أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الثقافة الوطنية بين الأمس واليوم… حين تتراجع قيم التحرر أمام ثقافة الامتيازات














المزيد.....

الثقافة الوطنية بين الأمس واليوم… حين تتراجع قيم التحرر أمام ثقافة الامتيازات


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 13:37
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
شكّلت حركات التحرر الوطني العربية والدولية عبر التاريخ نماذج استثنائية في التضحية والانضباط والإيمان العميق بالقضية الوطنية، حيث ارتبطت القيادة فيها بمعاني الفداء وتحمل المسؤولية والمواجهة المباشرة مع الاحتلال أو الاستعمار أو أنظمة التمييز والعنصرية. ولم تكن المواقع القيادية في تلك الحركات امتيازًا شخصيًا أو بوابةً للمكانة الاجتماعية، بل كانت عبئًا ثقيلًا ومسؤوليةً وطنية تُحمّل أصحابها أثمانًا باهظة، تبدأ بالملاحقة وتنتهي غالبًا بالشهادة أو السجن أو المنفى.
في التجربة الفلسطينية، لم تكن حركة فتح عند انطلاقتها مشروع سلطة أو نفوذ، بل مشروع تحرر وطني حمله رجال آمنوا بأن فلسطين تستحق التضحية. وكان الانتماء إلى المواقع القيادية في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري يعني عمليًا الدخول في دائرة الاستهداف المباشر. ولذلك ارتقى عدد كبير من قادة الحركة شهداء، وفي مقدمتهم ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وهايل عبد الحميد “أبو الهول”، وأبو علي إياد، وسعد صايل، وكمال عدوان، وكمال ناصر، ومحمد يوسف النجار وغيرهم ممن صنعوا تاريخ الثورة الفلسطينية بالتضحية لا بالامتيازات.
الأمر ذاته ينطبق على جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي خاض قادتها حرب تحرير قاسية ضد الاستعمار الفرنسي، حيث كان القائد الثوري يعيش بين الجبال والمطاردة وأحكام الإعدام، لا في دوائر الامتيازات والمكاسب. وكذلك تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي في مواجهة نظام الفصل العنصري، حين قضى نيلسون مانديلا ورفاقه سنوات طويلة في السجون دفاعًا عن حرية شعبهم، بينما قدمت تجربة الفيتكونغ نموذجًا آخر للقيادة التي التحمت مع الشعب في الخنادق والأنفاق والغابات، ولم تفصل نفسها يومًا عن معاناة الناس وآلامهم.
لقد كانت الثقافة الوطنية في تلك التجارب تقوم على مبدأ جوهري: “القائد في خدمة القضية”، وليس “القضية في خدمة القائد”. وكانت قيمة المناضل تُقاس بحجم تضحياته والتزامه الوطني، لا بحجم نفوذه أو امتيازاته أو حضوره الإعلامي.
غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم العربي، ومعها تحولات النظام السياسي الفلسطيني، أدت تدريجيًا إلى تراجع كثير من مفاهيم الثقافة الوطنية التحررية، لصالح ثقافة جديدة قائمة على الامتيازات الشخصية والمصالح الفئوية والبيروقراطية السياسية. وأصبح الوصول إلى بعض المواقع القيادية يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مكسبًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا، بدل أن يبقى تكليفًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية أمام الشعب.
إن أخطر ما يواجه حركات التحرر ليس فقط الاحتلال أو الضغوط الخارجية، بل فقدانها لروحها الأولى ولثقافتها الوطنية المؤسسة على التضحية والانتماء الجمعي. فحين تتحول المواقع القيادية إلى مراكز امتياز، تتآكل تدريجيًا العلاقة بين القيادة والجمهور، وتضعف ثقة الناس بالمشروع الوطني ذاته.
كما أن انتشار ثقافة الاستعراض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وما يرافقها من مبالغات في التهاني والاحتفاء بالمناصب، يعكس انتقالًا مقلقًا من ثقافة “المناضل” إلى ثقافة “النجم”، ومن مفهوم “التكليف الوطني” إلى مفهوم “المكانة الاجتماعية”. وهي تحولات تستدعي مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لقيم الكفاح والنزاهة والعمل الميداني والتواضع الثوري.
إن استعادة الثقافة الوطنية الحقيقية لا تعني العودة إلى الماضي بقدر ما تعني استعادة جوهر المشروع التحرري القائم على الشراكة الوطنية والعدالة والتضحية وربط القيادة بمعاناة الناس وتطلعاتهم، لا بعالم الامتيازات والحسابات الشخصية.
فالشعوب لا تصنع حريتها بالشعارات وحدها، ولا بالمظاهر والاحتفالات، بل بقيادات تؤمن أن المنصب مسؤولية، وأن الوطنية ليست امتيازًا بل التزامًا أخلاقيًا وتاريخيًا تجاه الوطن والإنسان.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين إرث الثورة ومتطلبات الدولة… كيف تستعيد الحركة الوطنية ال ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين حمى الشعارات وغياب الاستراتيجي ...
- اعتقال عضو المجلس البلدي المنتخب في طولكرم:؟؟؟ بين سيادة الق ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد ومخاطر إعادة إ ...
- قمة بكين وهواجس تل أبيب: هل تُبرم واشنطن وبكين صفقة المصالح ...
- في الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة: فلسطين بين جرح الذاكرة وح ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح بين استعجال الانعقاد وتعطيل التجديد ...
- فتح بين إرث التحرر الوطني ومنعطف التحول الحزبي: هل يقود المؤ ...
- الضفة الغربية تحت الاجتياح السياسي: معركة حسم الصراع وتصفية ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح بين استحقاق التجديد وخطر فقدان البو ...
- إلغاء أوسلو في الكنيست الإسرائيلي: هل تدخل المنطقة مرحلة ما ...
- -ناموا ولا تستيقظوا-... حين تصبح قصيدة الرصافي مرآة لواقعنا
- انتخاب ناصر أبو بكر نائباً أول لرئيس الاتحاد الدولي للصحفيين ...
- أموال المقاصة بين الوصاية المالية وإعادة تشكيل النظام السياس ...
- بين الممكن سياسياً والممكن قانونياً والمستحيل إجرائياً
- حركة فتح قبيل المؤتمر الثامن: بين استحقاق الإصلاح الداخلي وص ...
- فلسطين بين شلل المؤسسات وتسارع الاستيطان: هل حان وقت المراجع ...
- القضاء الفلسطيني بين معاناة القضاة وحقوق المتقاضين: هل ما زا ...
- في اليوم العالمي لحرية الصحافة: حماية الصحفيين الفلسطينيين و ...
- مؤتمر السلام الشعبي في تل أبيب بين رهانات الاختراق الداخلي و ...


المزيد.....




- طفل يروي تفاصيل ما رآه خلال حادثة إطلاق النار في مسجد بولاية ...
- قطر: الجهود الدبلوماسية بين واشنطن وطهران تحتاج إلى -مزيد من ...
- غوارديولا ومانشستر سيتي.. نهاية حقبة استثنائية في إنجلترا
- مأساة في المالديف.. استمرار البحث عن غطاسين إيطاليين مفقودين ...
- فاديفول يحذر من تحول البنية التحتية الحيوية إلى ساحة صراع جي ...
- إسرائيل تعترض 41 قاربا من أسطول الصمود و10 قوارب تواصل الإبح ...
- الجيش الإيراني يهدد بـ-فتح جبهات جديدة- في حال استأنفت واشنط ...
- سوريا: مقتل جندي جراء انفجار سيارة مفخخة في دمشق
- كاليفورنيا: مقتل ثلاثة أشخاص بإطلاق نار على مركز إسلامي في ...
- ماذا وراء تسريح 160 من موظفي الإعلام في بنين؟


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الثقافة الوطنية بين الأمس واليوم… حين تتراجع قيم التحرر أمام ثقافة الامتيازات