أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - جوتيار تمر - الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر في السياق الشرقي (العربي- الايراني).














المزيد.....

الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر في السياق الشرقي (العربي- الايراني).


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 14:03
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


كوردستان – 10/4/2026
في الشرق، لا تقاس الحروب دائما بما تبقيه من مدن، بل بما تخلفه من روايات؛ فثمة شعوب، او نخب تتحدث باسمها، لا تخرج من الحرب منتصرة لانها غلبت خصمها، بل لانها اتقنت تحويل الخراب الى خطاب، والخذلان الى مشهد تعبوي، والهزيمة الى مناسبة للاحتفال، وفي هذا المعنى، تبدو الساحة الشرقية اليوم وكأنها مسرح واسع، لا تتنافس فيه الاطراف على تحقيق النصر بقدر ما تتنافس على امتلاك تعريفه وفرض سرديته.
تقاس نتائج الحروب، في كثير من السياقات التاريخية، بمخرجاتها المادية المباشرة، غير ان بعض البيئات السياسية تميل الى اعادة تعريف هذه النتائج عبر انتاج منظومات خطابية بديلة، تعيد تأويل الخسارة وتمنحها وظيفة رمزية مختلفة، وفي هذه الحالات، لا يكون النصر معطى واقعيا بقدر ما يكون بناء خطابيا قابلا للتشكيل، يخضع لقدرة الفاعلين على اعادة تنظيم المعنى وتوجيه الادراك الجمعي.
تظهر الحالة العربية، في عدد من تجلياتها المعاصرة، مستوى لافتا من القدرة على اعادة انتاج الهزيمة ضمن سرديات نصر بديلة، فالحروب الممتدة، وما رافقها من تفكك في بنية الدولة وتآكل في مؤسساتها، لم تقدم دائما بوصفها اخفاقات تستدعي المراجعة، بل جرى، في كثير من الاحيان، تأطيرها خطابيا ضمن مفاهيم مثل الصمود والانتصار المعنوي، ولا يبدو هذا التحول مجرد انحراف لغوي عابر، بل يعكس نمطا متكررا من ادارة الخسارة عبر اللغة، حيث يعاد توصيف التراجع بوصفه شكلا من اشكال الثبات، وتستثمر الهزيمة ذاتها في انتاج مشهد تعبوي يعيد تثبيت شرعية الخطاب القائم.
وفي هذا السياق، يمكن القول ان بعض النخب السياسية والاعلامية العربية قد طورت، عبر تراكمات من الاخفاقات غير المعترف بها، خبرة خطابية خاصة في تحويل الوقائع السلبية الى روايات ايجابية، بحيث لا يعود النصر مرتبطا بتحققه الفعلي، بل بمدى القدرة على اقناع الجمهور بحدوثه؛ وهنا تتجلى احدى ابرز مفارقات المشهد: واقع يتآكل تدريجيا، يقابله خطاب يتضخم باستمرار.
اما في الحالة الايرانية، فتبدو العملية اكثر تركيبا وتعقيدا، اذ تتعرض الدولة، في بعض المراحل كما الان، لضغوط – هزائم - عسكرية واقتصادية وسياسية، الا ان الخطاب الرسمي لا يتجه نحو الاعتراف بهذه الضغوط بوصفها مؤشرات ضعف، بل يعيد دمجها في سردية اوسع تقوم على مفاهيم المقاومة والصمود التاريخي؛ وبهذا المعنى، تتحول الضربة الى عنصر ضمن بنية رمزية تهدف الى اعادة انتاج الشرعية، لا الى تقويضها، ان ما يجري هنا ليس انكارا مباشرا للواقع، بل اعادة تنظيم دلالاته بما يخدم استمرارية النظام السياسي.
ولا يقتصر هذا النمط من انتاج المعنى على الاطار الوطني، بل يمتد عبر شبكات سياسية واعلامية عابرة للحدود، حيث تتبنى بعض القوى في دول اخرى هذه السرديات وتعيد انتاجها ضمن سياقاتها المحلية، وفي هذه الحالة، لا يكون الخطاب مجرد انعكاس للواقع، بل يصبح اداة لاعادة تشكيله ادراكيا، بحيث يعاد تعريف مفاهيم مثل السيادة والانتصار والانتماء وفق منطق يتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على اعادة صياغة الوعي الجمعي، فعندما تتحول الخسارة الى نصر رمزي، يصبح من الصعب انتاج نقد ذاتي حقيقي، لان اللغة ذاتها يعاد هيكلتها لتمنع توصيف الواقع كما هو، وهنا تتقدم وظيفة الخطاب بوصفه اداة للضبط الرمزي، لا مجرد وسيلة للتعبير، حيث يعاد توزيع المعاني بطريقة تجعل من الهزيمة حدثا قابلا للاحتفاء، لا للمراجعة.
ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا التحول بوصفه استجابة لازمة ممتدة، اذ تميل المجتمعات التي تتعرض لهزائم متكررة الى البحث عن اطر تفسيرية تمنح المعاناة معنى، حتى وان كان هذا المعنى مصطنعا، وفي هذا السياق، تنجح السلطة السياسية او الفاعلون غير الرسميين في انتاج خطاب يعيد ترميز الالم بوصفه دليلا على الصمود، لا على الاخفاق.
بناء على ذلك، لا تكمن الاشكالية الاساسية في وقوع الهزيمة، بوصفها جزءا طبيعيا من حركة التاريخ، بل في تعطيل القدرة على ادراكها، فحين يفرغ مفهوم النصر من مضمونه الواقعي، ويتحول الى مجرد اداة خطابية، يفقد المجتمع احد اهم شروط التعلم التاريخي، وهو الاعتراف بالخسارة بوصفها مدخلا لاعادة البناء.
وعليه، فان تحليل الصراعات في السياق الشرقي يتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة، والالتفات الى البعد الخطابي الذي يعيد انتاج النتائج ضمن منظومة رمزية معقدة، ففي كثير من الاحيان، لا يكون السؤال: من انتصر فعليا؟ بل: من نجح في فرض تعريفه للانتصار؟ .



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر ...
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...
- جدوى الانتخابات في الشرق الأوسط: بين هندسة النظام وتكريس الا ...
- الانتخابات ولاوعي القطيع
- حين تبتلع الهويات الدولة
- الكورد في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025: حضور فكري من دهوك
- صدري لي حديثا عن دار تموز - تموزي - بدمشق كتاب ( نبدذة عن ظه ...
- صوت الضمير: تبريراتي لدعم استفتاء كوردستان
- بين بغداد وأربيل: صراع النخب على حساب الإنسان
- فئران التجارب: المواطن الكوردي في مختبر السياسات المستوردة


المزيد.....




- ترامب: محور الاتفاق مع إيران هو الملف النووي.. ومضيق هرمز سي ...
- نتنياهو يستبعد إسبانيا من مركز تنسيق غزة ويتهم مدريد بـ-العد ...
- خبير عسكري: التعزيزات الأميركية هدفها دفع إيران لقبول شروط ا ...
- حرب إيران.. ترمب يهدد باستئناف الضربات واتصالات إسرائيلية لب ...
- لتحقيق إنجاز لنتنياهو.. الجيش الإسرائيلي يحاول التوغل في بنت ...
- وفد إيران المفاوض يصل إسلام آباد وقاليباف يحذّر من -الخداع- ...
- إسرائيل توافق على مفاوضات مع لبنان و-ترفض حزب الله-
- غير مباشرة ثم مباشرة.. كيف ستسير مفاوضات واشنطن وطهران؟
- الرئاسة اللبنانية: دبلوماسيون إسرائيليون ولبنانيون تحدثوا ال ...
- ما النتائج المتوقعة من المفاوضات المرتقبة بين لبنان واسرائيل ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - جوتيار تمر - الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر في السياق الشرقي (العربي- الايراني).