أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نهاد الزركاني - الإسلام والفلسفة… بين نور الوحي وعمق العقل















المزيد.....

الإسلام والفلسفة… بين نور الوحي وعمق العقل


نهاد الزركاني

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 10:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم نهاد الزركاني
كثيرًا ما يُطرح في الحوارات الفكرية سؤالٌ قديمٌ متجدد:.....
هل يتعارض الفكر الإسلامي مع الفلسفة؟!
وهل يمكن للعقل الديني أن يلتقي مع العقل الفلسفي أم أن بينهما قطيعة لا يمكن تجاوزها؟
لكن قبل الدخول في هذا النقاش لا بد أولًا من فهم ماهية كل منظومة لأن الحكم على الأشياء فرعٌ عن تصوّرها.....
فالمنظومة الإسلامية ليست مجرد (طقوس عبادية) أو (أحكام فقهية) فحسب بل هي (بناءٌ فكري وأخلاقي) و(روحي متكامل) يقوم على (الوحي والعقل والقيم الإنسانية) ويهدف إلى تنظيم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع والحياة.
وهي منظومة ترى أن العقل أداةٌ للتفكر والتدبر واكتشاف الحكمة ولذلك امتلأ القرآن الكريم بالدعوة إلى التأمل والسؤال والنظر في الكون والوجود.
أما المنظومة الفلسفية فهي منهج يعتمد على (التفكير العقلي) و(التحليل المنطقي) للوصول إلى (تفسير الوجود والحقيقة والمعرفة والأخلاق) والفلسفة بطبيعتها ليست دينًا مضادًا بل محاولة (إنسانية) لفهم الحياة عبر العقل والتساؤل.
ومن هنا بدأ الخلط عند البعض إذ ظنّوا أن الفلسفة تعني التمرد على الدين بينما الحقيقة أن الإشكال لم يكن مع ((التفكير)) نفسه بل مع بعض الاتجاهات الفلسفية التي حاولت إقصاء الغيب أو جعل العقل فوق كل ثابت.....
وفي التاريخ الإسلامي نجد أن كبار العلماء خاضوا في الفلسفة وعلم الكلام والمنطق ليس لهدم الدين بل للدفاع عنه وبناء خطاب عقلي قادر على مواجهة (الأسئلة الكبرى)
فالإسلام لم يحارب العقل بل حارب (الفوضى الفكرية) التي تفصل العقل عن القيم والحقائق الثابتة.
إن الأزمة الحقيقية اليوم ليست في وجود الفلسفة أو الفكر الإسلامي بل في طريقة فهمهما.
فعندما يتحول الدين إلى جمودٍ يمنع السؤال يفقد روحه الحضارية.
وعندما تتحول الفلسفة إلى إنكارٍ لكل (مقدس) تفقد بعدها الإنساني والأخلاقي.
لذلك فإن العلاقة بين الإسلام والفلسفة ليست بالضرورة علاقة صراع بل قد تكون علاقة تكامل إذا كان الهدف هو البحث عن الحقيقة وخدمة الإنسان وبناء وعيٍ متزن يجمع بين ((نور الوحي وعمق العقل))
حين نقترب أكثر من هذا الجدل نكتشف أن المشكلة ليست بين ((الإسلام))و((الفلسفة)) بل بين نوعين من فهم الإنسان للحقيقة.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل يتوافق الدين مع الفلسفة؟
بل: هل يستطيع الإنسان أن يجمع بين الإيمان والعقل دون أن يهدم أحدهما الآخر؟
المنظومة الإسلامية في جوهرها لا تبني الإنسان على التسليم الأعمى وإنما على الوعي.
فالقرآن لم يخاطب الغرائز فقط بل خاطب العقل بصورة متكررة:
{أفلا تعقلون} {أفلا يتفكرون} {لقومٍ يتدبرون}
وهذا يكشف أن العقل داخل البنية الإسلامية ليس خصمًا للنص بل وسيلة لفهمه واكتشاف حكمته.
لكن هنا تظهر نقطة جوهرية:
العقل في الإسلام ليس حَكَمًا مطلقًا بل عقلٌ يتحرك ضمن حدود الحقيقة الإنسانية.... لأنه يدرك أن هناك فرقًا بين ما يمكن للعقل إدراكه وما يعجز عن الإحاطة به.
فالإنسان يستطيع تفسير قوانين الطبيعة لكنه يقف عاجزًا أمام تساؤل القيم: ما معنى الخير؟ وما هو الشر؟ ومن يحدد الفرق بينهما؟
وما الذي يمنح القيم مشروعيتها؟
أما الفلسفة فهي رحلة العقل حين يحاول أن يفسر الوجود بنفسه.
ولهذا تعددت الفلسفات لأن العقل البشري وحده يتأثر بالبيئة والتجربة والرغبات والسلطة والتاريخ.
فأنت لا تجد ((فلسفة واحدة)) بل فلسفات متصارعة لأن الإنسان حين ينفصل عن مرجعية ثابتة يصبح كل شيء قابلًا لإعادة التعريف.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الصراع التاريخي الحقيقي بين الإسلام والفلسفة كأداة تفكير بل مع بعض الفلسفات التي أرادت أن تجعل الإنسان مركز الكون المطلق وتنفي أي حقيقة فوق إرادته أو فوق المادة.
الإسلام يرى أن العقل مهم لكنه وحده لا يكفي.
والفلسفة ترى أن السؤال مفتوح بلا سقف.
أما الأزمة الحديثة فهي أن الإنسان المعاصر أصبح يمتلك معرفة هائلة لكنه يفتقد المعنى.
تطورت التكنولوجيا لكن القلق الوجودي ازداد.
ارتفع مستوى الذكاء الصناعي لكن الإنسان لم يستطع حتى الآن أن يجيب عن سؤال السعادة والطمأنينة والعدالة بصورة مستقرة.
كيف تم تجاوز العقدة؟
إذا كان التعصب والفكر الأحادي (آفة إنسانية) لا تختص بثقافة دون أخرى فإن التاريخ يخبرنا أن تجاوز هذه العقدة تم عبر مسارين حقيقيين:
(أولًا)التنوع الثقافي _لم يكن التنوع الثقافي حدثًا طارئًا في عصر دون آخر بل بدأ تدريجيًا مع اتساع (الفتوحات حسب فهم كتاب التاريخ )واختلاط العرب بالفرس والروم والهند والسريان والبربروتطور عبر قرون من الترجمة والتصنيف والمناظرة. هذا التنوع هو الذي أتاح حينما تتوفر الظروف السياسية والاجتماعية المناسبة أن ينمو فضاء فكري متعدد المشارب سواء في بغداد أو قرطبة أو القاهرة أو أصفهان. وبالمقابل نهضت أوروبا عندما كسرت جمودها بالاحتكاك بهذا المنجز المتراكم عبر الترجمات من العربية......
(ثانيًا) المساحة المعرفية المشتركة عندما ينشغل العلماء (مسلمين وفلاسفة على حد سواء) بقضايا ملموسة كالطب والرياضيات والمنطق والفلك، يتراجع الصراع الأيديولوجي. فالمنطق مثلاً أصبح أداة مشتركة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة وإن اختلفوا في تطبيقاته. هذه ((المناطق الآمنة)) أثبتت أن العقل يمكن أن يعمل في خدمة الجميع دون حاجة لتكفير المخالف.
والخلاصة العملية: لم يتم تجاوز الأزمة بخطابات ((اعتدال)) فضفاضة بل ببناء مجتمعات تعيش التعددية فعلاً وتستثمر في العلوم المشتركة.
ولهذا فإن الحضارات لا تسقط فقط بسبب الفقر أو الحروب بل حين تفقد التوازن بين ((العقل))و((الروح))
فالعقل بلا قيم قد يصنع آلةً تدمّر البشرية
والروح بلا عقل قد تصنع مجتمعًا جامدًا يخاف من السؤال.
إن أعظم معركة فكرية ليست بين المتدين والملحد ولا بين الشرق والغرب بل بين من يرى الإنسان مادةً فقط ومن يراه كائنًا يحمل روحًا ومعنى ورسالة.
وحين نفهم هذه النقطة ندرك أن الإسلام الحقيقي لا يخشى الفلسفةلأنه يملك سؤال الوجود كما أن الفلسفة العميقة لا تخشى الإيمان لأنها تدرك أن الإنسان أكبر من أن يُختزل في المادة وحدها.



#نهاد_الزركاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يرى الجميع من الغربال ....يصر الاتحاد الأوروبي على العمى
- نفاق الاتحاد الأوروبي: حقوق الإنسان
- إلغاء الضربة الأمريكية على إيران: قراءة في توازنات القوة وتح ...
- لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض
- صراع الصحراء: النفط وحدود القرار في الخليج
- حين تتحول المعرفة إلى فتنة: قراءة فلسفية في عمى القلوب
- ليست المشكلة في غياب التفسير… بل في حضور الغفلة
- ايام...بدون نت
- حريّة العقل في ... الاحداث العربية
- حياتنا نحن ............ من نصنعها
- يقال الموسيقى لغة الشعوب ؟..... نحن نختلف معهم !
- بهلول زماننا ............؟؟؟
- السياسة العثمانية..... وموقف سوريا
- التناقض السياسي ... لدى المجتمع العراقي
- نجاح المالكي.... قراءة نقدية
- الإسلاميون ...... ونتائج الانتخابات
- أحزاب أسلامية فاقدة للشرعية
- انتخب أو لا انتخب
- شاهد بلا أخلاق ......
- صنمية الفكر.....بجاهلية الحاضر


المزيد.....




- بعضها رُصد فوق الخليج.. البنتاغون ينشر فيديوهات جديدة لأجسام ...
- صعود الصين ـ زيارة ترامب وبوتين ترسخان مركزية بكين الدولية
- لماذا اعتذر ترمب عن حضور زفاف نجله؟
- مسؤول إندونيسي للجزيرة نت: تحملنا ارتفاع تكلفة الحج ونخطط لق ...
- فشل مراجعة -عدم الانتشار- يبدد آمال نزع السلاح النووي
- روسيا.. حريق بمستودع نفطي بعد هجوم بمسيرات أوكرانية
- الجيش الإسرائيلي يعلن -حالة تأهب قصوى- تحسبا لعودة حرب إيران ...
- فجر السبت.. رواج فيديو لقاذفة الشبح B2 بتدوينة مسؤول بالبيت ...
- قتلى ومحتجزون بمنجم فحم بالصين بسبب انفجار غاز
- الكويت.. فيديو كشف أوراق مشبعة بمخدرات تنشره الداخلية


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - نهاد الزركاني - الإسلام والفلسفة… بين نور الوحي وعمق العقل