أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوتيار تمر - الفن حين يتجلى في بهائه














المزيد.....

الفن حين يتجلى في بهائه


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


اقليم كوردستان
في العشرين من أيار 2026، لم يكن المهرجان الثالث لكلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك مجرد فعالية جامعية اكاديمية عابرة، ولا مناسبة احتفالية من تلك التي تمر سريعا ثم تنسى، بل كان يوما استثنائيا استعاد فيه الفن هيبته، واستعاد فيه الحضور دهشته، واستعادت فيه الجامعة شيئا من روحها الجمالية حين تتفتح على الإبداع، وتمنح طاقات شبابها فرصة أن تقول كلمتها بصدق وجرأة ووعي.
لقد بدا هذا المهرجان، في يومه الأول، كأنه مساحة واسعة تتجاور فيها الفنون من غير تنازع، وتتآلف فيها الأصوات والأنغام، والحركة والصورة، واللون والإيقاع، في مشهد يشي بأن الجمال لا يولد من عنصر واحد، بل من تآزر العناصر حين تدخل في حوار حي ومتكامل؛ وفي قاعة المؤتمرات بجامعة دهوك، حيث احتشدت الأنظار والقلوب، لم يكن ما جرى مجرد عروض متفرقة، بل كان بناء فنيا متماسكا، تتداخل فيه الكلمات الرسمية، بالموسيقى وبالاصوات الفلكورية والتراثية الكوردية العريقة، ويتكئ فيه المسرح والتشكيل على حس بصري يفتح أمام المتلقي أبواب التأمل والإعجاب.
وكان العرض الموسيقي الأول، من دون مبالغة، أبرز لحظات المهرجان وأكثرها رسوخا في الذاكرة؛ فقد جاء منظما على نحو لافت، سواء من حيث الأزياء التي أضفت على المشهد أناقة مدروسة، أو من حيث الآلات التي بدت موزعة بوعي وتنسيق، أو من حيث العزف الجماعي المتقن الذي قدمه طلبة المرحلتين الأولى والثانية في قسم الموسيقى؛ وقد حمل هذا الأداء في طياته ما هو أبعد من مجرد الإتقان التقني؛ إذ بدا وكأنه إعلان صريح عن حضور موهبة شابة تعرف كيف تصغي إلى بعضها بعضا، وكيف تتحول من أفراد إلى فرقة، ومن أصوات متجاورة إلى وحدة موسيقية نابضة بالحياة.
ورغم ما شاب هندسة الصوت من بعض الخلل التقني، فإن ذلك لم يكن كافيا ليحجب الوهج العام للعرض، ولا ليطفئ أثره في نفوس الحاضرين؛ فثمة عروض تتعثر تقنيا لكنها تظل قادرة على النفاذ إلى الوجدان، لأن قوتها الحقيقية لا تأتي من الكمال الظاهري، بل من الصدق الداخلي والانسجام الفني. وهكذا بدا الأداء الموسيقي أقوى من عثرته التقنية، وأقدر على تجاوزها بفضل جمال التشكيل الجماعي، وتماسك الإيقاع، والثقة التي حملها الطلبة وهم يقفون على الخشبة كأنهم يعلنون، بهدوء وثبات، أن الفن الحقيقي يستطيع أن يعلو على العوائق حين يكون موهوبا ومخلصا ومدروسا.
أما العرض المسرحي الذي قدم في قاعة الكلية، فقد جاء بروح مختلفة، وبجرأة لا تخطئها العين، ولا تنكرها الذاكرة؛ لقد بدا المسرح هنا وكأنه يفتح صفحة جديدة، لا يكتفي بإعادة ما سبق، بل يغامر في مسالك أخرى، ويختبر إمكانات تعبيرية أكثر تحررا من القوالب الجاهزة؛ ومن خلال هذا العرض، بدا واضحا أن طلبة قسم المسرح لا يملكون الرغبة في الأداء فحسب، بل يملكون أيضا الشجاعة على مساءلة الشكل، وإعادة تشكيله، وفتح أفق مغاير لما عرفته المهرجانات السابقة؛ وكانت هذه الجرأة في حد ذاتها مكسبا مهما؛ لأنها أكدت أن المسرح في كلية الفنون الجميلة ليس تمرينا تعليميا فقط، بل تجربة حية تتطلع إلى التكوين، وإلى ابتكار لغة خاصة بها، وإلى تخطي حدود المألوف نحو أفق أوسع وأكثر خصوبة.
وفي المعرض التشكيلي، بدت الطاقات الشابة كأنها تخرج من صمتها لتعلن حضورها الواثق. فقد حملت اللوحات والأعمال الغرافيكية أفكارا مبتكرة، وأضاءت على قدرات إبداعية حقيقية لا تزال في طور النمو، لكنها تنبئ منذ الآن بمستقبل فني واعد؛ كانت الأعمال المعروضة أكثر من مجرد ألوان وخطوط وتكوينات؛ كانت محاولات جادة لطرح أسئلة بصرية، وتقديم رؤى تحمل بصمة أصحابها، وتكشف عن استعدادهم لخلق الجديد بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما هو قائم؛ ومن هنا جاء المعرض التشكيلي بوصفه أحد أهم وجوه المهرجان، لأنه لم يكتف بإظهار المهارة، بل أظهر أيضا الخيال، والحس، والقدرة على تحويل الفكرة إلى أثر بصري حي.
ولعل ما منح هذا المهرجان في يومه الاول قيمته الحقيقية أنه لم يكن مجرد مناسبة منظمة بإتقان، بل كان شاهدا على طاقات شابة تتشكل أمام أعيننا، وتتعلم كيف تحول المعرفة إلى جمال، والموهبة إلى إنجاز، والدرس الأكاديمي إلى لحظة إبداعية كاملة؛ لقد بدا واضحا أن كلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك تمتلك، في طلبتها وأقسامها، إمكانات أصيلة قادرة على خلق الأثر، وصناعة التميز، وفتح نوافذ جديدة على الفن بوصفه فعلا إنسانيا راقيا، لا مجرد ممارسة تقنية أو أداء موسمي.
إن المهرجان في يومه الأول قدم صورة مشرقة عن الجيل الفني الصاعد، وأكد أن الإعداد المحكم، والتنظيم المبهر، والانضباط في التفاصيل، ليست عناصر شكلية ثانوية، بل هي جزء من احترام الفن ذاته؛ ومن خلال هذا التآلف بين الموسيقى والمسرح والتشكيل، تشكلت لحظة جمالية نادرة، حملت معها وعدا بأن القادم سيكون أجمل، وأن هذه الطاقات الشابة قادرة على أن تواصل طريقها بثقة، وأن تضيف للمشهد الثقافي في دهوك، وفي الجامعة على وجه الخصوص، لونا جديدا من ألوان الحياة والإبداع.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين انسداد -النخبة- وتآكل -الدولة-: قراءة في مشهد ما ...
- سيكولوجية الانكسار: لماذا يصب العقل السني غضبه على كوردستان؟
- المنطقوية في المجتمع الكوردي: جذور تاريخية وتحديات راهنة (قر ...
- الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشر ...
- الكورد في الوجدان الشيعي: بين متاريس الرواية وفضاءات الفتوى
- الشرق الأوسط لا يحارب من أجل الحدود، بل من أجل قواعد اللعبة ...
- كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة اله ...
- الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر ف ...
- جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر ...
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...


المزيد.....




- باريس تستضيف فعالية موسيقية فرنسية لبنانية لدعم الأزمة الإنس ...
- معرض الدوحة للكتاب.. الكَمْلي يستحضر قرطبة وسمرقند ليُجيب عن ...
- الممثلة التونسية درّة زروق تنشر صوراً لها -بين الماضي والحاض ...
- -لا رقيب بعد اليوم-.. دلالات الخطاب الثقافي السوري الجديد من ...
- الفنون والثقافة تنافسان الرياضة في إبطاء الشيخوخة
- الصدر الرجالي المكشوف.. هل يصبح أكثر إثارة من الفساتين الجري ...
- -2026 عامي الأخير-.. حسام السيلاوي يعلن اعتزال الغناء
- الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي.. لماذا لا تحصل على أفضل النتا ...
- -فجأة- فيلم ياباني عن المسنين ينافس على السعفة الذهبية
- تجارب رقمية وإصدارات تربوية.. كتب الأطفال تخطف الأضواء في مع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوتيار تمر - الفن حين يتجلى في بهائه