رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 14:04
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
إنَّ الحديث عن “أسبقية العراق التاريخية” هو في جوهره سؤال يتعلق ببداية الوعي البشري نفسه: أين بدأ الإنسان بتحويل الطبيعة إلى معنى؟ وأين تحولت التجربة الإنسانية من ذاكرة شفوية عابرة إلى تاريخ مكتوب؟ ولهذا فإنَّ الجدل حول العراق القديم يتجاوز حدود الوطنية الضيقة، لأنه يرتبط بمشكلة فلسفية وتاريخية كبرى هي: مشكلة البداية.
ظهر في السنوات الأخيرة عدد من الباحثين والمهتمين بالآثار العراقية ممن حاولوا إعادة قراءة التاريخ القديم خارج السرديات التقليدية، ومن بين هذه الطروحات ما ذهب إليه أحد المهتمين بالتراث الرافديني من احتمال ارتباط قصة النبي يوسف بالعراق القديم، مستندًا إلى تشابهات رمزية وتاريخية مع شخصية الملك السومري كوديا، وهو طرح يدخل ضمن محاولات أوسع لإعادة مركزية العراق في التاريخ القديم، سواء على مستوى الدين أو الأسطورة أو الحضارة.
ومهما يكن من أمر صحة هذه الفرضيات، فإنها تعكس نزعة فكرية متنامية ترى أن العراق كان نقطة الانطلاق الأولى لكثير من البنى الفكرية والدينية والسياسية التي انتقلت لاحقًا إلى بقية العالم القديم.
هذه الفكرة ليست جديدة بطبيعة الحال. فمنذ منتصف القرن العشرين ارتبط اسم عالم السومريات الأميركي صموئيل نوح كريمر بمقولة شهيرة أصبحت شبه شعار ثقافي: “التاريخ يبدأ في سومر”. وقد صدر كتابه الأصلي سنة 1956 باللغة الإنكليزية ثم تُرجم إلى العربية بكتيب مختصر صدر ضمن سلسلة “الموسوعة الصغيرة” العراقية سنة 1980 بترجمة ناجية المراني ، كان كريمر يشير إلى أن أقدم الشواهد المكتوبة المعروفة لكثير من الظواهر الإنسانية ــ كالقانون، والتعليم، والأدب، والبيروقراطية، والأساطير الدينية، والعقود الاقتصادية ــ ظهرت في مدن جنوب العراق القديمة.
وقد ساهم هذا الطرح في ترسيخ صورة العراق بوصفه “مهد الحضارة”، وهي فكرة تبناها لاحقًا عدد من المثقفين والإعلاميين العراقيين، ومنهم علي النشمي الذي قدّم في تسعينيات القرن الماضي برامج ثقافية كانت تميل إلى إبراز مركزية العراق الحضارية. والمفارقة أن اسم علي النشمي ظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية العراقية أكثر من حضور مؤلفاته المطبوعة، إذ يذكر كثيرون أنه كان يتحدث عن امتلاكه عشرات الكتب من تأليفه في حين يصعب العثور على معظمها اليوم فمن خلال جولاتي في مكتبات المتنبي أو البصرة ومتابعة صفحات بيع الكتب في فيسبوك وغيرها، لم أعثر على كتاب واحد من تأليف علي النشمي.
لكن فكرة “أسبقية العراق” تصطدم دائمًا بسرديات حضارية منافسة، وعلى رأسها السردية المصرية القديمة. فالمصريون أيضًا ينظرون إلى حضارتهم بإعتبارها الأصل الأقدم والأكثر استمرارية في التاريخ. ومع ذلك، ظهرت دراسات حاولت الربط بين حضارة وادي الرافدين والحضارة المصرية المبكرة، ومن أبرزها كتاب أ.وادل الموسوم (الأصول السومرية للحضارة المصرية) الصادرة ترجمته عن الدار الاهلية سنة 1999، حيث يذكر أن بدايات الحضارة المصرية تأثرت تأثرًا واضحًا بحضارة بلاد الرافدين، وأن جماعات جاءت من سومر وأسهمت في نقل عناصر حضارية إلى مصر القديمة. ويستند وادل في هذا إلى تشابهات معمارية ورمزية متعددة، من بينها أن أقدم الأهرامات المصرية شُيّد في منطقة سقارة، وهو اسم يرى بعضهم أنه قد يكون ذا صلة لفظية بكلمة "الزقورة" السومرية، كما يشير إلى أن هرم زوسر المدرج، الذي بُني نحو 2630–2611 ق.م، ظهر بعد قرون من تطور عمارة الزقورات في سومر، الأمر الذي دفع المؤلف إلى الاعتقاد بوجود تأثير حضاري رافديني سابق على التجربة المعمارية المصرية.
كما أن هناك بالفعل شواهد أثرية على وجود تواصل تجاري وثقافي بين جنوب العراق ووادي النيل في عصور مبكرة، خصوصًا خلال الألف الرابع قبل الميلاد، لكن تحويل هذا التواصل إلى علاقة “أصل وفرع” يبقى أمرًا يحتاج إلى بحث علمي كبير ، وقد تبنى خزعل الماجدي الذي قدم للكتاب هذا الرأي.
يرى عالم الآثار البريطاني والتر برايان ايمري في كتابه (مصر القديمة) أن الحضارة السومرية تبدو أكثر وضوحًا من حيث تتبع مراحل نشأتها وتطورها التاريخي، إذ يمكن للباحث أن يلاحظ بصورة متدرجة كيف انتقلت مجتمعات جنوب بلاد الرافدين من القرى الزراعية البسيطة إلى المدن المنظمة ثم إلى الدولة والكتابة والمؤسسات الدينية والإدارية.
أما في الحالة المصرية، فيشير أيمري إلى أن ظهور الحضارة الفرعونية بدا أكثر اكتمالًا وفجائية مقارنة بالتدرج السومري، إذ ظهرت عناصر الدولة المركزية والعمارة والطقوس والرموز الملكية في فترة مبكرة نسبيًا دون أن تكون جميع مراحل تطورها السابقة واضحة بالقدر نفسه. ومن هنا ذهب بعض الباحثين إلى افتراض وجود تأثير حضاري رافديني سابق ساهم في تسريع تشكل الحضارة المصرية، الأمر الذي أعطى انطباعًا بأن مصر قد تكون مدينة حضاريًا، بدرجات متفاوتة، للإرث السومري أو الرافديني عمومًا.
ويشير عالم الآثار البريطاني مايكل روف في كتابه (الأطلس الثقافي لبلاد ما بين النهرين والشرق الأدنى القديم) إلى وجود تأثيرات حضارية واضحة لبلاد الرافدين في مصر القديمة، ولا سيما التأثير السومري في بعض أنماط الفخار والزخارف والأعمال الفنية، فضلًا عن المعارف الفلكية التي يُعتقد أن جانبًا مهمًا منها انتقل من مدن سومر، وبالأخص مدينة اوروك التي تُعد من أقدم المراكز الحضرية في التاريخ.
ومع أفول الحضارة السومرية وصعود الحضارتين البابلية والآشورية المنبثقتين من إرثها، برزت اللغة الأكدية بوصفها لغة الدبلوماسية والمراسلات الدولية في الشرق الأدنى القديم، حتى غدت أشبه باللغة العالمية في ذلك العصر. وتشهد على ذلك رسائل تل العمارنة الشهيرة التي كُتبت بالأكدية بين البلاط المصري وممالك المنطقة. ويُعتقد أن مصر الفرعونية أنشأت مؤسسات أو مدارس لتعليم اللغة الأكدية للكتبة والدبلوماسيين، من أجل إدارة علاقاتها السياسية والتجارية مع القوى الكبرى في بلاد الرافدين وبلاد الشام.
غير أن المفارقة الأكثر غرابة تكمن في الطريقة التي نظر بها العراقيون أنفسهم إلى أصولهم التاريخية. فالعراق ربما يكون البلد الوحيد الذي يمتلك أقدم حضارات الأرض، لكنه في الوقت ذاته يعاني من قطيعة نفسية وثقافية مع هذا الإرث. فإذا سألت كثيرًا من العراقيين عن أصولهم، فإن الإجابة غالبًا ما تتجه نحو شبه الجزيرة العربية أو اليمن أو القبائل الوافدة، في حين نادرًا ما يصرّح أحد بانتمائه الرمزي إلى السومريين أو الأكديين أو البابليين أو الآشوريين.
ويرتبط ذلك بجملة عوامل معقدة؛ منها هيمنة السرديات الدينية والقومية اللاحقة، ومنها أيضًا طبيعة الهوية العربية الإسلامية التي أعادت تفسير تاريخ المنطقة ضمن منظور يبدأ من الفتح الإسلامي لا من الحضارات السابقة عليه. ولهذا أصبح العراقي القديم يُنظر إليه أحيانًا بوصفه “آخرًا وثنيًا” أكثر من كونه جدًا حضاريًا.
ومن اللافت أن بعض الباحثين العراقيين أنفسهم تبنوا تصورات تقلل من فكرة الاستمرارية الحضارية المحلية. فالباحث الآثاري بهنام أبو الصوف ذهب في بعض آرائه إلى ربط أصول بعض جماعات الأهوار بجذور مهاجرة من الهند، وهي أطروحات مستمدة برأيي من الاتجاهات القومية التي يؤمن بها الباحث ، ويشير أحمد سوسة في كتابه (حضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين) إلى عدد من الفرضيات التي تداولها بعض المستشرقين وعلماء الآثار بشأن أصل السومريين، ومن أبرزها الرأي القائل إنهم قدموا من خارج بلاد الرافدين، مستندين في ذلك إلى أن اللغة السومرية لا تنتمي إلى العائلة السامية، إذ تُعد لغة معزولة لا ترتبط بقرابة واضحة مع اللغات المجاورة المعروفة آنذاك.
غير أن هذه الفرضيات بقيت محل جدل واسع، لأنها اعتمدت في كثير من الأحيان على الاستنتاج اللغوي وحده، من دون وجود أدلة أثرية حاسمة تثبت هجرة جماعية للسومريين من موطن آخر إلى جنوب العراق. ومن هنا أرى أن الافتراض الأقرب إلى المنطق التاريخي هو أن السومريين كانوا أبناء هذه الأرض، وأن اختلاف لغتهم لا يعني بالضرورة أنهم شعب مهاجر، فالتاريخ البشري عرف شعوبًا كثيرة احتفظت بلغات معزولة داخل بيئات متعددة اللغات دون أن تكون وافدة من الخارج بالضرورة.
كما أن حضارة وادي الرافدين نفسها تبدو، في كثير من تفاصيلها، نتاج تطور محلي طويل بدأ منذ القرى الزراعية الأولى في شمال وجنوب العراق، ثم تدرج نحو نشوء المدن الكبرى مثل اوروك وأريدو، وهو ما ينبغي على المؤرخين استبعاد فكرة “الأصل المهاجر” التي سادت طويلًا في الدراسات القديمة.
أما الباحث نائل حنون فقد ذهب أبعد من ذلك في كتابه (حقيقة السومريين) ، إذ حاول التشكيك أصلًا بفكرة وجود “شعب سومري” متمايز عرقيًا، معتبرًا أن مصطلح “السومريين” قد يكون توصيفًا لغويًا أكثر من كونه إثنيًا بالمعنى الحديث. وهذه النقطة مهمة جدًا، لأن كثيرًا من النقاشات المعاصرة تقع في خطأ إسقاط مفاهيم القومية الحديثة على مجتمعات قديمة لم تكن تفكر أصلًا بمنطق “الأمة” و”العرق” كما نفهمهما اليوم.
ومع ذلك، فإن وجود هجرات إلى العراق عبر التاريخ لا يعني بالضرورة انقطاع الاستمرارية الحضارية. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وخصوبة أرضه، كان دائمًا منطقة عبور واختلاط بشري، لكنه امتلك قدرة هائلة على صهر الوافدين داخل بنية ثقافية محلية أقدم وأقوى. فاللغات تتغير، والدول تسقط، والأديان تتبدل، لكن ثمة أنماطًا عميقة من المخيال والرموز والطقوس تستمر عبر القرون بأشكال مختلفة.
ولهذا تكتسب أطروحات الباحث فاضل الربيعي أهمية خاصة، خصوصًا في كتابه (المناحة العظيمة)، إذ يحاول الربط بين طقوس الحزن والبكاء في حضارات العراق القديمة، ولا سيما طقوس الإله تموز، وبين استمرار ثقافة النواح في الوعي العراقي اللاحق حتى الطقوس المرتبطة بواقعة معركة كربلاء. ورغم أن بعض استنتاجاته قد تكون تأويلية أو قابلة للنقاش، فإن الفكرة الجوهرية تبقى ذات دلالة فالحضارات تعيد إنتاج نفسها في صور جديدة.
ومن الناحية التاريخية الصرفة، فإن ما يميز العراق حقًا لا يقتصر على قِدم حضارته فحسب، إنما يتمثل أساسًا في ظهور الكتابة على أرضه. فالحضارة لا تدخل التاريخ بمعناه الدقيق إلا حين تبدأ بتدوين أفكارها وأحداثها وقوانينها، ولهذا تُعدّ سومر في جنوب العراق مهد التاريخ المكتوب، لأن الإنسان هناك نجح للمرة الأولى في تحويل اللغة إلى رموز مدونة تحفظ الذاكرة وتنقل المعرفة عبر الأجيال.
ومنذ اختراع الكتابة المسمارية في مدن سومر، ولا سيما في اوروك، انتقلت البشرية من عصور ما قبل التاريخ إلى التاريخ المدون، فأصبح بالإمكان تسجيل الملوك والأساطير والعقود التجارية والنصوص الدينية والمعارف الفلكية والرياضية. ولهذا فإن أهمية العراق التاريخية تكمن في كونه المكان الذي بدأ فيه الإنسان يدوّن العالم ويمنحه ذاكرة مكتوبة.
فأقدم النصوص المسمارية المعروفة حتى الآن ظهرت في مدينة أوروك خلال أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، وهي تمثل لحظة مفصلية في التاريخ الإنساني، لأن الإنسان انتقل فيها من الذاكرة الشفوية إلى الذاكرة المكتوبة.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل هذه الحقيقة إلى نوع من “الأسطورة القومية”. فالحضارة لا تنشأ فجأة من فراغ، والسومريون أنفسهم كانوا امتدادًا لتراكمات أقدم تعود إلى ثقافات ما قبل الكتابة مثل ثقافة العبيد والوركاء وسامراء وحسونة. كما أن غياب النصوص المكتوبة قبل السومريين لا يعني غياب الفكر أو الثقافة، لكن يعني فقط أن وسائل التعبير لم تصلنا بعد أو لم تُكتشف.
ولعل الرأي الأقرب إلى التوازن هو أن العراق شهد إحدى أعظم القفزات في تاريخ الوعي البشري، وأن السومريين لم يكونوا “بداية مطلقة” بقدر ما كانوا اللحظة التي أصبح فيها الإنسان قادرًا على تدوين نفسه والعالم من حوله. إنهم ليسوا أول البشر، لكنهم أول من ترك لنا ذاكرة مكتوبة واسعة ومنظمة.
ولهذا فإن قيمة العراق التاريخية تكمن في أنه المكان الذي بدأ فيه الإنسان يرى نفسه بوصفه كائنًا يصنع التاريخ ويكتبه ويحفظه للأجيال القادمة.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟