احسان طالب
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 20:15
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
بناء مجتمع سوري أقل تصادما وأكثر تماسكا، التنوير القسري لمن؟
انتظم خطاب النخب الثقافية المنحازة جوهريا لوعي مستبطن عميق بانتماءاتها الأيديولوجية والدينية والطائفية بالتعالي وصولا إلى درجة التكبر والغرور، المفرط، كأن يطالب حقوقي قديم باستجداء الغرب لإعادة احتلال سورية كي تعلم الشعب أو الأكثرية الحضارة وبناء الدولة.
أو عندما سأل القاضي الألماني الطبيب علاء موسى، المحكوم بالسجن المؤبد في المانيا، عن جرائم كان يمارسها بحق المعتقلين في مشفى حمص العسكري ومشفى المزة العسكري بدمشق وغيرها، منْ قتل ونزع أعضاء وتعذيب ممنهج أجاب: (أنا مسيحي وهم جهاديون) هذا خطاب صدامي دوغمائي كان مستترا تحت مفاهيم ومبادئ عامة مختلف على شموليتها وآليات تطبيقها كالحرية والديمقراطية والحقوق الفردية والمواطنة، لكنه ظهر عاريا في أجواء من الحرية العملية يعيشها السوريون في ظل العهد الجديد.
ومن أجل بناء مجتمع سوري أقل تصادما وأكثر تماسكا ينبغي توعية الأقليات بمفهوم المساواة أولا وعدم منح نفسها حقا افتراضيا بالسبق الحضاري والثقافي، كما يتطلب فهم بأن "الاحترام" ليس تنازلاً، بل هو ضرورة لانتظام الوجود ككل. فالمفهوم الطيفي الاجتماعي النوعي ليس حقيقة ولا يقين طبيعي.
وعلى الجميع استيعاب أن الاستعلاء الفكري أو الثقافي الذي قد تمارسه بعض النخب (الأقليات) يخلق جداراً عازلاً إضافيا يمنع "التفاهم الواقعي". ويجعل من التقارب أشد بعدا وصعوبة، فالمسؤولية الأخلاقية هنا تقتضي الاعتراف بالآخر كشريك كامل، لا ككتلة تحتاج إلى "تنوير" قسري. ذلك أن الانكشاف وإزالة الطبقة الرقيقة التي كانت تغطي تفاوت الوعي، والاستغراق في الاستجابة للإدراك الحسي، وما ينطلق من ردود أفعال انفعالية وأحكام متسرعة، يقع داخل مفهوم الخداع الحسي المتعارض مع الوعي القصدي للصواب وإمكانية التحقق.
إن اللباقة السياسية التي تتحلى فيها الدولة السورية الحالية يمنحها مرونة تتيح السير بالتدرج نحو بناء مؤسسات عقلانية، قد يستغرق وقتا طويلا، وقد ينحرف عن مساره بواسطة الأدوات المهيمنة والمسيطرة، ربما يكون السير في درب معرفي مؤسس يعتمد على مفكرين وفلاسفة يمتلكون القدرة على استخراج مفاهيم تحرير سياسية تلقى قبولا عند الأكثرية، وتوعية الأقليات بضرورة احترام الأكثرية والتخلص من نظرة نفسية مغموسة بتفوق حضاري متخيل، يكون ظنا مرجوحا بحق الوصاية والتسيُّد، ولعل حكما أقلويا ساد وتسلط وتحكم في إعادة تركيب اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي لفترة تقترب من ستة عقود، كان سببا مباشرا لتلك المعضلة النفسية المضافة لاعتقادات باطنية مكبوتة، راكمت نقصا تمثل التخلص منه باستعلاء مستبطن متمكن.
بالنسبة لسوريا، بالفعل هناك تعقيدات هائلة تراكمت عبر قرون من الزمن، بفعل التغيير التاريخي وتبدل مستويات الوعي من جهة تقدم وتأخر مكامن التعقل والتفهم والتبرير والاعتقاد، ويتوقف على قدرة اللباقة السياسية التي تمتلكها الدولة الجديدة لتحقيق التوازن بين تفكيك إشكال الإقرار الانتخابي وبين ممارسة عملية تسمح بالحد من حصار الحريات وتقييدها.
تكمن اللباقة هنا في إقناع "الأكثرية" بأن الفوز في الانتخابات لا يعني امتلاك "الحقيقة الماهوية" للمجتمع، بل هو مجرد "تفويض وظيفي" ظرفي لإدارة الشأن العام، ملتزم بضوابط دستورية قانونية تضع حداً لاستيلاء منظومة أيديولوجية أو دينية أوعلمانية على الدولة والمجتمع، وتمنع تكرار حكم "الحزب الواحد" كقائد للدولة والمجتمع.
وتظهر هنا أهمية حماية الوعي السياسي الفردي من السقوط في فخ "الإدراك الحسي الجمعي" الذي يختزل الدولة في كينونة ظهور ديني أو طائفي واحد.
وفي ظل اعتماد مفهوم "الدولة الأخلاقية" تقتضي المسؤولية ألا يتحول الصندوق الانتخابي إلى أداة لـ "المعنى الفارغ"، كفكرة التفوق العرقي أو الوجداني أو التاريخي، الذي يقصي التنوع، فالصندوق الانتخابي يجب أن يكون محكوماً بـ "المسؤولية تجاه الآخر" كشرط لانتظام الوجود السوري، ومنع الميل لتكتلات ما قبل وطنية أو انتماءات تتعالى على الدولة كمجتمع سياسي.
تلك اللباقة السياسية المشار إليها، تقتضي عدم الصدام العنيف مع المظاهر السلوكية الدينية، وإدارتها بالحياد الموضوعي الإيجابي بالتحلي بالمساواة والعدالة، والأخذ بعين الاعتبار مصلحة المجتمع العليا ومنع التعدي على حقوق الغير أو التطاول على الضوابط والقواعد والمنظومات القانونية، والاشتغال على تحقيق الوصول إلى "موضوعية الفضاء القانوني" دون تدخل في "ضمائر" الأفراد لتأمين الحفاظ على "حرية مسؤولة في الفضاء السلوكي" محمية مؤسساتيا بموجب التزامات رسمية معلنة ومعروفة.
هذا التوازن المطلوب يمنع تحول الدولة إلى "سجن أيديولوجي" (سواء أصولي أو علماني أو طائفي متطرف) في ظل فضاء عام ثقافي يساهم بنمو "وعي فردي"، يدرك بمرور الوقت أن مصلحة الجماعة أو الفئة الحضارية، تكمن في الحفاظ على التنوع والتعدد والتشارك الذي يكون ضامنا ومانعا استبدادا فرديا وهيمنة فئوية.
في المرحلة الانتقالية لن تكون "المجاملة" بين العلمانية والأصولية، مطلبا أو تسوية، بل لا بد من تحويل في بنية الوعي الاجتماعي، فتتقدم اعتبارات مصلحة الفرد والمجتمع والحفاظ على القيمة العليا للدولة على ما سواها من مبادئ وقيم أيديولوجية مقولبة، قد تتغول لتحل محل "منظومة حقوقية محايدة". فحتى الأصولية المعتدلة كمثال، نجدها بالغالب تتبنى "التسامح" مع الآخر المختلف أو المخالف كفضيلة أو مكرمة أو عطاء من أعلى، بينما يصير التسامح بين يدي الدولة الحديثة قيمة وأساسا سياسيا واجتماعيا وحقوقيا، ومظهرا من مظاهر السلوك الاجتماعي البناء المدعوم بالتربية والتعليم، وممارسة تسلكها مؤسسات رسمية تقدم نماذج مثلى يُقتدى بها.
إن دسترة "الحريات الفردية المسؤولة " كقيم مطلقة لا تخضع لنزوات ورغبات وأهواء الأكثرية أو الأقلية، هنا يأتي دور المسؤولية الأخلاقية التي يشترط فهمها ووعيها كاستحقاقات وجودية تحمي وتمنع عودة الطغيان أو الاستبداد أيا كان شكله أو نوعه حماية لـ "الوجود الفردي" وحفاظاً على تماسك وتوافق "الوجود الجمعي". فكلاهما متضايف يكونان السور والوجاء الحامي لمظهر دولة سليمة معافاة.
نقترح أن تنتهج الدولة السورية القادمة بوضوح مبدأ "حياد الفضاء العام". وفي ظله يصبح للمجتمع الحق في ممارسة شعائره وتطلعاته الدينية في الفضاء العام والخاص والمدني، كحق للجميع دون استثناء ولا تمييز.
وندعو لإشاعة مفاهيم الدولة الحديثة باعتبارها منظومة "عقلانية محضة" ومؤسساتها المادية والاعتبارية (الدستور، القانون، القضاء، التعليم) لا تخضع لاعتبارات مرجعية ذات اتصاف غيبي بحت، بناء على التمييز الماهوي بين العلمي والموضوعي، وبين النص المرجعي التاريخي والموروث النقلي الخاضع للاجتهاد العقلي المنضبط بالأصول العلمية.
هذا يمنع تحول "المظاهر السلوكية الدينية" إلى أدوات قمعية ضد التنوع الطائفي والاثني، ويحفظ للدولة دور "المراقب السلطوي المسؤول " المتمتع بوعي عميق بمبادئ الدول المسؤولة عن حيادية الحق وقبلية المسؤولية، الذي لا ينحاز للإدراك السطحي الذاتي أو الاجتماعي خارج المنظومة القيمية السياسية والاجتماعية لفئة على حساب أخرى.
هل يمكن للدولة في ظل تلك المرحلة الانتقالية والتحول من هيمنة نظام سياسي مفكك، كان يأخذ شرعيته من سلطة القهر، وبقايا عقلية جامدة، تضع نصب عينها هدف أعلى مستند إلى شرط استدامة السلطة دون أي تغيير جوهري أو شكلي، وربما يشكل "قانون الأحوال الشخصية" اختبارا حقيقيا لمدى اللباقة الحقوقية التي تتحلى بها منظومة الحقوق والقضاء الموجود حاليا. بحيث تجد مخرجا لبسط صلاحيات الدولة الحديثة في سوريا وقدرتها على تفتيت القوانين القائمة بناءً على المذاهب، والسماح بوجود قوانين تعتمد المواطنة والحق الشخصي بما لا يتعارض مع مفهوم العدالة، ولا يناقض حق التصرف المنضبط بقواعد لا تسمح بالتفريط بالنظام العام والأعراف الاجتماعية المتفق عليها والسائدة.
قد لا تكون العقبة الكؤود أمام تحول الطرح النظري إلى فعل تطبيقي هم الأكثرية، الذين تحاول نخب أقلوية جعلهم بمستوى فكري ومعرفي أدنى، بل وإنه وفقا لما يصدر عن قامات أكاديمية واجتماعية من خضوع، غير مبرر، لمرجعيات دينية طائفية ضيقة، نلاحظ كيف ستكون التطلعات الطائفية والمذهبية المتعددة الممانع الأول والأكثر صلابة في طريق تطوير قوانين الأحوال الشخصية والحريات الدينية، وهذا لا ينفي من حيث المبدأ تشكل معارضة من أطراف محددة، مندرجة ضمن مفهوم الأكثرية، تقف أمام طرح "قانون مدني اختياري" كخطوة أولى. هنا تظهر أهمية الارتقاء الفكري والعقلي، الذي يفترض الاشتغال عليه من قبل المؤسسات الإعلامية والتربوية والدعوية الرسمية، بما يؤهل العامة بتسامح يمنح حرية الاختيار بين الانتماء المدني والسياسي وتمكين الانتماء الوطني الخالص، بما يقلل من ثقل وطأة المؤسسة المرجعية التاريخية الراديكالية، التي تمارس استلابا متفاوتا لوجدانيات الناس، وتسعى للهيمنة على عقولهم دون افتراض مسبق دحضته الوقائع، بأن المرجعيات النصية والأصولية والتاريخية للأكثرية هي التي تستولي على القسط الأكبر من القدرة على إعاقة مشروع قانون وطني يجعل الحق أساسا والإنسان منطلقا، فالتشدد والتطرف الذي تتمسك به المرجعات الأقلوية وصل لمستويات عالية متصاعدة، يشكل ضغوطا وجدانية وعاطفية نفسية على الأفراد وعلى الجماعات الصغيرة ضمن الفئات الأكبر عددا أو انتشارا. الذي تمارسه الأصولية على الحريات الشخصية دون الدخول في صدام دموي مباشر معها.
من أجل المساعدة في تهيئة العقول والعواطف لقبول التحول إلى فلسفة التعليم: بداية باستبدال "التلقين" بالتعقل والتفهيم، بهذا الصدد يصير التركز على "التعقل" كوظيفة لإصدار الأحكام. والتفهم كوسيلة للتعليم، كسياسة بعيدة المدى تبدأ بإصلاح تعليمي يفكك "المعطيات الحسية" الجاهزة التي تقدمها الأصولية (كحقائق مطلقة) ويعيد بناءها كـ "ظواهر" قابلة للنقد والتحليل.
بدلاً من تعليم "الدين" كقالب سلوكي صارم مفرغ من مسؤولية أخلاقية تجاه الآخر والعالم، يُدرس كـ "ظاهرة قيمية ثقافية وتاريخية"، تلفها روح وجدانية، تقود جسدا وفكرا ملتزما بواجبات وقواعد سلوكية خيرة، بما لا يخل بالأصول الجوهرية، تلك السردية تقلل من حدة "الأدلجة" وتفتح المجال أمام قبول التنوع الاثني كغنى وجودي لا كتهديد للكيان.
إن الدولة السورية بحاجة إلى ما يصح تسميته "اليقين الماهوي" في تعريف المواطنة؛ أي أن يكون "السوري" هو الماهية الثابتة، بينما الانتماء الديني أو الاثني هو "عرض" إلقاء التهم من أعلى وتجنب النقد الذاتي والتعلل بالطهر العرقي والصفاء الديني، وتوهم التفوق بالانتساب الاثني أو المذهبي أو الديني، لا يشكل سلوكا سليما ولن يعود بفوائد على المدى المباشر والطويل، بل على العكس سيثبت مقولة أن وهم الاستعلاء والتفوق دليل على انحدار أخلاقي وتدهور عقلي.
#احسان_طالب (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟