أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوتيار تمر - الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشرعيات















المزيد.....

الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشرعيات


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 20:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إقليم كوردستان
2-5-2026
لا يمكن قراءة الصراع السني-السني المعاصر بوصفه مجرد خلافات فقهية أو كلامية داخلية، لأن صورته الحالية أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يتمحور اليوم حول من يملك حق تعريف السنة، ومن يحتكر التمثيل الديني، ومن يضبط المجال العام باسم الشرع، في سياق صار فيه المجال السني ساحة تنافس بين الدولة، والمؤسسات الدينية، والحركات الإسلامية، والاتجاهات السلفية، والشبكات الإعلامية الرقمية؛ وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن المجال السني لم يعد محكوما بسلطة علمية واحدة، بل خضع لتحولات عميقة جعلت الشرعية نفسها موضوعا للصراع لا مجرد خلفية له.
تقوم هذه الدراسة على سؤال مركزي بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف تحول الخلاف السني من اختلاف في الفقه والعقيدة إلى صراع على الشرعية الدينية والسياسية؟ والجواب المختصر هو أن المجال السني الحديث مر بتحولات كبرى، أبرزها صعود الدولة القومية، وتأميم المجال الديني، وضعف المرجعية التقليدية الجامعة، ثم اتساع الإعلام الرقمي الذي فكك احتكار العلماء والمؤسسات القديمة للخطاب؛ وبذلك لم يعد الخلاف يدور فقط حول صحة الرأي أو بطلانه، بل حول من يملك حق الكلام باسم الجماعة، ومن يحدد ما يعد سنة وما يعد خروجا عنها.
ومن المهم، منذ البداية، التنبيه إلى أن "أهل السنة والجماعة" لم يكونوا تاريخيا كيانا أحاديا مغلقا، بل تشكلوا عبر مدارس متعددة في الفقه والكلام، أهمها الحنبلية والأشعرية والماتريدية، مع فروق معتبرة في التأويل وحدود العقل ومكانة النص؛ وقد ارتبط هذا التعدد في مراحل تاريخية مختلفة بصراع على النفوذ العلمي والسياسي، بحيث لم يكن الخلاف مجرد "اختلاف علمي مشروع" بالمعنى المدرسي البسيط، بل أحيانا تنازعا على من يملك تعريف الجماعة والبدعة والحق؛ ولهذا، فإن فكرة الوحدة السنية المطلقة تبدو أقرب إلى بناء معياري متأخر منها إلى وصف دقيق لتاريخ السنة بوصفه تاريخا حيا للتنوع والتنافس في آن واحد.
أبرز ما يميز الحاضر هو تدخل الدولة في المجال الديني بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فالدولة العربية الحديثة مثلا سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ضبط التعليم الديني والفتوى والوقف والمنابر، حتى يصبح الدين مجالا منظما يخدم الاستقرار السياسي ويحد من إمكانات المعارضة؛ وفي المقابل، ظهرت حركات دينية تسعى إلى استعادة الدين من الدولة، لكنها كثيرا ما نقلت الصراع من مستوى الفقه إلى مستوى الهيمنة، إذ أصبحت هي الأخرى تطمح إلى السيطرة على المجال العام باسم الشمولية الإسلامية، وهنا يبرز بعد إقليمي عابر للحدود، حيث لم يعد الصراع محليا بحتا، بل صار انعكاسا لتنافس مراكز دينية إقليمية كبرى تسعى كل منها لتصدير نموذجها الخاص عن "السنة " ورعاية شبكات من الفاعلين المحليين لتعزيز نفوذها الجيوسياسي تحت غطاء مذهبي.
وفي هذا السياق يمكن تحديد أهم معالم الصراع السني-السني اليوم في عدد من الظواهر المتداخلة؛ أولها تعدد المرجعيات، إذ لا توجد اليوم سلطة سنية جامعة واحدة، بل مؤسسات رسمية ومرجعيات دعوية وفاعلون إعلاميون وحركات سياسية، وكلها تتنازع حق التمثيل؛ وثانيها صراع التأويل، حيث يستمر الخلاف بين الاتجاهات التي تميل إلى الحرفية النصية وتلك التي تفتح مجالا أوسع للتأويل، سواء في العقيدة أو الفقه أو السياسة؛ وثالثها صراع المنبر والفتوى، إذ لم يعد العالم التقليدي وحده من يحدد ما هو صحيح، لأن المنصات الرقمية والإعلام الجديد صارت تنتج سلطة بديلة أو موازية، ويرتبط هذا الصراع ارتباطا وثيقا بـ "أزمة التمويل" والمال السياسي الديني؛ فحيثما وجد التمويل وجدت المنصة، مما جعل القدرة على حشد الموارد المادية عاملا حاسما في ترجيح كفة خطاب ديني على آخر، وتحويل الولاءات العلمية إلى ولائات نفعية أحيانا، ورابعها صراع الهوية السنية ذاتها، إذ تحتكر بعض الخطابات معنى "السنة الصحيحة"، وتقصي المخالف داخل المجال السني نفسه؛ وخامسها صراع التمثيل السياسي، الذي يظهر بوضوح في بعض البيئات، ولا سيما في دول كالعراق، حيث تحول التنافس السني إلى صراع على كتلة برلمانية موحدة أو قيادة سياسية جامعة.
وتكشف الحالة العراقية هذا التحول بصورة واضحة، لأن الخلاف السني هناك لا يظهر فقط بوصفه نقاشا عقديا أو فقهيا، بل بوصفه تنافسا مباشرا على التمثيل والموارد والزعامة والعلاقة مع الدولة؛ فالأخبار الحديثة تتحدث عن تشكيل ائتلاف سني جديد يهدف إلى توحيد التمثيل البرلماني السني بعد الانقسامات المتكررة، وهو ما يدل على أن الصراع لم يعد محصورا في المجال الرمزي، بل دخل في قلب الحسابات السياسية، كما أن الساسة الذين يتصدرون مشهد التمثيل السني باتوا يمثلون "نخبة لادينية" تعيد تأثيث وجودها من خلال تغذية النزعات الصدامية مع الخصوم، واحتكار الحقد السياسي كأداة وحيدة لتعريف هويتها في مواجهة المنافسين، وأمام هذا الصراع النخبوي، يقف "الجمهور السني البسيط" في حالة من الحيرة أو الاغتراب؛ فالتنازع المستمر بين المرجعيات قد يؤدي برجل الشارع إما إلى التدين الفردي المنعزل، أو في حالات أخطر، إلى نوع من "العلمانية النفسية" نتيجة فقدان الثقة في المؤسسة الدينية والسياسية المتصارعة.
ومن أبرز التحولات الحاسمة في الحاضر أن الشرعية لم تعد تمنح فقط عبر الإجازة العلمية أو المنصب الديني، بل عبر الانتشار الرقمي، والقدرة على صناعة الجمهور، واحتلال المجال الإعلامي، وقد جعل هذا التحول بعض الأصوات الأكثر إثارة أو حدة أكثر حضورا من العلماء المؤسسين، وخلق نوعا من المنافسة بين العالم التقليدي والداعية المؤثر، ومن منظور سوسيولوجي يمكن القول إن الصراع السني-السني المعاصر انتقل من اختلاف المدارس إلى تنازع البنى؛ فالخلاف القديم كان في الغالب حول مسائل العقيدة أو الاستنباط، أما الحاضر فصار يدور حول من يملك المؤسسة، ومن يملك التمويل، ومن يملك المنصة، ومن يملك الشرعية أمام الدولة والجمهور.
وبغض النظر عن هذا التحليل، يبقى من الضروري استشراف الاتجاهات المقبلة؛ فالمرجح أن الصراع سيتجه إما إلى استمرار تفتت المرجعيات، أو تعاظم دور الشبكات الرقمية، أو إعادة تمركز القوى حول الدولة؛ وفي كل هذه المسارات سيبقى السؤال الحاسم هو: هل يتجه المجال السني إلى مزيد من الانقسام، أم إلى إعادة بناء مرجعية مرنة قادرة على استيعاب التعدد دون أن تتحول إلى صراع إقصائي؟.
الصراع السني-السني اليوم هو صراع على تعريف السنة، وتمثيلها، وإدارتها داخل الدولة والمجتمع والإعلام؛ وهو مؤشر على الكيفية التي تعاد بها صياغة المرجعيات الدينية في زمن تتغير فيه أدوات التأثير أسرع من تغير المؤسسات نفسها.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكورد في الوجدان الشيعي: بين متاريس الرواية وفضاءات الفتوى
- الشرق الأوسط لا يحارب من أجل الحدود، بل من أجل قواعد اللعبة ...
- كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة اله ...
- الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر ف ...
- جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر ...
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...
- جدوى الانتخابات في الشرق الأوسط: بين هندسة النظام وتكريس الا ...
- الانتخابات ولاوعي القطيع
- حين تبتلع الهويات الدولة
- الكورد في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025: حضور فكري من دهوك


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا ثكنة -يعرا- بِسربٍ من ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا ثكنة -يعرا- بِسربٍ من ...
- مصادر لبنانية: المقاومة الإسلامية تتصدى للطائرات الحربية ال ...
- المقاومة الإسلامية: مجاهدونا استهدفوا ثكنة -شوميرا- بمسيرة ...
- مقر خاتم الأنبياء الإيراني: جميع السفن وناقلات النفط ملزمة ب ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: مجاهدونا استهدفوا ثكنة -شوميرا ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا قوة إسرائيلية في ثكنة ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمّعاً لآليات وجنود ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمعاً لآليات وجنود - ...
- التلفزيون الإيراني: خلال الـ24 ساعة الماضية عبرت 20 سفينة مض ...


المزيد.....

- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جوتيار تمر - الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشرعيات