|
|
بحث في المنطق، تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية
احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 11:30
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
Formal logic المنطق الرسمي هي العبارة الشائعة التي تدل دلالة مباشرة على اتساق المعطيات مع قواعد التفكير السليم بحيث تكون النتائج أو الأحكام معللة عقليا، فالمنطق هو اتساق الأحكام مع نظام معرفي يضبط تصوراتنا وأفكارنا ومعتقداتنا بالقواعد المنطقية التي تستند إلى بداهات وحقائق أولية لا جدال فيها كالمبادئ الصادقة بدون برهان كقولنا بأن الشيء لا يكون ضده في ذات الوقت، أو قولنا بأن الشمس تضيء العالم، و كالحقائق الرياضية البسيطة، كعلاقات الأرقام الأولية وعملياتها الرئيسة، الجمع والطرح والضرب والتقسيم، أو الحقائق العلمية الثابتة التي أعطت مقدماتها نفس النتائج بانتظام وعلى الدوام. كدافعة أرخميدس مثلا، فليس مثلا منطقيا القول بأن كتلة من الحديد تغرق في الماء بفعل التنافر بين المعدن والماء، أو القول بأن قطعة الخشب تطفو فوق سطح الماء بفعل كائنات خفية تحمل قطعة الخشبة لأنها كانت حية، وهكذا فما كان مناقضا للحقائق الحسية أو المجردة فهو شأن غير منطقي. ونقصد بالحقائق المجردة التي لا يتم ادراكها بالمعرفة الحسية. كالمفاهيم الرياضية: كمفهوم العدد أو المفاهيم الفلسفية كمفهوم الحرية أو مبدأ المساواة أو القانون. وأيضا القيم المجردة كالخير والشر، حتى المشاعر، رغم تعلقها الشديد بالحاسة إلا أنها في المقام الأخير مجردة لانبثاقها من الوعي العميق وخزانة الفكر. فالحب والكراهية والاكتئاب، مشاعر ذات ظواهر وعوارض محسوسة لكن قيمها المعيارية مجردة. كالحب والكراهية والحزن وحتى السعادة والبؤس. مصطلح شائع وأولي يتردد في مواضع متكررة، وهو جزء أساسي من مفاهيم الفلسفة الرئيسة بحيث لا تتصور الفلسفة بدون المنطق. قد يستعمل مصطلح Formal logic محل المنطق الصوري الأوسع، كدلالة إلى ما اشتهر عن الفيلسوف أرسطو الذي أسس علم المنطق بدءاً من ايضاحه لمفهوم اللوغوس كبيان وإظهار وتصور، ويمكن أن يطلق عليه المنطق الشكلي بما هو علم صناعة قواعد الاتساق بين نظرية القيم المعرفية للأشياء ونظريات التفكير الصحيح، وهو فن وصنعة وعلم معياري وأداة. وللمنطق الرسمي ميل أيضا إلى دراسة اللغة والكلام والاهتمام بالعبارة المحكية والمعنى التلقائي للمفردة أو الجملة، وهذا جانب مهم من جوانب تطور المنطق الأرسطي الصوري، ونرى ذلك واضحا في أطروحات هوسرل المنطقية؛ ومن سبقه من فلاسفة اللغة والسيميائية، حيث يبدأ الوعي بتشكيل تصوراته استنادا للمعنى المتكون من المجرب الأول أو الإنسان أو الفرد الأول الذي أسبغ المعنى على الصورة أو الكلمة، ولقد شرحنا ذلك في سياق الفصول السابقة. ونشير هنا إلى أن الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين ((26 أبريل 1889 -29 أبريل 1951)، اعتبر اللغة صورة منطقية للعالم، ومن وظائف أو مهام الفلسفة القيام بتحليل اللغة لفهم حقيقة العالم ذاته. وأن ضروريات اللغة هي قواعد منطقية لتفعيل القدرة على تمثيل العالم في اللغة. ومعنى الكلمة لا يمكن تحديده من خلال تعريفاتها؛ بل من خلال استخدامها في سياق معين، فاللغة تُبنى في الواقع على قواعد فطرية منطقية. فاللغة هنا أداة تواصلية متطورة يحكمها المنطق العالمي، إذا جاز التعبير، فهي موضوع منطقي بحد ذاته. هل ثمة مفاهيم قبلية على المنطق أي سابقة عليه، كالمفاهيم الفطرية والطبيعية، حيثما الحواس تعمل تلقائيا والوعي يشتغل آليا، والأحكام والأقيسة تصدر دون محاكمة وتكون صحيحة أحيانا، كما هو الحال في وجود البديهيات والعلاقات البديهية. فهل هذا كله سابق للمنطق؛ أم أن تأسيس المفهوم جزء من المنطق، بصياغة أخرى هل المنطق هو أداة ضرورية لتأسيس ذاته؟ أي أن جدلا محايثا توالديا هو من صاغ المفهوم والمعنى، المسألة ليست بهذه البساطة. نظرية المعرفة، بوصفها مؤسسة للمفاهيم ودراستها وتحليلها، أساس متقدم على المنطق أم هو جزء منها وفق علاقة جدلية بين الكلي والجزئي؛ بما أن كلية الفكر صفة ذاتية للتفكير المنطقي تشمل الفكرة بذاتها وموضوعها وعلاقتها بالآخر ذاتا وموضوعا؟ لنستمع لأدموند هوسرل يتحدث: فالظاهريات لا يمكن أن تتعرف بطريقة صحيحة موضوعية إلا على الماهيات والعلاقات الماهوية، وهي بذلك تستطيع أن تحقق، وأن تحقق على نحو حاسم ونهائي، كل ما هو ضروري للوصول إلى فهم سليم يوضح كل معرفة تجريبية وكل معرفة على وجه العموم: توضح "أصل" جميع المبادئ المنطقية ـ الصورية والمنطقية ـ الطبيعية وأية مبادئ معيارية (هادية) أخرى وتوضح أصل جميع المشكلات المتضمنة في تضايف الوجود. إن للأشياء "طبيعة" وأن هذه الطبيعة يمكن أن تحدد عن طريق تصورات مضبوطة معينة، بطريقة منطقية تجريبية. ـ 1 ـ يلمح هوسرل إلى أولوية الظاهرات على النظرية في النشوء والتكوين، فالظاهرات بما هي وجود، بل ظهور وتمثل للوجود بعينه، هي التي توضح وتحقق أصل وطبيعة جميع المبادئ والنظريات المتضمنة في تضايف الوجود. ربما بدا من المناسب بل الأنسب أن نتحدث عن أي منطق؛ عن أي تعريف بذاته يجري الكلام، وكما سنرى ستكون لدينا تباينات عدة نلقي عليها بعض الضوء. لعل الكلمة الأقرب مصاحبة للمنطق والتي يكثر ارتباطها به اصطلاحا هي كلمة "علم". من جانب آخر نتأمل فيما إذا كان الحال مغايرا، أي تجول القضية في ميدان التناول الوجودي. تكمن أهمية تعريف المنطق بصفته أداة أولية للتفكير السليم، أداة للتحليل والاستدلال؛ فأنت بدونه لن ترسم لوحة سريالية على الورق، بل ستملأ الفراغ فقط بنوع ما من العبث اللا مجدي وغير المنتج، تلك الأداة ضرورية ولازمة، وبدونها لا يُتصور قيام علم، وتحديدا أي علم وحتى كل علم. من حسنِ حظ الإنسان قدرته على ممارسة جزء من المنطق دون تَعَلُّمٍ، وكأنه ضرورة حيوية موجودة في الإنسان كوجود غريزة البقاء، لا تشعر بها وتتدخل تلقائيا لأداء وظيفتها بسلاسة ودون تلكؤ. هكذا يعمل المنطق عمله في الحياة، ولنتأكد بأنه موجود حقا وبدونه سيضيع الانتظام ويتشتت الكون. لنفكر بمحطة قطارات تنطلق منها مئات الرحلات مع كل ساعة زمن تحمل ملايين الأشياء في اتجاهات متعاكسة، رغباتٌ وأشخاص وأمتعة، نحو غايات متباينة أشد التباين، تظهر للرائي حركة منظمة سلسة متناغمة وكأنها تناظر حركة الأفلاك، تتحرك وتدور بسرعة وتداخل رهيب دون كلل أو خلل. تفكيك وتحليل المغالطة المنطقية: استخدام العقل بطريقة سليمة يعني وجود تفكير نسقي ومنطقي، ولكن لماذا يصل الناس إلى نتائج متناقضة داخل سياقات متشابهة؟ هنا يتوجب الرجوع لقاعدة نصف العلم أو ربعه أو شذرة منه. تلك القاعدة تشكل أساسا لفهم القضية. وللشرح أقول؛ تنشأ التصورات والأحكام المتناقضة والباطلة والخرافية رغم توفر حد ما من العلم والتعقل والمطروحات الأولية، ولهذه الحالات أسباب ودوافع وموجبات، بعضها قصدي والآخر تلقائي، ضيق وسطحية قاعدة البيانات، ضعف وهشاشة أدوات التحقق، الانحياز المعرفي المسبق، أسباب أساسية للتناقض والزلل، أيضا يقع الكثيرون من المؤهلين جامعيا في فخ المغالطات المنطقية، حيث يظهر خلل جلي أو خطأ واضح يبطل الاحتجاج أو الاستدلال. مثلا الربط بين مقدمتين لا علاقة لهما ببعض، مثلا مقدمة أولى: الإنسان نوع من الثدييات، مقدمة ثانية الثعالب من الثدييات، نتيجة، كل إنسان هو كائن مخادع. لا يوجد علاقة بين كون الإنسان والثعالب من الثدييات تؤسس لاعتبار الإنسان كائن ماكر. والقياس الفاسد، استنتاج باطل يساوي بين مقدمتين أو فئتين أو كيانين مع وجود افتراق ماهوي جلي. لننظر في المغالطة المنطقية التالية: مغالطة من يؤكد صدق المقدم بناءً على صدق التالي. "إذا نزل المطر اخضر الزرع"، فهل يُصَدِّقُ اخضرار الزرع نزول المطر؟ فتكون العبارة الآنفة الذكر "بديهة" كما هو حال البديهية المنطقية الرواقية؛ إذا كان الضوء شائعا عاما كانت الشمس مشرقة، أي النهار قائم. فنحن نتأكد من الاستدلال على الشمس بالنور والضوء المشع، والقياس صحيح إذا كان النهار مضاء فالشمس مشرقة، والعكس صحيح أيضا. حسب المغالطة أعلاه اخضرار الزرع يعني بالضرورة نزول المطر، كما أن نزول المطر يعني بالضرورة اخضرار الزرع. لكن الواقع المشاهد والمحسوس لا يصدق تلك الأطروحة، بل يظهرها كحال خاصة وليست عامة، فقد يكون سبب الاخضرار المطر وقد لا يكون، بدليل أن الزراعة المروية في المناطق الحارة أو الصحراوية الجافة تؤدي لاخضرار مزروعات، كما هو الحال أيضا تهطل المطر فوق صحراء قاحلة ولا تنبت زرعا ولا تحسب ماء. مغالطة التعميم: هناك فئة من الناس يتحسسون من أكل القشريات البحرية؛ إذن البشر يتحسسون من أكل القشريات البحرية. مغالطة المقياس الشخصي الفردي: رأيت رجلا نحيفا يقيء الطعام في المطعم. إذن كل الأشخاص النحيفين يتقيؤون الطعام بعد الأكل لذلك هم نحيفون. مغالطة المنحدر أو الانحدار: إذا سمح للنساء بالعمل خارج المنزل فسيتحول الناس إلى مجتمع فاسق. مغالطة التتابع: طالما أن الرجال يتمتعون بقوة جسدية أكثر من النساء، وجب أن النساء غير مناسبة لممارسة العاب القوى. مغالطة التوسل بالجهل: الافتراض أن شيئا ما صحيح لأنه لا يوجد دليل على أنه خطأ. يقوم نقض المغالطات المنطقية، على عدة مبادئ: ـ صحة الفرضيات: صحة الفرضيات، المقدمات، سبب صحة النتيجة. حيث أن الفرضيات هي الأساس الذي يُبنى عليه الاستدلال. صحة الاستدلال: لكي يكون الاستدلال صحيحا وجب أن يكون الرابط أو العلاقة بين المقدمات، أو الفرضيات، وبين النتائج حقيقيا وصحيحا. ـ عموم القياس: يجب أن تكون النتيجة عامة حتى يصبح قياس خاص، قاعدة عامة وبديهية. أي تجنب القياس الجزئي كقياس عام ما لم يصدق على كل الحالات. حسب المثال الشهير عن البجع الأبيض، فالشائع أن البجع أبيض لا ينفي وجود بجع أسود، وبالتالي لا يصح قياس: كل البجع في الصين أبيض إذن كل البجع في العالم أبيض. ـ مطابقة النتيجة أو الاستنتاج للواقع عبر الزمن: أي عدم مناقضة الواقع المعاش والمحسوس والمجرب. فالحالات الاستثنائية حتى ولو كانت حاصلة أحيانا لا تصلح كمقياس عام. فالفرضية أو المقدمة التي بنيت عليها النتيجة يجب تَحَقُق صدقيتها في الماضي والحاضر والمستقبل. مثال ذلك: الفرضية: أن الأرض تجذب الأجسام نحوها بقوة تدعى قوة الثقل تمثل قوة جذب الأجسام نحو الأسفل شاقولياً. الحكم أو النتيجة: أن الجاذبية قانون طبيعي مطابق للواقع دائما. صحيحة وبديهية؛ لأنها صادقة في كل مكان وزمان على كوكب الأرض قديما وحاضرا ومستقبلا. الرابط أو العلاقة: إن الفرضية تفسر سبب سقوط الأجسام نحو الأسفل بوجود الجاذبية الأرضية. تفسيرا حقيقيا بصورة واقع ومعاشة ومطردة. ما يفيد وجود حقيقي وصائب للرابط والعلاقة. هذا النقاش ضمن إطار فلسفة العلم، ما يعني أن النقاش المحض علمي هو شأن آخر. ونتيجة لذلك مناسبًا جزئيًا. فالأولى تُعنى بدراسة وتحليل الأسس والمنهجيات العلمية المعرفية وعلاقاتها بالمنطق وبقية علوم الفلسفة كعلم القيم والجمال والأخلاق، بينما يُركَّز الثاني على الإحصاء والتجريب والقوانين الطبيعية والنظريات العلمية البحتة. فالعلاقة قائمة وليست كلية. ـ تجنب القياس: عندما يكون الاستدلال قائم على رابط أو علاقة متوهمة، غير موجودة، أو على وضعية استثنائية فردية وجزئية بين الفرض والنتيجة، يكون القياس فاسدا والنتيجة غير صحيحة. تعريف القياس والفساد منطقيا: الفساد هو الاضطراب والخلل والعطب وافتقاد الحكمة والعطل وعدم الصلاح، وهي خواص ظاهرة في ثنايا ما يجب تجنبه في المنطق. وهو قياس غير منتج، أي إما لا يقدم نتيجة وإما أن تكون ناقصة أو خاطئة، ففي كلا الحالين لا يلبي شروط القياس المنطقي. يقول ابن رشد شارحا لكتاب القياس لأرسطو: (أما القياس فهو قول إذا وضعت فيه أشياء أكثر من واحد، لزم من الاضطرار عن تلك الأشياء الموضوعة بذاتها، لا بالعَرَض، شيء ما آخر غيرها. فالقول ها هنا هو جنس القياس، وأريد به القول الجازم. وسائر ما أخذ في الحد هي فصولٌ تميّز القول القياسي بالحقيقة من غير القياسي: فقوله ـ أي أرسطو ـ "‘ذا وضعت فيه" يريد به سُلِّمتْ واصطلح عليها. وقوله: "أشياء أكثر من واحد" يريد بها المقدمات. وإنما قال: "أكثر من واحد" لأنه سيبين بعد أنه لا يكون قياس من مقدمة واحدة. وقوله: "شيء ما آخر" يعني به النتيجة: وذلك أنه واجب أن تكون النتيجة غير المقدمات، فإن الشيء لا يؤخذ في بيان نفسه.) كما يبسط أبو الوليد معنى المقدمة: (كل مقدمة فإما أن تكون مطلقة، أي موجودة بالفعل، وإما اضطرارية، وإما ممكنة. ولذلك تنقسم أجناس المقايسة بانقسام جهة المقدمات. لذلك تتنوع المقاييس الموجودة من قبل هذه الجهات، وكل واحدة من هذه ـ المقدمات ـ إما موجبة وإما سالبة؛ وإما كلية، وإما جزئية، وإما مهملة. ومنها ـ المقدمات ـ ما يكون من مقدمات ضرورية، ووجودية، وممكنة. كما تتنوع من جهة اختلاف المقدمات في الكمية والكيفية. وأعني بالكمية: اختلافها من قبل الأسوار وبالكيفية اختلافها من قبل الايجاب والسلب.) * مثال على وجوب تجنب القياس الفاسد: مقدمة أولى: يعد كل كلب من الحيوانات الثديية. مقدمة ثانية: الطيور حيوانات غير ثديية. النتيجة: الطيور إذن لا تتطابق مع الكلاب في شيء. تحليل المثال: مقدمة أولى صحيحة؛ فكل الكلاب من الثدييات. مقدمة ثانية صحيحة. الطيور لا تنتمي لفئة الثدييات. فبعض الحيوانات لا تتشارك مع الكلاب بصفاتها وهي ليست من فئة الثدييات. النتيجة خاطئة: بالواقع والملاحظة الحسية المباشرة والتجريبية يوجد الكثير من الصفات المشتركة بين الطيور والكلاب، وتحتويهما مجموعة الحيوانات الفقارية. الخطأ حصل بسبب خلل عدم استغراق المقدمات في النتيجة. أي النتيجة لم تستوعب كامل خصائص النوع "الحيوانات" رغم صحة تصنيف الفئة " الطيور حيوانات غير ثديية" لكنها فئة جزئية، لا يحمل الكل. أما مكمن الخطأ فكائن في أن الطيور والكلاب منضوية تحت مجموعة "حيوانات فقارية" وهناك الكثير من الصفات المشتركة بين فئاتها. إذا تمعنا في شرح ابن رشد للقياس استطعنا تفسير لماذا لا تعطي المقدمات الصحيحة دائما نتائج أو قيم أو أحكام أو قواعد صائبة؛ فالمقدمات المستخدمة ضرورية كانت أم ممكنة أم وجودية، ينبغي أن يقوم بينها رابط منطقي وعلاقة وجودية أو معرفية، وبدون ذانك الشرطين لن نحصل إلا على قياس فارغ، أي استنتاج لا معنى له أو خاطئ حصل بسبب فساد الاستدلال. العلاقة المنطقية: نبدأ بتعيين صفات سيمائية لتعريف العلاقة: سمة أو مؤشر الاقتران: يشير إلى ارتباط شيئين أو كيانين بحيث يكون أحدهما مؤشرا عن الآخر. فوجود أحدهما يلزم وجود الآخر. فوجود الحركة يعني وجود الطاقة، فلا حركة بدون طاقة وكل حركة مؤشر عن وجود طاقة. تتسم تلك العلاقة بأنها علاقة اقتران ضروري. لكن ليس بالضرورة وجود طاقة يعني وجود حركة ظاهرة، فإمكانية الحركة بوجود الطاقة قائم، لكن ليس بالضرورة أن تكون الطاقة الموجودة تسبب حركة محسوسة. علاقة نسبية متبادلة: وجود الأول شرط لوجود الثاني. وجود الظل يعني وجود الضوء. وجود الأول "ظل" معدوم دون وجود الثاني "ضوء". علاقة شرطية تربط بين عبارتين وتشير إلى أن إحداهما شرط الآخر. "كوب ماء". لنحصل على كوب ماء لا بد من الأول "ماء" الثاني "كوب" بانتفاء أحدهما ينتفي الآخر. فوحدة "كوب ماء" لا تقوم إلا بوجود الماء والكوب، وبانتفاء أحدهما أو كلاهما تنتفي الوحدة، نحن أمام وحدة مكونة من جزئيين لا تقوم إلا بوجود الجزئيين معا وبانتفاء أحدهما تنتفي الوحدة. علاقة التعادل: تربط بين عبارتين وتشير إلى أن إحداهما يعني الآخر. وجود حرارة يعني وجود مصدر حراري. ولا وجود لحرارة بدون مصدر. علاقة سببية: الأول سبب لوجود الثاني. الآباء والأبناء، بدون الآباء "سبب" لا وجود لأبناء "نتيجة" أمثلة أخرى على العلاقات: اقتران: "السماء الزرقاء والشمس المشرقة". تنافي: "لا يمكن أن تكون السماء زرقاء وخضراء في نفس الوقت". شرط: "العقل شرط للمسؤولية. إذا انعدم العقل انعدمت المسؤولية" فالنمر ليس مسؤولا عن موت الغزال الذي التهمه، فهو يتحرك بالغريزة ولا يمتلك عقلا. أما الشخص المغتصب، بدافع الغريزة الحيوانية، مسؤول عن الأذى والألم الذي سببه للضحية، كونه يملك عقلا. تعادل: "الخمسين هي نصف مائة" كل عدد يقبل القسمة على اثنين يكون الواحد منهما مساويا للآخر. نفي: "لا يقبل عدد آحاد القسمة الكاملة على عدد زوجي". استثناء: "جميع المصلين خاشعون، إلا الساهون " تشير المغالطة المنطقية إلى فساد العلاقة بين المقدم والتالي، فوجود مجموعة من الطلاب الكسالى في الصف لا يعطي نتيجة "كل الطلاب جهلة" قد يجهل مجموع الطلاب لغة ما أو قاعدة رياضية بعينها، كما قد يكون بعض الطلاب كسالى لكن صحة المقدمة لا تفيد بصحة النتيجة الغير منطقية، بل تفيد باضطراب العلاقة بين المقدم والتالي. العلاقة الجزئية بين المقدمتين وبين النتيجة لا يعني صحة الأخيرة؛ فهي مخالفة للواقع ومناقضة للملاحظة التجريبية الحسية. هل هناك منطق عالمي: universal logic؟ كنظرية عامة للأنظمة المنطقية: تبقى فكرة أن هناك عقلا لا مرئيا يعمل وفق أسس وقواعد معينة ومحددة هو الذي يسمح بانتظام الحركة والسكون، منطقية وفقا لما استعرضناه أعلاه من طبيعة العلاقات بين الموجودات وبالنظر إلى نظرية المقولات والقياس. والشيء المنطقي ينبغي أن يكون مفهوما وغير مناقض لقواعد التفكير السليم. ما يتيح للحياة بمفهومها الميكانيكي كعنصر كائن في كل شيء قابل للاستمرار والنمو والتحول والتغير وتبدل ظواهره الأولى، لتعاود الظهور بهيئات وأشكال جديدة مماثلة ومغايرة، التطور، كل ذلك وفق صيرورة كونية منطقية، مستورة حينا ومكشوفة أحياناً. هي مؤشر ودلالة على منطق مطلق يتبلور في الأشياء المادية، من هنا وجدنا أبحاث المنطق الأرسطية بدأت بكتاب المقولات التي هي القيم المعرفية للأشياء، فما هي تلك القواعد والقوانين والأسس التي تتدخل بصورة صارمة لبناء الانتظام ومنع انهياره وتدهوره؟ إنها منظومة علاقات وضوابط موجودة في جوهر الوجود ذاته، في طبيعة التكوين المادي للأشياء. ها هنا نفهم ادعاء أرسطو بأن للأشياء قيم معرفية، صنفها تحت مفهوم المقولات وطورها كانط للفئات وهوسرل للأقاليم. تتآلف فيما بينها وتتكامل بهيئة رئيسة عليا هي المنهج بوصفه علم مطابقة الفكر لموضوعه. كما نفهم طرح كانط أن هناك عقلًا عالميا هو الذي ينظم الكون. ورؤية هوسرل أن هناك عالما مثاليًا ترنسندنتالي متمايز أو مفارق للعالم المادي، وأنه بذلك العالم المثالي للظواهر ينتظم الوجود الكوني. ونصل لمعتقد ديكارت بأن هناك إلها خالقا هو الذي يمسك بالكون ويثبت انتظامه على الكون وينظمه. ونستوعب نظرية هيغل بأن هناك روحا كونية ترتب الكون وتحافظ على اتساقه. وندرك إثبات سبينوزا لوجود "الطبيعة الإلهية" كجوهر لكل الأشياء في الوجود. وهي فكرة سببية تفسيرية. ها هنا نرجع للفكرة أعلاه بافتراض وجود علاقة بين منطق محض وعقل محض، تفسر حقيقة الانتظام والأبدية. حتى نعي أهمية بل ضرورة بحث ودراسة وفهم فكرة المنطق في أصلها وشكلها. يشمل التفتيش، محل الجدل، أصناف وأنواع المنطق كالممتلئ والفارغ وذي الصلة، الضعيف، والمحض أو المطلق، وطبيعة القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون، وماهية النظم الأساسية التي تُنظم البنية الشكلية المتماسكة والمتناسقة في الموجودات المادية والمجردة. ويندرج تحته فكرة أن هناك نظاما منطقيا متعلقا بجميع الظواهر الوجودية الطبيعية المادية والعقلية الروحية التأملية والشعورية. يقول جون ديوي ( 1859 ـ ١٩٥٢) في معرض تلخيص التباينات حول طبيعة ومفهوم وبنية المنطق: " ولكي أوضح ما هو قائم بيننا اليوم من تضارب الرأي فيما يختص بالأصول العميقة لمادة البحث، فلا بد لي من ذكر طائفة من الآراء المختلفة عن طبيعة المنطق، وهي آراء يصطرع اليوم بعضها مع بعض؛ فيُقال — مثلًا — إن المنطق هو علم القوانين الضرورية للفكر، أو إنه نظرية العلاقات المنظمة، أعني العلاقات التي تستقل بوجودها عن الفكر؛ وهنالك على الأقل ثلاث وجهات للنظر بالنسبة إلى طبيعة هذه العلاقات: ١) فوجهة نظر تقول إنها تكون عالما قوامه الإمكانات الخالصة، ومعنى «الخالصة» هنا أن تلك الإمكانات لا تعتمد في وجودها على الوجود بالفعل. ٢) وأخرى تقول إنها الثوابت الأولية التي تُقيم الطبيعة. «نظام» ٣) وثالثة تقول إنها قوام البناء العقلي للكون؛ فإذا أخذنا المنطق بهذا المعنى الثاني الذي يجعله دراسة العلاقات مستقلة عن الفكر، فإنها رغم استقلالها هذا عن الفكر الإنساني، تجسد البناء العقلي للكون، كما يزعمون، وهو بناء تتمثل صورته إلى حد محدود في عقل الإنسان؛ وهنالك أيضا وجهة النظر القائلة بأن المنطق مختص بعمليات الاستدلال التي هي وسيلتنا إلى بلوغ المعرفة، والمعرفة العلمية على وجه الخصوص. وأخيرا ظهر على المسرح رأي آخر في موضوع دراسة المنطق، وهو رأي يذهب إلى أن المنطق معنيٌّ بالبناء الصوري للغة باعتبارها نسقا من رموز؛ وحتى ها هنا تجد في الرأي انقساما: فشعبة تقول إن المنطق هو نظرية تحويل العبارات اللغوية، وعندئذٍ يكون أساس التحويل هو التطابق الذاتي بين صور البناء اللفظي (بحيث يمكن لبناءين مختلفين أن يكونا ذوَي دلالة واحدة)، وشعبة أخرى تقول إن النسق الرمزي الذي هو موضوع دراسة المنطق هو بمثابة جبر كوني للوجود الفعلي. ـ2 ـ بينما يقدم ديوي عرضا سريعا مختصرا لتباينات النظرية المنطقية، يطرح بإسهاب نظريته القائلة بأن المنطق أداة لحل المشكلات، ويميل لمنطق البحث التجريبي. ويعد بيرس مطورا لنظرية ديوي ومؤسسا للنظرية البراغماتية ومعالجة المنطق الرياضي والفلسفة العلمية والميتافيزيقا العلمية. كأسس للعلوم الإنسانية والتاريخ والاقتصاد. تشارلز بيرس: كان تشارلز ساندرز بيرس (1839-1914) مؤسس البراغماتية الأمريكية (بعد حوالي عام 1905 أطلق عليها بيرس اسم "البراغماتية" من أجل تمييز وجهات نظره عن آراء ويليام جيمس (1842 ـ ١٩١٠ ) وجون ديوي وآخرين، والتي كانت تسمى "البراغماتية"، مُنظِّر في المنطق واللغة والتواصل والنظرية العامة للعلامات (والتي غالبًا ما أطلق عليها بيرس اسم "سيميولوجية")، ويليام عالم منطق غزير الإنتاج ومطور للميتافيزيقا التطورية والنفسية الجسدية الأحادية. ناقش ودرس الجيوديسيا psycho-physically monistic) ) ـ أحادية النفس والجسد، أو توازن النفس والجسد. مقابل ثنائية العقل والجسد. ينظر إلى الظواهر العقلية والجسدية على أنهما سلسلتين من أحداث مترابطة تماما، التشبيه الموازي المعتاد لذلك التوازن هو ساعتان متزامنتان تحافظان على الوقت المثالي. وهكذا، بالنسبة للتوازي، فإن الحدث العقلي لرغبة الشخص في رفع ذراعه يتبعه مباشرة الحدث الجسدي المتمثل في رفع ذراعه، ومع ذلك ليست هناك حاجة لافتراض أي علاقة سببية مباشرة. درس بيرس أيضا الرياضيات والعلوم الفيزيائية، والتاريخ والاقتصاد، من ناحية أخرى والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ما يشير بوضوح إلى موسوعية فلسفته وآثارها العميقة على كل من جاء بعده.
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قواعد المنهج في علم الظاهراتية. الموسوعة الفينومينولوجية
-
تأصيل مفهوم الشعور كأساس ظاهراتي، نقد الشعور الوجودي عند هاي
...
-
الانقسام الجوهري بين فينومينولوجيا هوسرل وأنطولوجيا هايدغر ا
...
-
الترجمة والتأويل بنسق فلسفي ظاهراتي
-
-فينومينولوجيا الاستيعاء: التمايز المنهجي بين الإدراك الحسي
...
-
الظاهراتية بين الوجود كوعي والوجود ككينونة هوسرل مقابل هايدغ
...
-
ماهية المسؤولية، من خلال استعراض لتاريخ الفلسفة الظاهراتية (
...
-
نظرية إحسان طالب في المسؤولية والوعي اليقين الماهوي والحدس ا
...
-
الدولة ما بين هيوم وهيغل. مبحث فينومينولوجي
-
نقد نظرية ميشال فوكو حول السياسة الروحية. نظرية الخميني ونظر
...
-
الوعي بالشعور سُبل التفكير الايجابي
-
في مفهوم الديموقراطية الالتباس والواقعية السياسية
-
ثقافة التسامح بين الفكر الوصفي والفكر الغائي وفي ضوء علم الن
...
-
الفرق بين النويما والنويزس في فلسفة أدموند هوسرل*
-
ثنائية العقل والنقل تفكيك التعارض دراسة فلسفية*
-
الاقتصاد الإسلامي التحديات والآفاق دراسة مقارنة
-
الكَلِماتُ والْمَعاني ما يُعَوَّلُ عَلَيْه بَيْنَ الفَلْسَفَ
...
-
القاموس التاريخي لفلسفة هوسرل جون جيه. دروموند
-
التجديد الديني، في المعنى والتاريخ. مقاربات الأصوليين والإصل
...
-
أصل المعرفة هل حقا المعرفة النهائية لا أدرية كما يدعي هربرت
...
المزيد.....
-
أول رد بريطاني على محاولة إيران استهداف قاعدة -دييغو غارسيا-
...
-
تمدد الحرب يتعمّق في المنطقة: مقتل ضابط في استهداف مقرّ المخ
...
-
غارات إسرائيلية كثيفة على مناطق مختلفة في لبنان
-
الخرطوم تحتفل بعيد الفطر لأول مرة بعد سنوات الحرب والنزوح
-
أيها النفاق الغربي ستكون لك وحشة
-
تعافٍ متواصل للخطوط الجوية القطرية.. قفزة في الرحلات بعد ترا
...
-
لماذا تتلاشى فرحة العيد؟ 6 أسباب تفسر غياب البهجة
-
غزيون: فرحتنا ناقصة ونعيّد على أحبابنا بالمقابر وليس في البي
...
-
تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز يرفع أسعار الوقود في اليابان وا
...
-
قصف منشأة نطنز النووية واستهدافات تطال مناطق جديدة بإيران
المزيد.....
-
وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف
/ عائد ماجد
-
أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال
...
/ محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
-
العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو
...
/ حسام الدين فياض
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
المزيد.....
|