أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نهاد الزركاني - لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض














المزيد.....

لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض


نهاد الزركاني

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 14:23
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم نهاد الزركاني

في الآونة الأخيرة، بدأ تداول نبوءات قديمة [كسفر إرميا ] داخل بعض الأوساط المثقفة، لا بوصفها مادة للتأمل النقدي، بل كأنها مفاتيح جاهزة لفهم حروب الحاضر، أو تبريرٍ مبطَّن لما قد يقع. وهنا تتجلى المفارقة الخطيرة: حين يتراجع التحليل السياسي، يُستدعى النص الديني ليملأ الفراغ، لا للفهم، بل للتسويغ.
لم تُكتب النبوءات لتكون خرائط عسكرية، ولا صيغت النصوص المقدسة لتشرح مسارات الصواريخ. كانت ابنة زمانها، تخاطب أقوامًا اندثروا، وصراعات طواها التاريخ. أما نقلها قسرًا إلى واقع تحكمه الدولة الحديثة، والتقنية، والاقتصاد، فهو قفزٌ فوق الزمن، لا قراءةٌ له.
الحروب اليوم لا تُدار بالغيب، بل بالذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والعقوبات الاقتصادية، والتحكم بالرواية. ومع ذلك، حين تعجز السياسة عن تقديم مبرر أخلاقي مقنع، تبحث عن غطاء أعلى من المساءلة، فتجده في النبوءة. هكذا يتحول النص من خطاب إيماني إلى أداة تعبئة، ومن تحذير أخلاقي إلى قناعٍ للحرب.
وهذا لا يقتصر على سياق دون آخر، فقد شهدنا في العقود الأخيرة كيف يتم توظيف رموز ونبوءات من تراثات دينية مختلفة ((مسيحية، يهودية، إسلامية)) في خطابات سياسية تهدف إلى تعبئة الأتباع، أو تبرير التدخلات العسكرية، أو احتكار الشرعية الأخلاقية، متجاوزة بذلك كل التحولات الجذرية في طبيعة الدولة والمجتمع.......
يُستدعى ((المقدس)) هنا لا بوصفه ضميرًا ناقدًا للسلطة، بل كذخيرة رمزية تُستخدم عند الحاجة، ثم تُهمَل حين تنتهي وظيفتها.
أما العراق، فلم يكن يومًا تحقيقًا لنبوءة، بل كان ( ولا يزال ) ضحية جغرافيا وثروة ودولة أُنهكت من الداخل قبل أن تُستباح من الخارج. لم تبدأ مآسيه من نصٍ ديني، بل من حسابات قوة، وتوازنات إقليمية، وقرارات سياسية باردة. غير أن النصوص غالبًا ما تُستدعى بعد الخراب، لا لمنع الكارثة، بل لتبريرها أو إضفاء معنى قَدَريّ عليها.
ولا نقصد هنا إلغاء البعد الرمزي أو الأخلاقي الذي تحمله النبوءات، فله حضوره في تشكيل الوعي الجمعي ومنظومات القيم. لكن الخطر كل الخطر يكمن في اختزال هذا البعد المعقد إلى “دليل تشغيل” للصراع، وفي تحويل الخطاب الإيماني الذي ينطلق من التسامي والغفران إلى خطاب حربي ينطلق من الإقصاء والاقتتال.
عند هذه النقطة، لا يعود النص مصدر هداية، بل يتحول إلى أداة فرز وعداء.
المسؤولية هنا تقع على عاتق المثقف قبل غيره: أن يعيد النص إلى سياقه، والحرب إلى أسبابها، وأن يرفض تحويل الغيب إلى ذريعة، أو التأويل إلى سلاح. فالمشكلة ليست في النبوءة ذاتها، بل في عقلٍ حديث يملك أعقد أدوات القتل، ويبحث عن أقدم الذرائع لتبريرها.
ويبقى السؤال مفتوحًا، لا في النصوص، بل في ضمير من يقرأها:
هل نلجأ إلى النبوءة لفهم الإنسان،
أم نسيء إليها كي نبرر دمه؟



#نهاد_الزركاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صراع الصحراء: النفط وحدود القرار في الخليج
- حين تتحول المعرفة إلى فتنة: قراءة فلسفية في عمى القلوب
- ليست المشكلة في غياب التفسير… بل في حضور الغفلة
- ايام...بدون نت
- حريّة العقل في ... الاحداث العربية
- حياتنا نحن ............ من نصنعها
- يقال الموسيقى لغة الشعوب ؟..... نحن نختلف معهم !
- بهلول زماننا ............؟؟؟
- السياسة العثمانية..... وموقف سوريا
- التناقض السياسي ... لدى المجتمع العراقي
- نجاح المالكي.... قراءة نقدية
- الإسلاميون ...... ونتائج الانتخابات
- أحزاب أسلامية فاقدة للشرعية
- انتخب أو لا انتخب
- شاهد بلا أخلاق ......
- صنمية الفكر.....بجاهلية الحاضر
- العراقيات... الأعلام العربي... وعكس الصورة
- مشكلتنا هي في تربيتنا
- ايجابيات الفساد الإداري والمالي!!!


المزيد.....




- الداخلية المصرية تنشر بيانًا بعد واقعة إلقاء سيدة لنفسها من ...
- مصادر لـRT: مصر تستضيف حورا وطنيا فلسطينيا خلال أيام .. ومصي ...
- هل تستغني السعودية عن شراكتها مع الولايات المتحدة؟
- مصر والسعودية ترسمان خطوطا حمراء في البحر الأحمر والسودان
- ماكرون يعقد اجتماعا طارئا مع عدد من الوزراء لبحث احتجاجات ال ...
- حلف مكة.. ردع جماعي للهجمات على السعودية
- الأمن الداخلي السوري يكشف تفاصيل ادعاء اختطاف طفلة في ريف حل ...
- سوريا.. قصر مملوكي في حمص يتحول إلى مطعم ويثير أسئلة عن استث ...
- الخارجية الروسية: أرمينيا تريد إلقاء مسؤولية القاعدة العسكري ...
- قضية جديدة تضاف إلى سلسلة الفضائح في جهاز الاستخبارات الألما ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نهاد الزركاني - لغة السماء حين تُقاس بحسابات أهل الأرض