أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - الليبرالية والأخلاق بحث في ماهية القيم مثالية أم مصطنعة















المزيد.....


الليبرالية والأخلاق بحث في ماهية القيم مثالية أم مصطنعة


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 16:49
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الأخلاق الليبرالية وتعدد القيم إشكالات ومعضلات
تحدثنا عن الإشكال الاقتصادي للتحررية في فصل سابق، وذلك لارتباط المفهوم كلية بالحرية كأساس للاقتصاد الطبيعي والتنظيم الاقتصادي السياسي والاجتماعي، ويتطلب بحثنا الأركيولوجي والتاريخي الغوص أعمق في بنية تشكل النظرية، فالجوهر القيمي والأخلاق هو ما أنتج العوارض المتشعبة في شتى مجالات الحياة والفكر والعلاقات الاجتماعية والسياسية، ونستعرض هنا النظر في معضلات التحررية انطلاقاً من مفاهيم الأخلاق والقيم.
يمكننا الحديث عن تلك الإشكالات بالتعرض للعلاقة بين الصواب والخير، أو بين الحق والمصلحة أو بين الكمال المثالي والواقعي، وبين الفردي والجماعي، وبين التعددية والأحادية أو الذاتية، وذلك على صعيد الأهداف والغايات وقبلها القيم والمثل والأخلاق.
أيُّ الحقوق مقدم على الآخر الحق الفردي أم الحق الجماعي؟ وكيف يمكننا تحديد القيم الفاضلة عن سواها، وماهي الأخلاق الكريمة وبما تتميز عن سواها من الأخلاق السيئة؟ هذه ليست بالطبع تساؤلات خاصة بالسياق الليبرالي، رغم صلتها الوثيقة بها، لكنها في حقيقة الأمر هي من التساؤلات الكبرى في ميدان الفلسفة والعلوم الاجتماعية.
أول ما يبرز عند الإجابة على هذه السؤال هو مفاهيم الحق والالتزام؛ فالجماعة ملزمة بحفظ حقوق الفرد، والأخير ملزم بحماية الكيان الجماعي. فأي التزام أقوى لنصل للحد الذي يفصل أو يمنع تجاوز أحدهما على الآخر. بالنظر إلى مدى ارتباط الصواب أو الصلاح أو الأفضلية بالخير والأخلاق نبحث في إمكانية تفسير الشيء أو القيمة استناداً لقيمته الأخلاقية ما يستدعي القول بأن الصالح المفيد هو الصواب أو الخير أو الممتثل لمفهوم الأخلاق.
" إن تفسير الصواب هو الذي يفترض مسبقاً نظرية القيمة أو الخير: القيمة الإنسانية النهائية هي شخصية متطورة أو حياة مستقلة. التنافس مع هذه النظرية الموضوعية للقيمة هما تفسيران ليبراليان آخران: التعددية والذاتية.
في دفاعه الشهير عن الحرية السلبية، أصر برلين على أن القيم أو الغايات تعددية، علاوة على ذلك، فإن السعي لتحقيق غاية واحدة يعني بالضرورة أن الغايات الأخرى لن تتحقق. في هذا المعنى ينتهي الاصطدام. من الناحية الاقتصادية، يستلزم السعي وراء إحدى النهايات تكاليف الفرصة البديلة: الملاحقات الضائعة التي لا يمكن إثبات أنها أقل قيمة بشكل غير شخصي. لا توجد طريقة مبررة بين الأشخاص لترتيب الغايات، ولا توجد طريقة لتحقيقها جميعاً. يجب على كل شخص تكريس نفسه لبعض الغايات على حساب تجاهل الآخرين. إذن، بالنسبة إلى التعددي، فإن الاستقلالية أو الكمال أو التنمية ليست بالضرورة أعلى مرتبة من ملذات المتعة أو الحفاظ على البيئة أو المساواة الاقتصادية. يتنافس الجميع على ولائنا، ولكن نظراً لأنها غير قابلة للقياس، فلا يمكن تبرير أي خيار بين الأشخاص." ـ1ـ

يقدم جون لوك "نظرية الذوق للقيمة"
يعتقد لوك أن العقل له مذاق مختلف من شخص لآخر، مثل الحنك ـ الطعم في الفم ـ وستسعى العقول بواسطة القيم، بلا جدوى، إلى إسعاد جميع البشر إما بالثروات أو المجد، أو الشهوات والملذات ومما يصنع لدى بعض الرجال والنساء سعادتهم.
فكما سيشعر جوع جمع من الرجال بالسعادة والشبع عند تناول الجبن أو الكركند؛ فإنها لن تكون كذلك عند غيرهم، وعلى الرغم من ثمنها المقبول للغاية وكونها لذيذة وزاكية بالنسبة للبعض، إلا أنها تشعر آخرين بالغثيان الشديد، هنا نرى كيف يؤثر الذوق على العقل، لدرجة أننا يمكن لنا نسب الذوق في الفم إلى حكم عقلي، ويمكننا ضرب مثال آخر، فالنباتيون الذين يتجنبون أكل اللحوم يشعرون بالاستياء والضيق وربما يتقيؤون عند رؤية أناس يأكلون اللحوم بشراهة، في حين يحتفل أناس غيرهم بالتلذذ والسعادة عند أكل اللحوم. ففي الوقت الذي تكون بعض الأشياء سعيدة ورائعة للبعض تكون مهينة لغيرهم.
ويفضل الكثير من الناس بمقياس أو اعتبار عقلي الصوم، الجوع والإمساك عن الطعام، على تلك الأطباق، التي هي وليمة بالنسبة لغيرهم. من هنا؛ نسأل هل الفلاسفة القدامى استفسروا عبثاً عما إذا كانت خلاصة الخير تتكون من الثروات، أو الملذات الجسدية، أو الفضيلة، أو التأمل؛ وقد يكون لديهم خلاف معقول، فيما إذا كان يجب أن يكون أفضل مذاق مثلاً موجود في التفاح أو المكسرات. وقسموا أنفسهم إلى مذاهب معتمدين على قيم الأشياء ذاتها. لكن الواقع أن الأذواق الرقيقة لا تعتمد على الأشياء نفسها، ولكن تَوَافُقهَا مع هذا الحنك ـ الذوق ـ أو ذاك، يفتح المجال أمام تعدد الحكم أو الرأي أو الموقف بسبب التنوع الكبير في الواقع لعلاقة الذوق، الطعم بالشعور وتأويلات العقل. ـ2ـ
تلك الاعتراضات أو الإشكالات المطروحة أعلاه محقة، من جهة التفصيل، فالفلسفة تميل دائماً لطرح نظريات عمومية وقواعد أكثر شمولية، لكن الغاية ليست هنا؛ فبحث القيم لا يستحسن الخوض فيه جزئياً، فنظرية العلاقة بين الحسي والفكري وبين الإدراك المحسوس والوعي العقلي تأخذ حيَّزاً مهماً في نقاش الخير والشر وحتى الخطأ والصواب، فشرح نيتشه لكيف يكون الجمال جمالاً بواسطة الاعتياد والشائع والمألوف والمقرر اجتماعياً تربط بين ذلك المحسوب جميلاً وبين المحسوب خيراَ، كذلك هو الحال في مسألة التذوق الحسي والتذوق العقلي، ذات جذور تاريخية واجتماعية، فلحم الخنزير مستلذ ومستطاب في الغرب والكثير من دول العالم لكن في البلدان الإسلامية يسبب حضوره أو حتى ذكره الاشمئزاز والنفور، ويرتبط وجوده بقيم سيئة، كالقذارة وانعدام الغيرة وافتقاد الشعور الحي.
وهذا مثال واضح لعلاقة القيم الاجتماعية والتاريخية بالتذوق الحسي والعقلي وكيف يشتغل تأثيرها بصورة لا إرادية وتتحول المذاقات الحسية لمحرضات لقيم وأخلاق بعينها.
ولعلنا نلقي الضوء على نظرية لوك في القيمة لارتباطها الوثيق في موضوع تفاضل القيم أو الفضائل أو تعددية الخير، وعلى أساس تلك المفاهيم المختلفة والنظريات المتعددة نقف عند محاولة بيان حقيقة أو معنى أو ماهية القيم. ذلك أن هناك فرق مبدئي بين النظر إلى المثالي والغاية منه وبين الواقعي أي المعاش والملموس في الحياة الاعتيادية والطبيعية للبشر. فالقيم بحد ذاتها، برؤية واقعية، لا يتم التعامل معها على أنها مطلقة بالنسبة لكل العقول ولكل الأزمنة، هناك مشتركات ذوقية حسية وعقلية بين الناس، لكننا لا نستطيع تحديدها بدقة، فقتل النفس أو إزهاق الروح بدون مبرر أو اعتبار عقلي قانوني يعد مسألة محرمة أو شريرة يشترك فيها الناس عبر كل الأزمنة والأمكنة، فالظاهرة هنا محل رفض قيمي بالنسبة لكل البشر، بوقت يشتد الخلاف عند تحديد المبررات والقواعد والقوانين الناظمة لتجريم قتل النفس، فمفهوم الخيانة أو الردة قد يكون سبباً كافياً لإزهاق الروح، لدى بعض الأمم والشعوب فبحين أنه ليس كذلك عند غيرها، ففي الدول التي تمنع حكم الإعدام لا يكوِّن ذلك المبرر سبباً للقتل قصاصاً، الإشكال هنا في أن الروح واحدة بكل الأمثلة، فالقاتل بهدف السرقة أزهق روحاً هي روح متساوية مع بقية الأرواح، لكن في الصنف الأول من المجتمعات لا تشكل ذريعة لإزهاق روحه فيما هو العكس لدى مجتمعات أخرى، فلا تتردد بقتله حال ثبوت قيامه بالقتل، فهل نستطيع نحن تحديد قيمة مشتركة للروح نتمكن بواسطتها من حل ذلك الإشكال؟ ضمن مشهد آخر كيف يمكننا عرض مبرر لقتل عدد كبير من الأشخاص تم توظيفهم لحراسة شخصية مهمة، تلك الشخصية بالنسبة لجماعة أخرى تستحق القتل، وربما تكون كذلك مثلاً لارتكابها عدة جرائم بحق الإنسانية، هؤلاء الحرس هم حسب قناعتهم يقومون بعمل نبيل، بذات الوقت يرى غيرهم أنهم مشاركون في الجريمة، ولا مانع من قتلهم دون عد، شرط أن تكون الغاية هي التخلص من الشخصية المتهمة بجرائم ضد الإنسانية. يصعب بيان القول الفصل، لأننا لا نعرف قيمة أخلاقية محددة يمكن تطبيقها على تلك الحالة الواقعية، قد يكون الجواب هنا في تفاضل الخيرات وتفاضل الشرور، أي يتحول مفهوم القيمة الأخلاقية هنا إلى مفهوم كمي، فإذا كان بقاء الشخصية الإجرامية سيتسبب بالمستقبل بقتل أعداد كبيرة من البشر، كان قتل جميع حراسه مهما بلغ عددهم أمراً مشروعاً. هكذا يصير الموت سبباً للخير، ونعود للنظر من البداية لنتحقق فيما إذا كان الاتهام محقاً أم زائفاً أم ناقصاً، لذا يتوجب علينا التريث والتحقق، وهنا نصطدم بمعايير وأقيسة متفاوتة، ونرجع للمثال الأول، الردة والخيانة، بحيث يلزمنا تعريف تلك المصطلحات وتحديد مؤشراتها، فيحصل تعارض واختلاف عميق، كوننا سنضطر إلى بيان ما إذا يصح وصف الفئة التي قتلت بسبب الشخصية المتهة تستحق الموت، وهكذا نجد أنفسنا ضمن دائرة لا نهاية لها، فيما إذا أردنا منح فعل ما صفة الخير أو الشر كما هو الحال عند تحديد القيمة الخيِّرة والشريرة والمطلقة والنسبية. ما يعني أن امتلاك الكمال، أي القيمة الدقيقة الصارمة الخيرة شيء صعب المنال. والسعي للكمال وإن شئنا وصفه بـ " الحد الأقصى" يندرج بين دفتي الرؤية والإمكان. فالرؤية لا حدود لها لكن الإمكان محدود بوجود المعرفة.
الأخلاق الليبرالية، تعدد القيم:
السير أشيعيا برلين Sir Isaiah Berlin ، م. 6 يونيو 1909 - و. 5 نوفمبر 1997) منظر اجتماعي سياسي وفيلسوف ومؤرخ أفكار روسي- بريطاني من أهم مفكري القرن العشرين، والباحث الليبرالي الأبرز في عصره. كاتب بارز ومجادل فذ وخطيب مفوه، موسوعي سريع البديهة حاضر الذهن. ترجم برلين بعض أعمال أيفان تورغينيف من الروسية إلى الإنجليزية، كما عمل خلال الحرب في الخدمة الدبلوماسية البريطانية. وكتبت صحيفة ذي إندبندنت، «كثيراً ما وصف أشيعيا برلين وخاصة في كبره بصيغة التفضيل: أفضل متحدثي العالم، أكثر قارئي العقد إلهاماً، وأفضل عقول زمانه، عكَس أشيعيا بما لا فيه شك الإمكانيات الكبيرة للإنسان.
تكمن أهمية برلين أشيعيا في نظرياته الخاصة في القيم واختلافه مع الفكرة الشائعة بأن القيم مُثل طبيعية ينبغي على المفكر اكتشافها، وعدم التسليم بوضعها في سوية أو مستوى واحد فكأن هناك مستويات ودرجات للقيم، ويحدث أن يكون القيم متعارضة فحب الأبناء للأولاد قيمة واقعية لا يقر برلين بأنها طبيعية بل هي من صنع المفكرين والنخب في المجتمع، وقد تكون بعض القيم صحيحة ومقبولة في مكان وليست كذلك في مكان آخر بل ويمكن لهذه القيم أن تتصارع دون أن يشير ذلك إلى أفضلية لإحداها على الأخرى.
وإذا كانت اليوم ظواهر كظاهرة التطوع والإحسان غير محل نزاع يستوجب على الدارس التفتيش عن جوهرها الذي يجعل منها شأنا إنسانياً، وينطبق الوصف ذاته على قيم متعارضة فمفهوم الشرف والعرض ليس واحداً في كل المجتمعات، ففي الوقت الذي لا يرى فيه مجتمع العلاقة خارج مؤسسة الزواج فعلاً شائناً نجده لدى غيرها أمراً عاديا بل ومحل ترحيب وتقدير، كذلك هو الحال بما يتعلق بالملبس والزينة فبعض المجتمعات ترى الحشمة والستر ضرورة اجتماعية ومسالة أخلاقية وتوجد جماعات أخرى وشعوب ليبرالية تعتبر إظهار مفاتن الجسد حق بل وحاجة وطقس من طقوس وعادات وتقاليد المجتمع، لا صلة بها بمفهوم الأخلاق، فالقيم في المجتمعات الليبرالية وصفية وليست غائية غيبية وهي بذلك قيم براغماتية، فما هو نافع ومقيد خير وليس بالضرورة أن يكون العكس صحيحاً، فليست كل الأفعال أخلاقية أي مقومة بمفهوم الأخلاق. كل ذلك منتظم داخل القيم الاعتبارية للفرد والجماعة، بهذه الصور تصير القيم مصنوعة بيد الإنسان قبل اعتبارها مثل طبيعية.
"يرى برلين أن القيم هي من صنع الإنسان بدلاً من أن تكون نتاجاً طبيعياً في انتظار أن يكتشف. وبناءً على عمله في تعددية القيم، قدم رأياً مفاده أن القيم الأخلاقية قد تتساوى في صحتها دون أن تتوافق وعليه قد تتصارع القيم أو تتصادم دون أن يعني هذا أن إحداها تفوق الأخرى أهميةً. قد يتعارض الوفاء بالوعد مع السعي وراء الحقيقة وقد تتعارض الحرية مع العدالة الاجتماعية. والصراعات الأخلاقية «عنصر ضمني وغير قابل للعزل في الحياة الإنسانية.» «وهذه الصدامات ما بين القيم هي جوهر القيم وما نحن عليه.» حسب برلين، يشكل تصادم القيم مأساة الحياة الإنسانية. ويشير ألان براون إلى تجاهل برلين لحقيقة قابلية قياس القيم حيث من الممكن المقارنة فيما بينها عبر اسهاماتها المختلفة نحو الخير العام."

" يتفق الكمالي والتعددي والذاتي على النقطة الحاسمة التالية: إن طبيعة القيمة تجعل الأشخاص العقلاء يتبعون طرقًا مختلفة للعيش سعياً وراء الكمال، هذا لأن كل شخص لديه قدرات فريدة من نوعها ـ أي مختلف عن الآخر أو الغير، والتي يمنح تطورها قيمة لحياته؛ بالنسبة إلى التعددي، بما أن القيم عديدة ومتضاربة، ولا يمكن لحياة واحدة أن تشملها جميعًا، أو تجعل الاختيار الصحيح بين الأشخاص فيما بينها؛ أما بالنسبة للذاتية، فإن السبب هو أن أفكارنا حول ما هو ذو قيمة تنبع من رغباتنا أو أذواقنا، وهذه تختلف من فرد إلى آخر. تدافع وجهات النظر الثلاثة، ـ الكمالي أو المثالي والتعددي والفردي ـ إذن، عن الفكرة الليبرالية الأساسية القائلة بأن الناس يتبعون بشكل عقلاني طرقًا مختلفة للعيش. لكن الفكرة في حد ذاتها، تنتج إن مفاهيم الخير هذه ليست أخلاقًا ليبرالية كاملة، لأن حجة إضافية مطلوبة لربط القيمة الليبرالية بمعايير الحرية المتساوية، وفكرة أن الآخرين يحظون باحترام معين ببساطة عن طريق الفضيلة. من امتلاك قيم خاصة بهم. من المؤكد أن برلين يعتقد أن هذه حجة سريعة جدًا: تشير التعددية المتأصلة في الغايات إلى التفوق السياسي للحرية. يجادل أشيعيا برلين بأن ضمان كل مقياس للحرية السلبية هو الأكثر إنسانية، لأنها تدرك أن "الأهداف البشرية كثيرة"، ولا يمكن لأحد أن يتخذ خيارًا مناسبًا لجميع الناس، هنا يعتمد التعدديون والذاتيون على حد سواء أحيانًا على نُسَخ من التعاقدية الأخلاقية. يمكن تفسير أولئك الذين يصرون على أن الليبرالية في نهاية المطاف عدمية على أنهم يجادلون بأن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بنجاح: فالليبراليون، من وجهة نظرهم، عالقون بنظرية ذاتية أو تعددية للقيمة، ولا ينشأ عنها أي تفسير للحق." ـ3ـ
إذن الفكرة الليبرالية تقول: بأن مقاييس الحرية والعدالة والمساواة تقتضي ترك الفرصة للفرد كي يحدد قِيمَه، لأن الناس يتبعون بعقلانية طرقاً مختلفة للعيش؛ فربط القيمة بخيارات الفرد وليس بالمعايير الأخلاقية؛ وكما أن للآخرين الحق بامتلاك مفهومهم عن الفضيلة والقيمة يحق للفرد أن يختار مفاهيمه الخاصة. هذا هو المفهوم الرئيس للذاتية. يجادل عالم الاجتماع أشيعيا برلين دفاعاً عن التعددية، بأن قيمة الحرية السلبية أي الحرية المقيدة هو الأكثر إنسانية بالنظر إلى تعدد الأهداف والغايات عند الأفراد ما يوصلنا إلى استحالة اتخاذ خيار مناسب للجميع إذا تمسكنا بالخيار الذاتي. من هذا الجانب يرى التعدديون بأن الخيار القيمي الليبرالي عدمي. لأنها محاصرة بين سندان ذاتية الخيار الفردي ومطرقة تعددية القيمة عند الأفراد ذاتهم. ما يفضي إلى ضياع أي تعليل أو تفسير أو تبرير لمفهوم الحق المعياري.
ولعلنا لا نجد عند الليبراليين العرب ذلك المسار الجدلي لمناقشة المفهوم أو الفكرة بتلك الهيئة من التحليل الفلسفي، فالمنطق الغالب هو المفهوم الدوغمائي والاقتصار على منتجات أو مفرزات الفكرة بحد ذاتها؛ أي الدعوة إلى التحررية كمبدأ أولي دون الإفصاح عن المبررات، والواقع أن ذلك القصور هو واحد من الأسباب التي منعت انتشار أو تعزيز مكانة الفكرة بين الأوساط النخبوية وحتى الشعبوية، حيث مالت التيارات اليسارية للأخلاق الليبرالية ـ الذاتيةـ في حين أنها كانت منغلقة على مفاهيم الليبرالية السياسية والاقتصادية، مع رؤية فضفاضة عن الحريات الشخصية حيث لا نجد قراءة للبعد الأخلاقي والقيمي.
" فكرة الحرية، هي فكرة القوة في أي وكيل ـ شخص أو شيء يقوم بدور نشط أو ينتج تأثيرًا محددًا ـ للقيام أو الامتناع عن أي عمل معين، وفقًا لما يقرره العقل أو يفكر فيه، حيث يفضل خياراً دون سواه من الخيارات المتاحة؛ عندما لا يكون أي من تلك الخيارات في نطاق سلطة الشخص أو الأداة أولا يكون الخيار المحدد الذي يجب اتخاذه وفقًا لإرادته هو؛ فهنا هو لا يتصرف بحرية، إنما يتخذ أو ينتج قراراته أو خياراته تحت الضرورة.
نلاحظ هنا أن لوك يفترض ليكون الشخص أو الشيء أو الممثل حراً في التمثيل أن يتصرف وفقًا لتفضيلاته -وهذا يعني أن أفعاله يحددها ما يفضله. يتضح أن لوك لا يؤيد نوعًا من حرية اللامبالاة، والتي بموجبها يمكن للإرادة أن تختار أمرًا بخلاف الشيء الأكثر تفضيلًا في لحظة معينة. هذا هو نوع الحرية المرتبط غالبًا باللاحتمية. الحرية، إذن، بالنسبة إلى لوك، ليست أكثر من القدرة على تنفيذ الإجراء الذي يتم اتخاذه لتحقيق أكبر قدر من المتعة في لحظة معينة.
تكمن مشكلة طريقة تعريف الحرية هذه في أنها تبدو غير قادرة على تفسير أنواع الأفعال التي نتخذها عادةً لتكون رمزًا للسلوك الفاضل أو الشرير. هذا لأننا نميل إلى الاعتقاد بأن قوة الحرية هي قوة تسمح لنا بتجنب الأفعال الشريرة، ربما على وجه الخصوص تلك الممتعة، من أجل اتباع طريق صالح بدلاً من ذلك." ـ4ـ
الحرية من حيث المبدأ لا تقبل فرض الخيارات، أي أن يكون الشخص أو الفرد مرغماً على القيام بشيء لا يحبذه أولا يفضله، فهي هنا ليست إرادة حرة بل ضرورية؛ فالمضطر لا يتصرف بإرادته التي تتيح له اتخاذ أو تنفيذ فعل أو موقف أوحكم ما بحرية بل بموجب الضرورة. والإنسان كمخلوق هو في الحقيقة يمتلك العقل الذي يمنحه سلطة تحديد الأفضل أو الأمتع أو الخيِّر أو الشرير. فهو يحدد بفكره ومحاكماته العقلية ما يريد أو الهدف والغاية من اختياره ثم يبادر للتنفيذ. فالحرية ليست نوعاً من اللامبالاة بل هي " الهم" أو الانهمام بشيء أو موضوع أو قضية الخ، كما يقول هايدغر كما يبدو لنا أنه أعاد صياغة نظرية لوك.
المصادر والمراجع:
1 ـ مترجم بتصرف عن المصدر السابق: موسوعة ستانفورد الفلسفية.
*كان السير أشيعيا برلين( 6 يونيو1909 - 5 نوفمبر 1997) منظّرًا اجتماعيًا وسياسيا روسيا بريطانيا وفيلسوفًا ومؤرخا للأفكار. على الرغم من أنه أصبح ينفر بشكل متزايد من الكتابة للنشر، إلا أن محاضراته ومحادثاته المرتجلة كانت تُسجل وتُنسخ في بعض الأحيان، وتم تحويل العديد من كلماته المنطوقة إلى مقالات وكتب منشورة، سواء من قبله أومن قبل الآخرين، وخاصة محرره الرئيسي من عام 1974، هنري هاردي. https://en.wikipedia.org/wiki/Isaiah_Berlin
2 ـ بتصرف وإضافة عن مصدر سابق: موسوعة ستانفورد الفلسفية.
3 ـ مترجم عن: Locke: Ethics، https://iep.utm.edu/locke-et/
4 ـ مترجم بتصرف عن مصدر سابق.
5 ـ الليبرالية في الفكر العربي المعاصر. د/ محمد بن علي. جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة، كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية. الناشر: مجلة متون، المجلد الثامن العدد الرابع جانفي 2017



#احسان_طالب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اغتراب الإنسان المعاصر نفي الإكليروس السياسي
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن
- الراهن السوري بين الإقرار الانتخابي للأكثرية ووهم استعلاء ال ...
- نقد نظريات العقد الاجتماعي، الدولة ككيان أخلاقي
- قيام الدولة وركائز العدالة والسلم والأمن والمصالحة
- بحث في بنية العقل، الوظيفة علّة بنيوية
- التسامي الإنساني الروحي. الدين كظاهرة وجودية أصيلة
- بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسر ...
- القيمة والجوهر والماهية، الوعي وتفاضل الفضيلة
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
- الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
- ثورة العقل لزوم التنوير
- بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
- قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
- تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي ...
- الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا ...
- الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
- -فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي ...
- الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ ...
- ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية ( ...


المزيد.....




- بعد تمديد وقف إطلاق النار.. تحديد موعد لقاء وفود عسكرية من إ ...
- بعد أقل من 24 ساعة على تمديد الهدنة.. إسرائيل تواصل تصعيدها ...
- واشنطن تدرس مطالبة إسرائيل بتحويل أموال فلسطينية محتجزة لتمو ...
- البابا ليون في زيارة دولة إلى فرنسا في سبتمبر هي الأولى من ن ...
- العراق.. الزيدي يتسلم مهامّه رسمياً في بغداد
- زامير: الحداد أحد المسؤولين الرئيسيين عن 7 أكتوبر
- هجمات إلكترونية على أنظمة وقود أميركية.. وشبهات حول إيران
- في زيارة -غير معلنة-.. وزير داخلية باكستان يتحرك إلى طهران
- قتل بعملية أميركية نيجيرية مشتركة.. من هو أبو بلال المينوكي؟ ...
- بوتين يشكر محمد بن زايد على جهود الوساطة المتواصلة


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - الليبرالية والأخلاق بحث في ماهية القيم مثالية أم مصطنعة