أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جوتيار تمر - كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب














المزيد.....

كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8659 - 2026 / 3 / 27 - 18:17
المحور: قضايا ثقافية
    


كوردستان / 27-3-2026
في الشرق الأوسط، أكثر الأخطاء شيوعا في الكتابة السياسية هي البدء من الحدث والانتهاء عنده، كأن الحرب أو الانقلاب أو الأزمة الاقتصادية وقائع قائمة بذاتها لا جذور لها؛ لكن الكتابة التي تستحق أن تقرأ لا تتعامل مع الخبر بوصفه نهاية التحليل، بل بوصفه علامة على بنية أعمق تعمل تحت السطح، فالمسألة ليست أن نصف ما جرى، بل أن نفهم لماذا يتكرر ما جرى بصيغ مختلفة، ولماذا تبدو هذه المنطقة وكأنها تعيش داخل دورة تاريخية لا تنكسر بسهولة. والتغريد خارج السرب لا يعني الغموض، بل يعني امتلاك زاوية رؤية ترى ما لا يراه الخطاب المألوف.
إذا أردت أن تكتب مقالا مختلفا، فابدأ من سؤال غير مريح: هل المشكلة في الشرق الأوسط هي في كثرة الأزمات، أم في طبيعة البنية التي تنتج الأزمة؟ هذا السؤال ينقل المقال من مستوى التعليق إلى مستوى التشريح؛ فالدولة هنا ليست دائما نتاج مجتمع حديث، بل كثيرا ما تكون أقدم من مؤسساته المدنية، وأضعف من أن تحتكر الشرعية، وأقوى من أن تحاسب بسهولة. لذلك لا تفهم السياسة عبر الدساتير والأحزاب وحدها، بل عبر شبكات النفوذ وتوازنات القوة.
ولعل ما حدث مؤخرا في إقليم كوردستان، حين أدت ضربات استهدفت منظومة الطاقة إلى انقطاع واسع للكهرباء في معظم المدن، يقدم مثالا حيا على ذلك: فالأزمة لم تكن تقنية فقط، بل كشفت هشاشة البنية واعتمادها على توازنات خارجية أكثر مما كشفت عن خلل إداري عابر؛ هنا يصبح الحدث مدخلا لفهم البنية، لا مجرد خبر يستهلك وينتهي.
والبعد الاقتصادي ضروري لفهم هذا المشهد؛ فدولة الريع لا تبني علاقة تعاقدية مع المجتمع بقدر ما تدير علاقة توزيع؛ المواطن يتلقى أكثر مما يشارك، وحين تغيب قاعدة “لا ضرائب بلا تمثيل”، تتحول السياسة إلى شأن نخبوي ضيق، لا إلى صراع اجتماعي مفتوح، وهنا لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: كيف تدار الموارد، ولصالح من؟.
أما البعد الفلسفي، فهو الذي يمنح النص عمقه الحقيقي؛ فالفلسفة السياسية لا تسأل فقط: من يحكم؟ بل: لماذا يطاع؟ ومتى تتحول الطاعة إلى خوف؟ ومتى تصبح الشرعية مجرد غطاء للقوة؟ وهنا تظهر مفارقة لا يمكن تجاهلها: كلما ضعفت شرعية الدولة في الواقع، ازداد خطابها إصرارا على تأكيدها؛ ليست الأزمة دائما في غياب الخطاب، بل أحيانا في تضخمه.
والوعي التاريخي هو ما يحول المقال من انطباع إلى قراءة؛ الشرق الأوسط ليس مساحة ثابتة، بل تاريخ طويل من التحولات؛ إمبراطوريات سقطت، وحدود رسمت، وجماعات صعدت، وأخرى أصيت، لذلك لا يكفي أن نشير إلى صراع طائفي أو تدخل خارجي، بل يجب أن نفهم كيف تشكلت هذه المفاهيم، وكيف تحولت إلى أدوات في الصراع؛ والأخطر من ذلك هو التعامل مع المنطقة كاستثناء تاريخي، وكأن ما يحدث فيها خارج منطق التاريخ العالمي، بينما هو في جوهره جزء من مسار أوسع لتشكل الدولة الحديثة وصراعات ما بعد الاستعمار؛
لكن ماذا لو كان الخطأ في السؤال نفسه؟ ماذا لو لم يكن الشرق الأوسط منطقة أزمات استثنائية، بل مرآة مكثفة لما يمكن أن يحدث حين تبنى الدولة قبل أن يكتمل المجتمع، وحين تتقدم القوة على الشرعية؟ بهذا المعنى، نحن لا نقرأ حالة شاذة، بل حالة مكثفة.
والبعد العسكري لا يمكن فصله عن كل ذلك؛ فالجيش في كثير من دول المنطقة ليس مجرد مؤسسة دفاع، بل فاعل سياسي مباشر أو غير مباشر. حضوره يعيد ترتيب أولويات الدولة: البقاء أولا، ثم الردع، ثم السيطرة، ويأتي الإصلاح لاحقا إن جاء؛ لذلك، أي تحليل يتجاهل المؤسسة العسكرية يظل ناقصا، حتى لو بدا موضوعه مدنيا.
الكتابة المختلفة تتطلب أيضا أسلوبا مختلفا؛ لا تكتب وكأنك تكرر أجوبة محفوظة، بل وكأنك تفتح بابا جديدا للفهم، اجعل لغتك واضحة، لكن لا تختزل الفكرة، واجعل كل فقرة تؤدي وظيفة محددة، بحيث يصبح المقال بناء معرفيا لا مجرد رأي.
الكتابة التي تغرد خارج السرب لا تبحث عن الصدمة، بل عن الدقة، لا تريد أن تكون ضد السائد لمجرد المخالفة، بل أكثر وفاء لتعقيد الواقع، ومن يكتب عن الشرق الأوسط بهذه الروح يدرك أن السؤال الحقيقي ليس: ماذا حدث اليوم؟ بل: أي تاريخ طويل جعل هذا اليوم ممكنا؟ ومن هنا تبدأ المقالة الجيدة، ومن هنا تبدأ الأصالة.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...
- جدوى الانتخابات في الشرق الأوسط: بين هندسة النظام وتكريس الا ...
- الانتخابات ولاوعي القطيع
- حين تبتلع الهويات الدولة
- الكورد في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025: حضور فكري من دهوك
- صدري لي حديثا عن دار تموز - تموزي - بدمشق كتاب ( نبدذة عن ظه ...
- صوت الضمير: تبريراتي لدعم استفتاء كوردستان
- بين بغداد وأربيل: صراع النخب على حساب الإنسان
- فئران التجارب: المواطن الكوردي في مختبر السياسات المستوردة
- التنمية المقلوبة: من ناطحات السحاب إلى مواطن ينتظر الراتب
- الازمات الامنية والاجتماعية في ظل غياب العدالة وتفشي المحسوب ...


المزيد.....




- قراصنة مرتبطون بإيران يخترقون البريد الشخصي لمدير الـFBI.. إ ...
- جبهة جديدة تلوح في الأفق: تهديد حوثي بدخول الحرب إلى جانب إي ...
- روبيو يتحدث عن -رسائل إيرانية- بشأن خطة وقف الحرب: نتوقع إنه ...
- نائب رئيس وزراء كردستان العراق: واشنطن لا تسلّح المعارضة الك ...
- موسكو تبحث عن تمويل إضافي للحرب في أوكرانيا.. بوتين يطلب دعم ...
- اتفاقية تعاون دفاعي سعودي أوكرانيا.. تشمل خبرات كييف في مجال ...
- عاجل| المتحدث باسم الجيش الإيراني: بصفتنا المنتصرين سنضع شرو ...
- إيران تحتج على تصريح غروسي باستحالة إنهاء برنامجها النووي دو ...
- نيويورك تايمز: إحباط مخطط لاغتيال الناشطة الفلسطينية نردين ك ...
- بعد ضرب منشآتها الإستراتيجية.. هل تغير إيران قواعد الاشتباك ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جوتيار تمر - كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب