|
|
العدوى المقدسة
رياض قاسم حسن العلي
الحوار المتمدن-العدد: 8632 - 2026 / 2 / 28 - 02:05
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
( إنَّ الماكرين الذين لم ينخدعوا بهذا الدِّين سوف يستخدمونه لمآربهم، والطموحين يستعملونه كي يُدعِّموا سياساتهم، والنفوسَ الفاسدةَ الحريصةَ على متاع الدنيا من الملذّات سوف تجد فيه الوسيلةَ لإشباع الجشع الذي يسكنها. وسوف يستخدمه المتعنّتون المتعصّبون لكي ينتقموا لكبريائهم ويُرضوا غرورهم. ولن يفلحوا أبدًا في مساعيهم الحقيرة إلا إذا ساندت مطامحَهم شعوبٌ حمقاءُ وورعةٌ تعتقد، عن صادق الإيمان، أنها تُرضي ربَّها عندما ترتكب الجرائم التي يأذن بها كهنتُه أو تُطيع الطغاةَ الذين باسمه يحكمون. وإذا ما أخذ الرعبُ من إلهه كلَّ مأخذ، فلن يستطيع حتى من كان قلبُه سليمًا وروحُه نقيّةً أن يمنع نفسه من أن يحقد على أولئك الذين نعتهم دينُه بأعداء الرب؛ فإذا كان هذا الإلهُ ملكًا غيورًا على ملكه، فلا يجوز أن يشاركه في ملكه أحد. وإذا كان لا يرضيه غيرُ دينٍ واحد، فيجب أن يتمَّ نشرُه في كل مكان، وإذا ما أعاق أحدٌ تمدّدَه وجب سحقُه، وإذا ما هوجم هذا الدِّين وجب علينا أن ننحاز إليه ونفتديه بأرواحنا ونهلك دونه ).
صدر كتاب ( العدوى المقدسة ) في طبعته الأولى في أجواء يغلّفها الحذر والتكتّم، إذ نُشر سرًّا وباسمٍ مستعار اتقاءً لرقابة السلطات الدينية والسياسية في زمن لم يكن يتسامح مع النقد الجذري للمعتقدات السائدة. ويعود هذا العمل إلى الفيلسوف الفرنسي (بارون دي هولباخ 1723- 1789) أحد أبرز مفكري عصر الأنوار، الذي عُرف بجرأته الفكرية ونزعته العقلانية الصارمة في مساءلة المسلّمات الموروثة. عاش الفيلسوف البارون بارون دي هولباخ معظم حياته في باريس التي كانت آنذاك قلب الحراك الفكري في أوروبا. نشأ في كنف الطبقة الأرستقراطية الثرية، في بيئة مترفة اتسمت بالبذخ الاجتماعي، والقصور الفسيحة، والحياة الثقافية الصاخبة التي ميّزت المجتمع الباريسي في القرن الثامن عشر. وقد أتاحت له مكانته الاجتماعية وثروته الكبيرة فرصة الاطلاع الواسع على المعارف السائدة، والانخراط المبكر في الدوائر الفكرية الرفيعة. بعد إتمام دراسته الجامعية، انفتح هولباخ على تيارات الفكر الفلسفي والعلمي في عصره، وارتبط بعلاقات وثيقة مع عدد من فلاسفة ومفكري عصر الأنوار. ومع ازدياد احتكاكه بهم، تعمّق اهتمامه بالفلسفة العقلانية وبالمنهج العلمي القائم على التجربة والملاحظة، وبدأ يميل إلى تفسير الظواهر تفسيرًا ماديًا بعيدًا عن المرجعيات الغيبية. وقد انعكس هذا التوجّه لاحقًا في مؤلفاته التي عُرفت بجرأتها ونزعتها النقدية. ولم يكن تأثير هولباخ مقتصرًا على كتاباته، إنما تجلّى كذلك في نشاطه الثقافي والاجتماعي. فقد سخّر جانبًا كبيرًا من ثروته الضخمة، التي ورثها عن أبيه وعمّه، لدعم الحياة الفكرية في باريس. وعلى مدى ثلاثين عامًا تقريبًا، بين 1750 و1780م، أشرف على واحد من أشهر الصالونات الفكرية والأدبية في العاصمة الفرنسية. وكان هذا الصالون ملتقىً دوريًا يجتمع فيه كبار الفلاسفة والمفكرين والعلماء والأدباء، إلى جانب نبلاء وسفراء وشخصيات بارزة من مختلف أنحاء أوروبا. وقد تحوّل منزل هولباخ إلى محطة أساسية للزائرين الأجانب البارزين القادمين إلى فرنسا، الراغبين في التعرف إلى نبض الفكر الجديد الذي كان يتشكّل آنذاك. ففي ذلك الفضاء الخاص، كانت تُناقش قضايا الفلسفة والدين والسياسة والعلم بحرية نسبية، بعيدًا عن الرقابة الرسمية الصارمة. وكان الصالون، شأنه شأن معظم الصالونات الفكرية في تلك المرحلة، مقتصرًا على الرجال، الأمر الذي يعكس طبيعة البنية الاجتماعية السائدة آنذاك. وضمّت حلقاته عددًا من المفكرين الذين لم يخفوا مواقفهم الإلحادية أو اللادينية، ومن بينهم هولباخ نفسه، كما تبنّى كثير منهم أفكارًا سياسية راديكالية ذات نزعة إصلاحية وثورية. فقد دعوا إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية، وانتقدوا الامتيازات الطبقية، ورفضوا مبدأ الحكم الوراثي المطلق، مؤكدين ضرورة إخضاع السلطة للنقد والمساءلة العقلية. لم يكن هولباخ مجرّد مفكر يكتب في عزلة، إذ كان شخصية محورية في شبكة فكرية واسعة، أسهمت في تشكيل المناخ الثقافي الذي مهّد لاحقًا لتحولات كبرى في التاريخ الأوروبي، وجعلت من صالونه أحد أبرز مراكز الإشعاع الفكري في عصر الأنوار. اشتهر الفيلسوف الفرنسي بارون دي هولباخ في القرن الثامن عشر بمواقفه الإلحادية الصريحة وبنقده الجذري للمسيحية، ولا سيّما للمؤسسة الكاثوليكية. وقد عُدّ في نظر كثير من الباحثين والمفكرين لاحقًا أحد أبرز رموز الإلحاد الفلسفي في عصر الأنوار، وبطلاً فكريًا للمدافعين عن النزعة المادية والعقلانية في مواجهة السلطة الدينية التقليدية. وقد أسهمت كتاباته، بما حملته من تحليل نقدي للدين المنظّم، في ترسيخ قناعة لدى عدد من معاصريه بأن الدين، في صيغته المؤسسية، قد يكون مصدرًا للرذيلة والشقاء حين يُستثمر لإثارة الخوف وتقييد العقل وتبرير الاستبداد. ورأى هولباخ أن كثيرًا من مظاهر التعصّب والعنف الأخلاقي إنما تجد جذورها في تصوّرات دينية تُقدَّم باعتبارها حقائق مطلقة غير قابلة للنقاش. وفي المقابل، دافع عن فكرة مفادها أن الفضيلة لا ينبغي أن تقوم على الخوف من العقاب الإلهي أو الطمع في الثواب، لكن على وعي الإنسان بمصلحته الحقيقية وسعيه إلى حفظ ذاته وتحقيق سعادته ضمن حدود عالمه المحسوس ومعارفه المباشرة. فالإنسان، في تصوّره، قادر بعقله وتجربته على إدراك ما ينفعه وما يضرّه، وعلى بناء أخلاق إنسانية تقوم على التعاون والمنفعة المتبادلة، دون حاجة إلى سند غيبي يفرضها من الخارج. ولم يكن نقد هولباخ موجّهًا إلى التدين الفردي بقدر ما كان موجّهًا إلى البنية السلطوية التي قد تتشكّل حوله، والتي رأى أنها تعيق تحرّر العقل وتطوّر المجتمع.
يقدّم هولباخ في هذا الكتاب قراءة نقدية معمّقة لفكرة الدين المنظَّم باعتباره ظاهرة إنسانية تشكّلت تاريخيًا في سياقات الخوف من المجهول والجهل بقوانين الطبيعة. ومن هذا المنطلق، يحاول أن يفكّك البنية النفسية والاجتماعية التي أسهمت في نشوء المعتقدات، ثم تتبّع مسار تحوّلها من تصوّرات بدائية لتفسير العالم إلى أنظمة متكاملة ذات مؤسسات وسلطات ونفوذ واسع في حياة الأفراد والمجتمعات. ويكشف المؤلف عن الدلالة العميقة لعنوان الكتاب الاستفزازي: (العدوى المقدسة ) فاختياره لهذا التعبير جاء ليجسّد تصوّره لطبيعة انتشار الخرافة داخل المجتمعات. فهو يشبّه انتقال الأفكار غير المفحوصة بانتقال العدوى المرضية؛ إذ تنتشر عبر المخالطة والتلقين دون وعي نقدي، وتغدو محاطة بهالة من التقديس تمنحها حصانة ضد المساءلة. وكما يتشرّب الطفل لغته وعاداته منذ الصغر، يتشرّب كذلك معتقداته في بيئة تُقدَّم له فيها تلك الأفكار باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش. وهكذا تتكرّس (العدوى ) منذ الطفولة، وتتعمّق عبر التربية والتعليم، وتُدعّم بسلطة المؤسسة الدينية والاجتماعية، حتى تصبح جزءًا من البنية الذهنية للفرد، يصعب عليه تخيّل بديل عنها.
يرى هولباخ أن الخرافة، متى أُلبست لباس القداسة، اكتسبت مناعة تحميها من سلطان العقل. فالأفكار التي قد تكون نشأت في الأصل كتفسيرات بسيطة لظواهر طبيعية غامضة، تتحوّل مع مرور الزمن إلى منظومات عقدية متكاملة، تقوم عليها مؤسسات، وتُبنى حولها مصالح، وتُستثمر سياسيًا وأخلاقيًا لضبط السلوك وتوجيه الجماعات. وهنا يتحدّث عن ما يسميه (الدور التسلّطي ) لبعض المعتقدات حين تُستخدم لتطويع العقول وتأطير الأفراد ضمن أنماط تفكير وسلوك محدّدة سلفًا، بحيث يُنظر إلى الطاعة باعتبارها فضيلة، وإلى الشكّ بوصفه خطيئة. يناقش الكتاب كذلك العلاقة المركّبة بين الدين والسلطة، بين الإيمان والامتثال، وبين الخوف والأخلاق. ويؤكد هولباخ أن الفضيلة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على الرهبة من العقاب أو الطمع في الثواب، إذ ينبغي أن تنبع من وعي الإنسان بذاته وبمسؤوليته تجاه الآخرين. فالأخلاق، في نظره، ليست نتاج أوامر خارجية مفروضة، إنما ثمرة إدراك عقلي لحاجات البشر إلى العدل والتعاون والتعايش. وهو، وإن لم يُنكر النزوع الروحي في الإنسان أو حاجته إلى المعنى، يميّز بوضوح بين الإيمان بوصفه تجربة داخلية شخصية، وبين الخرافة حين تتحوّل إلى منظومة مغلقة تحتكر الحقيقة وتمنع النقاش. ويدعو هولباخ إلى أخلاق عقلانية إنسانية، تنبثق من التجربة المشتركة ومن فهم الإنسان لموقعه في العالم، بعيدًا عن الطاعة العمياء أو الخضوع لسلطة الخوف. ويرى أن تقدّم المجتمعات مرهون بقدرتها على التحرّر من هذه ( العدوى المقدسة ) التي تُكرّس التكرار والتلقين، وتضع القيود على السؤال الحرّ. فالسؤال، في نظره، ليس تهديدًا للإيمان الصادق، لكن شرطٌ لنضج العقل واستقلاله. ولا يتخذ الكتاب طابع الهجوم الشخصي أو السخرية الجارحة، لكن يأتي في صيغة دعوة هادئة إلى التفكير النقدي، وإلى إعادة النظر فيما اعتاد الناس اعتباره بديهيًا أو محرّم المساس به. إنّه نداء لتحرير العقل من الخوف، ولإعادة بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والإيمان، علاقة يكون فيها الإيمان خيارًا حرًّا واعيًا، لا نتيجة تلقينٍ متوارث أو “عدوى” اجتماعية. ويعرض هولباخ الدين – حين يتحوّل إلى خرافة مؤسَّسة – بوصفه عدوى تنتشر في الجماهير، وتُسهم في تكريس الجهل وإدامة الخوف، وقد تفضي أحيانًا إلى اضطراب أخلاقي واجتماعي. كما يقدّم تحليلات للعوامل النفسية والاجتماعية التي تدفع الناس إلى اعتناق المعتقدات الخرافية، مثل سطوة المؤسسة الكهنوتية، وآليات القمع، واستثمار المقدّس في خدمة المصالح السياسية، إضافة إلى البنية التنظيمية للطوائف الدينية وتحالفاتها مع السلطة. وقد صدرت الترجمة العربية لهذا العمل عن الأصل الفرنسي بجهد المترجم التونسي د. لوصيف رحومة، أستاذ الفلسفة بجامعة قفصة، ونشرتها دار أبكالو للنشر والتوزيع في بغداد، شارع المتنبي، عمارة العهد الجديد، لتضع هذا النص الفلسفي الجدلي بين أيدي القارئ العربي، وتفتح بابًا واسعًا للتأمل في علاقة الإنسان بالمقدّس، والعقل بالسلطة، والإيمان بالحرية.
#رياض_قاسم_حسن_العلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عن مفصل جواد علي
-
كتابات نشأة الإسلام
-
نقد الذوق الجمعي عند نيتشه
-
بين جون لوك ولايبنتز
-
رؤية في النظام الأمومي
-
الدين والدم
-
السندباد البحري
-
العرب: بين الاصطلاح اللغوي والأسطورة التاريخية
-
تاريخ الغطرسة
-
في ذكرى السياب العراقي
-
الباباوات السيئون: قراءة تاريخية نقدية في فساد السلطة الكنسي
...
-
تأثير مدرسة الحوليات الفرنسية في الفكر التاريخي العربي: نحو
...
-
مدرسة الحوليات الفرنسية: ثورة منهجية أعادت كتابة الماضي
-
نعوم تشومسكي: العقل النقدي بين اللسانيات والسياسة
-
جوليان بارنز
-
الإشراقية: فلسفة النور بين العقل والذوق وميراث الحكمة الشرقي
...
-
المثقفون الجدد
-
العقل بين الازدهار والانكسار: مسار المعرفة في الحضارة الإسلا
...
-
الإنسان على حافة الهاوية: بين ذئابية هوبز وألوهية فويرباخ –
...
-
تجربة ابن سينا مع كتاب -ما بعد الطبيعة- لأرسطو
المزيد.....
-
أستاذ أمريكي من عائلة بروتستانتية يروي قصة إسلامه
-
70 ألف مصلٍّ أدوا صلاة التراويح في الجمعة الثانية من رمضان ب
...
-
لأول مرة.. نتنياهو يهدد الطائفة السنية وما علاقة شهر آذار وع
...
-
النساء شقائق الرجال.. كيف يحقق الإسلام تكامل الأدوار بينهما؟
...
-
المسجد العمري الكبير في غزة ينهض من تحت الرّكام شاهداً على ص
...
-
نحو 100 ألف مصل أدوا صلاة الجمعة الثانية من رمضان في المسجد
...
-
ما حقيقة -الصلاة أمام الفاتيكان- وإغلاق الشوارع؟
-
السلفية في تونس.. كتاب جديد يفكك تشعبات الفكر وتحولات الخطاب
...
-
سمية الغنوشي تفند مغالطات السفير الأمريكي هاكابي: رؤية -صهيو
...
-
قوات الاحتلال تمنح المصلين تصريحا لمرة واحدة للصلاة في المس
...
المزيد.....
-
في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله
/ المستنير الحازمي
-
أنه الله فتش عن الله ونبي الله
/ المستنير الحازمي
-
رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي
...
/ سامي الذيب
-
الفقه الوعظى : الكتاب كاملا
/ أحمد صبحى منصور
-
نشوء الظاهرة الإسلاموية
/ فارس إيغو
-
كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان
/ تاج السر عثمان
-
القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق
...
/ مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
-
علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب
/ حسين العراقي
-
المثقف العربي بين النظام و بنية النظام
/ أحمد التاوتي
-
السلطة والاستغلال السياسى للدين
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|