أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جوتيار تمر - كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة الهوية














المزيد.....

كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة الهوية


جوتيار تمر
كاتب وباحث

(Jotyar Tamur Sedeeq)


الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 16:13
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


كوردستان / 17-4-2026
لم تعد كركوك مجرد مدينة تتنازعها الخرائط، بل صارت مرآة تكشف اختلالات العراق وعجز بنيته السياسية وارتباك وعيه العام، فالازمة لم تعد صراعا على النفوذ او الموارد، بل انكشافا شاملا: انكشاف الدولة حين تتراجع، وانكشاف القانون حين يستبدل بالمجاملة، وانكشاف الخطاب حين يعلو الصخب على الفعل. وتذهب بعض القراءات الى ان كركوك تعيد تشكيل المشهد السياسي العراقي عبر صراع الهوية وتوتر العلاقة بين المركز والاطراف.
في العراق اليوم، لا يدار الصراع بمنطق الدولة بقدر ما يدار بمنطق القوى المتنافرة التي تتقاطع فوق ارضه، وتتنازع على جسده، وتترك روحه معلقة بين الشك والخذلان، تتجاور الميليشيا والسياسة، ويتداخل السلاح مع الخطاب، وتتحول السيادة الى كلمة تقال اكثر مما تمارس، وحين تفقد الدولة هيبتها، تفقد قدرتها على ان تكون مرجعا، ويحل محلها البديل الاكثر قسوة: الفوضى المقنعة بلغة الشرعية.
في قلب هذه المعادلة، تبدو اربيل اكثر من مجرد عاصمة اقليمية؛ انها عنوان للكرامة السياسية ورمز لتجربة كوردية طويلة في الدفاع عن الحق والهوية، لذلك فإن استهدافها المتكرر، سواء بالضغط السياسي او بالقصف او بحملات التشويه، ليس حدثا عابرا بل محاولة لاضعاف المعنى قبل المكان، فحين تستهدف اربيل، فإن الرسالة تتجه الى فكرة اوسع؛ ان الكرامة يمكن ان تستنزف، وان الثبات يمكن ان يحاصر، وان الصمود قد يصبح موضع سخرية في زمن يعلو فيه الضجيج الرقمي على الحقيقة.
ولم يعد تعيين محافظ كركوك مجرد تفصيل إداري، بل صار مؤشرا على اختلال أعمق في توازن الهوية داخل المدينة، فحين تتقدم الولاءات العابرة على الانتماء المحلي، تصبح كركوك عرضة لمزيد من التشظي، ويتحول الصراع فيها من تنافس سياسي إلى نزاع على معنى الهوية نفسها.
لكن الخطر الاكبر لا يأتي من الخارج وحده، بل من التصدعات الداخلية التي تجعل الجسد الكوردي نفسه عرضة للنزف. حين تتحول الحسابات الضيقة الى مواقف سياسية، وحين تصبح الخلافات اصطفافات ضد المصلحة العليا، وحين يعامل الملف الوطني كأنه ورقة تفاوض لا قضية وجود، تكون النتيجة افدح من خسارة معركة: انها خسارة المعنى. ولعل المأساة الاكثر قسوة لا تكمن في ضغط الخصوم وحده، بل في اهتزاز البيت الكوردي من داخله الى درجة بات فيها بعضهم يتصرف وكأن كركوك عبء يمكن التنازل عنه مقابل وهم اسقاط اربيل او اضعافها؛ هنا تتجلى الفجوة بين الحسابات الضيقة والوعي التاريخي، وبين من يرى في كركوك قضية وجود لا ورقة مساومة، وبين من يظن ان خصومة الداخل قد تفتح له باب النفوذ، غير ان التخلي عن كركوك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يكشف تصدعا في البنية الذاتية، ويعري خللا في فهم المعركة، لأن من يفرط برمز من رموز الهوية لا يستطيع أن يبني هيبة، ومن يضحي بجزء من الذاكرة طمعا في إضعاف المركز – أربيل -، إنما يساهم في تفكيك الكل لا في إنقاذه. وكركوك في هذا السياق ليست مدينة فقط، بل ذاكرة مشحونة بالتاريخ وامتحان متجدد للهوية وسؤال يلاحق الجميع: من يملك الحق في الارض اذا تخلى اهلها عن معنى الدفاع عنها؟.
اما السخرية التي تضج بها المنصات، فهي لا تكشف قوة خصوم اربيل بل خواءهم الاخلاقي والسياسي، فالامم لا تقاس بعدد الشتائم التي تتلقاها، بل بقدرتها على الثبات امامها، الهوية الكوردية، بما لها من امتداد تاريخي وثقافي ونضالي، ليست عرضة للمحو بمنشور ولا تنهار بتعليق ولا تختزل في خصومة عابرة، ومن يراهن على التشويش يفعل ذلك لأنه عاجز عن المواجهة، ومن يسخر يفعل لأنه بلا مشروع، ومن يستبدل الحقيقة بالتهكم يفعل لأنه يخشى وضوحها، وكما قيل قديما: القافلة تسير ولا تلتفت الى نباح الكلاب، والمعنى الاهم ان من يعرف طريقه لا يحتاج الى تبرير مساره عند كل منعطف.
المأساة في العراق اليوم ليست فقط في كثرة الصراعات، بل في انحراف منطقها، حين يصبح المنطق السياسي عاجزا عن ضبط الفعل، وحين يتحول الفعل الى طاقة عبثية لا تنتج الا مزيدا من الانقسام، نكون امام دولة تستنزف من الداخل اكثر مما تهدد من الخارج، وكركوك، في النهاية، ليست مجرد اسم في الاخبار؛ انها نقطة التقاء بين الذاكرة والهوية والكوردية والسيادة، واي عبث بها هو عبث بمستقبل العراق كله، ومن لا يفهم هذا سيظل يظن ان المعركة على مدينة، بينما هي في حقيقتها معركة على معنى الوطن ذاته.



#جوتيار_تمر (هاشتاغ)       Jotyar_Tamur_Sedeeq#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر ف ...
- جغرافيا الضياع وبنية الخطاب النقدي في المجموعة القصصية -جسر ...
- كيف تقرأ الشرق الأوسط: في الكتابة خارج السرب
- الظلام ليس صدفة: كوردستان في لحظة الاختبار
- أخوة الغنيمة: حين يصبح الجسد ساحة للحرب
- حين يعبد القاتل سيفه : من طقوس القبيلة إلى شعائر الدين العنف ...
- بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
- العنف باسم المقدس: استمرارية الارهاب الديني من الحروب الصليب ...
- لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
- اللغة بوصفها وثيقة تاريخية: الألفاظ الكوردية والفارسية والتر ...
- إقليم بلا زمن مالي: كيف ضاع حلم الدولة بين الأحزاب؟
- جمهورية العشيرة
- ضرب مصادر الطاقة في كوردستان: حين يتحول الظلام إلى أداة صراع ...
- جدوى الانتخابات في الشرق الأوسط: بين هندسة النظام وتكريس الا ...
- الانتخابات ولاوعي القطيع
- حين تبتلع الهويات الدولة
- الكورد في معرض الرياض الدولي للكتاب 2025: حضور فكري من دهوك
- صدري لي حديثا عن دار تموز - تموزي - بدمشق كتاب ( نبدذة عن ظه ...
- صوت الضمير: تبريراتي لدعم استفتاء كوردستان
- بين بغداد وأربيل: صراع النخب على حساب الإنسان


المزيد.....




- محادثات استثنائية بين -حماس- و-فتح- لاستكمال تنفيذ المرحلة ا ...
- رسائل تصعيد وسط توتر مع سيول.. بيونغ يانغ تختبر صواريخ باليس ...
- بروفيسور أمريكي: إيران ستصبح القوة الرابعة عالميا إذا احتفظت ...
- بإشراف أمريكي.. توحيد ميزانية ليبيا بعد 13 عاما
- -التحقيقات الفيدرالي- يواصل التحقيق بلغز اختفاء وموت 11 عالم ...
- جندي إسرائيلي يحطم تمثال -المسيح- في لبنان.. غضب وتحقيق بتل ...
- تصدع -العلاقة الخاصة-.. حرب إيران تدفع بريطانيا للعودة إلى أ ...
- استثمار أمريكي في مشروع للمعادن النادرة بجنوب أفريقيا
- التباين بين عراقجي وقاليباف.. هل كشف حدود سلطة الحكومة أمام ...
- بعد إعلان ترامب.. فيديو للحظة إطلاق النار على سفينة إيرانية ...


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - جوتيار تمر - كركوك (العراق واقليم كوردستان): من فقدان الهيبة الى ازمة الهوية