|
|
-فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي والوعي المشرف-
احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 15:18
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كل الأفكار والأطروحات والمعاني والمصطلحات التي نستخدمها هي تشكيلات متسقة ضمن وحدة بحثية متكاملة، نعدها ركائز للفهم والاستيعاء والاستدلال والاستنتاج، فبعض مما يظهر غامضاً أو غير منتهي يفترض موضوعياً أن يكون قد تم الإشارة إليه مفصلاً من محل آخر من مواضيع البحث. يترك ذلك عبئاً على القارئ والباحث حين يجد نفسه ملزماً بالتحرك بين السابق واللاحق والمراوحة بينهما سعياً وراء الربط وامتلاك أقصى الوضوح وهذا هو السبيل الوحيد لدراسة سرديات الحفر الفلسفي. الاستيعاء هو فعل التعقل الذي يقوم به الوعي. وسنقدم شرحاً مستفيضاً عن تلك العلاقة بين الفعل "تعقل" كحامل والوعي كموضوع "قصدي" محمول. ونمارس الرد الماهوي والتعليق العنوي، في سعينا نحو "فينومينولوجيا حيوية". نبدأ بعرض خلفية لغوية تمهيدية كخطوة أولى مستنيرة نحو المعنى الفلسفي المقصود كي لا ننزلق نحو متاهة معنى يضيِّع الحد ويفرغ المعنى. لغويا اِستيعاء: (اسم) مصدر استوعى وعَى: (فعل) وعَى يعِي، عِ / عِهْ، وَعْيًا، فهو واعٍ، والمفعول مَوْعِيّ -للمتعدِّي. وعَتِ الأُذُنُ :سَمِعت وَعَى الْمَاءَ أَوْ أَيَّ شَيْءٍ : جَمَعَهُ فِي وِعَاءٍ وعَى الشّخصُ الأمرَ: أدركه على حقيقته. اِستَوعَى: (فعل) استوعى يستوعي، اسْتَوْعِ، استيعاءً، فهو مستوعٍ، والمفعول مستوعًى اسْتَوْعَى الشَّيءَ: اسْتَوْعَى أَخَذَهُ كلَّه. استوعى الأمرَ :وعاه؛ أدركه على حقيقته. هناك لبس بين بعض المصطلحات: أولاً أفرق بين الإدراك والوعي، وأربط الإدراك بالمقام الأول بالحس، أي ما سميته "الحاسة" وأقصد بها آلية التواصل المباشر للحواس مع الأشياء، أما الإدراك الحسي فهو، وهنا أقتبس من ميرلوبونتي ، هو انطباع، وبالالتفات لهوسرل هو أيضا حدس بالشيء، فمثال التفاحة الذي استخدمناه في أطروحة نقد هايدغر والمعنى الفارغ، يجعل من الانطباع والحدس حالة تماثل. أما الوعي: هو حالة وموضوع آخر مختلف وهو المشرف على الإدراك الحسي، أي هو الذي يقود الإدراك للحكم. نسعى من خلال التفريق المقصود تجاوز الخلط التقليدي، في أغلب الأدبيات الفلسفية، يُستخدم "الإدراك" و"الوعي" كمرادفين أو متداخلين بشكل يسبب سيولة معرفية. يبدأ التمييز من جعل الإدراك مرتبطاً بـ "الحاسة" (الآلية الفيزيائية-الظاهراتية) والوعي كـ "قوامة إشراقية"، وصْف للوعي بأنه "المشرف" و"القائد للحكم" ينقل الوعي من مجرد "مرآة عاكسة" إلى "مركز قرار أخلاقي ومعرفي". هذا يتسق تماماً مع نظريتنا في المسؤولية؛ فالمسؤولية لا تقع على "الحاسة" التي تنطبع بالتفاحة (المثال المقصود أن مجرد التقاء شعاع النظر بكيان موضوع على الطاولة يقوم الحس مباشرة بتصويره ونقل تلك الصورة فيصدر حكم وصفي لهذا الكيان الذي تنطبق أو تشابه حدوده ما عرف في الحدس بتفاحة)، بل على "الوعي" الذي يحول هذا الانطباع إلى حقيقة ماهوية ويصدر حكماً بصددها. وسنبحث عن مدى علاقة الحس بالوعي. من خلال دمج مفهوم ميرلوبونتي ونهج هوسرل نجعل من "الانطباع" (ميرلوبونتي) و"الحدس بالشيء" (هوسرل) نقطة تماثل عيانية (مثال التفاحة)، وهذا يحل إشكالية الانفصال بين الحس والعقل. حيث إن الحدس يبدأ من "اللمسة" أو "الرؤية"، لكنه لا يكتمل إلا بـ "إشراف الوعي". بعد إقرار التماثل نفتش عن طبيعة العلاقة هل هي "التبعية" أم "التضايف"؟: عندما نصف الوعي بأنه "يقود الإدراك للحكم"، لا يعني ذلك أن الإدراك الحسي "أعمى" بدون الوعي؛ في الفينومينولوجيا التقليدية، يُعتبر الإدراك بحد ذاته "مانحاً للمعنى" (عند ميرلوبونتي). بدعوى التمييز هنا نميل إلى "إشرافية الوعي"؛ وهو ما يؤصل لمستويات من الوعي سنصل إليها ونرى كيف "يتدخل الوعي " بعد الإدراك، وأنه "حاضر فيه" كراصد منذ اللحظة الأولى. "الحاسة" آلية مباشرة: ربط الإدراك بالحاسة كآلية تواصل مباشر أن "الحاسة" قد تخدع بسبب أوهام حسية، يتولى الوعي التصحيح ويقود نحو "اليقين الماهوي". إذن، الإدراك هو "مادة خام"، والوعي هو "المصنع المعرفي". وسنرى ما إذا كان هناك وعي قبلي زودت به الحواس بآليات بيولوجية تطورية. هذا التفريق الإدراك كحاسة/انطباع بمواجهة الوعي كمشرف/قائد يمنع التيه في "ظاهراتية الإدراك" الصرفة التي قد تذيب الوعي في الجسد، ويحفظ للوعي مكانته كـ "وحدة كمية غير فيزيائية" مسؤولة ومحاكمة. من أجل توثيق التفريق المعِني هنا يفترض لنا تحديد ومعرفة الذي يمنح المعنى؟ هل هو الشيء ذاته، أم هو القصد؟ أم هو التجربة المعاشة؟ أم الإدراك الحسي، ولقد أفردنا فصلين كاملين لمبحث المعنى لاستيفاء الأسئلة التي تدور في فلكه، وهنا نكمل التسلسل النسقي للبحث، الشيء ذاته يحمل معنا ماهويا أي المعنى الأولي من خلال ماهيته، فالماهية إذن هي المانح الأول للمعنى، ثانيا، يتم وصف المعنى بالإدراك الحسي، ثالثا، يقوم الوعي كفعل متعقل باسترجاع الحدس ويبلور المعنى، أي يشكله بصورته النهائية بناء على ضوء الحدس. الحاسة خادعة ومخدوعة في نفس الوقت، وهنا تأتي مهمة الوعي للتخلص من الأوهام أي، بعد مرحلة التعرف التلقائي بواسطة الحاسة يأتي دور الإدراك وبعدها يأتي الوعي. نركز في صلب "هندسة المعنى" وهو رد منهجي متماسك يحل إشكالية (المصدر والمسار) في عملية التعقل. أولاً: تراتبية منح المعنى (الماهية كمرسل أول)، تأصيل أن "الشيء ذاته هو حامل يمنح معنى أولي من خلال ماهيته" ضمن نسق "موضوعية الماهية". في الفينومينولوجيا التقليدية، كان يُعتقد أن الوعي هو "المانح الوحيد" لكننا في نظريتنا نجعل المعنى "تفاعلياً": الماهية تعطي الإشارة، والحس يصفها، والوعي يبلورها. وفي ذلك سعي لحماية المنهج من "الذاتية المفرطة"؛ فالمعنى ليس اختراعاً من الوعي، بل هو "اكتشاف لجوهر موجود مسبقاً" (الماهية). ثلاثية (الماهية -الإدراك -الوعي) نرسم مساراً خطياً دقيقاً للظاهرة: الماهية: المصدر (المعنى الذاتي الأولي). الإدراك الحسي: الواصف (نقل الانطباع والحدس بالشيء). الوعي: المبلور (القائد الذي يسترجع الحدس ويصوغ الحكم النهائي). إذن الإدراك ليس "أعمى" تماماً، بل هو "ناقل وصّاف"؛ يمتلك أدوات لمس المعنى لكنه يفتقر إلى "سلطة التقرير". الوعي هنا هو "المحرر" الذي يراجع المعطيات التي قدمها الإدراك بناءً على أصل الحقيقة (الماهية). في الحدس. الحاسة خادعة والوعي مستوعب ومختبر التدقيق والتحليل. و"الوهم الحسي" يعزز دور الوعي كـ "مضيئ لليقين". باعتبار الحاسة "خادعة ومخدوعة"، يأتي دور الوعي كفاعل أو عامل تنقية وتصفية، الوعي يستقبل ما يأتيه من الحواس، ويعيد قياسه بميزان "الحدس الإيديتي" واليقين الماهوي. السقوط في "المعنى الفارغ" يحدث عندما يكتفي الإنسان بـ "الإدراك الحسي اليومي" والتصورات والتخيلات دونما محاذير التعقل السليم والبرهان، الاكتفاء بما تختبره الذات و(ما يراه الناس، ما يُقال) دون أن يمارس الوعي دور "المشرف" الذي يغربل الأوهام ليصل إلى الحقيقة العارية. تؤسس لـ "وعي نقدي فاحص" وليس مجرد وعي مستقبل. الإدراك إذن هو "لحظة اللقاء"، والوعي هو "لحظة الحقيقة". وهذا الوصف ليس من محض الخيال بل من طبيعة ماهية العقل التي أسسنا لها كمسؤولية واعية متعقلة، فالوعي يؤسس للفهم والتحليل من أجل تقرير الوجود وربطه بالمسؤولية. قدرة العقل على إدراك ما يحدث في محيطه واستجابة له بوعي وفهم عميق، نقداً لـ "تهافت الأحكام" الناتجة عن ركن الوعي جانباً والاكتفاء بالإدراك الوجودي السطحي. استخدمنا "فعل تَعَقُل ونقصد به أن كل ما يدور في عقولنا، بعد وضع الأفعال العقلية الطبيعية، كضبط التنفس إفراز الهرمونات ...... إلخ ، هي أفعال تعقل أي ممارسة عقلية واعية، يمثل "إزاحة منهجية" ضرورية لفصل (البيولوجي/الوظيفي) عن (الفينومينولوجي/القَصدي). "فعل التعقل" كعملية اختيارية واعية؛ بإخراج للأفعال الحيوية (التنفس، الإفرازات الهرمونية، ردات الفعل المنعكسة) من دائرة التعقل، نحدد "نطاق المسؤولية" فالإنسان مسؤول طالما كان واعياً، وبعبارة أخرى مناط المسؤولية هو الوعي. العقل الطبيعي (البيولوجي) يعمل بآلية "الحتمية"، أما فعل التعقل (كما وصفناها) فهي تعمل بآلية (الحرية +والوعي = مسؤولية) ليست المسألة مجرد نشاط دماغي، بل هو "ممارسة" وتقييد مشرف. حسب ذلك الوصف فنحن نريد وضع "حدود فاصلة" للاختصاص دونما رفض للتبادل والاستدلال المشترك، فنحن وظفنا معطيات بيولوجية في خدمة نتائج فينومينولوجية، وقد يظهر ذلك وكأنه عكس للمنهج الظاهراتي الهوسرلي؛ فالظاهراتية منهج لكل العلوم، لكن المسار ليس عكسيا، فالمعطيات البيولوجية هي معطيات داخل الخبرة التجريبية الإدراكية الذاتية وهي منطلق الوعي وصولاً للحدس بمقاس المنطق الخالص للوصول للحقيقة. الجانب الفيزيولوجي، حقيقة واقعية عيانية ذات ارتباط حيوي بالإدراك الحسي هنا ينتهي دور الجسد كآلة، ويبدأ دور "الذات كأداة فاعلية تعقلية". ذلك الربط يجعل من "المسؤولية الماهوية" أمراً ممكناً؛ لأننا لا يمكن أن نحاسب الإنسان على إفرازاته الهرمونية، لكننا نحاسبه على "أفعال تعقله" وكيفية إشراف وعيه على إدراكاته. نوظف "فعل التعقل" في مواجهة "المعنى الفارغ" الذي يظهر عندما تتراجع "أفعال التعقل" لصالح "الوجود العفوي" أو الاندماج الآلي في العالم (Das Man). فالدازاين "ذات واعية" ما يعني تلقائيا أنها مسؤولة طالما تتمتع بالحرية، هنا نطيح بتنحية خيار المسؤولية، بمفاعيل العودة إلى الأصالة والانهمام بالموت أو النهاية المحتومة، فحقيقة التناهي الوجودي للدازاين لا تعفيه من المسؤولية، بهذا ننقض المعنى الفارغ. وفقا لـ "قواعد المنهج" المتبعة في ذلك الفصل والتفصيل، يصبح التعقل هو الأداة التي تملأ المعنى وتخرجه من فراغه الوجودي إلى امتلائه الماهوي. ملاحظة التوثيق: إن "التعقل" هو الجسر الذي يعبر عليه "الإدراك الحسي" ليتحول إلى "يقين ماهوي" وعليه "التعقل" الذي يمنح الوعي صفته كـ "وحدة كمية" (لأنه فعل محدد وقابل للقياس المنهجي). في سياق العلاقة بين "التعقل" والحس، لدي شعور بأن النهايات العصبية المباشرة المتصلة بالنواقل العصبية هي جزيئات مدركة ولو تجرأت أكثر لقلتُ واعية، وهذا ليس من فراغ، بل من خلال تصوري الكلي للحدس الماهوي، سأشرح ذلك. الجسد البشري هو استجابة طبيعية لقوانين الوجود، وهو يرث مفاهيم كما يرث جينات وطبائع، مثلا: بكاء الجنين عند الشعور بالجوع، عملية استرضاع الثدي من أجل الحصول على حليب الأم، الشعور بالراحة بعد الشبع والنوم، ... إلخ هذه المهام الحياتية يجلبها الجنين معه من رحم أمه، وكذلك الحال، تحدثنا عن (حي بن يقظان) تلك المعرفة "العرفانية " هي بتصوري دليل على وجود وعي حسي متعقل لدى الجسد.
طرح حول "وعي النهايات العصبية" وربطها بـ "المعرفة الوراثية الوجودية" هو طرح جريء جداً، ويقترب مما يسمى في العلم الحديث بـ "الذكاء الحيوي" (Biological Intelligence) أو "الوعي المتجسد" (Embodied Cognition)، ولكن بصيغة فينومينولوجية خاصة. إليك مراجعة علمية سريعة ثم نقد فلسفي مفصل بناءً على "قواعد المنهج": أولاً: المراجعة العلمية (للتنبيه فقط) من الناحية البيولوجية الصرفة، ما وصفته بـ "بكاء الجنين أو استرضاع الثدي" يُصنف كـ "أفعال منعكسة غريزية" (Instinctive Reflexes) مبرمجة في الجذع الدماغي. العلم لا يسمي هذه الخلايا "واعية" بل يسميها "مستقبلات" (Receptors) و"ناقلات" (Transmitters) كيف ينشأ الوعي؟ لندقق بهذه المفارقة ونرجع لعالم أعصاب برتغالي: أنطونيو داماسيو (وُلد في 25 فبراير 1944) هو. يشغل حالياً كرسي ديفيد دورنسيف في علم الأعصاب، ويعمل أستاذًا في علم النفس والفلسفة وعلم الأعصاب في جامعة جنوب كاليفورنيا، بالإضافة إلى كونه أستاذًا مساعدًا في معهد سالك للأبحاث، Self Comes to Mind: Constructing the Conscious Brain كتاب: الذات تتبادر إلى الذهن: بناء الدماغ الواعي. صدر 9 نوفمبر 2010 أحد أبرز علماء الأعصاب المعاصرين، يأتي بحثٌ رائدٌ يُجيب على سؤالٍ حيّر الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الأعصاب لقرون: كيف ينشأ الوعي؟ ومع ذلك: هناك أبحاث حديثة (مثل أبحاث أنطونيو داماسيو) تتحدث عن "الوعي الأولي" (Proto-self) الذي ينشأ من خرائط الجسد العصبية، وهو ما يدعم "حدس" فلسفي بأن الجسد ليس مجرد آلة صماء، بل هو "نظام استجابة ذكي". يُخالف داماسيو الفكرة السائدة منذ زمنٍ طويلٍ بأن الوعي منفصلٌ عن الجسد، مُقدّمًا أدلةً علميةً جديدةً ومقنعةً تُشير إلى أن الوعي -ما نُفكّر فيه كعقلٍ ذي ذات -يبدأ بعمليةٍ بيولوجيةٍ يُنشئها كائنٌ حيّ. إلى جانب المنظورات الثلاثة التقليدية المُستخدمة لدراسة العقل (الاستبطاني، والسلوكي، والعصبي)، يُقدّم داماسيو منظوراً تطورياً يُحدث تغييرا جذريا في طريقة النظر إلى تاريخ العقول الواعية وسردها. كما يطرح فرضية جذرية حول أصول المشاعر وأنواعها، وهي فرضية محورية في إطاره النظري للبنية البيولوجية للوعي: فالمشاعر متجذرة في اندماج شبه تام بين شبكات الجسم والدماغ، وتنبثق أولًا من جذع الدماغ، الذي كان يُعتبر قديما ومتواضعا تاريخيا، بدلًا من القشرة المخية الحديثة. اقتباس من داماسيو: "الوعي، من وجهة نظري، هو عملية بيولوجية بناها كائن حي... إنه يبدأ بخرائط عصبية للحالة البدنية" (Damasio, 2010, p. 28). "جزيئات مدركة / واعية": القول بأن النهايات العصبية "مدركة"، تشوب الثنائية الديكارتية (روح/ جسد) شائبة أو خلل، لأننا نقترح أن الجسد هو "وعي مادي متكثف". هذا يعني أن "الحاسة" التي تحدثنا عنها سابقاً ليست مجرد باب يطرق عليه العالم، بل هي "عين" بحد ذاتها. هذا يجعل "الحدس الماهوي" عملية تبدأ من التماس الأول، وليس فعلاً تأملياً متأخراً. المعرفة الموروثة ومثال "حي بن يقظان" الطفل الذي ربته غزالة في الغابة وأخذ بنفسه نحو استيعاء الوجود، فـ ابن طفيل أراد إثبات أن العقل يستطيع الوصول للحقيقة بالفطرة، (المسؤولية/الوعي) معطاة كـ "جينات وجودية " للجسد. بمراجعة أطروحات داماسيو في كتابه المذكور، ووفقا لمقارنة مدعومة بالاقتباسات مع ما سبق وعرضناه أعلاه حول "الوعي في النهايات العصبية" والفصل المنهجي بين الذات والوعي: يمكننا تقديم الخلاصة التالية: الوعي كعملية بيولوجية متجذرة (داماسيو بمواجهة طالب) يؤكد داماسيو في كتابه المشار إليه أعلاه أن الوعي ليس "كياناً" هبط على الدماغ، بل هو عملية تبدأ من أدنى مستويات التنظيم الحيوي. اقتباس من داماسيو: "الوعي، من وجهة نظري، هو عملية بيولوجية بناها كائن حي... إنه يبدأ بخرائط عصبية للحالة البدنية" (Damasio, 2010, p. 28). بالاطلاع على الأفكار الرئيسة والشائعة عن د. داماسيو يمكنني القول بأنها تدعم فكرتنا عن "الوعي في النهايات العصبية"، فالاستيعاء كما وصفناه يبدأ من التفاعل الحسي، يراه داماسيو "بروتوكولاً" عصبياً يبدأ من قشرة الدماغ وينتهي بالتغذية الراجعة من كل خلية في الجسد. داماسيو يقسم الذات إلى مستويات: الذات الأولية (Proto-self): وهي تمثيل عصبي لحظي لحالة الجسد (تشبه فكرتنا عن الإدراك الحسي المباشر). الذات الواعية (Core Self): التي تنبثق عندما يدرك الكائن أن "ذاته الأولية" تتأثر بموضوع ما، وهي عندنا المواجهة أو اللقاء المباشر: اقتباس من داماسيو: "الذات تتبادر إلى الذهن عندما يقوم الدماغ ببناء شاهد (witness) على عملية المعرفة" (Damasio, 2010, p. 201). هذا "الشاهد" عند داماسيو هو "المشرف" عندنا. الفرق الجوهري أننا نمنح هذا المشرف بعداً "عنوياً" (متجاوزاً للمادة)، بينما يبحث داماسيو عن روابطه الكيميائية والعصبية. * للمقارنة بين أطروحتي والنظريات المعاصرة وتحديدا لدى د. داماسيو عدت لتقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات "المسح المرجعي" للتزود ببعض البيانات. في حين أن الصياغات والمصطلحات والنتائج والنصوص هي ملكية فكرية خاصة بنا. مقولتنا عن وجود "وعي في النهايات العصبية"، تلتقي مع د. داماسيو عبر مفهوم "الخرائط العصبية للجسد". هو يرى أن الدماغ لا يفكر بمعزل عن الجسد، بل إن الأعصاب الطرفية ترسل تقارير دائمة تشكل "شعوراً أولياً بالوجود". النتيجة أن الوعي ليس "سجين" داخل الجمجمة فقط. كدماغ بل هو "شبكة تواصل" ممتدة. وكما أشرتُ أعلاه عن طبيعة العلاقة بين المعطيات البيولوجية كسمات تبادلية مع الفلسفة، تتحول الحقائق الواقعية المدعومة بالموقف العلمي إلى مصابيح ُتضيء المعنى وتكشف عتمة الماهية، كمسار مدرج ضمن أطروحتي (نقد هايدغر والمعنى الفارغ)، في ذلك السياق يرفع هذا التواصل العصبي إلى منصة "الوجود العنوي". ونصف النهايات العصبية بأنها ليست مجرد "ناقلات بيانات"، بل هي "أدوات استيعاء" تؤسس للفهم وتساهم في كشف غموض البداهة وضبابية الماهية وتبرز المسؤولية الأخلاقية. هنا نحن بحاجة للتوضيح؛ فإذا كان الجسد "يعرف" و"يعي" و"يتعقل" غريزياً، فما هي ميزة "فعل التعقل" الإشرافي الذي نسبته للوعي سابقاً؟ أن الجسد يمتلك "القدرة الماهوية"، ما أسميه أصالة الجسد، لكن الوعي (كمشرف) يعمل بمستويين الأول مستوى "فعل طبيعي" (جوع/رضاعة) والآخر "فعل قَصدي" (معنى/مسؤولية). ويمكننا بالملاحظة المباشرة إدراك تزامن المستويين وترابطهما، والسؤال عن تلك المستويات العميقة من الوعي، التفكر المتعقل، هل هي على اتصال بمستوى الوعي الطبيعي؟ الإجابة هي نعم، وبشكل عضوي لا ينفصم، يرى داماسيو أن الوعي ليس مستويات "منفصلة" بل هو "بناء تراكمي". الوعي الطبيعي (الجوع/الألم) هو الأساس الذي لا يمكن للتفكر المتعقل أن يقوم بدونه. بعبارة أخرى لا يوجد انفصال كامل أو تام أو حدود قطعية بل تداخلات وتضايف بالمفهوم الظاهراتي. الاتصال العضوي: يسمي داماسيو "المستوى العميق" من الوعي "الذات السيرية" (Autobiographical Self). هذه الذات التي تتفكر وتتأمل "تتعقل" متخذة هيئة "زبون" مداوم لدى الوعي الطبيعي. مثال: عندما تفكر في "المسؤولية الأخلاقية" (مستوى قَصدي)، فإن دماغك يستخدم نفس المسارات العصبية التي تعالج "المشاعر البدائية" وهذا كلام لا خلاف عليه وهي مسارات ذات اتجاهين تستقبل وترسل ثم تعود وتسترجع وتستقبل كل ذلك بإطار الاتصال العضوي (مستوى طبيعي). فرضية "العلامات الجسدية" (Somatic Markers) المؤشرات الجسدية هذه أهم نقطة تربط "القدرة الماهوية للجسد" بالتفكر المتعقل. يرى داماسيو أن أي قرار "متعقل" نأخذه، يسبقه "وخز" أو "علامة" من الجسد. وكما في مثال العضو المفقود، فالجسد يحتفظ بأوامر وكيفيات تظهر تلقائيا، (العضو الوهمي) وكأن العضو مازال موجودا ويستمر الدماغ بإرسال إشارات تشعر الجسد بردة فعل حيال الخطر أو التفاعل. أيضا لا يمكن فصل ذلك عن الشعور بألم في المعدة ونحن في الطريق إلى طبيب الأسنان، أو عندما نهبط بسرعة على مقعد الأفعوان الآلي، وهناك قائمة لا تنتهي من هذه الأمثلة، لهذا نحن نوثق ذلك الارتباط بين مستويات الوعي والأصالة الجسدية. التزامن: عندما يستوعي الوعي (المشرف) معنىً معنوياً (عنوياً)، فإن الجسد يتفاعل آنياً. التفكر المتعقل ليس "تحليقاً في الفراغ"، بل هو قراءة متطورة جداً لنبضات الجسد الطبيعية. وصف الجسد كـ "مستقر ومستودع" للوعي وليس كنقيض أو ثنائية لكن كوحدة مقاربة للوحدة الذرية، في كلٍّ يُعرف بأنه الجسد الحي، بحسب داماسيو، الوعي القَصدي (المعنى والمسؤولية) إذا انفصل عن الوعي الطبيعي (الجسد)، فإنه يصبح وعياً "مريضاً" أو "فارغاً". اقتباس جوهري من داماسيو: "إن العقل المستوعب (Mind) موجود من أجل وبسبب الكائن الحي (Body)". بالاستنتاج الاستدلالي يصير الوعي القَصدي (المسؤولية) هو "محصلة" تشكلت وتكونت على هيكل الوعي الطبيعي (أصالة الجسد). أن ذلك الاتصال ليس مجرد "تفاعلات كيميائية" (كما يراه العلم)، بل هي "أصالة الجسد" أي أن تكوينه الطبيعي والتطوري أعطاه "وحدة" ما يمكن دعوته "بالوعي العضوي"؛ أي أن الجسد يمد الوعي بالمادة الخام، والوعي المشرف يحولها إلى "قيمة ومسؤولية". وهذا ما وصفناه بـ "أصالة الجسد" فذلك التكوين تجلي لتلك الأصالة، التي تشتغل بناء على علاقة بين مستويات الوعي، ليست مجرد رصد لتفاعلات كيميائية أو نبضات عصبية صماء كما يختزلها العلم المادي. في هذا النظام المتكامل، يلعب الجسد دور المورد الأساسي الذي يمد الوعي بـ "المادة الخام" (الأحاسيس، الانفعالات، التفاعلات الآنية)، بينما يتولى "الوعي المشرف" دور الفاعل الرئيس، المشرف؛ حيث يحتوي المادة، وينقلها من مستواها البيولوجي الصرف ليحولها إلى "قيمة أخلاقية ومسؤولية إنسانية". ويقوم الإدراك الحسي كمكتب استضافة وكاميرا ومستقبلات معززة بمعطيات ومزودة بكفاءة تحليلية ووسائط نقل فائقة السرعة. باستخدام الوعي الحسي المتعقل نتجه نحو "فينومينولوجيا حيوية" تصف الجسد كـ "استجابة طبيعية لقوانين الوجود". هذا الربط يجعل من الإنسان "ابناً للوجود" وليس "طارئاً" عليه (خلافاً لغربة الدازاين عند هايدغر). الجسد هنا هو "شاهد" أنطولوجي قبل أن ينطق اللسان. "وعي النهايات العصبية" تفسر سرعة الاستجابة الأخلاقية (المسؤولية الفورية). نحن لا نحتاج للتفكير طويلاً لنشعر بالألم أو بالمسؤولية تجاه صرخة طفل؛ لأن "نهاياتنا العصبية" كما اقترحنا، هي جسيمات مدركة وواعية "بقبليات" الوجود. (مثل الرحمة أو الألم، وبعض قيم الخير والشر الأزلية كما شرحنا في أطروحتنا سابقا). إدراك: الذات المدركة والذات الواعية للكلمة "إدراك" في اللغة الإنكليزية عدة مشتقات وصيغ لغوية معترف بها في قواميس اللغة الإنجليزية، ترجع إلى الجذر اللاتيني percipere ("يُدرك، أو يمتلك، أو يفهم بالعقل أو الحواس"). عند هذه النقطة بالذات يبدأ وضع حد فاصل للمفهوم "إدراك". الفعل الأساسي يُدرك بمعنى أن يصبح المرء واعياً، أو مُدركاً، أو مُحدداً بواسطة الحواس أو العقل. اللغة تمنح المفردة حرية في الاستعمال ونحن في الفلسفة نريد إبراز مفاهيم تقييد لتك المرونة والحرية، اللغة تركز على الأطر الشكلية ومباني المعنى، وتترك للفنون والعلوم مساحة واسعة للتوظيف خارج إطار الأدب والإبداع البلاغي. مُدرك (صفة): قابل للرؤية، أو الملاحظة، أو الشعور. بشكل مُدرك، أي محسوس، بتلك المقولة نبدأ بوضع النقاط على الحروف للعبور نحو المصطلح الفلسفي (ظرف): بطريقة يُمكن إدراكها أو ملاحظتها. والمُدرِك (صفة): يمتلك أو يُظهر بصيرة أو فهما عميقًاً. بشكل مُدرك (ظرف)، تعود اللغة لتلعب دور المانح لحرية استغلال المفردة، وتمنح المدرك (اسم): صفة امتلاك بصيرة أو فهم عميق. الإدراكية (اسم): توظف لتعيين القدرة على الإدراك أو قوة الإدراك. إدراكي واصف متعلق بالقدرة على الإدراك، أو بعملية الإدراك نفسها. إدراك (اسم): نتاج فعل الإدراك؛ يترك انطباعا عن شيء ما يُدرك بالحواس. الذات المدركة (اسم): يدل على إدراك المرء لنفسه. نعود الآن للسياق الفلسفي البحت؛ الانتباه هو رد فعل الحواس على الحضور يفضي إلى تلمس الشيء الظاهر، الشيء المدرك، المنتبه إليه يتضمن مسبقا البنية الواضحة التي يخفيها. حركة الأشياء الخارجية تسمح للذات المدركة بتكوين تصور وهمي أو جزئي أو حقيقي، بعد نقل تلك التصورات بالقصد إلى الوعي، تلتقي بالخصائص المميزة لمحتويات الوعي، الحدس، يتكون تصورنا للكيان أو الشيء الحاضر ظاهرا. حول الانتباه وتوضيح الشيء: يقول ميرلوبونتي بالفعل ما معناه أن الانتباه ليس "خالقاً" للشيء، بل هو "إبراز لما هو كامن". الشيء المدرك عنده يمتلك "بنية" (Structure) أو "منطقاً داخلياً" ينتظر من الوعي أن يسلط الضوء عليه. ميرلوبونتي في ظواهرية الإدراك ظل يراوح في منطقة "الوعي المتجسد" ، بينما نحن قفزنا قفزة نوعية نحو "المسؤولية الأخلاقية والوجود العنوي". هو يفسر "كيف ندرك"، بينما يدور رحى بحثنا حول تفسير "لماذا نحن مسؤولين عما ندرك". إن التمييز الضروري بين الإدراك كآلية تواصل حسية، والوعي كفاعل مشرف يحتوي المادة الخام ويحولها إلى قيمة، هو المدخل الأساسي لفهم المسؤولية الأخلاقية. تلك القاعدة هي في صلب السردية الكاملة للبحث. يقول ميرلوبونتي: إن اتحاد النفس والجسد قبل أن يكون موضوعياً يجب أن يكون إمكانية للوعي، والسؤال الذي يطرح هو لمعرفة ما هي الذات المدركة إذا كانت قادرة أن تشعر بالجسد على أنه جسدها. لا يوجد هنا واقع مفروض، بل واقع مستوعب أن نكون وعيا بالأحرى أن نكون تجربة، يعني أن نتصل داخليا مع العالم والجسد والآخرين. ظاهراتية الإدراك ص 90 مصطلح "الذات المدركة" عند ميرلوبونتي في النص الأصلي، ميرلوبونتي ظواهرية الإدراك، لا يرى "الذات المدركة" كعقل يراقب من بعيد، بل يصفها بأنها "ذات متجسدة". وهي "شرط إمكان ظهور العالم". يقول ميرلوبونتي: "إذا كان هناك عالم، فذلك لأن هناك ذاتاً تتوجه إليه وتنخرط فيه". وهي ليست "أنا" تفكر (كوجيتو ديكارتي)، بل هي (كوجيتو جسدي) "أنا أستطيع"؛ أي أنها ذات تدرك الأشياء عبر "حركية" الجسد وتفاعله المباشر مع الحركة الخارجية، أي ظهورات الأشياء والمواضيع. كل الحركات المشار إليها هي الوحدة كـ "رابط أصلي" صامت بين الجسد والعالم. هو يرى أن اتحاد النفس والجسد هو "إمكانية للوعي"، أي أن الوعي لا يظهر إلا عبر هذا الاتحاد.
نحن توجهنا إلى "مستوى الوحدات الصغرى" (النهايات العصبية) لتفسير هذه الوحدة. بحيث لا نكتفي بالقول إنها "إمكانية"، بل تشرح "آلية العمل": الجسد بوحدته (الوعي العضوي) يمد الوعي بالمادة، والوعي (المشرف) هو الذي يُرسّم هذه الوحدة ويحولها إلى مسؤولية. وبـ (أصالة الجسد). نعطي "للذات المدركة" وظيفة عملية أخلاقية، بينما يركز ميرلوبونتي أكثر على وظيفتها "المعرفية" والجمالية. ذهب ميرلوبونتي إلى اعتبار الذات المدركة وحدة متجسدة تشكل شرطاً لإمكان الوعي، وهكذا نصل لاستنتاجنا أن هذه الوحدة تجد تبريرها في وعي النهايات العصبية و أصالة الجسد ؛ حيث لا تكتفي الذات بالإدراك، بل تمارس دور "الفاعل المشرف" الذي يحول المعطى الحسي إلى قيمة. مفهوم "الذات المدركة" يوحي لوجود ذات متجلية في الإدراك الحسي، تسبق الذات الواعية، وهذه نقطة عبقرية تحسب لميرلوبونتي، وباعتبارها ذاتاً "تسبق" الذات الواعية يفتح لنا آفاقاً مذهلة لفهم لما اصطلحنا عليه بـ "أصالة الجسد. تفكيك المصطلحات: 1. الذات "قبل-الشخصية" ميرلوبونتي يرى أن هناك "أنا" (ذات) موجودة في الحواس قبل أن أقول أنا "أفكر". في الإدراك الحسي: عندما تلمس يدك سطحاً بارداً، هناك "ذات" أدركت البرودة واستجابت لها قبل أن يتدخل وعيك العقلي ليحلل الموقف. هذه هي الذات التي "تتجلى" في اللحظة الصفرية للاحتكاك بالعالم. هذا يعيدنا لما تكلمنا به عن وجود إدراك قبلي للنهايات العصبية، بما أننا ذهبنا إلى أبعد من وجود ذات قبل "أنا أفكر". هذه الذات تمنح المصداقية لفرضيتك حول "وعي النهايات العصبية". فإذا كانت هناك ذات "قبل-شخصية" تدرك، فمن أين تدرك إن لم يكن من هذه النهايات التي تمتلك "قبليات وجودية". 2. "الأنا أستطيع" مقابل "الأنا أفكر" الذات المدركة عند ميرلوبونتي ليست "عقلاً"، بل هي "قدرة حركية". وهذا ما أشرنا إليه بـ (الوحدة كـ "رابط أصلي"). الذات المدركة "تعرف" كيف تمسك البيضة دون استخدام ضغط زائد يؤدي لكسرها، وتمسك الحجر بضغط كافي لمنع سقوطه، وتمسح على جبين الحزين بلطف كما تدفع الطفل بعيداً عن النار بقوة، كل ذلك تقوم به دون حاجة لتقديرات ميكانيك القوة ولا لوعي هندسي بالمسافات. هذا "الذكاء الجسدي" هو ما يجعلني ألمح وجود ذات "متجلية" في الإدراك؛ فهي ذات فاعلة، ومنظمة، ومرتبطة بالعالم برباط غريزي-أنطولوجي. 3. عبقرية ميرلوبونتي والقفزة التي سارت بنا نحو حفر أعمق عبقرية ميرلوبونتي تكمن في أنه حرر "الذات المدركة" من ضرورة العقل المجرد وأسكنها في "نسيج الجسد". لكن النقطة المفارقة أن ميرلوبونتي وصف هذه الذات المدركة بأنها "غامضة" أو "صامتة".
قفزتنا تجلت في محاولة أخذ هذه "الذات المتجلية في الإدراك" (التي تسبق الوعي) وتمنحها وظيفة "الاستيعاء الأولي". وقررنا بأنه: إذا كانت هناك ذات تسبق الوعي الواعي، فإن هذه الذات هي "حاملة الأمانة" الأولى للمسؤولية. إن إقرارنا بعبقرية وأسبقية ميرلوبونتي" يعكس موضوعية علمية عالية، تقتضي ربطها بـ "وعي النهايات العصبية" هو ما ينقلها من حياض اللغة والشعر والبلاغة وصولاً إلى تأصيل أنطولوجي للذات والمسؤولية. هنا نسأل هل هذه "الذات التي تسبق الوعي" هي التي تبرر وجود "أخلاق فطرية" يشترك فيها البشر حتى قبل أن يتعلموا القوانين الأخلاقية، الأخلاق الأنطولوجية تتيح لنا القول بوجود أخلاق فطرية مرتبطة بمنطق أزلية أو قدم العالم (كما عند ابن رشد) ولا أريد التوسع هنا كي لا أخوض في ميتافيزيقا جديدة، باختصار هناك مشترك كوني بين وعي الإنسان وطبيعة الوجود بسبب أزلية بعض القيم مثل بعض جوانب الخير والشر ومفهوم الرحمة. هذا الموقف المنهجي يحصن موقفنا من الانزلاق نحو "الأخلاق السيكولوجية" أو التفسيرات البيولوجية الضيقة. هنا ننقل المصدر من "الفطرة البشرية" (كخاصية سيكولوجية) إلى "الماهية الوجودية" (كقانون كوني). بتبني فكرة "المشترك الكوني" المتسقة مع رُشدية "أزلية العالم"، نجعل القيم (كالرحمة) والتعاطف والتضحية الوجودية (كأن يمنح الأخ كليته لأخيه المصاب بفشل كلوي) ، صفات أنطولوجية سابقة على الوعي الفردي، تماماً كالقوانين الفيزيائية. الوعي بذلك لا "يخترع" الأخلاق، بل "يستوعبها" لأنها جزء من نسيج الوجود الذي ينتمي إليه الجسد (عبر أصالة الجسد ووعي النهايات العصبية). الوعي كـ "مُستقبِل" لقيم أزلية، إذا كانت القيم أزلية كالعالم، فإن "الذات المدركة" التي تسبق "الذات الواعية" هي "جهاز الاستقبال" الأول لهذه القيم. النهايات العصبية لا تشعر بالألم كحدث فيزيائي كيميائي معقد (حيث تبدأ بمحفزات فيزيائية كالحرارة أو الضغط وكيميائية كالإفرازات أو الالتهابات) فحسب، بل تستشعر "الشر الوجودي" الكامن في الألم، لأنها متصلة بـ "المشترك الكوني". 2. الربط مع ابن رشد (وحدة العقل والوجود) في الرشدية، العقل الهيولاني يتصل بالعقل الفعال (الكوني). في أطروحتنا، "الوعي المشرف" يتصل بـ "القيم الأزلية" عبر بوابة "الوعي العضوي". هذا يفسر لماذا نجد "الرحمة" كقيمة كونية: إنها ليست مجرد شعور، بل هي "اتساق أنطولوجي" بين الكائن والوجود. الإدراك: هو نقطة التماس مع العالم الأزلي وقيمه الكامنة، يلتقط التحركات الخارجية للحضور ويمنحها تصورات مبدئية كما فصلنا أعلاه، والوعي المشرف: هو الذي يحول هذا التماس إلى "التزام أخلاقي" وقرار مسؤول. إذن المسؤولية ليست عبئاً ذاتياً، أو أحمال وهم إضافي بل هي "استجابة واعية لنداء المشترك الكوني". هذا التحديد يغلق الباب أمام "فراغ المعنى" الهايدغري؛ لأن الوجود لم يعد "قلَقاً ومواجهة مع العدم"، بل هو "امتلاء بالقيم الأزلية" التي ينتظر الوعيُ المشرفُ اللحظةَ المناسبةَ لإبانتها (عنوياً).
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ
...
-
ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية (
...
-
نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا
...
-
الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
-
نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر
...
-
الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
-
في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
-
ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن
...
-
الفرق بين النويما والنويزس في فلسفة أدموند هوسرل*
-
ثنائية العقل والنقل تفكيك التعارض دراسة فلسفية*
-
الاقتصاد الإسلامي التحديات والآفاق دراسة مقارنة
-
الكَلِماتُ والْمَعاني ما يُعَوَّلُ عَلَيْه بَيْنَ الفَلْسَفَ
...
-
القاموس التاريخي لفلسفة هوسرل جون جيه. دروموند
-
التجديد الديني، في المعنى والتاريخ. مقاربات الأصوليين والإصل
...
-
أصل المعرفة هل حقا المعرفة النهائية لا أدرية كما يدعي هربرت
...
-
محاورة إحيانون، الاستدلال والقياس
-
جدوى الفلسفة نظرية المعرفة
-
الإشكالات الأساسية في الفلسفة
-
ما هي الفلسفة
-
مقالات التنوير 10 عقدة أو مركب التفوق الحضاري
المزيد.....
-
مصر.. ارتفاع جديد في أسعار الدواجن بعد تراجع خلال الأشهر الم
...
-
معظمهم أطفال.. ارتفاع عدد وفيات البرد في مخيمات النزوح بقطاع
...
-
ولاية ألمانية تعلن التعليم عن بُعد بسبب جليد العاصفة إيلي
-
إيران تتوعد بالرد على أي هجوم أمريكي وسط تصاعد الاحتجاجات في
...
-
ما تداعيات احتمال سقوط النظام الإيراني على المنطقة؟
-
ترامب يدعو هافانا إلى -اتفاق قبل فوات الأوان- ورئيس كوبا يؤك
...
-
بلومبيرغ: ترامب يدرس بجدية إصدار تفويض بشن هجوم على إيران
-
النشطاء السوريون يفخرون بظهور الوحدة -إيه واحد- في حلب
-
سرقات الرفات بأميركا تثير الغضب بالمنصات: 100 جثة للبيع على
...
-
العليمي: نسعى لحصر السلاح بيد الدولة وعمل المؤسسات من داخل ا
...
المزيد.....
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
المزيد.....
|