أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوتيار تمر - جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر الضباب- (پرا مژێ) للاديب : اديب عبدالله.















المزيد.....

جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر الضباب- (پرا مژێ) للاديب : اديب عبدالله.


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 23:55
المحور: الادب والفن
    


كوردستان/ 5-4-2026
تقدم المجموعة القصصية للكاتب أديب عبد الله، الموسومة بـ "جسر الضباب" (پرا مژێ)، نصا سرديا كثيفا مبنيا على وعي لغوي بارز بلهجة "الكورمانجية البادينانية"، لا بوصفها مجرد أداة للتواصل، بل بصفتها حاملا ثقافيا لذاكرة جمعية مثقلة بالقسوة، الفقدان، والانكسارات العميقة في الذات البشرية. إن هذا الاختيار اللغوي لا يمكن فصله عن البنية العميقة للنصوص؛ فاللغة هنا لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتم استثمارها كـ "موقف معرفي" في مواجهة المركزية، وكسيلة لاستعادة صوت "الهامش" في ظل تاريخ ومجتمع تعرض للإقصاء. يتجلى هذا بوضوح منذ العتبات الأولى للنصوص، حيث يتحول ثقل الذاكرة الشخصية من إطاره الفردي ليصبح عبئا عاما، تمتزج فيه الذات بالعام ضمن نسيج سردي واحد. فاللغة عند الكاتب ليست مجرد أصوات، بل هي أداة "أركيولوجية" للحفر في الجروح المنسية تحت ضباب التاريخ، حيث يصبح "الجسر" رمزا غامضا لعلاقة الإنسان بحقيقته، وتصبح "البادينانية" صوتا للضحايا الضائعين في صمت المجتمع. وهنا تجدر الإشارة إلى براعة الكاتب في دمج "صوت السارد" بمعاناة الأبطال، حيث لا يكون السارد عينا خارجية، بل جزءا من ذلك الضباب الجاثم فوق الجسر، مما يخلق "رمزية ذاتية" عميقة بين النص والتجربة الإنسانية..
تبنى معظم القصص على شخصيات تعيش في "فضاءات هشة"، كالقرى، الهوامش، البيوت المنهارة، أو الأجساد المتألمة. هذه الفضاءات لا تظهر كأماكن جغرافية محايدة، بل كبنى اجتماعية قمعية تعيد إنتاج الاستبداد عبر العائلة، التقاليد، والسلطة الرمزية. من الناحية السوسيولوجية (الاجتماعية)، تكشف النصوص كيف يتحول المجتمع من مأوى إلى مؤسسة للضبط والسيطرة، وكيف يتجسد العنف في الصور اليومية: في الخطاب الأبوي، في الخوف، وفي الصمت القسري. يظهر هذا بجلاء في قصص العلاقات بين الابن والأب أو الأم، حيث يتحول الحب إلى ذاكرة مؤلمة، ويصبح الفقدان جزءا من التكوين النفسي للشخصية، كجرح مفتوح لا يندمل. ويمتد هذا العنف أحيانا نحو "المقدسات المزيفة"، وهو ما يكشفه الكاتب في قصة "حقيقة مخفية"، مبينا كيف يكسر النفاق الاجتماعي والديني روح الإنسان وحريته باسم الأخلاق، بينما ينهار البناء الأخلاقي في الخلوات الخاصة. وقد نجح أديب عبد الله في وصف "الجسد البشري" ببراعة، محولا إياه إلى مرآة للوطن الجريح، حيث يصبح كل عجز فيزيائي أو مرض إشارة إلى خلل في الباطن وفي النظام الاجتماعي، مما يمنح قصصه بعدا جماليا يعرف بـ (جماليات الجسد - Body Poetics)، حيث تنتقل المعاناة من روح الإنسان إلى ملامحه وجسده.
على المستوى النفسي، يدور السرد في مجال يمكن تسميته بـ "اقتصاد الصدمة"، حيث تتكرر صور الموت، القبور، النزيف، والغياب، لا كعناصر تقليدية للحبكة، بل كبؤر لـ "اللاشعور" الذي يتمحور النص حوله. الشخصيات في "جسر الضباب" لا تتطور بشكل خطي مباشر، بل تعيش حالة من الصراع النفسي المستمر، وكأن السرد نفسه مصاب بـ "اضطراب ما بعد الصدمة". يتضح هذا في تقطع السرد والانتقالات المفاجئة بين الحاضر والذاكرة، مع تكرار الأسئلة الوجودية التي لا تبحث عن إجابات، بقدر ما تعمق الإحساس بالعبثية، كالتساؤل عن معنى الحياة بعد فقدان الأحبة في عالم يعيد إنتاج العنف بصور شتى. وهنا يستخدم الكاتب بذكاء تقنية "النهايات المفتوحة"، حيث يرفض إنهاء القصص بشكل كلاسيكي، تاركا أسئلة معلقة في ذهن القارئ، مما يجعله "شريكا" في بناء معنى النص لا مجرد متلق سلبيا. وفي هذا الإطار، يقترب الكاتب من تقنيات "العبث"، خاصة في تصوير الشخصيات "بلا رؤوس" أو ذات الأشكال الهندسية المشوهة، تعبيرا عن فقدان الهوية وتحول الإنسان إلى "شيء". كما أن فشل محاولات الانتحار بسبب نقص "الغاز" أو "الوقود" يضفي لونا من "الكوميديا السوداء" على النص، حيث تمتزج عبثية الوجود مع آلام الواقع اليومي.
من منظور "ما بعد الكولونيالية"، تقرأ هذه المجموعة كخطاب "مقاومة صامتة" لا يرفع شعارات مباشرة، بل يعمل على تفكيك البنية العقلية التي أنتجت العنف التاريخي والديني والسياسي. فالسلطة هنا متعددة الوجوه: سلطة الأب، الشيخ، المجتمع، والأيديولوجيا. وفي هذا السياق، تتمايز قصص أديب عبد الله بـ "بناء عالم خاص" (World Building) يمتزج فيه العبث بالواقعية؛ ففي قصة "سجن بلا رؤوس"، يذهب الكاتب نحو فضاء "كافكائي" (Kafkaesque) حيث يتعرض الإنسان لمسخ جسدي ومعرفي. إن هذا الميل لمزج الأسطورة والعبث بالحياة اليومية يمنح نصوصه قوة نقدية تضاهي الأدب العالمي الذي يتناول اغتراب الإنسان. وبذات القوة، تبرز صورة المرأة في قصصه كـ "ضحية أولى" للنظام الاجتماعي، فهي ليست جسدا فحسب، بل رمز للهوية الجريحة التي تعيش تحت ضغط المجتمع الذكوري ووطأة الهموم الثقيلة.
تعتبر "الذاكرة" في هذه المجموعة عنصرا بنيويا لا موضوعا عابرا؛ إنها ذاكرة قلقة، متشظية، ومليئة بالفجوات. لا يحاول السرد ردم تلك الفجوات أو تضميد الجراح، بل يسعى لإظهار التصدعات والكسور، ومن هنا تتكرر تقنية "الاسترجاع غير المكتمل". إن استخدام عناصر "التواصل الاجتماعي" (سناب شات، فيسبوك) جنبا إلى جنب مع "المقامات والحيرانات الكوردية" في قصة "حديقة الهموم"، يعكس وعي الكاتب بالانقسام الثقافي الذي يعيشه الإنسان الكوردي المعاصر. فالضباب هنا ليس ضباب التاريخ فحسب، بل ضباب التكنولوجيا وفقدان الهوية في عالم الصور "السيلفي" الخالية من الروح. ينتقد الكاتب بعمق الهوية الظاهرية التي تهتم بالصورة على حساب الجوهر الجريح، مما يخلق خطابا نقديا حديثا في القصة الكوردية.
ختاما، يمكن القول إن "جسر الضباب" ليست مجرد مجموعة قصصية تبحث عن أحداث، بل هي بحث في "الآثار" والندوب؛ فهي لا تتناول الكارثة كحدث عابر، بل كبنية مستمرة في الوعي واللغة. لقد نجح أديب عبد الله عبر نصوصه في أن يكون كاتبا "يقظا" يمتلك أسلوبا نقديا متفردا يمتزج فيه الرمز والتقنية لإنتاج دلالات جديدة. هذه المجموعة، إضافة لقيمتها الأدبية، تعد وثيقة معرفية مهمة عن حياة الإنسان الكوردي في عصر الضياع والالتباس، كجسر مهتز بين زمنين غامضين، لا يملك فيه الإنسان سوى "الكلمة" لتسليط الضوء على عتمة الضباب.
نشرت مجلة مه تين في عددها (270) نيسان( 2026) النص باللغة الكوردية.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...
- جدوى الانتخابات في الشرق الأوسط: بين هندسة النظام وتكريس الا ...
- الانتخابات ولاوعي القطيع
- حين تبتلع الهويات الدولة
- الكورد في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025: حضور فكري من دهوك
- صدري لي حديثا عن دار تموز - تموزي - بدمشق كتاب ( نبدذة عن ظه ...
- صوت الضمير: تبريراتي لدعم استفتاء كوردستان
- بين بغداد وأربيل: صراع النخب على حساب الإنسان
- فئران التجارب: المواطن الكوردي في مختبر السياسات المستوردة
- التنمية المقلوبة: من ناطحات السحاب إلى مواطن ينتظر الراتب


المزيد.....




- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جوتيار تمر - جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر الضباب- (پرا مژێ) للاديب : اديب عبدالله.