتخابية شكلية، لكنه يقوم فعلياً على إدارة مجتمع مأزوم عبر توزيع الريع النفطي وتوازنات القوى السياسية والهويات الفرعية.
منذ ذلك الحين أصبح النفط ليس مجرد مورد اقتصادي رئيسي، بل القاعدة المادية التي يقوم عليها النظام السياسي برمّته. فالريع النفطي لم يعد يمثّل مصدراً لتمويل التنمية وبناء القطاعات الإنتاجية، بل تحوّل إلى الأداة المركزية لإعادة إنتاج السلطة السياسية وضبط التوازنات الاجتماعية. وبذلك لم يعد الاقتصاد العراقي اقتصاداً وطنياً منتجاً، بل اقتصاد توزيع، حيث تقوم الدولة بدور المالك شبه المطلق للثروة، وتتحول إلى الوسيط الوحيد بين المجتمع والسوق العالمية.
في هذا النمط من الاقتصاد الريعي لا تتحدد علاقة الدولة بالمجتمع عبر الضرائب والإنتاج والعمل، بل عبر توزيع الريع والوظائف والمنافع. وتقوم شرعية السلطة على قدرتها على إعادة توزيع الموارد لا على قدرتها على بناء اقتصاد منتج أو ضمان سيادة القانون. وهكذا تتشكل علاقة زبائنية بنيوية بين الدولة والمجتمع، حيث يصبح الوصول إلى الثروة مرتبطاً بالانتماء السياسي أو الهوياتي أو المناطقي أكثر مما يرتبط بالعمل والإنتاج.
وقد تعمّق هذا النمط الريعي بعد 2003 مع التدمير شبه الكامل للقطاعين الصناعي والزراعي، وتحول العراق إلى أحد أكثر الاقتصادات اعتماداً على الاستيراد في المنطقة، وتراجع دور الدولة في الاستثمار الإنتاجي، وانكماش القاعدة الصناعية التي كانت تمثل في مرحلة سابقة إحدى ركائز الاقتصاد الوطني. وبذلك لم يعد الريع يغذي التنمية، بل أصبح يغذي إعادة إنتاج السلطة نفسها.
في هذا السياق تشكّل نظام المحاصصة بوصفه الإطار السياسي الذي ينظّم عملية تقاسم الريع. فالدولة لم تعد جهازاً وطنياً موحداً، بل تحولت إلى ساحة لتقاسم النفوذ بين قوى سياسية تمثل مكونات اجتماعية مختلفة. وأصبحت الوزارات والمؤسسات العامة تُدار بوصفها إقطاعيات حزبية، وتحوّلت الوظيفة العامة إلى أداة للزبائنية السياسية، وأصبحت الموازنة العامة مجالاً للصراع على الغنائم لا أداة للتخطيط التنموي.
وهكذا نشأ ما يمكن توصيفه بدولة الغنائم، حيث لا يُنظر إلى الدولة بوصفها مؤسسة للصالح العام، بل بوصفها مورداً للثروة والسلطة يجب السيطرة عليه وتقاسمه. وفي هذا النمط من الدولة لا تكون السياسة مجالاً للتنافس البرامجي، بل ساحة لتفاوض دائم على الحصص والمواقع والنفوذ.
وفي ظل هذا التكوين الريعي الزبائني تشكّلت طبقة جديدة يمكن توصيفها بالرأسمالية الطفيلية السياسية. وهي طبقة لا تستمد ثروتها من الاستثمار الإنتاجي أو من الصناعة والزراعة والتكنولوجيا، بل من العقود الحكومية، والاستيراد التجاري، والمضاربات المالية، والوساطة الاقتصادية، والسيطرة على المنافذ الحدودية، والاحتكار المقنّع للأسواق. وقد اندمج رأس المال الطفيلي عضوياً بالسلطة السياسية، بحيث لم يعد من الممكن الفصل بين مراكز القرار السياسي ومراكز التراكم المالي.
في هذا السياق لم يعد الفساد انحرافاً عن النظام، بل أصبح أحد آليات عمله الأساسية. ولم تعد السرقة استثناءً، بل تحولت إلى نمط توزيع للثروة داخل الطبقة الحاكمة نفسها. وبذلك لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد حديثاً عن خلل إداري يمكن إصلاحه، بل عن صراع مع بنية اقتصادية سياسية متكاملة تقوم على إعادة إنتاج الفساد بوصفه شرطاً لاستمرارها.
إلى جانب تفكك احتكار الدولة للثروة، شهد العراق بعد 2003 تفككاً متدرجاً لاحتكار الدولة للعنف المنظم. فقد أدى انهيار المؤسسة العسكرية والأمنية، وصعود التشكيلات المسلحة المرتبطة بقوى سياسية مختلفة، وانتشار السلاح داخل المجتمع، إلى نشوء واقع أمني مركب لم تعد فيه الدولة الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة.
غير أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في توصيفات أمنية مبسّطة من قبيل “الميليشيات”، بل ينبغي فهمها بوصفها تعبيراً عن تفكك الدولة وخصخصة العنف داخل مجتمع مأزوم أمنياً واقتصادياً وسياسياً. فالتسلح بات ظاهرة اجتماعية عامة لا تقتصر على فئة أو مكون بعينه، بل تشمل قوى سياسية مختلفة، وعشائر وقبائل، ومناطق اجتماعية واسعة، في ظل شعور عام بانعدام الحماية القانونية وضعف الثقة بمؤسسات الدولة.
وهكذا لم يعد العنف حكراً على الدولة، بل أصبح جزءاً من السوق السياسية، وأداة من أدوات التفاوض على السلطة والموارد. وبذلك تراجعت هيبة القانون، وتحوّلت الدولة من سلطة سيادية إلى طرف بين أطراف متعددة تمتلك أدوات القوة والنفوذ.
إن النتيجة النهائية لهذه التحولات هي نشوء دولة بلا مشروع وطني جامع. دولة لا تقوم على عقد اجتماعي حديث، بل على توازنات قوى متغيرة. دولة لا تنتج الثروة، بل توزعها. دولة لا تحتكر العنف، بل تفاوض عليه. دولة لا تملك استراتيجية تنموية، بل تكتفي بإدارة الريع وتدوير الأزمات.
وفي مثل هذا السياق تصبح الأزمات المالية أزمات بنيوية لا يمكن حلها بإجراءات إدارية أو مالية جزئية، لأن أصل المأزق يكمن في نمط تشكّل الدولة نفسه. ويصبح الحديث عن الإصلاح المالي دون تفكيك بنية دولة الغنائم حديثاً عن أعراض لا عن جذور.
من هنا فإن أي خطاب اقتصادي أو اجتماعي لا ينطلق من هذا التشخيص البنيوي للدولة العراقية بعد 2003، ولا يضع في اعتباره طبيعة الاقتصاد الريعي الزبائني والرأسمالية الطفيلية السياسية وتفكك السيادة المؤسسية، سيظل محكوماً بأفق محدود مهما بلغت عدالة مطالبه أو صدقية نواياه الاجتماعية.
الاقتصاد الطفيلي والرأسمالية السياسية في العراق المعاصر
إذا كانت الدولة الريعية الزبائنية تمثل الإطار السياسي الذي أعيد تركيب السلطة داخله بعد عام 2003، فإن الاقتصاد الطفيلي السياسي يمثل القاعدة الاجتماعية – الاقتصادية التي تقوم عليها هذه الدولة وتعيد إنتاجها. فالعلاقة بين الدولة الريعية والرأسمالية الطفيلية ليست علاقة عرضية أو ظرفية، بل علاقة عضوية جدلية، حيث يولّد كل منهما الآخر ويغذّيه في دورة مغلقة من إعادة إنتاج الهيمنة واللامساواة.
لقد دخل العراق بعد 2003 مرحلة انتقالية لم تتجه نحو بناء اقتصاد وطني منتج، بل نحو تفكيك ما تبقى من القاعدة الإنتاجية السابقة، والانفتاح غير المنضبط على السوق العالمية، وإعادة هيكلة الاقتصاد على أساس الاستيراد والوساطة والعقود والمضاربات. وفي ظل غياب مشروع تنموي وطني، وغياب دولة تمتلك رؤية اقتصادية سيادية، تحوّل الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد استهلاكي تابع، يعتمد على استيراد معظم حاجاته الأساسية، من الغذاء والدواء إلى السلع الصناعية والخدمات.
في هذا السياق لم تتشكل برجوازية وطنية إنتاجية قادرة على قيادة عملية تنمية مستقلة، بل تشكّلت طبقة رأسمالية طفيلية سياسية تستمد ثروتها من قربها من السلطة السياسية، ومن قدرتها على الوصول إلى الموارد العامة، ومن تحكمها بقنوات الاستيراد والعقود الحكومية والمنافذ الحدودية والأسواق المحلية.
هذه الطبقة لا تستثمر في الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا، ولا تبني مشاريع إنتاجية طويلة الأمد، بل تفضّل الأنشطة السريعة الربح ذات المخاطر المحدودة، مثل التجارة والاستيراد والمضاربة بالعقار والعملات، والوساطة في العقود الحكومية، واحتكار بعض السلع الأساسية عبر شبكات توزيع مرتبطة بالقوى السياسية المتنفذة.
وبذلك نشأ في العراق نمط خاص من الرأسمالية يمكن توصيفه بالرأسمالية السياسية الطفيلية، حيث لا يقوم التراكم الرأسمالي على الإنتاج والقيمة المضافة، بل على الريع والامتياز والاحتكار والفساد المقنن. وهي رأسمالية لا تنمو عبر السوق الحرة التنافسية، بل عبر السوق السياسية، حيث تُوزَّع الفرص الاقتصادية وفق ميزان القوة والنفوذ السياسي لا وفق الكفاءة أو الابتكار.
وفي ظل هذا النمط من التراكم، تتحول الدولة إلى أداة مباشرة في خدمة هذه الرأسمالية، سواء عبر منح العقود والمناقصات، أو عبر تسهيل الاستيراد غير المنضبط، أو عبر غضّ الطرف عن التهرب الضريبي والكمركي، أو عبر توفير الحماية السياسية والأمنية لشبكات المصالح الاقتصادية المرتبطة بالقوى المتنفذة.
وهكذا لا يعود الفساد انحرافاً عن النظام الاقتصادي، بل يصبح أحد آلياته الجوهرية. ولا يعود الاحتكار خللاً في السوق، بل يتحول إلى أداة لتنظيم السوق نفسها وفق مصالح الفئات المسيطرة. ولا تعود المنافسة الاقتصادية قائمة على الجودة والكلفة والإنتاجية، بل على النفوذ السياسي والقدرة على الوصول إلى الموارد العامة.
وقد أدى هذا النمط من الاقتصاد إلى نتائج اجتماعية عميقة الأثر. فمن جهة، توسّعت الفجوة بين أقلية ثرية تراكم ثرواتها عبر الريع والامتياز، وأغلبية واسعة تعيش على الدخول المحدودة والعمل الهش والبطالة المقنّعة. ومن جهة أخرى، تراجعت فرص العمل الإنتاجي المستقر، واتسع نطاق الاقتصاد غير المنظم الذي يضم ملايين العاملين في أنشطة خدمية وتجارية هامشية بلا حماية قانونية أو اجتماعية.
وفي هذا السياق لم تعد الطبقة العاملة الصناعية، التي شكّلت في مرحلة سابقة قاعدة اجتماعية أساسية للحركة اليسارية، تمثل قوة اجتماعية منظمة ذات وزن اقتصادي وسياسي. فقد تفككت المصانع، وتراجعت المشاريع الإنتاجية الكبرى، وتقلّص القطاع العام الصناعي، وحلّ محلها اقتصاد خدمات واسع يقوم على العمل المؤقت والهش.
وبذلك تشكّلت بنية اجتماعية جديدة يغلب عليها الطابع الريعي الاستهلاكي، حيث يعتمد جزء كبير من السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الدولة بوصفها رب العمل الأكبر، أو بوصفها موزع الريع عبر الرواتب والإعانات والعقود والمنافع. وفي ظل هذا الواقع يصبح الصراع الاجتماعي أقل ارتباطاً بعلاقات الإنتاج المباشرة، وأكثر ارتباطاً بالصراع على الوصول إلى الموارد العامة والفرص الزبائنية.
إن هذا التحول البنيوي في الاقتصاد والمجتمع يفرض تحدياً تاريخياً على أي مشروع تحرري يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس إنتاجية وسيادية. فإعادة الاعتبار للاقتصاد المنتج لا تعني مجرد إطلاق شعارات تنموية، بل تتطلب تفكيك نمط الرأسمالية الطفيلية السياسية نفسه، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والسوق على أسس جديدة تقوم على التخطيط الاستراتيجي، والاستثمار الإنتاجي، وتطوير القطاعات الصناعية والزراعية، وبناء قاعدة تكنولوجية وطنية.
غير أن هذا المسار يصطدم مباشرة بمصالح الطبقة الحاكمة الجديدة التي راكمت ثرواتها ونفوذها في ظل الاقتصاد الريعي الطفيلي، والتي ترى في أي مشروع إنتاجي وطني تهديداً مباشراً لامتيازاتها ومواقعها في منظومة السلطة.
ومن هنا فإن الصراع حول مستقبل الاقتصاد العراقي ليس صراعاً تقنياً حول السياسات المالية أو أدوات الإدارة الاقتصادية، بل هو صراع طبقي سياسي حول طبيعة الدولة نفسها، وحول من يملك الثروة، ومن يقرر مسارات التنمية، ومن يتحكم بمصادر القوة الاقتصادية.
وفي ظل غياب حركة اجتماعية منظمة قادرة على فرض مشروع اقتصادي بديل، يبقى الاقتصاد الطفيلي السياسي هو النمط السائد، وتبقى الدولة الريعية الزبائنية هي الإطار الذي يعيد إنتاجه ويحميه.
إن تجاوز هذا المأزق التاريخي لا يمر عبر إصلاحات جزئية أو إجراءات إدارية معزولة، بل عبر إعادة تأسيس شاملة للعلاقة بين الدولة والاقتصاد والمجتمع، بما يعيد الاعتبار للعمل المنتج، ويكسر هيمنة الريع والامتياز، ويؤسس لاقتصاد وطني مستقل قادر على استيعاب القوى العاملة وخلق قيمة مضافة حقيقية.
تفكك الدولة وخصخصة العنف والسلاح المجتمعي
لا يكتمل فهم بنية الدولة العراقية بعد عام 2003 من دون التوقف عند مسألة تفكك احتكار الدولة للعنف المنظم، وهي المسألة التي تمثل أحد أخطر التحولات البنيوية في التاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر للعراق. فالدولة الحديثة، في معناها الكلاسيكي، تقوم على احتكار استخدام القوة المشروعة داخل حدودها الجغرافية، وتستمد جزءاً أساسياً من شرعيتها من قدرتها على فرض سيادة القانون وحماية المجتمع وضبط المجال العام.
غير أن هذا المبدأ الأساسي للدولة الحديثة تعرض في العراق إلى تآكل تدريجي وعميق، بحيث بات العنف نفسه مجالاً مفتوحاً للتعدد والتنافس، وبات السلاح جزءاً عضوياً من الحياة السياسية والاجتماعية، لا مجرد أداة استثنائية تستخدمها السلطة المركزية في حالات الطوارئ.
لقد أدى الاحتلال الأميركي عام 2003 إلى انهيار المؤسسة العسكرية والأمنية التي كانت تمثل العمود الفقري لاحتكار الدولة للعنف، وتم حلّ الجيش وأجهزة الأمن دفعة واحدة، ما أحدث فراغاً أمنياً واسعاً لم تملأه دولة جديدة قادرة على إعادة بناء مؤسساتها السيادية بسرعة وكفاءة. وفي هذا الفراغ نشأت قوى مسلحة متعددة ارتبطت بسياقات سياسية واجتماعية ودينية ومناطقية مختلفة، بعضها تشكّل في إطار مقاومة الاحتلال، وبعضها في إطار الصراع الطائفي، وبعضها في إطار حماية الجماعات المحلية في ظل غياب الأمن.
وفي الوقت نفسه شهد المجتمع العراقي انفجاراً غير مسبوق في انتشار السلاح، حيث تحوّل اقتناء السلاح إلى وسيلة حماية ذاتية في ظل ضعف الدولة، وتفكك منظومة الأمن العام، وتصاعد العنف الأهلي. وهكذا لم يعد السلاح حكراً على القوى السياسية المنظمة، بل امتد إلى العشائر والقبائل والمناطق، بل وإلى شرائح اجتماعية واسعة وجدت نفسها مضطرة إلى تأمين أمنها بوسائلها الخاصة.
في هذا السياق يصبح من الخطأ المنهجي اختزال هذه الظاهرة في توصيفات أمنية مبسّطة من قبيل “الميليشيات”، لأن ذلك يحجب الطابع البنيوي والاجتماعي للتسلح، ويقدمه بوصفه انحرافاً استثنائياً يمكن معالجته بإجراءات أمنية فقط. في حين أن الواقع العراقي يكشف عن ظاهرة أعمق تتمثل في خصخصة العنف داخل مجتمع مأزوم، حيث لم تعد الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة باستخدام القوة، بل أصبحت واحدة من أطراف متعددة تمتلك أدوات العنف والنفوذ.
إن خصخصة العنف هذه ليست مجرد نتيجة لانهيار الدولة، بل أصبحت أحد عناصر إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه. فالسلاح لم يعد فقط وسيلة حماية أو دفاع، بل تحوّل إلى أداة تفاوض سياسي، ووسيلة ضغط في الصراع على السلطة والموارد، وعنصراً من عناصر السوق السياسية التي تُدار فيها التوازنات بين القوى المتنافسة.
وفي ظل هذا الواقع لم يعد القانون المرجعية العليا لتنظيم المجال العام، بل أصبح واحداً من عناصر متعددة تتداخل مع منطق القوة والنفوذ والزبائنية. وبذلك تراجعت فكرة المواطنة القانونية لصالح أنماط متعددة من الانتماء والحماية، حيث باتت الطائفة أو العشيرة أو المنطقة أو الفصيل السياسي تؤدي وظيفة الدولة في تأمين الأمن والموارد والتمثيل.
وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل المجال الاجتماعي نفسه، حيث لم يعد المجتمع فضاءً موحداً تحكمه قواعد قانونية عامة، بل فسيفساء من المجالات الفرعية التي تُدار كل منها وفق منظومتها الخاصة من السلطة والنفوذ والسلاح. وفي مثل هذا السياق يصبح الحديث عن دولة القانون والدولة المدنية حديثاً عن أفق معياري يصطدم بواقع اجتماعي وسياسي شديد التعقيد.
إن تفكك احتكار الدولة للعنف لا يعني فقط تعدد القوى المسلحة، بل يعني أيضاً تآكل مفهوم السيادة نفسه. فالدولة التي لا تحتكر العنف أو لا تسيطر على حدودها أو لا تفرض القانون على أراضيها، هي دولة منقوصة السيادة، عاجزة عن التخطيط الاستراتيجي، وعاجزة عن فرض سياسات اقتصادية واجتماعية مستقلة، وعاجزة عن حماية المجال العام من تغوّل المصالح الخاصة.
ومن هنا فإن الأزمة الأمنية في العراق ليست أزمة أمنية تقنية يمكن حلها عبر إعادة هيكلة الأجهزة أو زيادة الإنفاق العسكري فحسب، بل هي أزمة دولة ونمط حكم، تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه وبآليات إعادة إنتاجه.
إن إعادة بناء احتكار الدولة للعنف لا يمكن أن تتم بمعزل عن إعادة بناء الدولة ذاتها على أسس جديدة تقوم على السيادة الوطنية، والشرعية الاجتماعية، والعقد الاجتماعي الحديث، والاقتصاد المنتج. فالسلاح ليس سبب الأزمة بقدر ما هو أحد تجلياتها العميقة.
وفي ظل غياب مشروع وطني جامع يعيد دمج المجتمع في إطار دولة سيادية حديثة، سيبقى العنف خصخصياً، والسلاح منتشراً، والدولة طرفاً بين أطراف متعددة، لا سلطة عليا فوق الجميع.
وبذلك يصبح تفكك الدولة وخصخصة العنف أحد المفاتيح الأساسية لفهم المأزق العراقي المعاصر، سواء على مستوى السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، وهو السياق الذي يتحرك داخله أي خطاب إصلاحي أو تحرري، بما في ذلك خطاب اليسار والقوى الديمقراطية.
تحولات خطاب الحزب الشيوعي العراقي بعد 2003
يمثل الحزب الشيوعي العراقي أحد أقدم الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية وأكثرها حضوراً في التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق الحديث. وقد ارتبط اسمه منذ ثلاثينيات القرن العشرين بالحركة العمالية والنقابية، وبالنضال ضد الاستعمار والتبعية، وبالدفاع عن قضايا الفلاحين والكادحين، وبالصراع من أجل دولة وطنية مستقلة ذات مضمون اجتماعي تقدمي.
غير أن المسار التاريخي الطويل للحزب لم يكن مساراً خطياً، بل عرف تحولات كبرى فرضتها تغيرات النظام السياسي، وانقلابات السلطة، وتبدلات موازين القوى، والحروب المتعاقبة، وانهيار المعسكر الاشتراكي، وصعود النيوليبرالية العالمية، وصولاً إلى الاحتلال الأميركي عام 2003 وما ترتب عليه من إعادة تأسيس شاملة للدولة والمجتمع.
ومن هنا فإن قراءة خطاب الحزب بعد 2003 لا يمكن أن تتم بمعزل عن هذا السياق المركب، ولا عن التحولات العميقة التي أصابت بنية اليسار العالمي والعربي عموماً.
لقد تشكّل الحزب تاريخياً بوصفه حزباً طبقياً يستند إلى التحليل الماركسي للصراع الاجتماعي، ويربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، ويضع الطبقة العاملة في قلب مشروع التغيير الوطني الديمقراطي. وكان خطابه الكلاسيكي يقوم على مركزية العمل المنتج، وعلى التحالف العمالي–الفلاحي، وعلى دور الدولة الوطنية في قيادة التنمية وبناء الاقتصاد المستقل.
غير أن هذه القاعدة الاجتماعية تعرضت لتآكل تدريجي منذ ثمانينيات القرن الماضي بفعل القمع السياسي الواسع، وتدمير الحركة النقابية، وعسكرة المجتمع، وتفكك القطاع العام الإنتاجي، ثم جاء الحصار الاقتصادي ليعمّق هذا التفكك ويعيد تشكيل المجتمع على أسس ريعية استهلاكية.
وعندما دخل العراق مرحلة ما بعد 2003 وجد الحزب نفسه أمام واقع سياسي واجتماعي جديد كلياً: دولة مفككة سيادياً، نظام سياسي قائم على المحاصصة، اقتصاد ريعي طفيلي، مجتمع منقسم على أسس هوياتية، وانتشار واسع للسلاح خارج إطار الدولة.
في هذا السياق لم يعد ممكناً إعادة إنتاج الخطاب الطبقي الكلاسيكي بصيغته السابقة، لأن شروطه الاجتماعية والتنظيمية لم تعد قائمة. فتراجعت الطبقة العاملة الصناعية بوصفها قوة اجتماعية منظمة، وانحسرت الحركة النقابية، وتوسّع الاقتصاد غير المنظم والعمل الهش، وتحوّل جزء كبير من السكان إلى فئات تعيش على الريع المباشر أو غير المباشر.
أمام هذا الواقع أعاد الحزب صياغة خطابه السياسي في إطار ما يمكن تسميته بـ التحول من الحزب الطبقي إلى الحزب الوطني الديمقراطي. وهو تحول لم يكن خياراً إرادياً صرفاً، بقدر ما كان استجابة تاريخية لشروط موضوعية فرضتها إعادة تركيب الدولة والمجتمع بعد 2003.
في هذا التحول انتقل الحزب عملياً من خطاب الصراع الطبقي المباشر إلى خطاب الإصلاح السياسي والاجتماعي العام، ومن مشروع التغيير الجذري إلى أفق التحول الديمقراطي التدريجي، ومن التركيز على التحالفات الطبقية إلى بناء تحالفات مدنية واسعة عابرة للهويات الفرعية.
وهكذا برز في خطاب الحزب المعاصر التركيز على شعارات من قبيل الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المواطنة، العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد، سيادة القانون، حقوق الإنسان، وهي شعارات تعكس انحيازاً واضحاً إلى قيم الحداثة السياسية والديمقراطية الليبرالية الاجتماعية.
غير أن هذه الشعارات، على الرغم من مشروعيتها من حيث المبدأ، تواجه إشكالية جدلية عميقة حين تُطرح في سياق دولة ريعية زبائنية مسلحة تقوم بنيتها على تقاسم الغنائم السياسية والاقتصادية، وعلى توازنات قوى لا تخضع لمنطق الدولة الحديثة.
فالدولة المدنية في معناها التاريخي ليست مجرد دولة محايدة دينياً أو طائفياً، بل هي دولة تقوم على احتكار العنف المنظم، وسيادة القانون، واستقلال المؤسسات، واقتصاد وطني منتج، وعقد اجتماعي حديث. في حين أن الدولة العراقية الراهنة تفتقر إلى معظم هذه الشروط البنيوية.
ومن هنا يتحول خطاب الدولة المدنية في كثير من الأحيان إلى أفق معياري أخلاقي أكثر منه مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق في المدى المنظور، ما لم يقترن ببرنامج تحولي يعالج جذور الأزمة في بنية الدولة ونمط إنتاجها.
كذلك يُلاحظ أن خطاب الحزب المعاصر يعتمد بصورة أساسية على مفردات العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية ورفض السياسات التي تمس الأمن المعيشي لغالبية المجتمع. غير أن هذا الخطاب يفتقر في كثير من الأحيان إلى تحليل صريح للبنية الطبقية الجديدة التي تشكّلت في العراق خلال العقدين الماضيين، حيث تراجعت الطبقة العاملة الصناعية التقليدية، وصعدت شرائح واسعة من العاملين في قطاع الخدمات والاقتصاد غير المنظم والعمل المؤقت.
وبذلك يخاطب الحزب جمهوراً شعبياً واسعاً بوصفه كتلة اجتماعية عامة، أكثر مما يخاطب طبقة اجتماعية محددة بوصفها حاملة مشروع التغيير التاريخي. وهو ما يعكس في العمق أزمة التنظيم الطبقي في العراق وتراجع الحركة النقابية وضعف البنى الاجتماعية القادرة على ممارسة ضغط فعلي على السلطة.
أما على مستوى الممارسة السياسية، فقد وجد الحزب نفسه مضطراً للعمل داخل نظام سياسي يقوم شكلياً على التعددية والانتخابات، لكنه محكوم فعلياً بمنطق المال السياسي والسلاح والنفوذ الإقليمي وشبكات المصالح الاقتصادية. وفي هذا السياق دخل الحزب في تحالفات انتخابية مدنية، وشارك في العملية السياسية، وحاول الحفاظ على حضور سياسي وإعلامي في ساحة شديدة الاختلال في موازين القوى.
غير أن هذا المسار اصطدم بحدود النظام السياسي نفسه، حيث لا تُنتج الانتخابات بالضرورة تمثيلاً سياسياً حقيقياً بقدر ما تعيد إنتاج توازنات القوى القائمة. وبذلك وجد الحزب نفسه في موقع معارضة أخلاقية داخل نظام مغلق، يمتلك هامش حركة سياسي محدوداً، ولا يملك أدوات ضغط اجتماعي منظمة قادرة على فرض برنامج إصلاحي جذري.
وفي هذا السياق تتجسد إحدى التناقضات المركزية في خطاب الحزب المعاصر: مرجعية ماركسية رمزية ومعلنة من جهة، وممارسة سياسية إصلاحية ديمقراطية اجتماعية من جهة أخرى. وهو تناقض لا يخص الحزب الشيوعي العراقي وحده، بل يكاد يكون سمة عامة لمعظم أحزاب اليسار في العالم بعد انهيار التجربة الاشتراكية السوفييتية.
إن هذا التحول في خطاب الحزب لا يمكن فهمه بوصفه تراجعاً إرادياً عن الماركسية أو تخلياً عن المشروع الاشتراكي، بل ينبغي قراءته في سياق أزمة تاريخية أوسع تطال اليسار العالمي، وتطال شروط الفعل السياسي في عالم تهيمن عليه الرأسمالية المعولمة والدولة النيوليبرالية.
غير أن هذا الفهم التاريخي لا يعفي من ضرورة النقد الجدلي لهذه التحولات، ولا من مساءلة حدود الخطاب الإصلاحي في سياق دولة الغنائم، ولا من طرح السؤال الجوهري حول مستقبل المشروع اليساري في العراق في ظل التحولات البنيوية العميقة التي أعادت تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد.
قراءة نقدية في بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي (13 كانون الثاني 2026)
يشكّل بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الصادر في الثالث عشر من كانون الثاني 2026 وثيقة سياسية مكثفة تعبّر عن منطق الخطاب الاقتصادي–الاجتماعي للحزب في المرحلة الراهنة، وتكشف في الوقت ذاته عن حدود هذا الخطاب وإمكاناته في سياق دولة ريعية زبائنية مأزومة. فالبيان لا يقتصر على موقف احتجاجي آني إزاء سياسات مالية بعينها، بل يقدّم تشخيصاً عاماً للأزمة الاقتصادية ويربطها ببنية النظام السياسي القائم ونهج المحاصصة واستشراء الفساد المؤسسي.
ينطلق البيان من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة المالية التي يواجهها العراق ليست نتاج تقلبات ظرفية في أسعار النفط أو انعكاساً مباشراً للظروف الاقتصادية العالمية فحسب، بل هي حصيلة تراكم طويل من السياسات المالية الفاشلة والاعتماد الأحادي على الاقتصاد الريعي والإصرار على نهج المحاصصة الذي أفضى إلى سوء استخدام الموارد العامة ونهب المال العام. وبهذا المعنى يتجاوز البيان السرديات الرسمية التي تختزل الأزمة في عوامل خارجية، ويعيد ربطها بالبنية السياسية والاقتصادية للنظام القائم.
ويمثل هذا التشخيص في جوهره خروجاً عن التفسير التقني للأزمة نحو تفسير سياسي–اقتصادي بنيوي، وهو ما يمنح الخطاب بعداً نقدياً مشروعاً ينسجم مع تقاليد التحليل الاجتماعي اليساري. فالبيان لا يتعامل مع الأزمة بوصفها خللاً في التوازنات المالية فحسب، بل بوصفها نتاج نمط حكم يقوم على تقاسم الغنائم وإدارة الريع لا على بناء اقتصاد وطني منتج.
وفي هذا السياق يؤكد البيان رفضه القاطع لأي محاولة لتحميل المواطنين، ولا سيما الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة والكادحين، تبعات هذا الفشل البنيوي عبر سياسات التقشف والجباية والضرائب والرسوم على السلع الأساسية. ويقدّم نفسه بوصفه مدافعاً عن الأمن المعيشي لغالبية الشعب في مواجهة سياسات مالية تستهدف جيوب الفقراء لتغطية عجز تسبب به الفاشلون في إدارة الدولة والاقتصاد.
هذا الانحياز الاجتماعي الواضح يمنح الخطاب شرعية أخلاقية واسعة، ويعيد وصل الحزب بخطابه التاريخي بوصفه ممثلاً سياسياً للفئات الشعبية في مواجهة الدولة الريعية الزبائنية. كما يعبّر عن إدراك عميق لطبيعة التناقض الاجتماعي القائم في العراق اليوم بين أقلية تهيمن على الموارد والسلطة، وأغلبية واسعة تعاني من تدهور مستويات المعيشة وغياب الأمان الاقتصادي.
غير أن القراءة الجدلية لهذا الخطاب تكشف عن إشكالية مركزية تتعلق بالعلاقة بين التشخيص السياسي وحدود الفعل الإصلاحي الممكن داخل بنية دولة الغنائم. فالبيان، على الرغم من دقته في توصيف جوهر الأزمة، يتحرك في إطار أفق إصلاحي يفترض إمكانية تصحيح المسار عبر جملة من الإجراءات القانونية والإدارية والمالية الصارمة.
ويقترح البيان بوصفه مخرجاً من الأزمة حزمة من الإجراءات تتعلق بمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة، وخفض رواتب الدرجات الخاصة وإلغاء الامتيازات والمخصصات، وإيقاف النفقات التشغيلية غير الضرورية، وفرض الضرائب التصاعدية على رؤوس الأموال، وفرض سلطة القانون على المنافذ الحدودية، وإلغاء الرسوم الجديدة على السلع الأساسية، وبناء اقتصاد منتج يخلّص الاقتصاد الوطني من طبيعته الريعية الأحادية.
وهي مطالب عادلة من حيث المبدأ، وتنسجم مع أي برنامج إصلاحي تقدمي يسعى إلى إعادة توزيع الثروة وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. غير أن الإشكالية لا تكمن في مضمون هذه المطالب بقدر ما تكمن في الافتراض الضمني الذي يقوم عليه الخطاب، وهو افتراض وجود دولة تمتلك القدرة والسيادة المؤسسية على تنفيذ هذا البرنامج الإصلاحي.
فالبيان يفترض إمكانية استعادة عشرات مليارات الدولارات المنهوبة، وفرض سلطة القانون المطلقة على المنافذ الحدودية كافة، وانتزاعها من هيمنة القوى المتنفذة، وضبط النفقات التشغيلية، وإلغاء الامتيازات، وتطبيق نظام ضريبي عادل وفعّال. غير أن الواقع العراقي يشير إلى أن مؤسسات الدولة نفسها باتت جزءاً عضوياً من منظومة الريع والزبائنية، وأن كثيراً من مفاصل القرار المالي والاقتصادي تخضع لتوازنات قوى سياسية وفصائلية ومناطقية معقّدة تتجاوز منطق الدولة المركزية الحديثة.
وبذلك تصبح الدولة في هذه القراءة ليست أداة محايدة يمكن توجيهها بسهولة نحو مشروع إصلاحي تقدمي، بل بنية اجتماعية سياسية أعيد تشكيلها على أساس الريع وتقاسم الغنائم. ومن هنا فإن أي برنامج اقتصادي–اجتماعي لا ينطلق من تفكيك هذه البنية وإعادة بناء الدولة على أسس إنتاجية وسيادية جديدة سيظل محكوماً بأفق إصلاحي محدود مهما بلغت صدقيته الأخلاقية.
كذلك يلاحظ أن البيان يعتمد بصورة أساسية على مفردات العدالة الاجتماعية والدفاع عن الكادحين ورفض السياسات التي تمس الأمن المعيشي لغالبية المجتمع، غير أنه لا يقدّم تحليلاً صريحاً للبنية الطبقية الجديدة التي تشكّلت في العراق خلال العقدين الماضيين، حيث تراجعت الطبقة العاملة الصناعية التقليدية، وتوسّعت شرائح واسعة من العاملين في قطاع الخدمات والاقتصاد غير المنظم والعمل الهش.
وبذلك يخاطب البيان جمهوراً شعبياً واسعاً بوصفه كتلة اجتماعية عامة، أكثر مما يحدّد القوة الاجتماعية القادرة على حمل مشروع التغيير الاقتصادي–الاجتماعي وتحويله إلى فعل سياسي منظم. وهو ما يعكس في العمق أزمة التنظيم الطبقي في العراق وتراجع الحركة النقابية وضعف البنى الاجتماعية القادرة على ممارسة ضغط فعلي على السلطة.
كما يتحرك الخطاب في إطار وطني ديمقراطي عام يحمّل المسؤولية لمنظومة المحاصصة والفساد، ويدعو إلى بناء اقتصاد وطني منتج يتقاطع مع نهج “دولة الغنائم” ويؤسس لعدالة اجتماعية حقيقية. غير أن هذا الخطاب الوطني، على أهميته في سياق مجتمع منقسم ومأزوم، يبقى منفصلاً نسبياً عن خطاب طبقي صريح يفكك طبيعة التحالف الطبقي الحاكم وآليات إعادة إنتاج هيمنته الاقتصادية والسياسية.
ومن هنا يمكن القول إن البيان يمثّل نموذجاً واضحاً لخطاب الحزب الشيوعي العراقي المعاصر: خطاب يتميز بوضوح أخلاقي وانحياز اجتماعي صريح لصالح الكادحين، وتشخيص نقدي للاقتصاد الريعي ونهج المحاصصة، ودعوة إلى إصلاحات مالية واقتصادية عادلة، لكنه يبقى في بنيته العميقة محكوماً بأفق إصلاحي يتحرك داخل دولة ريعية زبائنية مأزومة أكثر مما يطرح مشروعاً لتحول بنيوي شامل في نمط الدولة ونمط الإنتاج معاً.
وفي سياق دولة الغنائم، حيث تتحول السياسة إلى صراع على الموارد والنفوذ، تصبح المطالب العادلة نفسها موضوع صراع سياسي مفتوح، لا مجرد خيارات تقنية أو إدارية. وبذلك يتحول الخطاب الإصلاحي إلى خطاب احتجاج اجتماعي نزيه يصطدم بواقع سلطوي مغلق يعيد إنتاج نفسه عبر المال والنفوذ والسلاح والزبائنية.
أزمة اليسار العراقي بين الأخلاق السياسية والانسداد التاريخي
لا يمكن قراءة خطاب الحزب الشيوعي العراقي المعاصر، ولا تقييم حدود فعاليته السياسية والاجتماعية، بمعزل عن الأزمة التاريخية المركبة التي يعيشها اليسار العراقي عموماً منذ عقود. فالأزمة التي يواجهها الحزب اليوم ليست أزمة تنظيم أو خطاب فحسب، بل هي أزمة بنية اجتماعية متفككة، ودولة ريعية زبائنية مأزومة، ونظام سياسي مغلق يعيد إنتاج ذاته عبر آليات المال السياسي والسلاح والزبائنية والهويات الفرعية.
لقد ارتبط صعود اليسار العراقي تاريخياً بتشكّل طبقة عاملة صناعية ناشئة، وبنمو الحركة النقابية، وبصعود فئات وسطى مدينية متعلمة، وببروز حركة وطنية مناهضة للاستعمار والتبعية. وكانت هذه البنية الاجتماعية تشكل القاعدة التاريخية التي استند إليها المشروع اليساري في نضاله من أجل التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة الحديثة.
غير أن هذه القاعدة تعرضت لتفكك تدريجي منذ ثمانينيات القرن الماضي بفعل الحروب الطويلة، والحصار الاقتصادي، وعسكرة المجتمع، وتدمير القطاع العام الإنتاجي، وتفكيك الحركة النقابية، ثم جاء الاحتلال الأميركي ليقضي على ما تبقى من تماسك الدولة المركزية، ويعيد تشكيل المجتمع على أسس ريعية استهلاكية وهوياتية.
وفي ظل هذا المسار التاريخي لم تعد الطبقة العاملة الصناعية تمثل قوة اجتماعية منظمة ذات وزن سياسي، بل تراجعت لصالح شرائح واسعة من العاملين في قطاع الخدمات والاقتصاد غير المنظم والعمل الهش، إضافة إلى ملايين العاطلين عن العمل والموظفين المرتبطين مباشرة أو غير مباشرة بريوع الدولة. وهكذا تفككت القاعدة الاجتماعية التقليدية لليسار، وتآكلت أدواته التنظيمية والنقابية، وتراجع حضوره في المجال الاجتماعي اليومي.
في الوقت نفسه أدى تفكك الدولة المركزية وانهيار العقد الاجتماعي إلى صعود الهويات الفرعية الطائفية والإثنية والمناطقية والعشائرية بوصفها أطر حماية اجتماعية بديلة عن الدولة. وفي هذا السياق لم يعد الصراع الاجتماعي يُعبَّر عنه بوصفه صراعاً طبقياً بين العمل ورأس المال، بل بوصفه صراعاً بين مكونات متنافسة على الريع والنفوذ والتمثيل السياسي.
وهكذا تراجع الوعي الطبقي لصالح وعي هوياتي يبحث عن الحماية أكثر مما يبحث عن التحرر، وأصبح الانتماء الطائفي أو المناطقي أو العشائري يؤدي وظيفة اجتماعية واقتصادية لم تعد الدولة قادرة على أدائها. وفي مجتمع من هذا النوع يصبح الخطاب الطبقي خطاباً نخبوياً معزولاً، ويجد اليسار نفسه مضطراً لاعتماد خطاب وطني عام يتجاوز الانقسامات، لكنه يفقد في المقابل حدته الطبقية وراديكاليته التاريخية.
إلى جانب ذلك يعمل اليسار العراقي اليوم داخل نظام سياسي يقوم شكلياً على التعددية والانتخابات، لكنه محكوم فعلياً بمنطق المال السياسي والسلاح والنفوذ الإقليمي وشبكات المصالح الاقتصادية. وفي هذا النظام لا تُقاس القوة السياسية بعمق البرنامج أو بعدالته الاجتماعية، بل بقدرة القوى السياسية على التعبئة الزبائنية والتحشيد الهوياتي واستخدام الموارد العامة بوصفها أدوات ولاء.
وفي هذا السياق يجد اليسار نفسه في موقع شديد الهشاشة. فهو لا يمتلك أدوات ضغط اجتماعي منظمة، ولا يملك موارد مالية تنافس المال السياسي، ولا يمتلك أذرعاً إعلامية واسعة، ولا يستند إلى هويات فرعية تعبوية . وبذلك يتحول عملياً إلى قوة احتجاج أخلاقي داخل نظام مغلق، لا إلى قوة تغيير تاريخي قادرة على فرض مشروع بديل.
ومن هنا يمكن فهم الطابع الأخلاقي العالي الذي يميز خطاب اليسار العراقي المعاصر: النزاهة، رفض الفساد، الدفاع عن الفقراء، رفض المحاصصة، الدعوة إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية. وهي قيم أساسية لأي مشروع تحرري ديمقراطي، لكنها تصطدم بواقعية سلطوية قاسية تُدار فيها الدولة بوصفها ساحة صراع على الغنائم، وتُدار السياسة بوصفها سوق مصالح، ويُدار المجتمع عبر شبكات الزبائنية والسلاح والولاءات الفرعية.
وفي هذا السياق يتحول اليسار إلى صوت الضمير في مجتمع مأزوم، لكنه يعجز عن ترجمة هذا الصوت إلى قوة تاريخية فاعلة. وهنا يتجسد مأزق اليسار العراقي بأوضح صوره: وضوح أخلاقي يقابله انسداد تاريخي.
إن تبنّي اليسار لخطاب إصلاحي داخل دولة ريعية زبائنية مسلحة يضعه أمام مفارقة بنيوية عميقة. فهو يطالب بدولة القانون داخل دولة تقوم على تقاسم النفوذ، ويطالب باقتصاد منتج داخل اقتصاد ريعي تابع، ويطالب بالعدالة الاجتماعية داخل نظام يعيد إنتاج اللامساواة بوصفها شرطاً لاستمراره. وبذلك يصبح الإصلاح نفسه موضوع صراع سياسي مفتوح، لا مجرد مسألة تقنية أو إدارية.
ومن هنا فإن الرهان على إصلاح تدريجي داخل بنية دولة الغنائم، دون بناء كتلة اجتماعية تاريخية قادرة على فرض هذا الإصلاح، يظل رهاناً محدود الأفق. فالأزمة التي يعيشها العراق اليوم ليست أزمة سياسات أو أشخاص، بل أزمة دولة ونمط إنتاج ونمط حكم.
وفي ظل غياب مشروع وطني اجتماعي جامع يعيد دمج المجتمع في إطار دولة سيادية حديثة، سيبقى اليسار محكوماً بدور المعارضة الأخلاقية داخل نظام مغلق، وسيبقى مأزقه التاريخي قائماً مهما بلغت صدقية نواياه وعدالة شعاراته.
الخاتمة العامة
نحو أفق تجديدي لليسار العراقي
إن الخروج من مأزق اليسار العراقي المعاصر لا يمر عبر العودة إلى صيغ أيديولوجية جامدة، ولا عبر التكيف الكامل مع النظام القائم، بل عبر إعادة تأسيس المشروع اليساري بوصفه مشروعاً تاريخياً للتحرر الوطني والاجتماعي في آن واحد، يتعامل مع الدولة والاقتصاد والمجتمع بوصفها منظومة واحدة مترابطة لا يمكن إصلاح جزء منها بمعزل عن الأجزاء الأخرى.
فالأزمة التي يعيشها العراق اليوم ليست أزمة مالية فحسب، بل هي أزمة دولة ريعية زبائنية مسلحة، وأزمة اقتصاد طفيلي سياسي تابع، وأزمة مجتمع مفكك يبحث عن الحماية أكثر مما يبحث عن التحرر. وفي مثل هذا السياق لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم ينطلق من تفكيك البنية التي أعادت إنتاج هذه الأزمات.
ويتطلب بناء أفق تجديدي لليسار العراقي إعادة الاعتبار للتحليل المادي لبنية الدولة العراقية بوصفها دولة غنائم، وتفكيك نمط الرأسمالية الطفيلية السياسية، وإعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد على أسس إنتاجية وسيادية، وإعادة تأسيس التنظيم الطبقي في شروط اقتصاد الخدمات والعمل الهش، وصياغة مشروع دولة سيادية ذات عقد اجتماعي حديث.
كما يتطلب ذلك بناء كتلة تاريخية شعبية قادرة على تحويل الخطاب إلى قوة مادية فاعلة، وعلى فرض مشروع تحرري وطني اجتماعي جديد يعيد وصل التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي، ويضع العدالة الاجتماعية في قلب مشروع الدولة الحديثة.
فالأزمة ليست أزمة خطاب، بل أزمة تاريخ. واليسار لا يُقاس بصفاء نواياه، بل بقدرته على قراءة لحظته التاريخية وصياغة مشروع تحرري واقعي لها.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
-
التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
-
الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
-
بين فنزويلا والعراق
-
من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
-
الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
-
من النقد الثوري إلى خطاب التبرير
-
النقد والنقد الذاتي - الوثيقة السادسة
-
قراءة نقدية–منهجية في بلاغ اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الع
...
-
من وهم التمثيل إلى ضرورة القطيعة
-
الهوية بين الأصالة والدونية
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
-
إعادة قراءة تشكيكية نقدية تجديدية للوثائق التأسيسية الثلاث ف
...
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
-
الوثيقة الثالثة: تشخيصُ السيادة والدين والطبقة في عراق ما بع
...
-
الوثيقة الثانية: تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
تشخيصُ الأزمة ومساراتُ العمل
-
ماذا يريد الشيوعيون؟
-
الوثيقة المركزية لإعادة التأسيس الشيوعي في العراق - يا شيوعي
...
المزيد.....
-
ما الذي يشير إليه تحرّك حاملة الطائرات الأمريكية نحو المنطقة
...
-
المغرب والسنغال .. ما سيناريوهات -موقعة- نهائي كأس أمم إفريق
...
-
بين المصالح والتحالفات.. أين تقف تركيا من التصعيد بين الولاي
...
-
فيديو-فرار سكان عبر القوارب والقنوات المائية من دير حافر مع
...
-
ليتوانيا توجّه تهم الإرهاب لستة أجانب بتهمة محاولة إحراق معد
...
-
-إذا سقطت إسرائيل نسقط نحن-.. مانويل فالس يربط مصير أوروبا ب
...
-
أخبار اليوم: اليونان تخطط لتوسيع مياهها الإقليمية ومخاوف من
...
-
مشاركة الاتحاد الأوروبي في -مجلس سلام- غزة ضرورية وقد تكون إ
...
-
تعرف على الكيانات الثلاثة لإدارة غزة.. أدوارها والمخاوف المح
...
-
من -تيجان النور- إلى -دولة التلاوة-.. برامج إحياء فن الترتيل
...
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|