أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الثاني















المزيد.....

ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الثاني


زيد نائل العدوان

الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 14:01
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


لقد مر القانون بتطورات كثيرة منذ القدم وحتى الآن، فمن أيام حمورابي مرورًا بأثينا ووصولًا إلى القوانين الحديثة، يختلف تعامل القانون مع الإنسان في كل حضارة وفي كل مكان وزمان، ففي حضارات معينة -كما قلنا في المقالة السابقة- يعامل القانون الإنسان كشيء، وفي حضارات أخرى يعامل القانون الإنسان كذات، فمثلًا، في أثينا القديمة، كان القانون يعامل الإنسان بوصفه ذاتًا مستقلة لا شيئًا ماديًا، فكان يعطيه حقوقًا سياسية وكان يعتبر إرادته الذاتية عند وقوع الانتخابات مثلًا.
ولكن، هذه التفرقة بين الإنسان كشيء وكذات قانونيين وإن كانت مختلفة ومتباينة إلا أنها مترابطة، فمثلًا، في القانون المدني القديم، خصوصًا في روما القديمة، كان الإنسان يُعتَبر شيئًا في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يُعتَبر ذاتًا مستقلة، ذلك أن القانون المدني وإن نظر للإنسان بوصفه ذمة مالية؛ أي بوصفه شيئًا، إلا أنه في كثير من الحالات كان يعتد بإرادته في إنشاء العقد، وبالتالي كان الإنسان عبارة عن شيء/ ذات قانونية، وكانت النظرة إليه تختلف حسب الزاوية التي بها يُنظَر إليه.
وحتى الآن؛ أي حتى زمننا هذا في العصر الحديث، ما زال يُنظَر إلى الإنسان في القوانين الحديثة بوصفه ذاتًا وشيئًا؛ فالتشريعات التجارية تنظر للإنسان بوصفه ذمة مالية أو دائن/ مدين، بينما تشريعات حقوق الإنسان تنظر للإنسان بوصفه ذاتًا تتمتع بحقوق؛ بحيث أن هذه الذات يجب مراعاتها والاهتمام بها وإيلائها أقصى قدر من الأهمية.
وبنظري فإن العالم الحديث يتجه لإلغاء النظرة القانونية اتجاه الإنسان بوصفه شيئًا، ويعمل على إكسابه مكانة ذاتية تليق بإنسانيته الحديثة، فلا يصير يعامله كشيء يترتب في ذمته بعض الأمور المالية/ التجارية/ المدنية؛ أي لا يصير يعامله كمجرد رقم، بل يعامله كذات له كرامة مصونة.
ومن ثم، هنالك ما يسمى بانقسام الذات الإنسانية في الأنثربولوجيا القانونية، فيكون الإنسان بحد ذاته عبارة عن عدة ظواهر أو كيانات مجتمعة في كيان واحد، فعلى سبيل المثال، قد يكون الإنسان مجرمًا ويكون دائنًا ويكون ناخبًا بالوقت ذاته، فهو في القانون الجنائي يحمل كيان (المجرم)، وهو في علاقة مالية معينة يحمل كيان (الدائن)، وهو في القانون السياسي والدستوري يحمل كيان (الناخب)، فهذه الكيانات كلها والصفات تجتمع في شخص واحد وهو الإنسان.
ولو أتينا للسؤال التالي، وهو: هل الكيانات هي من تعطي للإنسان صفته أم أن الإنسان هو من يعطي هذه الكيانات صفتها؟ بمعنى، هل الإنسان يستمد إنسيته من هذه الكيانات، أم أنه أسبغ صفة الإنسانية على هذه الكيانات، لو أتينا لتحليل هذا السؤال تحليلًا وافيًا ودقيقًا لرأينا أن هذا الأمر يحتمل أكثر من إجابة، فالإجابة الأولى تذهب إلى أن هذه الكيانات كيانات اخترعها الإنسان لتنظيم حاجياته وأموره المختلفة في المجتمع، ولإعطاء نفسه مكانة في المجتمع يستطيع من خلال تنظيم مصالحه مع الآخرين بصورة لا تسبب تضارب معهم.
وعلى الجانب الآخر، من الممكن القول أن هذه الكيانات هي من تعطي الإنسان قيمته، فهي موجودة من غير اختراع الإنسان، بمعنى، الإنسان الأول والقديم عندما كان يتاجر ببضاعة معينة، فإنه تلقائيًا كان يصبح (تاجرًا) أو (مدينًا) أو (دائنًا)، فهو ما قام بتنظيم هذه المكانة أو الكيان، بل هذا الكيان نشأ لوحده، إذًا، يكون الكيان هو من يعطي الإنسان قيمة، ومن الممكن بالتالي أن نورد انتقاد لهذا الجواب، وهو أنه حتى لو كان الإنسان هو من يأخذ قيمة من هذه الكيانات، وحتى لو كانت تنشأ لوحدها، فإن هذه الكيانات لا تنشأ إلا بوجود إنسان، بمعنى أنه لا يمكن لهذه الكيانات أن تكون موجودة إذ لم يكن الإنسان موجودًا، وبالتالي يكون الإنسان هو من يعطي قيمة هذه الأشياء للكيانات المختلفة.
يعني، يختلف الجواب حول هذا السؤال، لكني أذهب إلى أن الإنسان هو من يعطي هذه الكيانات أساساتها ووجودها، فهو -حتى ولو ما وُجِدَ قانون- يقوم بإنشاء مراكز معينة وكيانات مختلفة، كما أن هذه القوانين ليس بالضرورة أن تكون مكتوبة كي تكون موجودة، بل يكفي أن تكون سارية في العرف الإنساني لكي تكون موجودة وتلعب أثرًا عند الإنسان.
ولكن، وبالقوانين الحديثة، فإن الإنسان يستمد كياناته من القانون ذاته، وبذلك نخرج من ثنائية (الإنسان/ الكيان) لندخل إلى ثلاثة أخرى وهي (الإنسان/ الكيان/ القانون)، فهنا يصبح القانون هو من يمنح الإنسان حقوقًا ويرتب عليه التزامًا وبالتالي يصير له كيان معين وشخصية قانونية معينة، وهذه الشخصية القانونية تلعب دورًا في حياة الإنسان، حتى أن الإنسان لا يمكنه أن يتصرف بتصرف معين إلا من خلال هذه الشخصية القانونية، فهي تقيده وتتدخل في أدق تفاصيل حياته المختلفة.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نقول أن المجتمع الإنساني، بل الإنسان منذ القدم، نشأ بصورة قانونية؛ أي أن كان ماركس يرى أن الإنسان أساسه الاقتصاد، وفرويد يرى أن المجتمع الإنساني أساسه تفكيك النفس الإنسانية، فإن علم الإنسان القانوني (الأنثربولوجيا القانونية) ترى أن الإنسان أساسه القانون.
فمثلًا، كانت القوانين في الحضارات القديمة تنظم كل الأمور المختلفة المتعلقة بحياة الإنسان، حتى ولو لم تكن هذه القوانين مكتوبة، فإنها كانت وما زالت تنظم حياة الإنسان بمختلف جوانبه، فمثلًا، في روما القديمة، كان الإنسان ينتخب بناء على قانون، وكان الإنسان كذلك يتزوج بناء على قانون، ويمتهن التجارة بناء على قانون...الخ، يعني كانت كل الأمور مبنية على قانون.
حتى أنه لا يمكن تصور حياة الإنسان دون وجود قانون، فمثلًا، لا يمكن تصور عدم وجود قواعد قانونية -سواء أكانت مكتوبة أو غير مكتوبة- لا تنظم معاملات التجار فيما بينهم، فمعاملات التجارة لا بد لها من قانون تنظمه، حتى ولو فرضنا أنه ليس هنالك أي قانون ينظمها فإن الإنسان سيخترع قانون كي ينظم معاملات التجارة المختلفة التي تحدث بين التجار المختلفين في الحضارات المختلفة.
ولو ما وُجِدَ قانون فإن المجتمعات الإنسانية سيكون فيها حالة من العشوائية وعدم الانتظام والوضوح، بل لن يكون هنالك حياة إنسانية، فمثلًا، هنالك قانون (التقابل) في المعاملات التجارية الإنسانية، تقتضي بأنه إذا باع إنسان شيئًا يأخذ محله مقابل، فعليًا، لو ألغينا هذا القانون لرأينا أن الإنسان لن يعود يأخذ مقابل، وبالتالي سيعود خالي الوفاض لأهله، مما سينتج عنه حالة من المجاعة بين طبقة التجار، تتبعها بالطبع حالة من الشغب وزيادة الجرائم..الخ من الآثار المدمرة، وبالتالي، كان لا بد من أخذ مقابل لاستمرار الحياة الإنسانية على طبيعتها كما هي من دون وقوع أي آثار سلبية.
وهكذا لباقي الأمور القانونية في المجتمع، إذ يجب وجود قانون لكي ينظم الإنسان نفسه، فمثلًا، الجماعات قامت بإيجاد قانون سياسي يقتضي بتعيين حاكم كي لا تسود الفوضى وعدم النظام بين الجماعات، ويجدر القول، أني أرى أن القانون لا يقتصر على القوانين المكتوبة فقط، بل حتى لا يقتصر على الأعراف أيضًا، بل يمتد لأي قاعدة تحكم التعامل الإنساني، مثل قاعدة (التقابل) في التجارة، أو قاعدة (السيادة) في الجماعات السياسية التي تقتضي بتعيين حاكم للجماعات، وهكذا لأي منحى قانوني وُجِدَ في الحضارات الإنسانية المختلفة.



#زيد_نائل_العدوان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الأول
- نقد دوغمائية الإيمان الديني
- نقد الحركات الروحية ذات الصبغة الدينية
- ترجمة البحث المعنون ب( دراسة حول أفكار القيم الشيوعية والقيم ...
- الحقوق الممنوحة للطفل في التشريع الأردني
- تعقيب على المادة (6) من قانون حماية البيانات الشخصية الأردني
- ترجمة البحث المعنون ب (تفريق ماركس بين الشيوعية والاشتراكية)
- ترجمة البحث المعنون ب(مساهمة الحضارة المصرية القديمة في العا ...
- نبذة عن تاريخ التحكيم في الزمن القديم
- طبيعة اتفاق التحكيم
- مقدمة عن تعريف حق المؤلف وطبيعته
- تعريف التحكيم وعناصره
- مناقشة بعض الأفكار بمجال (الفكر الديني)/ الجزء الأول
- ترجمة المقال المعنون ب(تداخل الفلسفة والدين في الفكر الغربي) ...
- قراءة سريعة في كتاب (أصل الدين) لفيورباخ
- في نقد سلطة رجال الدين المجتمعية
- نقد فكرة (التجسد الإلهي) في بعض الأديان
- في نقد الفهم الدوغمائي للنصوص الدينية
- في انتقاد آلية التفكير الديني المتعصب
- في نقد دوغمائية التعصب الديني


المزيد.....




- المحكمة الجنائية الدولية تصدر 5 مذكرات توقيف جديدة بحق مسئول ...
- الجنائية الدولية تصدر مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين
- برلين.. اعتقالات وإصابات خلال قمع مسيرة ذكرى النكبة
- اتهام إسرائيل باستخدام -يوروفيجن- لتبييض جرائم حربها ضد الفل ...
- قانون إعدام أسرى النخبة.. توظيف التشريع والقضاء في خدمة -الت ...
- الأمم المتحدة تطلب إجراء تحقيق في الانتهاكات ضد الأسرى بسجون ...
- القدس.. إسرائيليون يتظاهرون ضد حكومة نتنياهو
- المارة تدخلوا لاعتقال الجاني..حادث دهس بإيطاليا يخلّف إصابات ...
- تحت سطوة -المستوطنين الجدد-.. كيف يواجه الفلسطينيون مخططات ا ...
- هآرتس تفتح ملف سجون الاحتلال: تعتيم ممنهج وانتهاكات تلاحق آل ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - زيد نائل العدوان - ملاحظات في الأنثربولوجيا القانونية/ الجزء الثاني