أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسرل















المزيد.....



بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسرل


احسان طالب

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 14:05
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


فينومينولوجيا تأويلية، هايدغر والفلسفة الأولى:
الاختلاف في النظرية والعلم ليس متوقفاً عند أصل المعرفة، بل هو متشعب إلى جدوى المعرفة، نبحث عن المعرفة ونفتش عن أصولها وماهيتها، من أجل توظيفها، أي لماذا نعرف أو نريد أن نعرف.
هل استطاع هايدغر إقامة أو بناء فلسفة جديدة، جاك دريدا قال التفكيكية المعروفة بأنها أسلوب فهم العلاقة بين النص والمعنى، وهدفها اظهار أن استخدام اللغة في نص ما واللغة ككل معقد غير قابل للتبسيط، وغير مستقر، أو مستحيل، فهو ركز على تفكيك النصوص وبنى فلسفته على زعزعة الثنائيات التقليدية مثل (حضور/غياب). فوكو أركيولوجيا المعرفة؛ الحفر المعرفي والذي يسعى لفهم طبيعة المعرفة في فترة معينة من الزمن وفق ما تنتجه المؤسسات المتنوعة من ثقافة ومعرفة. راسل انتقد هوسرل بشدة وجاء ببراهين للبديهيات. إيمانويل ليفيناس الغيرية البناءة التبادلية، كمنطلق فلسفي وأخلاقي من خلال العمل على فكرة "الآخر".
بماذا يختلف الكشف عن الانعطاء من حيث المصدر والفاعلية.
هايدغر كان مهووسا بسؤال "الوجود" ( Sein ) ومحاولة فهمه بطريقة جذرية ومباشرة، بعيداً عن الفلسفة التقليدية التي أهملته. تدور فلسفته حول إعادة التفكير في معنى الوجود وكيف يظهر للعالم. ركز على الأنطولوجيا ولكن ليست الأنطولوجيا العامة كما نجدها عند الفلاسفة الآخرين، بل شيء خاص جداً يمثل "أنطولوجيا وجودية" أو "أنطولوجيا هايدغرية" إن صح التعبير، كان يتساءل عن معنى الوجود ( Seinfrage ) بطريقة مغايرة عن الأنطولوجيا التقليدية.
الأنطولوجيا الوجودية عند هايدغر لا تعني الاهتمام بالوجود ككل، أو الأنطولوجيا العامة، بل تهتم بـ "وجود الإنسان" ( Dasein ). لكنه لم يخرج تماما من عباءة هوسرل، حاول أن يضع أساساً جديداً لسؤال الوجود عبر منهج فينومينولوجي، مشروعه في الكينونة والزمان، كان محاولة لتأسيس سؤال الوجود كقاعدة للفلسفة، لكنه ظل مرتبطاً بمنهج هوسرل أكثر مما أراد.
ميرلو-بونتي بالمقابل، أخذ الفينومينولوجيا إلى اتجاه جديد تماماً، خصوصاً في التركيز على الجسد والتجربة الحسية كوسيط لفهم العالم، هايدغر رغم محاولاته كان دائماً عالقاً بين الإرث الهوسرلي ورغبته في التمرد.
إذا أردنا أن نصف فلسفة هايدغر يمكن أن نصفها بمصطلح خاص مثل الدازينولوجيا أو علم وجود الدازاين أو حتى أنطولوجيا الدازاين لأنه ركز على مفهوم الدازاين ( Dasein) الذي هو وجود الإنسان ككائن مميز قادر على التساؤل عن وجوده. فلسفته تدور حول هذا الكائن وكيف يتفاعل مع العالم، الزمن، والموت، مما قد يجعل الدازينولوجيا وصفاً دقيقاً ومركزاً.
هذا المصطلح يلتقط جوهر فلسفته بشكل خاص بعيداً عن الأنطولوجيا العامة أو الفينومينولوجيا التقليدية التي كانت مرتبطة بهوسرل. بنى فلسفته حول الدازاين كطريقة لفهم الوجود وهذا يميِّزه عن كل من سبقوه أو اتبعوه.
المشروع الفلسفي لهايدغر يتمحور حول:
أنطولوجيا الزمنية: لم يكن يهتم بالوجود كفكرة مجردة فقط، بل بالوجود كما يعيشه الإنسان في الزمن. كل شيء عنده ابتداءً من الدازاين وانتهاءً بالانشغال بالموت، يتشابك مع مفهوم الزمن.
هيرمينوطيقا الوجود: لم يكتف بالأنطولوجيا التقليدية، بل أعاد صياغتها كعملية تفسيرية (هيرمينوطيقية) بحثا عن كيف نفهم الوجود وكيف نعيش هذا الفهم.
ميتافيزيقا النسيان: جزء ضخم من فلسفته كان انتقاد الغرب لأنه نسي سؤال الوجود الحقيقي وركَّز على الموجودات بدلاً من الكينونة نفسها.
هايدغر و الفينومينولوجيا التأويلية: ( Hermeneutic Phenomenology )
التأويلية نقطة محورية لفهم المشروع الفلسفي الهايدغري.
وفينومينولوجيا التأويل: بعد أخذ الفينومينولوجيا من هوسرل، لم يلتزم بالمنهج التقليدي الوصفي التركيز على وصف الظواهر كما تظهر. بدلاً من ذلك، مزجها بـ التأويل (Hermen eutics) ليعيد صياغة السؤال عن معنى الوجود. الإنسان ( الدازاين ) هو الكائن الوحيد الذي ينشغل بسؤال وجوده، وهنا يظهر عنصر التأويل: أي فهم الإنسان لوجوده ليس مباشراً بل يحتاج إلى تفسير مستمر لأنه دائما "مرمي في العالم" ومتشابك مع الزمن والموت.
رفض الفلسفة الوجودية الإنسانية المباشرة مثل التي قدمها سارتر، لأنه اعتبر أن التركيز على الإنسان فقط يهمل السؤال الأكبر: ما معنى الوجود؟ لكنَّه في نفس الوقت، جعل الإنسان (الدازاين) مركز البحث عن المعنى، لأنه الكائن الوحيد الذي بمقدوره أن يسأل عن وجوده.
إن وصف فلسفة هايدغر بـ "فينومينولوجيا تأويلية" منطقي جدا، لأنه أعاد تعريف الفينومينولوجيا كعملية تفسيرية للوجود، بدلاً من مجرد وصف الظواهر، التأويل عنده مرتبط بالزمن، التاريخ، واللغة، وكلها أدوات لفهم الكينونة.
نرجع مباشرة إلى نصوص الكينونة والزمان ( Sein und Zeit ) ونستخرج الأدلة التي تدعم فكرة أن فلسفة هايدغر هي فعلاً فينومينولوجيا تأويلية. نركز على المفاهيم الأساسية ونبحث كيف أن هايدغر دمج الفينومينولوجيا بالتأويل.
الفينومينولوجيا كمنهج: في الكينونة والزمان يعرف الفينومينولوجيا بأنها منهج للكشف عن الكينونة كما تظهر لنا ويضيف: "المنهج الفينومينولوجي يعني أن نترك الكينونة تكشف نفسها كما هي دون فرض مفاهيم مسبقة". هنا يظهر تأويله المختلف للفينومينولوجيا حيث لا يكتفي بوصف الظواهر كما تظهر بل يسعى لفهم المعاني الكامنة وراءها.
التأويل كجزء من فهم الدازاين: هايدغر يوضح في القسم الثاني من الكتاب، أن فهم الإنسان لوجوده يحتاج إلى تفسير وتأويل "الدازاين هو كائن تأويلي بشكل جوهري، لأنه يفهم نفسه دائماً في سياق العالم والزمن"، وهذا يعني أن الإنسان لا يستطيع فهم وجوده بشكل مباشر، بل من خلال عملية تفسيرية تتشابك مع التجارب والسياق.
مفهوم "الفهم" (Verstehen) : هايدغر يربط الفهم بالتأويل، ويعتبره جزءاً أساسياً من طبيعة الدازاين "الفهم هو الطريقة التي يفسّر بها الدازاين وجوده، وهو دائماً مرتبط بمشروع مستقبلي" يظهر هنا أن الفينومينولوجيا عنده ليست مجرد وصف للظواهر، بل عملية تفسيرية لفهم الكينونة في علاقتها بالزمن والموت.
اللغة كأداة للتأويل: يؤكد هايدغر أن اللغة هي وسيط أساسي للتأويل "الكينونة تُفهم من خلال اللغة، واللغة هي البيت الذي يسكن فيه الوجود".
تعتبر الفينومينولوجيا الهايدغرية تأويلية لأنها ليست وصفاً محايداً للظواهر، بل عملية تفسيرية عميقة لكيفية ظهور الكينونة للإنسان (الدازاين). فالتأويل عنده ليس مجرد أداة، بل جزء جوهري من طبيعة الإنسان، لأنه دائما يفسر وجوده في سياق العالم والزمن.
هل نحن بحاجة للخروج من فخ التأويل الذي تعامل معه كثير من قراء ونقاد هوسرل، والعودة إلى دائرة الفهم أولاً قبل الانخراط في الفينومينولوجيا التأويلية التي قد يعتبرها البعض كما ذكرنا إبداعاً هايدغريا.ً
هوسرل الفلسفة الوصفية
كان مشروع هوسرل قائماً على الوصف المباشر للظواهر كما تعطى للوعي. ويدعو إلى تعليق الأحكام المسبقة ( Epoche ) والعودة إلى الظاهرة كما تظهر. الفينومينولوجيا هي منهج وصفي، وهوسرل يريد أن نفهم الظاهرة كما تظهر في الحدس بدون تقييدها بأحكام مسبقة
علينا أن نتعامل مع الظاهرة كما تعطى في الوعي ونركز على إدراكنا المباشر للظاهرة في الحدس وصولاً إلى الماهية، لأننا نريد دخول دائرة الفهم قبل أن نتجاوز الوصف وصولاً إلى المنهج التأويلي.
تعليق الأحكام هو إزالة كل الافتراضات المسبقة عن الظاهرة.
الحدس المباشر يعني إدراك الظاهرة كما تعطى بكل امكانياتها.
الوصف الماهوي هو استخراج الماهية من الظاهرة عبر الحدس
في أفكار نحو فينومينولوجيا خالصة هوسرل يقول:
"الفهم هو العودة إلى الظواهر في حالتها الصرفة كما تعطى للوعي".
يسعى منهج التأويلية الظاهراتية لتقديم وصف متماسك للظواهر كما يختبرها الأفراد، والتركيز الوصفي على التجربة والمهمة التأويلية لفهم معاني الظاهرة الدقيقة.
الفينومينولوجيا التطبيقية
أو فينومينولوجيا الممارسة لماكس فان مانين بحث كيفي يحاول فهم المعنى الداخلي للظاهرة الإنسانية بواسطة وصف التجارب المعاشة وتفسيرها في سياقها. إذن هو ليس مجرد منهج وصفي لاستجلاء هياكل التجارب المعاشة الدقيقة، بل الأخذ في الاعتبار معارف وتحيزات السياق الفردي والغيري للخبرات السابقة. فمن أجل فهم الظاهرة بمعناها العميق يشمل التفكير والبحث في المنهج الرئيس وجمع الوسائط والأدوات التجريبية كالمقابلات والندوات الحوارية والملاحظات النقدية حولها ، وتحليل المواد المتناولة ثم وضع اليد على المواضيع الرئيسة ومن ثم تحديد النتائج والاستنباطات لتنوير وكشف معنى الظاهرة.
يعتبر ماكس فان مانين (Max van Manen) أحد أبرز الرواد المعاصرين لما يُعرف بـ الفينومينولوجيا التطبيقية أو فينومينولوجيا الممارسة، ولكن موقعه في "الفينومينولوجيا التأويلية" يحتاج إلى دقة في التصنيف، خاصة بالنظر إلى مشروعك النقدي:
نقل الفينومينولوجيا التأويلية من "برجها العاجي" إلى المجال العملي. هو رائد في تحويل المفاهيم المعقدة إلى "منهجية بحثية" (Research Methodology) تُستخدم في العلوم الإنسانية (التربية، التمريض، علم النفس).
ما يفعله فان مانين هو دمج فريد قد أصفه "تعميماً" للخطاب الظاهراتي و"تخفيف" للصرامة المنهجية الهوسرلية. حيث أخذ من الأخير أهمية الوصف الدقيق للظاهرة. بأسلوبه المميز و"تأمله" الجمالي في الظاهرة، في الكشف عن المعنى من خلال الاهتمام بعملية المعرفة في لحظاتها الأولى، و"شعورها الفطري" الاستجابة قبل أن ينتقل العارف إلى تحليل الظاهرة وتسميتها من خلال العملية المعتادة. يأخذ البعد التأويلي؛ أي أننا لا نصف الظاهرة فقط، بل نؤول معناها في سياق "العالم المعاش". أنه نموذج للظاهراتي المتمرس يصول ويجول في التساؤل الاستدلالي، والثراء الوصفي، والعمق التأويلي، والدقة المميزة، والمعنى القوي والموجه، واليقظة التجريبية، والإلهام التصوري.
عند فان مانين: المعنى هو "نص" يُكتب ويُعاد تأويله من خلال الممارسة. هو يركز على "الذاتية المشتركة" ولكن من زاوية وصفية أدبية.
في أطروحتي هنا نبحث عن "الصرامة المنهجية" التي تمنع المعنى من أن يصبح "فارغاً". فالمعنى ليس مجرد "تأويل للممارسة"، بل هو "إشراف واعي" يستند إلى ماهية الأشياء، كمثال ملوحة الماء التي ذكرناه في أحد تمثيلاتنا التحليلية. وتُعد الأمثلة جزءًا أساسيًا من المنهجية في البحث الظواهري. فمن خلال خصوصية مثالٍ ما لظاهرة أو تجربة، يُحدد الباحثون الجوانب النموذجية.
"إن التعاطف الظاهراتي هو المشروع الحيّ لإضفاء كل جوانب الحياة على تعبير ذي معنى من خلال صور ولغة الكتابة والتأليف والتعبير الظاهراتي" ماكس فان مانين، من كتاب فينومينولوجيا الممارسة: مناهج إضفاء المعنى في البحث والكتابة الفينومينولوجية.
" المعنى وإضفاء المعنى: يحتاج مصطلح "أساليب إضفاء المعنى" في العنوان إلى توضيح. فالمصطلح الذي يفضله فان مانين ليس "اكتشاف المعنى"، بل "إضفاء المعنى". في الوقت نفسه، يكتب أنه كما أن الفيزيائي مدفوعٌ بنوعٍ من الشغف لاختراق أسرار العالم المادي الكوني كأسرار العالم المادي، كذلك فإن عالم الظواهر مدفوعٌ بشغفٍ لإدراك الأسرار البدائية للمعاني المعيشة للعالم الإنساني. (ص 17) وفي السطر الأخير وفي الصفحة التالية، يكتب أن "علم الظواهر ينجذب إلى المعنى والتأمل. وهذا الأخير منخرطٌ في شغفٍ تأمليٍّ ذاتيٍّ للتأمل، وإدراك المعنى في استشعار عالم الأشياء والآخرين والذات" الكتاب المذكور أعلاه، ص 18).
وبقدر ما أستطيع فهم أفكار المؤلف، ثمة توترٌ بين المعنى وإدراك المعنى حيث يكون المعنى متأصلًا بالفعل إلى حدٍّ ما في الممارسة الإنسانية الواعية. وإضفاء المعنى حيث لم يُدرك المعنى بشكلٍ صريح. هذا "التمييز للمعنى" و"إضفاء المعنى" هو جوهر عمل الفينومينولوجيا كما شرحه فان مانين." بيتر ويليس، جامعة جنوب أستراليا
"إضفاء" المعنى مقابل "اكتشاف" الماهية، في أطروحتنا نمارس "الاستبصار الماهوي"؛ فالوعي المشرف لا "يُضفي" معنى من عنده، بل "يقود" الإدراك ليرى الحقيقة المودعة في الشيء ذاته.
الصرامة ضد السيولة مانين خفف المنهج ليصبح "ممارسة"، وهو ما سميناه "تعميم الفينومينولوجيا". هذا التخفيف محل نظر مالم إذا كان سيؤدي إلى "المعنى الفارغ" مقابل صرامة "قواعد المنهج" بما هي الحصن الذي يمنع الفينومينولوجيا من أن تتحول إلى مجرد "أدب تأملي" أو حصرية دازاينولوجية".
" يقول فان مانين: "من المفيد أن نضع في اعتبارنا الفكرة والهدف الأساسيين للاختزال: الوصول، عبر الإيبوخيه والنداء، إلى عالم ما قبل التأمل التجربة المعاشة لاستخلاص معانيها" (ص 221). عن بيتر ويليس.
"الشيء ذاته" عند هوسرل
ابتكر هوسرل أساس الفينومينولوجيا على فكرة مختلفة لمفهوم العودة إلى "الشيء ذاته"، بحيث يصبح "الشيء" متعينا ذو معنى يمكن الإحاطة به، طالما أنه قابل لها، تبدأ الفكرة من التركيز على الظاهرة كما تظهر لنا مباشرة دون أي افتراضات مسبقة. والمعنى الذي نمنحه نحن للشيء يظل مفارقاً لماهيته، إلى حين، لأن الوعي قصداني بذاته، بمعنى؛ إن كل إدراك حسي مباشر للشيء يتم من خلال قصدية الوعي، أي أن الشيء كما يظهر لنا مرتبط بزاوية إدراكنا المحسوس ومن ثم ما نعيه وما سبق لنا تجربته بوعينا عن ذاته ووصفه وجوهره، مع تعقلنا لمسالة أن الماهية لا تدرك بالكامل إلا بالحدس الماهوي الكامل، وهذا يحتاج لتفصيل؛ الشيء ذاته يظل خارج حدود تجربتنا، لأننا دائماً نراه من منظور متعين متغير. ومع ذلك ماهيته موصوفة ثابتة في الوجود والوعي، ولكن ليس بسطحية وسذاجة بل بإحكام، فالماهيات والجواهر ذاتها وفي بنيتها التكوينية لديها قدر ضروري هائل من الثبات يمكن لنا استنباط وصفه بدقة والبناء عليه في حقل العلم، ذلك الثبات شبه المحض لا ينفي بالمطلق التطور، دعوني أضرب مثلا أوضح فيه تلك الازدواجية، نجم يدور في الفضاء وفق حركة منتظمة خالدة خلودا نسبيا، مزود بآلية تغذيه بطاقة كونية متجددة دون انقطاع، داخل ذلك النجم وأثناء حركته اللانهائية تحدث تغيرات وتفاعلات ومتوالدات دائمة ومستمرة دون توقف. تلك هي الصورة بدقة، ثبات ماهوي قريب من اللانهائي وتغير وتفاعل وتوالد مستمر شبه أبدى. بتلك الكينونة الوجودية للنجم يظل مجهولا ما لم يدخل نطاق وعي يستنبط معناه المكنون فيه، إذن هو وجود ذاتي محض مبهم، يتحول لوجود مفهوم فقط بالوعي. ووفقا للآليات الفينومينولوجية يتحول لوجود حقيقي مفهوم وملموس قابل للحدس.
الشرح والتوضيح: محاولة لبيان تحايث "ثبات الماهية" و"صيرورة الوجود"، من أجل تجنب المفارقة علينا فهم العلاقة بين بنية المعنى والتمثيل الكوني، ننظر إلى الماهية كـ "ثبات ديناميكي" (مثال النجم أعلاه): هذا المثال يحل إشكالية السكون مقابل الحركة، وصف (النجم) ككتلة ثابتة الماهية وفي نفس الوقت تزدحم بالتفاعلات المتولدة، أن الماهية عندنا ليست "قالبًا" ساكنًا، بل هي "الديناميكية الداخلية التي تحفظ هوية الشيء". الماهية ليست قالباً صامداً، بل هي نظام اشتغال". إن التطور هو "طريقة ممارسة الماهية لوجودها " الماهية "حية". أن الشيء يمتلك "فيضاً" يظل خارج حدود تجربتنا، وهذا الفيض هو بالضبط "طاقة الاشتغال" التي لا ندركها بالكامل بالحواس، بل نستنبط "نظامها" بالوعي المتعقل. فالإدراك الحسي يرى "النجم" هيكل ثابت الحدود، لكن الوعي المشرف يدرك "الاشتغال" الانتظام الديناميكي باعتباره أحد صفات ماهيته. بهذه الآلية يقوم الوعي بدور المحوِّل لنمط الوجود من مبهم إلى مفهوم؛ الشيء "وجود ذاتي محض مبهم" قبل الوعي، يتحول إلى "وجود مفهوم" بالوعي، هذا التصور يزيل استشكال القصدية الهوسرلية؛ فالوعي لا يخلق النجم، لكنه "يستنبط معناه المكنون فيه". وهو يمارس دوراً "تنويرياً" يمكننا من التمييز بين "الشيء كما يظهر" (المتعين والمتغير حسب زاوية الرؤية) وبين "الماهية الموصوفة الثابتة". هذا يؤصل لفكرة أننا قد لا ندرك "كامل النجم" حسياً، لكننا ندرك "ماهية النجم" حدسياً.
وهنا نتساءل إذا كان "الشيء ذاته يظل خارج حدود تجربتنا" فكيف نأتمن "الاستنباط" الذي يقوم به الوعي بأنه مطابق للحقيقة؟ الشيء ذاته يظل خارج حدود تجربتنا" هذه العبارة مهمة جداً، والسبب أن الشيء ذاته هو في الحقيقة خارج حدود تجربتنا من حيث وجوده الحقيقي، فالوعي لا يمنح الأشياء وجودها بل يضئ على فيض وجودها، لأن قيامه "الشيء" في الوجود ليس بفعل الوعي بل هو يقوم بفهمها واستيعابها، وهذه النقطة بالتحديد هي التي تغيب عن كثيرين من نقاد هوسرل والباحثين، فالوعي يضيء على إمكان المعرفة، فالماغما، الصخور المنصهرة التي تسيل من فوهة البركان، متوهجة وغنية جداً بالفلزات والمعادن لكنها غير مضيئة، هناك إمكان معرفي يسمح للإدراك الحسي بالتعرف عليها، هنا يأتي دور الوعي، هو الاستبصار المضيء الذي يجعلنا نعي ماهية تلك الصهارة. نحن لا نحتاج للإحاطة الفيزيائية بكل ذرة في الماغما لنعرف "ماهيته"، بل نقوم بتفكيك شيفرة الوجود بواسطة الماهية، من خلال الإضاءة على الإمكان المعرفي الوجودي.
إن الثبات الضروري للانتظام "لا ينفي بالمطلق التطور" والاستشكال الجديد: إذا تطورت الماهية، هل تظل هي ذاتها؟ الصيرورة التطورية هي ثبات ماهوي للكون، وهنا نرجع للثنائية (الحركة/ والثبات) كوحدة كونية، التشكل الماهوي: تحقق الماهية" بطبيعته يتيح إمكان المعرفة، وهنا يبرز دور الحدس الماهوي الكوني، الذي يستوعي تلك الثنائية الوجودية مستفيدا من الإمكان المعرفي كجوهر عالمي.
هل يمكننا القول بأننا هنا نؤسس لـ "فينومينولوجيا استنباطية"؛ حيث الوعي ليس مجرد مستقبِل، بل هو "مستنبط لمعنى مكنون". الماهية ليست "فكرة في الرأس" بل هي "كينونة في الشيء" و"مفهوم في الوعي".
"واقعية الماهية" في مقابل "مثالية الوعي".
الوعي كـ "كاشف" لا كـ "خالق"
بقولنا "يضيء على فيض وجودها" ننفي عن الوعي صفة "الخلق" ونمنحه صفة "الاستنارة"
بهذا الطرح، نتصور الوجود "سابقاً" على الوعي من حيث الكينونة، والوعي "سابق" على الوجود من حيث الاستدلال والاستنباط بالمعنى.
بهذا الطرح نسعى لحل معضلة "الشيء في ذاته" عند كانط؛ فالشيء موجود بشكل مستقل (خارج تجربتنا الفيزيائية الكاملة)، لكن "فيض وجوده" يتقاطع مع وعينا ليتحول إلى "ظاهرة مفهومة".

"فيض الوجود" والحدس الإيديتي
توظيف مصطلح "فيض الوجود" فلسفيا يوحي بأن الشيء يمتلك فائضاً من الماهية لا يمكن للحواس وحدها استيعابه. وهذا ما أشرنا إليه بـ"الإمكان المعرفي الكوني"
الإدراك الحسي يلتقط السطح، الظهور التلقائي والمواجهة المباشرة، أما الوعي المشرف بواسطة فعل التعقل، هو الذي يستوعب هذا "الفيض" ويحوله إلى حكم ماهوي.
هذا البيان يبرر لماذا يظل الشيء "خارج حدود التجربة"؛ لأن التجربة الحسية محدودة بظروف الزمكان، وتجربتنا محكومة بعوارض لا تنتهي كضيق أو وسع دائرة الرؤية، الغشاوة أو الوضوح، القرب أو البعد، القدم أو الحداثة، صفاء الذهن أو اعتلاله بالوهن والوهم، ... إلخ بينما الماهية "فائضة" ومتعالية على هذه الشروط. ويبرر أيضا ادعاءنا بأن كثير من قُراء ونقاد؛ هوسرل لم يستوعبوا جوهر مفهوم الماهية الهوسرلي وتصوروا المسألة من زاوية "المثالية الذاتية" وكأن الوجود مجرد فكرة في الرأس، لكن بقراءتي أثبتً أن فلسفة هوسرل قابلة للتطور وحاوية للثنائية (الحركة/ والثبات) كوحدة كونية تحترم "استقلالية الوجود".
موقف هايدغر من فكرة "الشيء في ذاته":
خلاصة هوسرلية: الشيء ذاته له "حماية وجودية" خارج الوعي، والوعي بـ "الفعل المتعقل" يمنحنا بوابة الدخول لفهم هذا الوجود. هذا الربط بين الشيء، الوجود، فعل التعقل، الوعي، يجعل نقدنا لهايدغر يظهر كاستعادة لـ "هيبة الوجود" التي أضاعها القلق الوجودي. ونقطة الارتكاز الموجهة لتفكيك (الدازاينولوجيا) الهايدغرية.
عند هايدغر: الدازاين "مُلقى" في الوجود، والوجود ينكشف له من خلال "القلق" أو "الهم".
في حين رأينا كيف أن الوجود يمتلك "ماهية مكنونة" (فيض)، والوعي بصفته "مستبصراً" و"مشرفاً" هو الذي يستعيد "المعنى" الأكمل.
هايدغر جعل الوجود "ذاتياً" جداً (مرتبطاً بمصير الفرد وموته)، بينما نحن نعيد للشيء "موضوعيته الماهوية" المشتركة بين الجميع (مثال ملوحة البحر).
استنادا لقاعدة "الوعي يضيء ولا يخلق" يمكننا القول أن "المسؤولية الأخلاقية" تبدأ من اللحظة التي "يضيء" فيها الوعي على حقيقة الشيء، مما يجعلنا ملزمين بحماية تلك الحقيقة التي انكشفت لنا، بهذا نتخلص من استخدام الأصالة كمبرر لنفي المسؤولية ونطرح قيود الانهمام بالموت ونتمسك بالوعي والعيش في عالم الحياة بمعية الآخر.
هذا الربط سيجعل من "الوجود كوعي" فعلاً أخلاقياً بامتياز، وليس مجرد تفكر عقلي بحت،
عند هايدغر، الوجود يسبق المعنى، أما عندنا، فإن المعنى "مكنون" في الشيء وينتظر "فعل التعقل" ليستنبطه. الفراغ عند هايدغر ينشأ من إهمال هذا "المكنون الماهوي" والاكتفاء بـ "قلق الوجود".
اعترض هايدغر على فكرة الشيء في ذاته، بأن المعنى لا ينبع فقط من قصدية الشيء بل من وجودنا في العالم. الإنسان (الدازاين) لا يواجه الأشياء كظواهر منعزلة، بل كجزء من سياق وجودي. أيضاً الشيء ذاته عند هايدغر لا يُفهم بمعزل عن الزمن، اللغة، والعالم. بمعنى الماهية ليست مفارقة فقط، بل مترابطة مع كيفية وجودنا. هذا الاعتراض يعيدني لمقولة أن كثير من الاعتراضات إنما جاءت من تضييق لوسع المفاهيم الهوسرلية، كما أوضحنا مفهوم الماهية بالتفصيل أعلاه، ما يقيدنا بعودة هايدغر لمفاهيم هوسرل ولكن عن طريق الالتفاف عليها. فكل معنى نمنحه للشيء لا يمثل كامل ماهيته، الماهية عند هوسرل مفارقة لأنها لا تُدرك بالكامل عبر الوعي. بل عبر الإمكان المعرفي الكوني، أما عند هايدغر فالماهية مفارقة لأنها مرتبطة بالسياق الوجودي، وليس مجرد إدراك للوعي.
البينذاتية: (Intersubjectivity) هي نقطة هامة لفهم العلاقة بين المعنى، الجوهر، والوجود. تفاعل الشيء مع الوجود والمعنى الذي ينشأ من المعطى الحقيقي كجوهر، وهي عند هوسرل تفاعل بين الذات والآخرين كشرط أساسي لفهم العالم.
والعالم عنده ليس مجرد ظاهرة تظهر للوعي الفردي، بل هو معطى مشترك بالإمكان ويُبنى من خلال تفاعل الذات مع الذوات الأخرى. وهذا يربط معنى الظاهرة ليس فقط بالوعي الفردي بل بالوعي الجماعي المشترك.
المعنى الحقيقي ينبع عند هوسرل من 1-التفاعل بين الذات والظاهرة، و2-التفاعل بين الذات والذوات الأخرى عبر فعل التعقل المنوط بالوعي وفعل الإدراك الحسي الذي تتشارك في الذوات كل حسب معاينته ومواجهته، تشارك في إدراك الظاهرة. فلا وجود لمعنى منعزل، بل المعنى يستدل عليه ويستنبط دائماً في إطار تجربة مشتركة. فالتجربة الذاتية افتراضية، كما فصلنا في سياق الطرح؛ لا تكون الذات "ذاتا" إلا بوجود "آخر"
تفاعل الشيء مع الوجود عند هايدغر:
أخذ هايدغر فكرة البينذاتية، لكنه تجاوزها ليضع المعنى في سياق أوسع: تفاعل الشيء مع الوجود ككل. فالمعنى الحقيقي لا ينبع فقط من إدراك الذات، بل من: 1-كيف يظهر الشيء في العالم، و2-كيف يشارك الشيء في شبكة العلاقات الوجودية (الزمن، التاريخ، اللغة). إذن المعنى عند هايدغر مرتبط دائماً بالسياق الوجودي -العالم، الزمن، وحتى الموت. وهنا نلاحظ الالتفاف نحو العودة للمفهوم الهوسرلي وكأنه إضافة توضيحية.
لكن هايدغر غرق في "العوارض الوجودية" (القلق، التناهي) وأهمل "الجوهر الماهوي" الثابت. كما أهمل علاقة الترابط الوجودي بين مكونات أصناف الوجود. والإنسان بحاجة لربط بفيوضات الوجود التي تمنحه الطمأنينة واليقين، بدلاً من تركه وحيداً أمام العدم.
"لا معنى خارج المعطى الحقيقي وهو الجوهر" هي عبارة ناقصة تحتاج لبيان
لنناقش هذه الفكرة السائدة كمرتكز فينومينولوجي، الواقع أن المعطى الحقيقي هو "الشيء في ذاته" أي الشيء بما يظهره من عوارض، مقولات: الكم، الكيف، الوصف، الحال، التموضع، السياق الزمكاني .. إلخ، فالمعنى لا ينال صفة الحقيقي فقط لكونه جوهر، وهنا أخرج عن المفهوم الميتافيزيقي للوجود وأتطلع إلى المفهوم الظاهراتي للوجود، المعنى "الحقيقي" ليس كائناً هلامياً خلف الأشياء، بل هو "المعنى المتعين" عبر مقولاته. والوجود الحقيقي هو الوجود القابل للتمثل في الوعي المشرف، سواء كان متمثلاً في جوهر ماهوي أوفي عوارض مادية أو في فيوضات روحية وفكرية".
فصل الجوهر عن عوارضه هو الذي يصنع "المعنى الفارغ". فالمعنى الذي لا يتجسد في "كم" و"كيف" و"سياق زمكاني" أو نسق روحي قابل للحضور والشهود في الوعي؛ هو معنى غير قابل للحدس، وبالتالي غير موجود فينومينولوجياً.
نعيد تعريف "الشيء في ذاته" كمعطى ظاهراتي
بدلاً من أن يكون هو "الجوهر الخفي" (كما عند كانط)، نجعله "الشيء بما يظهره" عبر دمج الجوهر في العوارض. الجوهر بدون مقولات (كم، كيف..) هو "وجود أبكم" لا يمكن للوعي استنطاقه. هذا يعني أن "الظهور" (Appearance) هو حقيقة الوجود. الشيء لا يختبئ خلف مظهره، بل يتجلى فيه. هنا نلتقي مع هوسرل في فكرة "الامتلاء"، فالمعنى يمتد من "اللب الماهوي" ليشمل كل "العوارض" التي تجعل الشيء قابلاً للإدراك. فالشجرة ليست "جوهر الشجرية" فقط، بل هي هذا الطول (كم)، وهذه الخضرة (كيف)، وهذا التموضع في الحديقة (سياق).
أنا هنا أسس لوجودية ظاهراتية متقدمة لديها القدرة على أن تتمثل في كافة العلوم كمنهج،
هايدغر: جعل الوجود "يحتجب" بقدر ما "ينكشف"، ما ترك الإنسان في "تيه" أو "معنى فارغ". الوجود لدينا "يريد أن يُعرف" لذلك هو في حالة فيض وتجلي دائم يفيض، والوعي يتولى مهمة الإشراف على استيعاء ذلك الفيض، لا يوجد "احتجاب" لغزي، بل يوجد "وعي" لم يكتمل بعد أو "منهج" لم يُطبق بدقة. هذا التأسيس يجعل من القاعدة التأسيسية هي "منهج استرداد المعنى". نحن لا تخترع المعنى، بل "نستبين" ظهوره في الأشياء. هذا يحول الفينومينولوجيا من "قلق ذاتي" إلى "يقين موضوعي"، ويجعلها صالحة كمنهج لكافة العلوم لأنها تتعامل مع "قوانين الظهور" الثابتة. لجوهر هو "نظام التجلّي" نفسه، وليس "مادة" خلف التجلّي. هذا يجعل "الوعي المشرف" يتعامل مع "الظهور" كحقيقة نهائية ومكتملة.
مثلا الشر في منهجنا ليس "كائناً" مستقلاً، بل هو "ظهور لخلل في نظام الاشتغال الماهوي". عندما يغيب "فيض الرحمة" يظهر "الفراغ الأخلاقي"، وهذا الفراغ يتجسد في فعل مادي (القتل) هنا يظهر لنا جوهر الفصل بين "الظاهراتية كعلم للمواضيع" والظاهراتية كعلم للمبادئ. وفقا لهذا الفصل يكون المعنى كـ "نسق إحداثيات"، فعندما نشترط "التموضع والسياق الزمكاني" لنيل صفة الحقيقة، ننتقل من "التجريد الماهوي" إلى "الواقعية المتعيّنة" فالوجود الظاهراتي هو وجود موصوف "موقفي" وليس خيالا متوهما مع التنبيه كما كررت أكثر من مرة لإدراك أصناف الوجود التي أشرت إليها أكثر من مرة. كإشارة لوجود روحي متعين في العقل والفكر؛ فالظهور ينظر إليه كـ حضور في الوعي" وليس فقط "رؤية بالعين" أي الإدراك الحسي، عندما نقول إن الوجود الحقيقي هو الذي "يظهر"، فإننا في الفينومينولوجيا المتجددة نقصد "الحضور المتعين في الوعي" وهكذا تكون التجربة الروحية: "ظاهرة" لها "سياقها" (الحالة الوجدانية، الزمان، التحول الداخلي) ولها "كيفها" (الخشوع، الامتلاء، السكينة) إذن هي ليست عدماً لأنها "تُعطى" للوعي بوضوح تام، بل إن "امتلاءها" في الوعي قد يفوق أحياناً امتلاء الأشياء المادية.
لننظر للاحترام كفعل أنطولوجي، ولنضرب مثالا توضيحيا: عالم الذرة الذي ينظر لحجر أصم "باحترام" وتأمل هو مثال لدمج المادي بالروحي: هو لا يرى "صخرة صماء" (عوارض سطحية)، بل يرى "نظام اشتغال" (حركة الإلكترونات، القوى النووية، المعجزة التكوينية).

هذا "الاحترام والتقدير" هو "وجود روحي متعين"؛ لأنه يتجاوز مادية الحجر ليلمس "المعنى المكنون" فيه. هنا يصبح الحجر "إشارة" أو "رمزاً" لشيء متعالٍ، وهذا الحضور الروحي هو "حقيقة" متعينة كظاهرة لها "زمكانها الخاص". الفكر له "تموضعه" في نسق المعرفة. بهذا المعنى، لا نقصي غير المادي، بل "نمنطقه"؛ أي نجعله خاضعاً لقواعد المنهج الظاهراتي كوجود حقيقي متعين بالوعي.
موضوعية المعنى:
في تأملات ديكارتية هوسرل يقول:
"الآخرون ليسوا مجرد ظواهر في عالمي، بل هم ذوات تعيش عالماً مشتركاً معي".
هذا يعني أن البينذاتية ليست فقط تفاعل الذات مع الظاهرة، بل أيضا تفاعل الذات مع الذوات الأخرى التي تدرك نفس الظاهرة، ذلك التفاعل هو مستوى التحقق القائم على القصدية؛ فالوعي لا "يحتوي" الظاهرة، بل "يتوجه نحوها". المعنى هنا يولد عندما يتم تحقيق القصد اللغوي أو الحكم النظري في التجربة الحدسية للظاهرة نفسها. أما القصد غير المتحقق، كأن أفكر في حصان مجنح دون رؤيته أو الحديث عن امرأة تستطيع رؤية ما خلف الجبال والبحار، عدم تحقق القصد يعطي معنى فارغاً، بينما القصد المتحقق حدسياً هو معنى حقيقي.
التفاعل بين الذات والذوات الأخرى أي (التجربة المشتركة) يتم بواسطة التذاوت، ولا يمكن للذات أن تضمن موضوعية المعنى دون الاعتراف بذوات أخرى تشاركها في إدراك العالم المشترك. المعنى الحقيقي الكوني، في الفينومينولوجيا المتأخرة، هو الذي يستطيع أن يصمد أمام اختبار الإدراك المشترك ويتحقق في أفق التجربة المتذاوتة داخل العالم المتعايش.
الذات تدرك الموضوع من خلال قصدية الوعي، لكن هذا الادراك دائما محدود بزاوية نظر الذات. يظهر الموضوع كظاهرة مشتركة عندما تدركه ذوات متعددة، مما يؤسس لمعناه في إطار البينذاتية. عند هوسرل إدراك الذات للموضوع لا يكون كاملا إلا عندما يدرك كجزء من عالم مشترك، لذلك البينذاتية تعيد تعريف العلاقة بين الموضوع والذات: الموضوع ليس ذاتيا بالكامل ( كما يظهر للوعي الفردي) وليس موضوعيا بالكامل ( كما هو في ذاته) بل يظهر في إطار ادراك جماعي.
خلاصات تأسيسية:
تعريف الظاهرة:
هل الظاهرة هي "ذات" الشيء، والكيفيات والوضعيات والأحوال والصفات، كل المقولات، هي الموضوع.
الظاهرة والشيء عند هوسرل:
عند هوسرل الظاهرة ليست هي الشيء في ذاته (كما عند كانط) لكنها الطريقة التي يظهر بها الشيء للوعي. الظاهرة ليست الشيء كاملاً، بل هي ظهوره، أي الكيفية التي يدرك بها عبر قصدية الوعي، والكيفيات والأحوال والصفات والمقولات: هي كيفيات ظهور الشيء. بمعنى أنها: ليست الشيء ذاته، لكنها ما يسمح للوعي بإدراك الشيء. وهي الوسيط الذي يربط الشيء كموضوع والذات كمدرك.
الموضوع ( Object ) هو شيء يظهر للوعي عبر الظاهرة. والمقولات (الزمان، المكان، الكم، الصفات، الكيفيات، الأحوال .. إلخ ) هي جزء من الموضوع، لكنها ليست الشيء في ذاته، لأن الوعي يدرك الموضوع دائما من زاوية معينة.
مثلا: إذا نظرت إلى سرير خشبي، فأنت تدرك لونه وشكله، عوارض ظهوره لكنك لا تدرك ماهية السرير بالكامل، كما أن الوعي لا يدرك الشيء دفعة واحدة، فالكيفيات (كاللون والحجم والموقع، نوع الخشب، طراز التشكيل) تظهر بشكل تدريجي وكلها تشكل الموضوع كما يظهر للوعي. ويحدث ذلك طبقا لطبيعة الحواس ونمط الإدراك الحسي، وآلية اشتغال الوعي.
الفرق بين الظاهرة والظهورات:
الظاهرة كما ذكرنا هي الشيء كما يظهر للوعي، لكنها ليست مجرد "ظهور" عابر أو سطحي. إنها تتضمن ماهية الشيء كما تدرك من خلال قصدية الوعي، لكنها تظل دائما مشروطة بالإدراك الحسي.
مثال: عندما تدرك "سرير"، الظاهرة بحد ذاتها هي "السرير" ككل تظهر لك، لكن إدراكك مشروط بزاوية نظر معينة، وبقية المقولات الحاضرة في لحظة المواجهة، الظهورات المتعينة هي كيفيات أو أوضاع محددة للشيء أثناء عملية إدراكه يعني أنها الطبقات المتعددة التي تتكشف فيها الظاهرة للوعي. تتغير بناء على الظروف، الزمان، والمكان، بينما الظاهرة تظل أكثر ثباتا.
الظاهرة: هي الشيء ككل كما يدرك عبر قصدية الوعي، تتضمن الماهية والعلاقة مع الذات الظهورات: هي التغيرات أو الأوضاع المختلفة التي يظهر بها الشيء، إنها طبقات سطحية تتغير بناء على السياق.
إن الحدس الخالص عند هوسرل لا يعني أننا ندرك الشيء في كليته بالكامل دفعة واحدة. الحدس المطلق يعطينا ماهية الشيء، لكنه دائما مشروط بزاوية الإدراك. والظاهرة ليست الشيء (كما عند كانط) لكنها الشيء كما يظهر بماهيته للوعي في تجربة مباشرة.
الظاهرة عند هوسرل تعطى للوعي في الحدس، والحدس هو ما يجعل الماهية إمكان مدرك،
الظاهرة ليست مجرد صورة أو انعكاس للشيء، بل هي الشيء نفسه كما يعطى في تجربة الحدس.
في أفكار نحو فينومينولوجيا خالصة، هوسرل يقول: " الظاهرة هي إعطاء الشيء ذاته كما هو في حدسه" إذن الظاهرة هي الشيء المحدد ماهوياً كما يعطى في الحدس المطلق. الحدس المطلق عند هوسرل هو الوسيلة التي تعطى بها الماهية، لكن إدراكنا يظل مرتبطاً بالقصدية.



هايدغر في مقابلة هوسرل:
الفيلسوف الإيرلندي المعاصر ديرموت موران، أستاذ قسم الفلسفة، كلية دبلن الجامعية، بيلفيلد، دبلن 4، أيرلندا ا نشر دراسة عام 1999 بعنوان (هايدغر وهوسرل حول النظرة العالمية التكنولوجية-العلمية) يعيد لمؤسس الظاهراتية المنهجية هوسرل مكانته الأصيلة ويبين بعضا من جوانب الافتراق عند هايدغر.نقتبس منها النص الآتي:
"تكمن مساهمة هايدغر في تحليل القصدية، تحديداً، في استكشافه المُفصّل لشبكة العلاقات التي يُطلق عليها "عالمية العالم"، وهي الخلفية البديهية للقاء الأشياء، وفي تأكيده على بنيتها الزمنية الأساسية. يرى هايدغر أن "توضيح مفهوم العالم من أهم مهام الفلسفة" لكن هايدغر، بتجاوزه نقاش هوسرل المُعقّد حول أنواع الفعل القصدي وتحقيقها، من أجل التركيز على الوجود، يقع في الواقع في خطأ فلسفي يُسارع إلى تشخيصه لدى آخرين في التراث الفلسفي، ألا وهو تسويّة الإنجاز (هنا، إنجاز هوسرل). على وجه الخصوص، يُتيح تركيز هوسرل على إمكانية انبثاق الرؤية النظرية من الواقع العملي مجالًا أوسع لتقدير إيجابي للطابع الخاص للمعرفة العلمية، بينما لا يسع هايدغر، تحت تأثير أوغسطينوس، إلا أن يعتبر هذا الفحص النظري مدفوعاً بـ"الفضول"، وهو ما يُسمى بفضول أوغسطينوس. في هذا الصدد، قد يكون اهتمام هوسرل بالقصدية في نظرية المعرفة العلمية أكثر انتشارا من محاولات هايدغر لتحويل إشكالية القصدية إلى مسألة الوجود."
نحن نرى السماء فحسب. هايدغر، في محاولته التأكيد على الجانب العملي، بالغ في الأمر. هوسرل أدق بالتأكيد؛ فنحن نصادف الحدث، الحاضر بين أيدينا، في وعينا اليومي، وليس فقط كمسألة ابتعاد عن الجانب العملي. لدعم هذا التفسير، دعوني أشير إلى مخطوطة غير منشورة كُتبت في مايو 1931، بعنوان "ضد هايدغر"، يؤكد هوسرل أن "الاهتمام النظري"، كما يسميه، مدفوع، مثل الاهتمام الفني، برغبة في اللعب متحررًا من الاهتمام بضروريات الحياة، وهذا الفضول النظري ليس بأي حال من الأحوال نمطًا ناقصًا من العملي كما زعم هايدغر
هناك دوافع خاصة مطلوبة لجعل الموقف النظري ممكنًا، ويبدو لي، خلافًا لرأي هايدغر، أن الدافع الأصلي يكمن، بالنسبة للعلم كما هو الحال بالنسبة للفن، في ضرورة اللعب (Spiel)، وخاصة في الدافع وراء "فضول فكري" مرح، لا ينبع من أي ضرورة للحياة، أو من نداء، أو من سياق هدف الحفاظ على الذات، فضول ينظر إلى الأشياء، ويريد أن يعرف أشياءً لا علاقة له بها. ولا مجال هنا لـ"الممارسة الناقصة".



#احسان_طالب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القيمة والجوهر والماهية، الوعي وتفاضل الفضيلة
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟
- الدين والدولة والسياسة والأخلاق مفارقات موضوعية
- ثورة العقل لزوم التنوير
- بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
- قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
- تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي ...
- الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا ...
- الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
- -فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي ...
- الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ ...
- ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية ( ...
- نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا ...
- الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
- نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر ...
- الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
- في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
- ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن ...
- الفرق بين النويما والنويزس في فلسفة أدموند هوسرل*
- ثنائية العقل والنقل تفكيك التعارض دراسة فلسفية*


المزيد.....




- غياب لافت لابنة زعيم كوريا الشمالية في اختبار صاروخي جديد
- موانئ إيران تحت الحصار البحري الأمريكي، ماذا نعرف عنها؟
- نتنياهو في ذكرى الهولوكوست: أوروبا تعاني -ضعفًا أخلاقيًا-.. ...
- تحذير أممي جديد بشأن غزة والضفة الغربية: دعوات لوقف الهجمات ...
- سفينتان أبحرتا من إيران تعبران مضيق هرمز رغم الحصار الأميركي ...
- نتنياهو في ذكرى المحرقة: وجهنا أقوى ضربة لإيران في تاريخها
- نهائي كأس الأمم الأفريقية: تثبيت عقوبة سجن 18 مشجعا سنغاليا ...
- هل تجاوز ترامب -خطا أحمر- مع الكاثوليك؟
- الجيش الإسرائيلي يدمر بيوتا وقرى لبنانية بالديناميت والمتفجر ...
- -آرت باريس 2026-: 165 معرضا فنيا من 25 بلدا


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احسان طالب - بحث في المعنى، التأويلية الفينومينولوجية ما بين هايدغر وهوسرل