احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 13:13
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
الملاحظات الهامشية لـ هوسرل على كتاب كانط ومشكلة الميتافيزيقا (Kant und das Problem der Metaphysik)
نقد هايدغر لكانط: تحدّى هوسرل تركيز هايدغر على الزمن باعتباره الأساس المطلق للمعرفة الخالصة، وهو جانبٌ رئيسيٌّ من محاولة هايدغر لتأسيس الميتافيزيقا على الفناء.
الدفاع عن الذاتية المتعالية: دافع هوسرل عن دور الأنا المتعالية والوعي الخالص، في مقابل تركيز هايدغر على الوجود الإنساني (Dasein) وعلاقته الدنيوية بالوجود.
الزمن مقابل الوعي المتعالي: بينما رأى هايدغر أن الزمن هو الحدس الخالص الذي يُؤسس الميتافيزيقا، أكد هوسرل أن الموقف المتعالي والذاتية الخالصة يُشكلان الأساس الحقيقي لفهم علاقة العارف بالمعروف.
الاختلافات المنهجية: تُبرز هذه الملاحظات الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل (التي تُركز على الوعي الخالص) وأنطولوجيا هايدغر الأساسية (التي تُركز على الوجود والوجود الإنساني).
نقدً هوسرل تفسيرَ هايدغر لأعمال كانط هو نقطة احتكاك مركزية في الجدل بين الظاهراتية الكلاسيكية والأنطولوجيا الوجودية. هذا النقد ورد بشكل أساسي على كتاب هايدغر: "كانط ومشكلة الميتافيزيقا" والذي صدر عام 1929 كنتيجة لمحاضرته في مؤتمر دافوس عام 1928. تظهر التباين بين رؤية (التفسير الوجودي). ورؤية (التفسير الظاهراتي المتعالي).
1. دور الخيال (Imagination)، الأولوية للخيال: يعتبر هايدغر أن الخيال المتعالي هو الجذر المشترك (المُطلق) للحساسية والفهم، وهو الذي يُؤسس الزمنية وبالتالي هو أصل الميتافيزيقا.
الأولوية للفاهمة (Understanding): يرى هوسرل أن هذه مبالغة غير مبررة. كانط لم يجعل الخيال الجذر المشترك، بل احتفظ بالـفاهمة (العقل) كعنصر مُنظِّم وضروري. هايدغر هنا يُفسِّر كانط بما يتناسب مع مفهومه للـ Dasein (الوجود الزمني).
2. طبيعة الزمن (Time),"زمنية وجودية: يرى هايدغر أن الزمن عند كانط ليس مجرد (شكل داخلي للحس) بل هو أساس الزمنية الوجودية للـ Dasein التي تُؤسس الميتافيزيقا. "زمنية ظواهرية (معرفية). يصر هوسرل على أن الزمن الكانطي يظل مرتبطاً بـالظواهر (Phenomena) وكيفية ظهورها للوعي، وليس بالوجود (Sein) ذاته. هايدغر يُحمِّل كانط مفاهيم لم يقصدها.
3. هدف الميتافيزيقا:
هدف كانط (وفقاً لهايدغر) هو الكشف عن البنية الأنطولوجية للـ Dasein كمُؤسس للميتافيزيقا. وهو ما اعتبره أنطولوجيا أساسية، بينما أراد كانط تأسيس نظرية المعرفة (الإبستمولوجيا) و إثبات الشروط القبلية للمعرفة العلمية وتحديد حدود العقل النظري. في حين أراد هايدغر يجرّ كانط من حقل المعرفة إلى حقل الوجود بشكل قسري.
4-نقد (الذات الترنسندنتالية)
هايدغر يتجاهل أهمية الذات المتعالية الكانطية (ويرى أنها (شيئية) أو (ذات حضور) لصالح الـ Dasein المتناهي والملقى. دافع عن الذات الترنسندنتالية كـشرط كوني وضروري لتأسيس الموضوعية والكونية في الفلسفة، ويُحذِّر من أن إلغاءها (لصالح الـ Dasein التاريخي) سيقود إلى النسبية والنزعة الأنثروبولوجية (وهو ما حدث بالفعل في رأيه).
وباختصار كانت قناعة هوسرل بأن هايدغر ارتكب خطأين منهجيين:
الأول: الأنثروبولوجيا بدل الفينومينولوجيا: هايدغر لم يقم بـ Epoché حقيقي، بل عاد إلى تحليل الإنسان (الـ Dasein) ككائن تاريخي مُلقى (أي أنثروبولوجيا)، بدلاً من الالتزام بتحليل الوعي الخالص المتعالي كشرط كوني.
الثاني: العودة للميتافيزيقا: بالتركيز على الوجود (Sein) بشكل مُجرد وعلى "الميتافيزيقا" كأولوية، ابتعد هايدغر عن مهمة التأسيس العلمي الصارم للفلسفة التي أسسها كانط والتي طورها هوسرل، ويمكن للباحث الظاهراتي ملاحظة تلك العلاقة بعد فهم ودراسة لكل منهما.
نقد هوسرل لـ هايدغر حول كانط هو دليل إضافي على أن هوسرل كان يحارب بالضبط النزعة التي أدت لاحقًا إلى فشل هايدغر الأخلاقي. فبمجرد أن أزاح هايدغر الذات الترنسندنتالية الكونية (التي تضع شروطاً صارمة للموضوعية والأخلاق) لصالح الـ Dasein التاريخي المتناهي، فإنه فتح الباب أمام النسبية الوجودية والقرارية السياسية.
نقد هوسرل انطلق من اتهامه لهايدغر بأنه قام بـ "تأويل وجودي" لفلسفة كانط، مما أدى إلى تحريف هدف كانط الأصلي.
يرى أن هايدغر يُلوِّن كانط بألوان الوجودية، مُهملًا التزام كانط الجذري بـالوعي الترنسندنتالي والمبادئ القبلية (الابريورية)، وهو ما يراه هوسرل عودة إلى الميتافيزيقا بدلاً من تجاوزها.
إذن؛ هوسرل لم يصدر كتاباً مستقلاً بعنوان نقدي مباشر، لكن مجموعة من أهم نصوصه في الفترة (1927–1931) جُمعت لهذا الغرض بالذات، وتضمنت أقوى المواجهات النقدية المنهجية ضد هايدغر، التي حاولنا تكثيفها واختصارها وهي مباحث هامة يستحسن التركيز عليها، في الفضاء الفلسفي العربي، لكنها في والواقع تتطلب فهما معمقا ودقيقا لمجموع الفلاسفة الذين تعرضنا لهم ومن ثم استيعاب الفروقات الجوهرية، وهو ما لم يكن متوفراً إلى الأن رغم العديد من الدراسات والترجمات التي تشير عناوينها لتلك المباحث لكن مضامينها لا تستوعب المقولات الدقيقة لكافة المسائل التي نطرحها.
ويعود جزء من ذلك الاستعصاء إلى مشكلة جوهرية وحقيقية في ترجمة الفلسفة الألمانية إلى العربية، وهي مشكلة مصطلحية تتعلق بالفرق بين الألفاظ الألمانية الأصلية، والمفاهيم الكانطية والهوسرلية التي استند إليها هايدغر، ومقابلاتها العربية. هذه السقطة في التفريق بين "الحس والحساسية" و "الشعور" هي واحدة من العوائق أمام فهم الأنطولوجيا الأساسية لهايدغر.
ملاحظات هوسرل الهامشية
ملاحظات هوسرل الهامشية هي الهوامش التي خطها هوسرل بخط يده على نسخة من كتاب مارتن هايدغر الوجود والزمان محررة حديثًاً من الملاحظات الأصلية ومترجمة بواسطة توماس شيهان: نسخة pdf . المصدر مترجمة للعربية عن
HUSSERL S MARGINAL REMARKS. IN. MARTIN HEIDEGGER, BEING AND TIME newly edited from the original notes and translated by. Thomas Sheehan.
نقدم هنا مقتطفات من تلك الملاحظات تعكس تصورات هوسرل عن أطروحة هايدغر:
يقول هوسرل في ملاحظاته على كتاب الوجود والزمان: ينقل هايدغر أو يغير التوضيح التأسيسي-الظاهراتي لجميع مناطق الكيانات والكليات، والمنطقة الكلية للعالم، إلى التوضيح الأنثروبولوجي؛ وتتحول الإشكالية برمتها: يقابل الأنا الوجود، إلخ. وبهذه الطريقة يصبح كل شيء غامضا بشكل ثقيل، ويفقد قيمته الفلسفية.
يقول هايدغر: أنماط وجود الوجود -أنماط سلوكه؟ لكن هذا "الوجود"، الذي هو في الوجود، الدازاين له أنماط سلوك كمحددات لماهيته، تماماً مثل "أنماط سلوك" الطبيعة -أنماط سلوكها في الحركة والسكون، وفي ظل ظروف معينة، في التركيب والتجزئة؛ أنماط ممارستها وتجربتها للسببية، وهي خصائص من محددات الطبيعة.
يكتب هوسرل على الهامش تعليقا على هذا النص الوارد في كتاب الوجود والزمان:
"ألا يتحول هذا المسعى إلى حلقة مفرغة واضحة؟ أن نحتاج إلى تعريف كيان ما مسبقًا في وجوده، ثم، بناءً على ذلك، أن نسعى إلى طرح سؤال الوجود لأول مرة -ما هذا إن لم يكن دورانًا في حلقة مفرغة؟"
نص هايدغر: "كل أنطولوجيا، مهما كان نظامها من الفئات غنياً ومتماسكاً، تظل عمياء عن هدفها الأسمى، بل ومشوّهة له، إلى أن توضح معنى الوجود بشكل كافٍ، وتعتبر هذا التوضيح مهمتها الأساسية."
تعليق هوسرل: يضع هوسرل الجملة السابقة بين قوسين بخط عمودي في الهامش الأيسر. في النص، ثم يُشَرِّح على العبارة التالية: "كل الأنطولوجيا" و"إلى أن تُوضِّح معنى الوجود توضيحاً كافياً".
في الهامش الأيسر يقول هوسرل: سيكون هذا بمثابة إعادة صياغة لمذهبي، إذا كان المقصود بـ"التوضيح" هو التوضيح التكويني-الظاهراتي. الأولوية الأنطولوجية لمسألة الوجود.
يقول هايدغر: "لأننا لا نستطيع تحديد جوهر هذا الكيان بإسناد ما يشير إلى محتواه، ولأن جوهره، على العكس، يكمن في كونه وجوده بذاته دائماً، ...."
جواب هوسرل على النص المنقول: لكن هذا عبث. لكن هذا عبث.
هايدغر "بتبنيه الموقف الأنطولوجي لديكارت، أغفل كانط شيئاً جوهرياً: أنطولوجيا الوجود. وهذا إغفال حاسم فيما يتعلق بأبرز سمات ديكارت."
يعلق هوسرل في الهامش الأيسر: اعتراضات غير منصفة ضد ديكارت.
يظهر الاقتباس التالي عن هايدغر مدى صعوبة الصياغة الهايدغرية ودورانها حول المعنى فيما يبدو بعدها كلام هوسرل دقيقا وواضحا وتقريريا:
يقول هاد "الافتراض المسبق لـ (لمس الكرسي للجدار) هو أن الجدار قادر على التفاعل "بشكل فعّال" مع الكرسي. لا يمكن لكيان أن يلمس كياناً آخر موجوداً في العالم فحسب، إلا إذا كان الكيان الأول، بطبيعته، يمتلك نوعاً من الوجود بوصفه وجوداً في العالم -أي إذا كان، إلى جانب وجوده، قد كُشف له بالفعل نوع من العالم الذي منه يستطيع الكيان الثاني، عن طريق اللمس، أن يفتح نفسه بطريقة تسمح له بالوصول إليه في وجوده في العالم."
يؤكد هوسرل على: "التفاعل"
وفي الهامش الأيمن بجانب الجملتين: لا يمكن إلا للأنا أن تتفاعل؛ يمكن للإنسان أن يتفاعل مع إنسان آخر ومع الأشياء، لأن الإنسان أنا حقيقي متجسد في العالم (مُزوّد) بجميع البنى المونادية ذات الصلة.
الإنسان "جوهر" مكتمل يحتوي في داخله على كل إمكانيات العلاقة مع الآخر.
تلك المونادات هي جواهر أصيلة في الإنسان، وهو ما يدعم توجهاتنا في أن الإنسان يحمل في بنيته الحيوية والتطورية قيم مثل التواصل والمسؤولية.
عندما يقول (هوس): "لا يمكن إلا للأنا أن تتفاعل... لأن الإنسان أنا حقيقي متجسد"، فهو يضع الجسد كشرط وجودي لهذا التفاعل. هذا يدعم مباشرة مفهومنا عن "أصالة الجسد". (هوس) هنا يرفض أن يكون التفاعل مجرد فكرة ذهنية، بل هو فعل "كيان متجسد" يمتلك أدوات التواصل في بنيته.
استخدام مصطلح "المونادات" (المستوحى من ليبنتز) يشير إلى أن الإنسان "جوهر" مكتمل يحتوي في داخله على كل إمكانيات العلاقة مع الآخر. فإذا كانت هذه المونادات "جواهر أصيلة"، فهي تمثل "القبليات الوجودية" التي تحدثنا عنها في فصول لاحقة وهي التي تجعل "المسؤولية" و"التواصل" ليسا مجرد سلوكيات مكتسبة، بل هما برمجة حيوية وتطورية كامنة في بنية الإنسان.
"المسؤولية الحيوية"
ما عزز فكرة أن المسؤولية تبدأ من "النهايات العصبية" (كجزء من التجسد المونادي). فإذا كان الإنسان مزوداً بهذه البنى "ذات الصلة" بالآخر وبالعالم، فإن "وعي النهايات العصبية" الذي اقترحتَه هو الآلية الفيزيائية التي تتحقق من خلالها هذه "المونادات" الهوسرلية. وستتضح تلك الفكرة في شروحنا القادمة لنظريتنا في المسؤولية.
المونادة كـ "وحدة استيعاء":
بما أن المونادة مزودة بـ "بنى ذات صلة" بالعالم، فهي ليست "فراغاً" كما يوحي الوجود الهايدغري في بعض تجلياته، بل هي "كيان ممتلئ بالقبليات". وهذا يدعم توجهنا بأن المسؤولية ليست شيئاً "نكتسبه" من الخارج فقط، بل هي أيضا ممارسة فطرية لهذه البنى المونادية (التي سميناها وعي النهايات العصبية).
"الدوران بلا نهاية": تعليق (هوس) على مقتطفات من كلام هايدغر بأنه "دوران"، يشير إلى فقدان "المركز" (الأنا). بإعادة الاعتبار لـ "الأنا الحقيقي المتجسد" (كما ورد في ملاحظات هوسرل)، نعيد بناء المركز الذي يشرف على الإدراك ويحوله إلى قيمة، مما ينهي حالة التيه الوجودي عند هايدغر.
"الأنا المتجسد" تعطي صبغة فلسفية عميقة لفكرتنا عن "أصالة الجسد". (التي سنوضحها بشكل كامل) ذلك أن المونادة لا تسبح في الفضاء، بل هي "متجسدة"، وهذا التجسد هو الذي يجعل من "التفاعل" (الذي ذكره هوسرل) عملية حيوية ملموسة.
نستخدم مصطلح "التجذر الأنطولوجي للمونادة"؛ لبيان أن ما سماه هوسرل "بنى ذات صلة"، قد وجدنا له ترجمة فيزيائية في بحثنا عبر "الوعي العضوي" و"الوعي المشرف".
تاليا نرى أن نقد هايدغر ليس كرفض شخصي، بل كـ "تصحيح مسار" يعود بالظاهراتية إلى رصانتها الهوسرلية الأولى، ولكن برؤية توليدية التي تربط الفلسفة بالحياة الحيوية (الأخلاق الفطرية والمشترك الكوني).
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟